المؤتمر الدولي الأول للتدريب والتنمية الإدارية

المؤتمر الدولي الأول للتدريب والتنمية الإدارية

Share

فكرة المؤتمر الدولي الأول للتدريب والتنمية الإدارية في تركيا -إسطنبول
ليكون نواةً لمؤتمرات قادمة ت

07/06/2026

مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
الجَوْهَرُ النقيّ في الردِّ على البيهقيّ!؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
في المنشور الماضي أجبتُ على فِقرةِ السائلِ الأولى «رواةُ الحديثِ من الحنفيّة»
بقي أن أجيبَ على الفقرة الأخيرة من سؤاله: «وماذا عن الجوهر النقي لابن التركماني»؟
أقول وبالله التوفيق:
مؤلّفُ كتابِ «الجوهر النقيّ» هو علاءُ الدينِ أبو الحسن، عليُّ بنُ عثمانَ بنِ إبراهيمَ بنِ مُصطفى الماردينيُّ، الشهير بابن التركماني (ت: 750هـ).
ترجمه تلميذه عبدالقادر القرشيّ (ت: 775 هـ) في كتابه «الجواهر المضيّة في طبقاتِ الحنفيّة» (1: 366) فقال: «عَليُّ بنُ عُثْمَانَ الإِمامُ، ابنُ الإِمامِ، أَخُو الإِمامِ، ووالد الْإِمَامَيْنِ، أَبُو الْحسن، قَاضِي الْقُضَاة الماردينيّ.
تَقدّم وَالِدُه الإِمَامُ فَخرُ الدّين،وَتقدّم أَخُوهُ الإِمَام تَاج الدّين أَحْمدُ، وَتَقدّم وَلَدُه عبدالْعَزِيزِ،هو أَخُو قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين، ويأْتِي ابْنُ أَخِيه مُحَمَّدُ بن أَحْمدَ، أهلُ بَيتٍ عُلَماءُ فُضلاء.
كَانَ «المترجَم» إِمَاماً فى التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَالْأُصُول والفرائض وَالشعر!
صنف وَأفْتى ودرّس وَأفَاد وَأحسنَ، وَكَانَ ملازماً للإشتغال وَالْكِتَابَة لَا يمل من ذَلِك!
سمع الحَدِيثَ، وَقَرَأَ بِنَفسِهِ.
قَرَأت عَلَيْهِ قِطْعَة من الْهِدَايَة إِلَى الزَّكَاةِ، ولازمته فى طلب الحَدِيث.
اخْتصرَ كتابَ الْهِدَايَة بِكِتَاب سَمَّاهُ «الْكِفَايَةُ فى مُخْتَصر الْهِدَايَة» وَشرح الْهِدَايَة وَلم يُكْمِلْهُ وَشرح قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين وَلَدُه من حَيْثُ انْتهى إِلَيْهِ وَالِدُه.
وَاخْتصرَ كتاب ابْن الصّلاح في «عُلُوم الحَدِيث» وَوضع على الْكتاب الْكَبِير للبيهقي كتاباً نفيساً نَحواً من مُجلّدين.
وَلما حملتُ إِلَيْهِ - رَحمَهُ اللهُ - كتابي الذي وَضعتُه على أَحَادِيث الْهِدَايَةِ، وَكنت سمّيتُه بـ«الكفاية فى معرفَة أَحَادِيث الْهِدَايَة» قالَ مداعباً لي: سرقتَ هَذَا الِاسْم مني، فَإِنِّي سمّيت مختصري للهداية بــ«الكفاية» وَذكرتُ فى أول الْخطْبَة: «الْحَمدُ للهِ المتكفّلِ بالكفايةِ، فَغيِّرْ هَذَا الِاسْمَ.
فَقلت: يَا سَيِّدي: مَا يُسَمِّيه إِلَّا أَنْتَ، فَسَمّى كتابي بــ«العناية فى معرفَة أَحَادِيث الْهِدَايَة» مَاتَ فى يَوْم عَاشُورَاءَ، سنة خمسين وَسبع مائَة» رحمهم الله تعالى.
وأمّا عن كتابِه «الجوهر النقيّ» فقد قال القرشيّ في موضع آخر من الجواهر المضيّة (1: 432): «فَائِدَة: ذَكَر الإِمامُ أَبُو بكرٍ الْبَيْهَقِيُّ في أوّل كِتَابه الْأَوْسَطِ، الْمَعْرُوف بــ«السننُ والْآثَارُ» وَإِنَّمَا قلتُ: الْأَوْسَطُ؛ لِأَن لَهُ فى السّنة ثَلَاثةَ مُصنفاتٍ:
الأوّلُ: السّنَن، الْمَعْرُوف بـ«السنن الْكَبِير» نَحْوُ خَمْسَة عشر مُجَلداً.
وَالثَّانِي: الْمَعْرُوف بِـ«مَعْرِفَةُ السّنَنِ والْآثَارِ» في ثَلَاث مجلداتٍ.
وَالثَّالِث: «السُّنَنُ الصَّغِير» فى مُجَلدٍ...
وَقد اعتنى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاةِ عَلاءُ الدّين «ابنُ التركمانيّ» وَوضعَ كتاباً عَظِيماً نفيساً على «السنَن الْكَبِير» وَبَيّن فِيهِ أنواعا مِمَّا ارتكبَها، من ذَلِك النَّوْعِ الذي رمى بِهِ البَيهقيُّ الطحاويَّ، إذْ يَذكرُ «البيهقيُّ» حَديثاً لمذهبه، وَسَنَده ضَعِيفٌ، فيوثّقُه، وَيذكُر حَدِيثاً على مَذْهبنا «الحنفيّة» وَفِيه ذَلِك الرجل الذي وَثَّقَهُ، فيضعّفُه.
