17/04/2026
خاص بالسنة الثانية
1/طرح المشكلة:
تعتبر مشكلة معيار المعرفة من أكبر المشاكل الفلسفية لاختلاف الآراء حولها فنجد المذهب النفعي ينظر إليها من ناحية العمل والنجاح في الواقع، بينما رواد المذهب الوجودي ينظرون إليها من ناحية العودة إلى جوهر الوجود وهو الإنسان، ومن هنا نشأ الاختلاف بين الموقفين، فهناك من رأى أن حقيقة الحياة وقيمتها تكمن في تحقيق المنافع، وهناك من رأى أن حقيقة الحياة وقيمتها تكمن في الوجود، فأي الفريقين على صواب؟ هل هو الداعي إلى العمل والمنفعة أم الداعي إلى الرجوع إلى الوجود الانساني كجوهر؟
2/ محاولة حل المشكلة:
عرض منطق الأطروحة: [ معيار المعرفة هو المنفعة ]. البراغماتية بيرس، وليام جيمس، جون ديوي.
يرى الذرائعيون أو النفعيون أن البحث الفلسفي والجدل النظري، والنقاشات الإيديولوجية لا يحل مشكلة ولا يقدم حلا، ولا فائدة منه إن لم يكن يعبر عن مشاريع عملية قابلة لإنتاج آثار نفعية لعقل الإنسان وواقعه. فكل التجارب، والأفكار والاتجاهات يمكن قبولها بشرط أن تكون عملية وتترتب عنها آثار مفيدة للحياة والواقع البشري. يقول بيرس: "إن تصورنا لموضوع ما، هو تصورنا لما قد ينتج عن هذا الموضوع من آثار عملية لا أكثر".
ويقول أيضا: "الحقيقة تقاس بمعيار العمل المنتج، أي أن الفكرة خطة للعمل ومشروع له، وليست حقيقة في ذاتها". كما أن المقياس هو النتائج الناجحة، أي أن أي عمل لا يقاس بمبادئه وإنما بما يقدمه من نتائج وليست كل النتائج بل التى يمكن تطبيقها واقعيا، أي بمعنى التي تعبر عن الطموح، والأحلام، والأمل، والمستقبل، فما قيمة عمل لايتوج بالنجاح؟ وما قيمة فكرة لا يمكن اختبارها والاستفادة منها ؟ ومن ذلك الأفكار العلمية، يقول وليام جيمس : "إن كل ما يؤدي إلى النجاح فهو حقيقي، وإن كل ما يعطينا أكبر قسط من الراحة، وما هو صالح لأفكارنا ومفيد لنا بأي حال من الأحوال فهو حقيقي". كما أن المنفعة مقياس الصدق: أي أن مصدر المعرفة ومعيار الحكم عليها عند النفعيين، ليس هو العقل كما الحال عند ديكارت وأفلاطون أي الفلاسفة العقلانيين، وليس هو التجربة الحسية كما هو عند دافيد هيوم وبيكون أي التجريبيين، وإنما المعيار عندهم هو المنفعة، فكل فكرة صحيحة إذا كانت نافعة ومفيدة، وإلا فهي خاطئة وباطلة ويجب رفضها . يقول وليام جيمس: "الفكرة الصادقة هي التي تؤدي بنا إلى النجاح في الحياة ". ويقول أيضا : "إن الإنسان يجب أن يشاهد صحة رأيه أو خطاه في تجربته العملية ، فإن جاءت هذه العملية التجريبية موافقة للفكرة كانت الفكرة صحيحة ، وإلا فهي باطلة "
إن ما يصدق على المعرفة من حيث معيارها ومصدرها يصدق على الأخلاق أيضا وكل المبادئ التى يؤمن بها الإنسان فالصدق إذا هو النفع، والخطأ هو الفشل والضرر
مناقشة:
إن أهداف وحجج البراغماتين تبدو في الظاهر إيجابية لكن الواقع العملي للإنسان يثبت ملامح الأنانية من خلال طغيان المنفعة الخاصة عن المنفعة العامة، فما ينفع شخصا ما قد يضر بالآخرين، كما أدى إلى تهديد أمن الدول الضعيفة بسبب صراع المصالح بين الدول الكبرى وبالتالي نشوء الحروب وبالتالي نحتاج للعودة نحو الذات الإنسانية و قيمة الإنسان كجوهر للوجود.
2- عرض نقيض الأطروحة: [معيار المعرفة الوجود] المذهب الوجودي سارتر، كيرغارد، كارل ياسبرس.
