21/08/2025
عبدالله الاسد:
الذكرى السنويه لزميلي الراحل العلامه... الدكتور أبو القاسم. هنا أورد بعض من بحوثه.
الجزء ٦
د . ابوالقاسم الجرافي
مصدر الذهب
هناك اتفاق علمي (معهد ماكس بلانك للفيزياء في هايدلبيرغ) على أن الذهب يتواجد في الكون، كغيره من عناصر الجدول الدوري الثقيلة، نتيجة لانفجار نجوم نيوترونية. يحدث مثل هذا الانفجار عندما يقترب نجمان عند نهاية حياتهما من بعضهما، ويظلان يدوران مع بعضهما لفترة طويلة تمتد لبلايين السنوات، ثم يرتطمان وينفجران من مركزيهما انفجاراً مدوياً للحظات، يسميه الفيزيائيون “السوبرنوفا”.
استطاع العلماء مراقبة هذه الظاهرة بعد تطور التلسكوبات الهائل مؤخراً، حيث راقب علماء في 17 نوفمبر 2017 انفجار نجمين في المجموعة التي تسمى (ليو)، وهو انفجار لاشعة غاما دام مدة خمس ثوانٍ.
ووضح علماء ناسا أن المادة المكثفة في النجوم النيوترونية مضغوطة ضغطاً هائلاً يفوق مادة الشمس، ومشبعة بالذهب والمعادن الثقيلة الأخرى التي تنتشر عند الانفجار في أرجاء الكون. كما وضحوا أن هذه الانفجارات نادرة الحدوث إذ تحدث كل حوالي 100000 عام، وأنها موجودة منذ بداية الكون قبل 13.6 مليار سنة. ولذلك، لابد من اعتماد وجود الذهب في الكرة الأرضية مع وجود المجموعة الشمسية، أي قبل 4600 مليون سنة.
يتوقع العلماء أن هذه الانفجارات قد حدثت عدة مرات، وتسببت في انتشار الذهب والمعادن المصاحبة له كالفضة والنحاس والبلاديوم والزئبق وغيرها من المعادن الثقيلة. والذهب عنصر كيميائي يأتي دائماً مصحوباً بشوائب من الفضة والرصاص والنحاس والزئبق والبلاديوم. ويتميز الذهب بلمعانه الذي يقاس بوحدة الكارات، وهي درجة نقائه من الشوائب، ويأتي في درجات 24 كارات، 22 كارات، 18 كارات، 14 كارات، و9 كارات. وتعتبر 24 كارات أعلى درجة نقاء، بمعنى أن الذهب الذي يحدد بنقاء 18 كارات يعني أنه بنسبة 18 على 24 أي 75%.
العدد الذري للذهب هو 79، ويتميز بأنه لا يتأثر كغيره من الفلزات بالعوامل الفيزيائية والكيميائية، بل يتميز بثبات صفاته، وقد ميزه ذلك مع إمكانية طرقه وتمديده إلى أن يصبح كالورق وإمكانية تشكيله في كل الأشكال.
بالإضافة إلى استعمال الذهب كحافظ للثراء والزينة، له استعمال متنوع في الصناعة: في مجال التكنولوجيا والفضاء، ويمكن اعتباره معدن المستقبل بامتياز. فهو يستعمل اليوم في الموصلات متناهية الصغر من أجل التيارات المنخفضة في الأجهزة والمعدات، لأن المعادن الأخرى تتعرض للتآكل، بينما الذهب يتميز بكفاءة توصيل عالية دون خوف عليه من التآكل. كما يستخدم في الهواتف الذكية، وأجهزة تحديد المواقع GPS، ويستعمل كذلك في طب الأسنان في الحشوات والتيجان والجسور وتقويمها، لأن جزيئات الذهب خاملة كيميائياً ولا تسبب حساسية.