وَيَقَع هَذَا فى كثير من الْمَوَاضِعِ، وَقد يكون بَين هذَيْن العملين مِقْدَار ورقتين أَو ثَلَاثُ! وَهَذَا كِتَابُه مَوْجُودٌ بأيدي النَّاسِ، فَمن شَكّ فى هَذا؛ فَلْينْظر فِيهِ.
وَكتابُ سيّدنَا قَاضِي الْقُضَاة «ابن التركماني» هَذَا؛ قد أَخَذتُه عَنهُ، وَهُوَ عِنْدِي فى مجلدين كبيرين، وَهُوَ كتاب عَظِيم، لَو رَآهُ مَن قَبلَه من الحُفّاظِ؛ لسأله تَقْبِيلَ لِسَانِه الذي تَفوّه بِهَذا، كَمَا سَأَلَ أَبُو سُلَيْمَان الدارني أَبَا دَاودَ صاحبَ السّنَن أَن يُخرجَ إِلَيْهِ لِسانَه، حَتَّى يُقبّلَه والقصّة مَشْهُورَة.
وَيَقُولُ النَّاسُ: إنّ الشَّافِعِيَّ لَهُ فضلٌ على كلّ أحدٍ، وَللبَيْهَقِيِّ فَضلٌ على الشَّافِعِيّ!
فوالله مَا قَالَ هَذا مَن شَمَّ توجّهَ الشَّافِعِيَّ وعظمتَه وَلسانَه في الْعُلوم.
وَلَقَد أخرج الشَّافِعِي باباً من الْعلم، ما اهْتَدَى إِلَيْهِ النَّاس من قَبله، وَهُوَ علم النَّاسِخ والمنسوخِ، فَعَلَيهِ مدَار الْإِسْلَام.
مَعَ أَن الْبَيْهَقِيّ إِمامٌ حَافظٌ كَبِير، نَشر السّنةَ، وَنصرَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فى زَمَنه.
وَرَأَيْتُ في تَرْجَمتِه في كتاب عَتيقٍ، بِخَطّ بعضِ الثِّقَاتِ؛ أَنّه كَانَ مَوْصوفاً بالزهدِ، وَأَنه رَأْى ربَّ الْعِزَّة في النّوم غيرَ مرّةٍ.
ووقفتُ لَهُ على مُجلّدٍ ضخمٍ سَمَّاهُ «الزّهْدُ الْكَبِير» صنّفه رَحْمَة الله عَلَيْهِ.
سمعتُه من بعضِ مشايخنا، وَهُوَ عِنْدِي، وَهُوَ كتابٌ يدلّ على عَظمتِه، رَحمَه اللهُ ورحم أَئِمَّةَ الْمُسلمينَ أهلَ الحَدِيث».
قال الفقير عداب: المشهور بين طلبةِ العلم؛ أنّ «الجوهرُ النقيّ» رُدودُ ومناقشاتُ البيهقيّ بما في كتابه «السنن الكبير» وهو كذلك أصالةً، لكنّ القاضي علاء الدين؛ لم يُهملْ بقيّةَ كتب البيهقيّ، بل كان يستفيدُ منها أحياناً في الردّ على البيهقيّ نفسه!
للإمام البيهقيّ كتاب جليل سمّاه «الخلافيّاتُ بين الإمامين الشافعيّ وأبي حنيفةَ وأصحابه» مطبوعٌ في سبعة مجلّدات.
وقد عادَ إليه القاضي ابن التركماني في كتابه «الجوهر النقيّ» أكثر من خمسين مرّةً.
وللإمام البيهقيّ كتابٌ جليلٌ آخرُ، جمع فيه ما احتجَّ به الشافعيُّ في كتبه، سماه «معرفة السنن والآثار» وهو مطبوع في خمسةَ عشرَ مجلّداً.
وقد عاد إليه القاضي ابن التركماني في كتابه «الجوهر النقيّ» أكثر من ثمانين مرّةً.
وكتابُ القاضي ابن التركمانيّ؛ ليس حاشيةً على كتاب «السنن الكبير» للبيهقيّ، إنّما هو كتابٌ ضخمٌ مفردٌ، صدر عن دار الفكر ببيروت في عشرة مجلّدات.
قال مصنّفه في خطبته (1: 2) ما نصّه: «أمّا بَعدُ: فهذه فوائد على «السنن الكبير» للحافظ أبي بكرٍ البَيهقيّ، رحمه الله تعالى، أكثرُها اعتراضاتٌ عَليه، ومناقشاتٌ له، ومباحثاتٌ معه، وما توفيقي إلّا باللهِ، عليه تَوكلتُ، وإليه أنيب».
أنموذج من منهجه في الجوهر النقيّ:
قال البيهقيّ في السنن الكبير (1: 13): «قالَ الشافعيُّ رحِمه اللَّهُ: ورَوَى عبدُالعَزيزِ بنُ عمرَ عن سعيدِ بنِ ثَوبانَ، عن أبي هِندٍ الفِراسِيِّ، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قالَ: (مَن لم يُطَهِّرْه البَحْرُ؛ فلا طَهَّرَه اللَّهُ).
أخبرَناه أبو حازِمٍ عُمَرُ بنُ أحمدَ بنِ إبراهيمَ الحافظُ: أخبرَنا أبو أحمدَ الحافظُ: أخبرَنا أبو عبداللَّه الحسينُ بنُ محمدِ بنِ عُفَيرٍ الأنصارِيُّ: حدَّثَنا محمدُ بنُ حُمَيدٍ: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ المُختارِ: حدَّثَنا عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ. فذكَره بمِثلِه، إِلا أنَّه لم يَقُل: الفِراسِيُّ