يرى الوجوديون أن الإنسان هو الموضوع الرئيسي للتفكير الفلسفي، وأن الوجود الإنساني هو مشكلة المشكلات وجوهرها ولذا كان اهتمامها بالرجوع الى الوجود الواقعي للإنسان ومعاناته وتجاربه التي تحدد ماهيته. حيث يعتقد الوجوديون أن الوجود سابق للماهية: حيث فرق سارتر من خلاله بين وجود الأشياء ووجود الإنسان؛ فوجود الأشياء هو الوجود في ذاته أي عالم الأشياء، أو الظواهر الخارجية التي تقبل الدراسة العلمية والتجربة بحيث يدركها العقل بما تتصف به من ثبات وإطراد، بسبب خضوعها لقانون الإطراد أي الحتمية، أما الوجود الإنساني هو الوجود لذاته، وهو لا يتمثل في العالم الخارجي الذي يقبل الدراسة العلمية وإنما يتمثل في الوجود الإنساني الداخلي، بحيث يشعر به كل فرد في ذاته وبذاته فيعيشه بكل جوارحه وأحاسيسه؛ فلا يعتبر وضعا ثابتا ونهائيا لأنه لم يكتمل وإنما هو تجاوز مستمر لما هو عليه كل فرد بشري. إذن فوجود الأشياء يكون بعد ماهيتها مثل ماهية السبورة السابق على وجودها. فتكون ثابتة وكاملة مستقرة أما وجود الإنسان فيكون سابقا لماهيته؛ أي لما كان وجوده أولا ناقصا غير ثابت فهو يسعى دائما نحو الكمال والتحقق بإرادته ووعيه كما يعتبر الإنسان مشروع انطلاقا من المسلمة الأولى، ويتأسس مشروع هو الإنسان وذلك لتحقيق ذاته باستمرار فيعيش مغامرة ومخاطرة، مما يعنى القلق والحيرة، فهو مجازفة تتأرجح بين النجاح والإخفاق، ولما كان الأمر كذلك كان لزوما على الإنسان تحمل مسؤوليته واختياره لأن يكون حرا مريدا، ومن هنا تعتبر الذات هي مصدر المعرفة والقيم والأشياء؛ فالمعرفة الحقيقية عندهم تنبع من الذات البشرية، أي من شعور الفرد ومعاناته الواعية الانفعالية، ومعرفة الأشياء تكون بالقصد إليها والاتجاه نحوها بالشعور لتحديد وجودها وماهيتها.
مناقشة:
رغم أن الإنسان جوهر الوجود ولكنه لا يهتم بوجوده فقط بل يحتاج إلى العمل والنجاح لتحقيق هذا الوجود وبالتالي العودة إلى المصلحة الجمعية أو الفردية لتحقيق الذات، كما أن هذا المذهب تميز بنظرة تشاؤمية جعلت من الإنسان الباحث عن ماهيته يعيش هما وغما خاصة بعد أن غاص معظم فلاسفتها في فكرة الموت بحثا وتحليلا.
التركيب:
من خلال عرضنا للأطروحتين، الأطروحة الأولى القائلة بأن معيار المعرفة هو المنفعة، والأطروحة النقيض القائلة بأن معيار المعرفة هو الوجود، يتبين لنا أنه: إذا كانت النفعية اتجاها عمليا يتخذ من الواقع مشروعا للنجاح وموضوعا للتفكير، فإن الوجودية فلسفة تتخذ من الإنسان كذات مستمرة وفاعلة مشروعا وموضوعا فلسفيا وفكريا لأجل تجاوز الواقع بالإرادة الحرة والشعور القصدي، وعلى هذا الأساس فإن مقياس المعرفة عند الإنسان يكمن في تحقيق وجوده، وما يحققه من منافع على أرض الواقع.
3- حل المشكلة:
نستنتج مما سبق أن معيار الحقيقة هو الواقع العملي وتمجيد حرية الإنسان، وبالعودة إلى الذات في نفس الوقت فالعمل يحررنا من قيود العبودية. وعليه يتبين لنا أنه لكلا المذهبين موقف من الحياة يعبر عن نسقه الفلسفي الذي ينتمي إليه والأسس الفكرية التي انطلقوا منها والمقاصد التي يهدفون إليها إلا أنهما يتفقان في بناء الذات الإنسانية لتعيش الحياة وفق ما تعتقد أنه ينفعها و يحقق وجودها.
Send a message to learn more