15/06/2026
في ذكرى رحيل سيدي الوالد الإمام أبي بكر العدني ابن علي المشهور:
سيدي الوالد، لا يزال صدى صوتك يتردد في أروقة الروح، ولا يزال طيفك الأبوي يظلِّل عقولًا تاهت في زحام المتغيرات، فآوت إلى ركنك الحصين. لم تكن مجرد عابرٍ في تاريخ العلم والفكر، بل كنت فصلًا استثنائيًّا رسم للأمة معالمَ طريقٍ كادت العواصف أن تمحوها.
سيدي المجدد، لقد جددت لنا معالم مدرستنا الأبوية، حتى برزت بصبغتها الحسنة، وتميزت في طرحها العلمي بسمة العالمية في عصر التراكمات الفكرية. وأظهرت المدرسة بلغةٍ أبويةٍ فريدةٍ متجددة، ولسانٍ عالميٍّ مبين، فأعدتَ إلى الأذهان عالميتها الأصيلة؛ تلك العالمية التي تشبه شجرةً مباركةً أصلها ثابت وفرعها في السماء.
سيدي الحبيب المربي، لم تقف بينك وبين مريديك حواجز الرسميات، بل كنت أبًا قبل أن تكون معلِّمًا، وحاضنًا قبل أن تكون موجِّهًا. أسست منهجيةً تسير بالجناحين معًا: نور العلم الذي يملأ العقل، ودفء المحبة الذي يحيي الفؤاد.
ولذلك لم تخرِّج طلابًا يحملون شهاداتٍ فحسب، بل ربيت أجيالًا يحملون شهادة السلامة وأمانة الرسالة؛ ركيزتهم الاستقامة، وخلقهم العفو والرحمة.
سيدي المفكر، لقد أبرزت لنا علمًا بأصوله ومنطلقاته، وصغته في قالبٍ معرفيٍّ يستوعب متغيرات المراحل وتحولاتها، فيما عُرف بـ«فقه التحولات». ومن مشكاة النبوة برز علمٌ سُمِّي بـ«علم الساعة»، شيدتَ أركانه، وأرسيتَ قواعده بمنهجيةٍ مدروسة، ونظرةٍ ثاقبةٍ إلى الحاضر والماضي والمستقبل، تجاوزت بها حدود اللحظة الراهنة؛ فكنت المفكر الذي قرأ وفقه حركة الزمان بروح المتبحر المستوعب.
وقد وهبك الله علمًا خاصًّا، خبيئةً من كنوز علوم الوراثة، فأصَّلت القول فيه بمنهجية الربط بين نصوص الوحي ومتغيرات المراحل، وفككت رموز الفتن، ورسمت للأمة معالمَ طريقٍ تتعامل بها مع الأزمات والمستجدات بوعيٍ وعلم، دون اندفاعٍ أو ضياع، ودون إفراطٍ أو تفريط.
وعلمتنا كيف نثبت في زمن المتناقضات، وكيف نقرأ الأحداث بعين البصيرة، لا بعين الاندفاع، ولا بعين الانتفاع.
سيدي، كنت صاحب منهج السلامة وسط أمواج الصراعات العاتية، وجاذبية الخصومات المستعرة. وقفت شامخًا ترفع لواء «منهج السلامة»: سلامة الدين، وسلامة العِرض، وسلامة الصدر، وسلامة اللسان، وسلامة اليد.
كانت دعوتك دائمًا إلى حقن الدماء، ولمِّ الشمل، والترفع عن حظوظ النفس والنزاعات الضيقة.
وعلمتنا أن القوة الحقيقية تكمن في ضبط اللسان وصونه عن الذم، وضبط اليد وصيانتها عن الدم، ونقاء السريرة، والاشتغال بالبناء لا بالهدم.
رحلت بجسدك، لكن أثرك ممتد كشجرةٍ طيبة؛ أصلها ثابت في أرض التأصيل الشرعي، وفرعها في سماء التجديد والفكر، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
نكتب عنك اليوم، لا لنبكي غيابًا يتجدد شعورنا بفقده عند كل معضلة، بل لنجدد العهد مع تلك الأمانة التي تركتها في أعناقنا.
ستبقى مدرستك الأبوية حية، وسيبقى فقهك نبراسًا، وسيبقى منهج السلامة سفينةً نعبر بها إلى بر الأمان.
رفع الله درجاتك في عليين، وأفاض عليك من شآبيب رحمته ورضوانه، وجمعنا بك في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
رضوان بن شيخ الدثني
الأحد 28 ذوالحجة 1447هـ
الموافق 14 يونيو 2026م
عدن المحروسة
24/05/2026
28/04/2026
24/04/2026