قال في الجوهر (1: 4): ذكره البيهقى بسنده، وفيه محمد بن حميدٍ هو الرازي عن إبراهيم بن المختار، فسكت عنهما.
وابن حميد: قال فيه البيهقيُّ في باب فرض الجدة والجدتين (12: 705): ليس بالقويّ.
وابن المختار: قال أحمد بن عليٍّ الأبّار: سألتُ زُنيجاً أبا غسّان عنه؟ فقال: تركتُه، ولم يَرضَه، وقال البخاريُّ: فيه نَظر، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بذاك».
قال عداب: لا يخفى على الباحثين أنّ صنيعَ القاضي ابن التركماني مفيدٌ للغاية، ليس فيما يخصّ السننَ الكبيرَ للبيهقيّ، وبقيّةَ كتبه، إنّما هو مفيدٌ جدّاً، في جميع أحاديث الأحكام، لدى مذاهب أهل السنّة.
ومع جلالةِ صنيع القاضي ابن التركمانيّ، تعقّبه تلميذه الإمام جمالُ الدين الزيلعيّ (ت: 762 هـ) في أكثرَ من ستّين موضعاً من كتابه «نصب الراية» جميعها يقول فيها «شيخنا علاء الدين» ولم يذكر كتابَ الجوهر النقيّ قطّ!
انظر نصب الراية (1: 2، 30، 89، 104).
وانظر منه: (4: 295، 328، 373، 385، 391).
قال في الموضع الأوّل (1: 2): «حَدِيثُ حُذَيْفَةَ هَذَا؛ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِماً، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ) زَادَ مُسْلِمٌ: (وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) انْتَهَى.
وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ عَلَاءِ الدِّينِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهْمٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُما: أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بَعْدَ أَنْ حَكَاهُ بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ، وَزِيَادَةِ مُسْلِمٍ: أَخْرَجَاهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُسْلِماً انْفَرَدَ فِيهِ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عَبْدُالْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (368) فَقَالَ: «لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ فِيهِ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ».
الْوَهْمُ الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَ حَدِيثَ الْكِتَابِ مُرَكَّباً مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بن شعبةَ أَنَّهُ عليه السلام (مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ) وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، فِي السُّبَاطَةِ، وَالْبَوْلِ قَائِماً، وَهَذَا عَجَبٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَدِيثَ السُّبَاطَةِ وَالْبَوْلِ قَائِماً أَيْضاً، رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، كَمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ مَاجَهْ (306) وَكَانَ مِنْ الْوَاجِبِ أَنْ يَذْكُرَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ لِيُطَابِقَ عَزْوَ الْمُصَنِّفِ.
وَهَذَا الْوَهْمُ الثَّانِي؛ لَمْ يَسْتَبِدَّ بِهِ الشَّيْخُ، وَإِنَّمَا قَلَّدَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ».
ختاماً: أنصح جميعَ إخواني طلبةَ العلم بالعنايةِ التامّة بأحاديثِ الأحكامِ، وتتبّع أقاويل نقّاد الحديثِ في تقويمها، وليكن في صدارةِ كتبِ التتبّعات والانتقادات؛ كتاب «الجوهر النقيّ» لابن التركمانيّ، وكتاب «نصب الراية» للزيلعيّ، وكتاب «البدر المنير» لابن الملقّن.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.

