02/01/2018
قوله تعالى : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا )
يقول تعالى ذكره : وأن لو استقام هؤلاء القاسطون على طريقة الحق والاستقامة ( لأسقيناهم ماء غدقا ) يقول : لوسعنا عليهم في الرزق ، وبسطناهم في الدنيا ( لنفتنهم فيه ) يقول : لنختبرهم فيه .
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه .
ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) يعني بالاستقامة : الطاعة . فأما الغدق : فالماء الطاهر الكثير ( لنفتنهم فيه ) يقول : لنبتليهم به .
حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي زياد ، عن مجاهد ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) طريقة الإسلام ( لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : نافعا كثيرا ، لأعطيناهم مالا كثيرا ( لنفتنهم فيه ) حتى يرجعوا إلى ما كتب عليهم من الشقاء .
حدثنا إسحاق بن زيد الخطابي ، قال : ثنا الفريابي ، عن سفيان ، عن عبيد الله بن أبي زياد ، عن مجاهد مثله .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عبيد الله بن أبي زياد ، عن مجاهد ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) قال : طريقة الحق ( لأسقيناهم ماء غدقا ) يقول : مالا كثيرا ( لنفتنهم فيه ) قال : لنبتليهم به حتى يرجعوا إلى ما كتب عليهم من الشقاء .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ابن مجاهد ، عن أبيه ، مثله .
قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن مجاهد ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) قال : الإسلام ( لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : الكثير ( لنفتنهم فيه ) قال : لنبتليهم به .
قال : ثنا مهران ، عن أبي سنان ، عن غير واحد ، عن مجاهد ( ماء غدقا ) قال [ ص: 663 ] الماء الغدق : الكثير ( لنفتنهم فيه ) حتى يرجعوا إلى علمي فيهم .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : لأعطيناهم مالا كثيرا ، قوله : ( لنفتنهم فيه ) قال : لنبتليهم .
حدثني أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن بعض أصحابه ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) قال : الدين ( لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : مالا كثيرا ( لنفتنهم فيه ) يقول : لنبتليهم به .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا . قال الله : ( لنفتنهم فيه ) يقول : لنبتليهم بها .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : لو اتقوا لوسع عليهم في الرزق ( لنفتنهم فيه ) قال : لنبتليهم فيه .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ( ماء غدقا ) قال : عيشا رغدا .
حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : الغدق : الكثير ، مال كثير ( لنفتنهم فيه ) لنختبرهم فيه .
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآملي ، قال : ثنا المطلب بن زياد ، عن التيمي ، قال : قال عمر رضي الله عنه في قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) قال : أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأن لو استقاموا على الضلالة لأعطيناهم سعة من الرزق لنستدرجهم بها .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت عمران بن حدير ، عن أبي مجلز ، قال : وأن لو استقاموا على طريقة الضلالة . [ ص: 664 ]
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وأن لو استقاموا على طريقة الحق وآمنوا لوسعنا عليهم .
ذكر من قال ذلك :
حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) قال : هذا مثل ضربه الله كقوله : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) وقوله تعالى : ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) والماء الغدق يعني : الماء الكثير ( لنفتنهم فيه ) لنبتليهم فيه .
تفسير الطبري
17/12/2017
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم : ( قاتلوا ) ، أيها المؤمنون ، القوم ( الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) ، يقول : ولا يصدقون بجنة ولا نار ( ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق ) ، يقول : ولا يطيعون الله طاعة الحق ، يعني : أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام ( من الذين أوتوا الكتاب ) ، وهم اليهود والنصارى .
وكل مطيع ملكا وذا سلطان ، فهو دائن له . يقال منه : دان فلان لفلان فهو يدين له ، دينا" ، قال زهير :
لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك
[ ص: 199 ]
وقوله : ( من الذين أوتوا الكتاب ) ، يعني : الذين أعطوا كتاب الله ، وهم أهل التوراة والإنجيل ( حتى يعطوا الجزية ) .
و"الجزية" : الفعلة من : "جزى فلان فلانا ما عليه" ، إذا قضاه ، "يجزيه" ، و"الجزية" مثل "القعدة" و"الجلسة" .
ومعنى الكلام : حتى يعطوا الخراج عن رقابهم ، الذي يبذلونه للمسلمين دفعا عنها .
وأما قوله : ( عن يد ) ، فإنه يعني : من يده إلى يد من يدفعه إليه .
