17/08/2026
اتركوا المرأة تعيش تجربة الرضاعة
بقلم سعيدة الفريو
الرضاعة الطبيعية تحتاج قبل كل شيء إلى الراحة النفسية، والسكينة، والثقة، ومساحة لاكتشاف القدرات.
ولذلك، ربما علينا أن نتوقف قليلًا عن تحويل الرضاعة إلى درس آخر تتلقاه المرأة، وإلى مجموعة من القواعد والوضعيات والتعليمات التي عليها أن تحفظها وتطبقها حرفيًا.
اتركوا المرأة ترضع.
اتركوا لها المجال لتكتشف جسدها، وتستمع إلى نفسها، وتصغي إلى مولودها. اتركوا لها الوقت لتتعرف إلى إشاراته الصغيرة، وإلى احتياجاته، وإلى ما يريحه وما لا يريحه.
اتركوا لها فرصة أن تجرب، وأن تعدّل، وأن تتعلم من محاولاتها، وأن تجد بنفسها، وبمساعدة من تحتاج إليهم، الطريقة التي تناسبها وتناسب طفلها.
فالرضاعة ليست تجربة واحدة تتكرر مع كل النساء.
كل أم ومولودها ثنائي فريد.
الوضعية التي تناسب امرأة قد لا تناسب أخرى، وما ينجح مع مولود قد لا ينجح مع مولود آخر. وحتى الإيقاع الذي تتخذه الرضاعة، وطريقة التقارب، والإشارات التي يتبادلها الطرفان، كلها أمور تتشكل تدريجيًا داخل هذه العلاقة الخاصة.
هناك نوع من التواصل لا يحتاج إلى كلمات.
الأم تبدأ في التقاط إشارات مولودها، والمولود يتعلم بدوره صوت أمه ورائحتها ولمستها وإيقاعها. ومع الوقت تتكون بينهما لغة خاصة، وشيء من تلك الكيمياء التي لا يمكن أن تُدرَّس بالكامل في درس أو دورة تكوينية.
عندما تصبح الرضاعة امتحانًا
لكن ماذا يحدث عندما نغرق الأم منذ البداية في التعليمات؟
عندما نخبرها كيف تجلس، وكيف تحمل طفلها، وكيف تضعه، وكم دقيقة يجب أن يرضع، وكيف ينبغي أن تكون الوضعية، وما الذي يجب أن تفعله في كل لحظة، قد تدخل الأم تجربة الرضاعة وهي لا تزال تستحضر الدرس في رأسها.
هل جلست بالطريقة الصحيحة؟
هل وضعت طفلي بالطريقة الصحيحة؟
هل فعلت كما قيل لي؟
هل رضع بالمدة الكافية؟
هل أخطأت؟
وبدل أن تنصت إلى نفسها وإلى طفلها، تصبح منشغلة بالسؤال: هل أفعلها بالطريقة الصحيحة؟
وهنا قد يتحول ما قصدناه مساعدةً إلى مصدر آخر للقلق والتشويش.
فالرضاعة تحتاج إلى أم حاضرة، مطمئنة، قادرة على الإصغاء، لا إلى أم خائفة من ارتكاب الخطأ.
ربما علينا أن نسأل أنفسنا: هل نريد أن نعلّم المرأة الرضاعة، أم نريد أن نساعدها على أن تتعلم كيف ترضع طفلها؟
الفرق بين السؤالين كبير.
في الحالة الأولى، نضع أمامها نموذجًا عليها أن تتبعه.
أما في الثانية، فنمنحها المعرفة والثقة والأمان، ثم نترك لها مساحة التعلم والاكتشاف.
ليست هناك «وضعية صحيحة» واحدة
أحيانًا نتحدث عن «الوضعية الصحيحة» وكأن هناك وضعية واحدة تصلح لجميع النساء والأطفال.
لكن ربما يكون الأدق أن نتحدث عن الوضعية المناسبة والمريحة لهذا الثنائي بالذات.
فما نراه في كتاب أو في صورة تعليمية قد يكون مفيدًا كنقطة انطلاق، لكنه ليس قانونًا يجب على كل أم أن تنسخه.