الدكتور عداب محمود الحمش

06/06/2026
06/06/2026

مَسائِلُ حَديثيّةٌ:
رواةُ الحديثِ من الحنفيّة !؟
بِسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ
قال لي صاحبي: «كأنّني فهمتُ من إشاراتِ كلامِكم؛ أنّ علماءَ المذهب الحنفيّ ضعفاءُ في علم الحديث!
فهل يمكن أن تحدّثنا عن أبرز نقّادِ الحديثِ، لدى السادةِ الحنفيّة في عصورِ الروايةِ، وماذا عن كتاب الجوهر النقي لابن التركماني»؟
أقول وبالله التوفيق:
من المهمّ ابتداءاً أنْ أقول: إنّ في جميع مذاهب أهل الإسلامِ محدّثين، قديماً وحديثاً، ولا يوجد محدّث واحدٌ يَعتمد المحدّثون جميعَ ما روى، ولا يوجد محدّث واحدٌ قَبِلَ المحدّثون جميع أقوالِه وآرائه النقديّة، لا ضمنَ مذاهب أهل السنّة، ولا لدى غيرهم من مذاهب أهل الإسلام.
بعد هذه التقدمة؛ ننطلقُ إلى الإجابةِ باختصار شديد!
أوّلاً: الإمام أبو حنيفة النعمانُ بن ثابت الكوفي (ت: 150 هـ) نصَّ المزيّ على روايته عن واحدٍ وسبعين شيخاً، وروى عنه عنده مائةُ راوٍ وأربعةُ رواة!
فهل يتصوّر عاقلٌ، بل عُشرُ عاقلٍ؛ أن يكون أبو حنيفةَ جاهلاً بالحديث؟
لقد وثّقَ المتشددون من علماء الحديثِ رواةً مجهولين، وأشباهَ مجهولين؛ رَوَوا حديثاً واحداً أو حديثين، وافقوا بهما ما يرضاه المحدّثون من الحديث!
ثانياً: هناك فارق كبيرٌ جدّاً بين كلامِ المحدّثين النظريّ، وبين تطبيقاتهم العمليّة على
الرواةِ الذين يختارونَ الروايةَ عنهم!
فهم يقولون: هذا قدريّ، وهذا مرجئ، وهذا رافضي، وهذا شيعيّ، وهذا خارجيّ، ثمّ هم يروون عن الثقاتِ من هؤلاء المبتدعةِ أجمعين، يقولون: لنا صِدقُه، وعليه بدعته.
ثالثاً: الذي تبيّن لي من وراء دراستي الشخصيّات الكبيرة في الإسلام؛ أنّ المحدّثين أعرضوا عن أبي حنيفة، وتركوا حديثَه؛ لثلاثةِ أسبابٍ:
الأوّل: أنّ الإمامَ أبا حنيفةَ مثلُ الإمام مالكٍ؛ لا يمنح أحاديثَ الآحاد ذاك التقديس الذي يمنحه المحدّثون لـ«حدّثنا وأخبرنا» لأنّ أساس علم العِلل نشأ لتتبُّع أخطاءِ وأوهام الرواةِ، فيما ليس للجرح إليه مدخل، وهذا يعني أنّ الثقاتِ أنفسَهم يهِمون ويخطؤون ويدلّسون فلا يرى الإمامُ أبو حنيفةَ أنّ ما رواه الثقاتُ؛ يتعيّن عليه قَبولُ جميعِه والتفريع عليه!
والأمر الثاني: أنّ أكثرَ العلماء والمحدّثين والفقهاء؛ ليسوا من أهل السيفِ والقنا وركوب الخيل، فهم يخافون من ظلالِهم!
وجاءهم أبو حنيفةَ يقولُ بجوازِ الخروج على الحاكم الظالم الجائر، فقالوا: «كان يرى السيفَ على أمّة محمّد».
ثالثاً: أبو حنيفةَ الذي يردُّ كثيراً من أحاديث الآحاد، التي رواها الثقات؛ يقبلُ المرسلَ والمعضلَ والمعلّق، إذا كان راوي ذلك ثقةً عنده، وهذا يعني أنْ لا فائدة عنده لعلوم
الحديثِ كلّها، من الناحية التطبيقيّة، فاختلافهم معه إذنْ في المنهج!
