21/09/2026
يعيش الآباء في هذا العصر نزوعًا مفرطًا نحو تحصين أبنائهم من
كل مكابدة، ويحولون بينهم وبين الفشل والخسارة، ويتكفّلون بكل احتياجاتهم دون أن يُشركوهم في نصيب حقيقي من المسؤولية، ثم يُصابون بالخيبة حين تحطمهم أول مواجهة قاسية خارج جدران البيت.
وفي هذا ما يضع الآباء أمام مسؤولية جوهرية: تهيئة الطفل لمشقات الحياة قبل أن يُواجهها منفردًا.
كتكليفه بمهام تتناسب مع مرحلته العمرية، وإتاحة الفرصة له ليتحمّل تبعات بعض أخطائه، ويختبر الخسارة أحيانًا، وينتظر، ويُقابَل طلبه بالرفض، ويحلّ جانبا من مشكلاته باستقلالية، دون التعجّل في تذليل العقبات من طريقه؛ فبعض هذه العقبات هو بالضبط ما يُنمّي فيه القدرة على تجاوز عقبات أكبر مستقبلًا.
هذا النمط من الاستقلالية المصحوبة بالمتابعة يمنح الطفل مساحة تدريجية للتجربة والاختيار ومواجهة تحدّيات تناسب سنّه، فيما يظل الآباء حاضرين كمصدر أمان وتوجيه، لا كحاجز يمنع الاحتكاك بالواقع.
فالحماية المفرطة تؤدي إلى حرمان الطفل من فرص ضرورية لبناء كفاءته وثقته وقدرته على إدارة ومجابهة المشكلات؛ إذ يقتضي النضج التربوي من الوالد أن يحتمل قلقه الخاص أثناء تعلّم ابنه، وأن يراقبه وهو يحاول بدل أن ينوب عنه، وأن يسانده عند الفشل بدل أن يسعى إلى نفي احتمال الفشل من أساسه.
وقد اختزل النبي ﷺ بُعدًا عظيمًا من هذه التربية حين قال لابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك...إلى آخر الحديث»؛ إذ أسّس صلى الله عليه وسلم في ذلك الغلام المعنى الذي سيحتاجه حين يغيب عنه الكبار: معرفة الله، وتحمّل المسؤولية، والاستعانة به وحده.
فغاية التربية ليست أن يخرج الأبناء من طفولتهم سالمين من كل خدش؛ بل أن يخرجوا منها قادرين على مواجهة الحياة حين تكشف عن قسوتها في وجوههم. فبعض الحب حماية، وبعضه أن يتراجع الوالد خطوة ليدع ابنه يتعلّم كيف يقف على قدميه وحده.
#وعي