الأم التي تعيش ألمًا في ظهرها ليست كالأخرى.
والطفل الذي يحتاج إلى تعديل معين ليس كطفل آخر.
والجسد الذي تعافى من ولادة معينة ليس كجسد آخر.
لذلك، فإن التفريد ليس ترفًا في مرافقة الرضاعة؛ إنه جزء من احترام الاختلاف بين النساء والأطفال.
فالطبيعي لا يعني أن الجميع يفعلون الشيء نفسه.
الطبيعي يعني أن هناك مجالًا واسعًا من الاختلاف داخل ما هو سليم.
اتركي جسدك يتعلم مع طفلك
وثقي بجسدك.
ومهما كان حجم ثدييك أو شكلهما، ومهما كان شكل حلمتيك، فهذا لا يعني أنك غير قادرة على إرضاع طفلك. لا يوجد شكل واحد للجسد حتى تنجح الرضاعة.
اكتشفي جسدك بهدوء، واكتشفي قدراتك، واتركي لطفلك أيضًا فرصة أن يكتشفك.
فثديك وحلمتك ليسا نموذجًا يجب أن يشبها نموذج امرأة أخرى. إنهما جزء من جسدك أنت، وجسدك أنت يدخل في علاقة خاصة مع مولودك أنت.
ومع الوقت، وبحسب حاجتك وحاجة طفلك، ستكتشفان معًا ما يناسبكما.
لا تجعلي المقارنة تربكك.
ما نجح مع أختك أو صديقتك أو امرأة رأيتها في درس للرضاعة، ليس بالضرورة ما سينجح معك.
وما قيل لك إنه «الوضعية الصحيحة» قد يحتاج إلى تعديل حتى تجدي الوضعية التي تكون مريحة لك ولطفلك.
استمعي إلى نفسك، واستمعي إلى طفلك.
راقبي إشاراته، جربي، عدّلي، وتعلمي من محاولاتك.
فالرضاعة علاقة حية، ومهارة تُكتسب تدريجيًا داخل هذه العلاقة.
الطفل أيضًا شريك في التعلم
نحن نتحدث كثيرًا عن تعليم الأم، وكأن الطفل مجرد متلقٍّ لما نفعله نحن.
لكن الطفل فاعل أيضًا.
هو يعطي إشارات، يبحث، يتكيف، يعبّر عن حاجته، يغيّر إيقاعه، ويشارك في بناء هذه العلاقة.
لذلك، لا ينبغي أن تكون العلاقة:
مختص يعلّم الأم، والأم تطبق، والطفل يتلقى.
بل هي علاقة ديناميكية بين أم وطفل، يكون فيها المختص حاضرًا إلى جانبهما، يلاحظ، يفسر، يطمئن، يساعد، ويتدخل عندما تكون هناك حاجة حقيقية إلى التدخل.
وهنا تصبح المرافقة أكثر إنسانية وأكثر مهنية في الوقت نفسه.
لا نريد أن نترك الأم وحدها
الدعوة إلى أن «نترك المرأة تعيش تجربة الرضاعة» لا تعني أبدًا أن نتركها تواجه الصعوبة وحدها.
فالمرأة التي تعاني الألم، أو الشك، أو صعوبة في الرضاعة، أو تحتاج إلى تقييم أو مساعدة، لها الحق في الحصول على مرافقة مهنية كفؤة، مبنية على المعرفة والدليل، ومحترمة لخصوصيتها وقرارها.
المشكلة ليست في التدخل عندما تكون هناك حاجة.
المشكلة تبدأ عندما يصبح التدخل هدفًا في حد ذاته، أو عندما نفرض على كل امرأة الحل نفسه لمجرد أنه الحل الذي تعلمناه.
المهنية ليست في كثرة التدخلات، وإنما في معرفة متى نشرح، ومتى نراقب، ومتى نطمئن، ومتى نتدخل، ومتى نترك المساحة للأم والطفل.
وأحيانًا، تكون القدرة على عدم التدخل غير الضروري جزءًا من الكفاءة المهنية نفسها.
الأم التي تقول: «أنا أعرف طفلي»
وأنا شخصيًا، رغم سنوات عملي مع النساء، ما زلت أتعلم منهن.