ومَن أراد أمثلةً تطبقيّة كثيرةً على صحّة كلامي هذا؛ فليذهب إلى موطّأ مالكٍ، برواية محمّد بن الحسن الشيباني، تلميذ أبي حنيفة، فسيجده لا يفرّق في الاحتجاجِ لمذهبه، بين حديثٍ متّصلٍ أو حديثٍ مرسلٍ، أو حتّى واحدٍ من بلاغات مالك!
(1) يقول مالك (52): «بَلَغَنِي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِمَامَةِ؟ فَقَالَ: لا، حَتَّى يَمَسَّ الشَّعْرَ الْمَاءُ» قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهِ.
(2) يقول مالك: (53): «حَدَّثَنَا نَافِعٌ قَالَ: «رَأَيْتُ صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ، وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا، ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا» قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا نَأْخُذُ،لا يُمسَحُ عَلَى الْخِمَارِ وَلا الْعِمَامَةِ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ؛ فَتُرِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنِا».
(3) ويقول مالك (430): أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، كَانَ يَقُولُ: (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ».
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا».
لا يُقال: ربما كانت هذه البلاغاتُ موصولةً خارج موطّأ مالك؟!
إذ كان على محمد بن الحسن؛ أن ينبّه على ذلك، لو كان يعلمه!
وقد كانت ترجمةُ أبي حنيفةَ عند ابن حبّان في كتاب المجروحينَ أطولَ ترجمةٍ في الكتاب «1127» (3: 60 - 73).
وقد أقذع الحافظُ الورعُ محمّدُ بنُ حبّان في ترجمة أبي حنيفة، رحمهما الله تعالى، وغفر لهما.
وأبرز المشتغلين بالحديثِ من أصحاب أبي حنيفة:
(1) محمد بن الحسن الشيبانيّ (ت: 189 هـ) ترجمه ابن حبّان في المجروحين (2: 275 - 276) ونقل تضعيفَه عن عددٍ من النقّاد.
(2) زُفَر بن الهذيل بن بن قيس العنبريّ، ترجمه ابن حبان في الثقات (6: 339) وقال ثمّةَ: «وَكَانَ زفر متقنا حَافِظًا قَلِيل الْخَطَأ لم يسْلك مَسْلَك صَاحبه فِي قلَّة التيقظ فِي الرِّوَايَات وَكَانَ أَقيس أَصْحَابه وَأَكْثَرهم رُجُوعا إِلَى الْحق إِذا لَاحَ لَهُ وَمَات بِالْبَصْرَةِ».
(3) يعقوبُ بن إبراهيم أبو يوسف القاضي، ترجمه ابن حبّان في الثقات (7: 645) وقال في ترجمته ثمّةَ: «وَكَانَ شَيخا متقناً، لم يكن يسْلك مَسْلَك صَاحِبيهِ «أبي حنيفةَ ومحمد بنَ الحسن» إِلَّا فِي الْفُرُوع، وَكَانَ يبانيهما فِي الْإِيمَان وَالْقُرْآن» إلى أن قال: «لسنا مِمَّن يُوهم الرعاع مالا نَستحلّه، وَلَا مِمَّن يَحِيف بالقدح فِي إِنْسَان وَإِن كَانَ لنا مُخَالفاً، بل نعطي كل شيخ حَظّه مِمَّا كَانَ فِيهِ، ونقول فِي كل إِنْسَان مَا كَانَ يسْتَحقّهُ من الْعَدَالَة وَالْجرْح. أدخلنا زُفراً وَأَبا يُوسُف بَين الثِّقَات؛ لما تَبين عندنَا من عدالتهما فِي الْأَخْبَارِ، وأدخلنا من لَا يُشبههما فِي الضُّعَفَاءِ «أبا حنيفةَ ومحمّدَ بن الحسن» بِما صَحَّ عندنا، مِمَّا لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَمَاتَ أَبُو يُوسُف سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، بِخمْس لَيَال خلون من شهر ربيع الآخر».