لابد أن كثافة الذهب العالية قد أودعته أعماق الكرة الأرضية عندما وصل الأرض بعد الانفجار النيوتروني، ولابد أن يكون قد نزل إلى أعماق القشرة الأرضية والوشاح، وأن يكون قد صعد إلى الأعلى مدفوعاً بالحرارة العالية والضغط في الأعماق، كما تدل عليه ظواهر البراكين التي تقذف الحمم عالياً، والصخور البلوتونية القرانيتية المدفوعة من الوشاح حتى أعالي القشرة الأرضية. ولا بد للذهب أن يكون قد تحول نتيجة درجات الحرارة العالية في أعماق الأرض الناتجة من مركز الأرض، الذي تعادل حرارته نحو 6000 درجة، أي حرارة الشمس، إضافة إلى الحرارة الناتجة عن الإشعاع والتفاعلات الكيميائية بين الصخور في الأعماق.
يتسلق الذهب في بخار الماء الساخن hydrothermal المشبع عبر الشقوق والفتحات في الصخور وعلى أسطح الطبقات، ويترسب ويبرد في شكل عروق، ويتراكم أحياناً مصحوباً في معظم الأحيان بصخور المرو في شكل عدسات وكتل صغيرة شبه مستديرة، ولكنه يأخذ أشكالاً مختلفة حسب الصخور المحيطة، ويلتصق أيضاً بالصخور الكبريتية ومع صخور البارايت والرخام، ويرتبط بمواقع الأكسدة كمواقع ما يسمى بقاع الحديد وفي مواقع تغير المعادن.
ينقسم الذهب إلى نوعين:
1. Placer: ينتج عن تفتت الصخور بتعرضها لعوامل طبيعية، بداية بالتعرية الفيزيائية (Vollsack)، أي التي تتأثر بتفاوت درجة الحرارة بين الليل والنهار الكبير في الصحراء، مما يؤدي إلى تفكك الصخور، مروراً بالرياح والمياه التي تنقل الذهب عبر الوديان والأنهار والخيران والبحيرات وشواطئ البحار، حيث يترسب في شكل قطع صغيرة شبه مستديرة بفعل النقل بالمياه لمسافات طويلة.
2. Prime أو Oride: يوجد الذهب في صخور الديوريت Diorite والمرو Quartz والجرانيت Granite، وكذلك في الصخور الكبريتية Sulphides مثل الشالكوبارايت Chalcopyrite والسفالارايت Sphalarite.
الشاهد أن الإنسان قد فطن إلى استعمال الذهب كوسيط للتعاون التجاري منذ نشأة المجتمعات وبداية تطورها الاجتماعي والاقتصادي، وقد بدأت عملياته كنقد منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية في أوروبا، وانتشر استخدامه كعملة في أوروبا مع توسع التجارة. كانت هناك عملة تسمى الإليكتروم في تركيا حوالي 650 قبل الميلاد، ثم انتشر استعمال الذهب في الجزيرة العربية منذ الخلافة الأموية وحتى سقوط الخلافة العثمانية في القرن العشرين.
من الأحداث المهمة المرتبطة بالذهب وصول الأوروبيين لأمريكا الجنوبية في القرن السادس عشر، وما صاحب ذلك من نهب كميات كبيرة من الذهب ونقلها إلى أوروبا. ثم جاء القرن التاسع عشر حيث سافر الأمريكيون لاكتشاف الذهب في كاليفورنيا (1849)، وكلورادو (1891)، وفي جنوب أفريقيا (1886). بدأ الذهب حينها كمقياس أساسي للثراء وما زال حتى اليوم يحدد بما يسمى Gold Standard أو قاعدة نظام النقد الذي يربط العملة الورقية بكمية الذهب في البنوك المركزية.
الحروب والنظم الاقتصادية اللاحقة، مثل الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، أدت إلى تغيير دور الذهب في النظام النقدي العالمي، حتى قرر الرئيس الأمريكي نيكسون في 15 أغسطس 1971 إلغاء إمكانية تبديل الذهب بالدولار، مما شكل حدثاً تاريخياً كبيراً في مسيرة الذهب.
اليوم، أصبح الذهب الملاذ الأمثل منذ أن بدأ العالم يعاني من أزمات التضخم المالية، كما حدث في عام 2008، حيث بدأ سعر الذهب بالتصاعد. حتى عام 2007 كانت جنوب أفريقيا أكثر الدول إنتاجاً للذهب، إلى أن تفوقت عليها الصين.