وكذلك تقول العرب لكل معط قاهرا له ، شيئا طائعا له أو كارها : "أعطاه عن يده ، وعن يد" . وذلك نظير قولهم : "كلمته فما لفم" ، و"لقيته كفة [ ص: 200 ] لكفة ، وكذلك : "أعطيته عن يد ليد" .
وأما قوله : ( وهم صاغرون ) ، فإن معناه : وهم أذلاء مقهورون .
يقال للذليل الحقير : "صاغر" .
وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بحرب الروم ، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها غزوة تبوك .
ذكر من قال ذلك :
16616 - حدثني محمد بن عروة قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، حين أمر محمد وأصحابه بغزوة تبوك .
16617 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه .
واختلف أهل التأويل في معنى "الصغار" ، الذي عناه الله في هذا الموضع .
فقال بعضهم : أن يعطيها وهو قائم ، والآخذ جالس .
ذكر من قال ذلك :
16618 - حدثني عبد الرحمن بن بشر النيسابوري قال : حدثنا سفيان ، عن أبي سعد ، عن عكرمة : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، قال : [ ص: 201 ] أي تأخذها وأنت جالس ، وهو قائم .
وقال آخرون : معنى قوله : ( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) ، عن أنفسهم ، بأيديهم يمشون بها ، وهم كارهون ، وذلك قول روي عن ابن عباس ، من وجه فيه نظر .
وقال آخرون : إعطاؤهم إياها ، هو الصغار .
تفسير الطبري
16/12/2017
البشارة تستعمل في الخير، وتستعمل في الشر بقيد كما في هذه الآية. يقول تعالى: بشر المنافقين أي: الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، بأقبح بشارة وأسوئها، وهو العذاب الأليم، وذلك بسبب محبتهم الكفار وموالاتهم ونصرتهم، وتركهم لموالاة المؤمنين، فأي شيء حملهم على ذلك؟ أيبتغون عندهم العزة؟
وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون.
والحال أن العزة لله جميعا، فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم. وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين.
[ ص: 372 ] وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين; وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم.
تفسير السعدي
13/12/2017
يقول تعالى ذكره : ( ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ) موجع ، وذلك عذاب جهنم; ثم بين لنا جل ثناؤه ما تلك التجارة التي تنجينا من العذاب الأليم ، فقال : ( تؤمنون بالله ورسوله ) محمد صلى الله عليه وسلم .
فإن قال قائل : وكيف قيل : ( تؤمنون بالله ورسوله ) ، وقد قيل لهم : ( يا أيها الذين آمنوا ) بوصفهم بالإيمان؟ فإن الجواب في ذلك نظير جوابنا في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ) وقد مضى البيان عن ذلك في موضعه بما أغنى عن إعادته .
وقوله : ( وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) يقول تعالى ذكره : وتجاهدون في دين الله وطريقه الذي شرعه لكم بأموالكم وأنفسكم ( ذلكم خير لكم ) يقول : إيمانكم بالله ورسوله ، وجهادكم في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ( خير لكم ) من تضييع ذلك والتفريط ( إن كنتم تعلمون ) مضار الأشياء ومنافعها . وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله ( آمنوا بالله ) على وجه الأمر ، وبينت التجارة من قوله : ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم ) وفسرت بقوله : ( تؤمنون بالله ) ولم يقل : أن تؤمنوا ، لأن العرب إذا فسرت الاسم بفعل تثبت في تفسيره "أن" أحيانا ، وتطرحها أحيانا ، فتقول للرجل : هل لك في خير تقوم بنا إلى فلان فنعوده؟ هل لك في خير أن تقوم إلى فلان فنعوده؟ ب "أن" وبطرحها . ومما جاء في الوجهين على الوجهين جميعا قوله : ( فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا ) وإنا; فالفتح في "أن" لغة من أدخل في يقوم "أن" من قولهم : هل لك في خير أن تقوم ، والكسر فيها لغة من يلقي "أن" من : تقوم; ومنه قوله : ( فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم ) وإنا دمرناهم ، على ما بينا .
حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم ) . . الآية ، فلولا أن الله بينها ، ودل عليها المؤمنين ، لتلهف عليها رجال أن يكونوا يعلمونها ، حتى يضنوا [ ص: 363 ] بها وقد دلكم الله عليها ، وأعلمكم إياها فقال : ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : تلا قتادة : ( هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ) قال : الحمد لله الذي بينها .