(4) بكارُ بن قُتَيْبَة بن أَسد بن عبيدِاللَّه بْن بشير بْن عبيدِاللَّه بن أبي بكرَة البكراوي الثَّقَفِيّ، كنيته أَبُو بكرَة، كَانَ على قَضَاء مصر.
يروي عَن يزِيد بن هَارُون وَأهل الْبَصْرَة حَدَّثنا عَنهُ بن خُزَيْمَة وَالنَّاس كَانَ ينتحل مَذْهَب أبي حنيفَة فِي الْفِقْه» قاله ابن حبّان في الثقات (8: 152).
(5) سيف بن الْحجَّاج الْكُوفِي يروي عَن أبي حنيفَة روى عَنهُ بن أبي السرى الْعَسْقَلَانِي» ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 300).
(6) أَبُو قَطَن، اسْمه عَمْرو بن الْهَيْثَم الزَبيدِيّ، من أهل بَغْدَاد.
يروي عَن شُعْبَة وَمَالك وأبي حنيفَةَ، روى عَنهُ أَحْمد ابن حَنْبَل وَأَبُو ثَوْر، مَاتَ بعد الْمِائَتَيْنِ، رَحمَهم الله تعالى، ترجمه ابن حبّان في الثقات (8: 484).
(7) ولعلَّ أبرزِ محدّثٍ مصنّف في عصر الروايةِ؛ هو الإمامُ أبو جعفرٍ أحمد بن محمّد بن سلامة الأزديّ المعروف بالطّحاويّ (ت: 321 هـ) صاحب المصنّفاتِ الكثيرةِ، منها:
(1) شرح معاني الآثار في أحاديث الأحكام، أودع فيه أبو جعفرٍ (7467) حديثاً.
انتصر فيها لمذهبه الحنفيّ انتصاراً عجيباً.
(2) شرح مشكل الآثار، في مختلِفِ الحديث، أودع فيه أبو جعفرٍ (6179) حديثاً.
(3) أحكام القرآن، والذي وُجدَ منه وطبع الجزء الأوّل منه في مجلّدين، جاء في خاتمته (2: 482) ما نصّه: «تمّ كتابُ الْمُكَاتبَة، وبتمامه تمّ الْجُزْء الأول من كتاب أَحْكَام الْقُرْآن.
وَالْحَمْد لله وَحده، وَصلَاته وَسَلَامه على سيدنَا مُحَمَّد نبيّه وَعَبدِه وعَلى آله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا كثيراً، دَائِما بدوام ملك الله إِلَى مَا لَا نِهَايَة لذَلِك.
على يَد العَبْد الْفَقِير الراجي عَفْو ربه الْقَدِير مُحَمَّدَ بنِ َأَحْمد بن صفي بن قَاسم الْمَعْرُوف بِابْن الغزولى، عَفا الله عَنه» وللطحاويّ كتبٌ نافعةٌ غيرُها.
وليس هؤلاءِ جميع رواةِ الحديثِ، من الحنفيّة، وليسوا هم جميع من روى عن أبي حنيفةَ، أو روى من طريقه، إنما هم نماذج من الرواة الذين ترجمهم ابن حبّان في كتابه الثقات.
أمّا الكلام على كتاب «الجوهرِ النقيّ في الردّ على البيهقيّ» لعلاء الدين ابن التركمانيّ (ت: 750 هـ) فسأفرد له منشوراً خاصّاً به.
والله تعالى أعلم.
والحمد لله على كلّ حال.

الدكتور عداب محمود الحمش

Want your school to be the top-listed School/college in Fatih?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Category

Telephone

Address


تركيا
Fatih