عن تمعدن الذهب:
تنتقل الأبخرة الساخنة المشبعة بالماء والذهب والشوائب المصاحبة للمعادن الثقيلة الأخرى عبر الشقوق والفتحات في الصخور، وتترسب في القشرة الأرضية في شكل عروق وتكتلات صغيرة. ويمكن فرز الذهب في نوعين:
1. الذهب Prime أو “اللود”، أي الذهب الموجود في الصخور، يرتبط بالأحزمة الخضراء التي تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
• Meso-thermal: عروق الذهب في صخور المرو، والذهب المرتبط بمواقع التغير المعدني Alteration Zone Minerals.
• ترسبات الذهب المرتبطة بـ Major Shear Zone.
• الترسبات المرتبطة بالمعادن الكبريتية Sulphides مثل التشالكوبارايت Chalcobyrite والسفالارايت Sphalarite والبارايت Byrite، وتلك التي أعيد ترسبها في مواقع الأكسدة مثل Gossans.
2. الذهب Placer: الناتج عن التعرية ونقلته المياه في الأنهار والوديان والخيران، ويتركز في العصرين الجيولوجيين الأخيرين: العصر الثلاثي Tertiary والرباعي Quaternary.
الذهب البرايم يتواجد في عروق المرو على شكل عدسات وأشكال شبه مستديرة يقل سمكها عن 3 أقدام، وتوجد تداخلات باتلوثية، وتأتي عملية التمعدن لاحقة للعمليات التكتونية مثل Emplacement وFolding، ولكنها تسبق التدخلات القرانيتية الحديثة.
أماكن تمعدن الذهب في السودان:
• في عروق المرو وعلى حائط الصخر المجاور، بطول العرق الذي يمتد أحياناً لمسافة 2 كم.
• في الشيست الأخضر، مع الصخور الباثلوتية، بعد تكسير إقليمي يحدث بعد الأوروجين Oogenesis وتحول الصخور القاعدية Metamorphism of Basic Complex.
• ترسبات مرتبطة بالمعادن الكبريتية مثل Sphalerite وChalcopyrite والزنك والنحاس والبارايت Pyrite، وتلك التي أعيد ترسبها مثل المرتبطة بـ Gossans Iron Hat.
• ينتشر الذهب في شرق وشمال السودان، في جبال البحر الأحمر، وبين جبال البحر الأحمر والنيل، من حدود السودان الجنوبية الشرقية حتى حدود السودان الشمالية والشمالية الشرقية، وغرب السودان.
أمثلة لمواقع الذهب:
1. منطقة أرياب: جزء من حزام يمتد من السودان عبر البحر الأحمر إلى جبل سيد في المملكة العربية السعودية، طول العرق بين 16 و62 متراً، امتداد القبعة حتى 1500 متر، احتياطي Gold حوالي 1.7 طن، نحاس 700 ألف طن، وزنك 100 ألف طن.
2. منطقة أم نباردي: طول العروق الشرقية 300 متر، الذهب 19 طناً، تركيز 28 غرام/طن، والعروق الجنوبية 1.5 كم، الذهب 20 طناً، تركيز 21.45 غرام/طن.
3. منطقة جبيت: أشهر موقع ذهب في التاريخ، مع امتداد شرق بتركيز 101.5 غرام/طن.
4. جبل نجيم: شرق أبو حمد، عرقان بطول 950 و900 متر، تركيز الذهب 26 غرام/طن، الفضة 13 غرام/طن، احتياطي 50 طناً.
5. موقع أوار: التمعدن في المرو الأبيض، تركيز 60 غرام/طن، احتياطي 2–4 طن.
مواقع الذهب الأخرى في السودان (حوالي 150 موقعاً):
• أرياب، جبيت، قيسان، الكرمك، فازغلي، يابوس، جبال الأنقسنا، بالقوة، السريقة، جبل دول، جبل سيراكويت، جبل أبير كتايب، جبل همسان، جبل دورديب، جبل سنكات، أم نباري، مي علاقي، موادي علاقي.
في غرب السودان يتواجد الذهب في جبال النوبة، مع كبريتات النحاس، الزنك، والرصاص، في الجزء الشرقي من جبل زلالة وجبل أغب