أحيانًا أقول لأم:
«جربي هذه الطريقة، ربما تكون مناسبة لك.»
فتضحك وتقول لي:
«لا، أنا وابني نفهم بعضنا... هو يفضل كذا، وأنا أعرف متى يريد كذا.»
وهذا يسعدني.
يسعدني لأنني أرى أمامي أمًا لم تعد تبحث عن «الطريقة الصحيحة» في كتاب أو درس، وإنما أصبحت تعرف طفلها، وتقرأ إشاراته، وتثق في قدرتها على الاستجابة له.
في تلك اللحظة، لا أشعر أنها ترفض نصيحتي.
بل أشعر أنني نجحت في شيء أهم:
أن أجعلها تثق بنفسها.
فالمرأة ليست مجرد متلقية لما نعرفه نحن.
هي أيضًا تعلمنا.
وكل أم وطفلها قد يقدمان لنا درسًا جديدًا في الرضاعة، لأن كل ثنائي أم–رضيع له لغته الخاصة وإيقاعه الخاص.
لذلك، عندما تقول الأم: «أنا أعرف طفلي»، لا ينبغي أن نسمع بالضرورة في كلامها رفضًا للعلم.
قد نسمع فيه شيئًا أجمل:
ثمرة المرافقة التي جعلتها قادرة على أن تعرف، وتلاحظ، وتفهم، وتقرر.
من التعليم إلى التمكين
هدف المرافقة ليس أن تصبح الأم قادرة على تنفيذ ما علمناه لها حرفيًا.
هدفها أن تصبح قادرة على فهم طفلها، والثقة بجسدها، واتخاذ القرار المناسب، ومعرفة متى تحتاج إلى المساعدة.
إذا خرجت المرأة من المرافقة وهي تخشى أن تفعل أي شيء دون الرجوع إلى المختص، فقد نكون علمناها الاعتماد علينا.
أما إذا خرجت وهي أكثر ثقة بنفسها، وأكثر قدرة على ملاحظة طفلها، وأكثر استعدادًا لطلب المساعدة عندما تحتاج إليها، فقد مكّناها فعلًا.
وهنا يتحول دور المختص من «صاحب الطريقة الصحيحة» إلى شريك في تمكين المرأة.
نحن لا نفقد دورنا عندما نترك لها مساحة.
على العكس، يصبح دورنا أكثر دقة.
نحن نعرف متى تكون المعلومة ضرورية، ومتى يكون التصحيح ضروريًا، ومتى تكون المشكلة بحاجة إلى تدخل، ومتى تكون أفضل مساعدة يمكن أن نقدمها هي أن نقول:
أنت قادرة، استمعي إلى نفسك وإلى طفلك.
اتركوا الرضاعة طبيعية
لذلك، اتركوا الرضاعة الطبيعية طبيعية كما هي.
اتركوها بعيدة عن التعقيدات غير الضرورية، وعن الضغوط، وعن المقارنات، وعن سيل التعليمات الذي قد يجعل الأم تنسى أن تنصت إلى نفسها وإلى طفلها.
لا نحتاج إلى أن نحول كل لحظة من لحظات الرضاعة إلى اختبار:
هل جلستِ بالطريقة الصحيحة؟
هل وضعتِ طفلك بالطريقة الصحيحة؟
هل فعلتِ كما قيل لك؟
فالرضاعة ليست وصفة واحدة، ولا فلسفة واحدة، ولا تجربة يمكن نسخها من امرأة إلى أخرى.
كل امرأة لها جسدها، وكل طفل له إشاراته، وكل أم وطفلها يصنعان تجربتهما الخاصة.
دعوا الأم تكتشف.
دعوها تجرب.
دعوها تعدّل.
دعوها تتعلم.
ودعونا نحن، كمختصين، نتعلم أيضًا أن نعرف متى نتدخل ومتى نترك المساحة للأم.
فالمرافقة الحقيقية ليست أن نملأ تجربة المرأة بتدخلاتنا، وإنما أن نكون حاضرين عندما تحتاج إلينا، وأن نحمي حقها في أن تعيش تجربتها بثقة وطمأنينة.
اتركوا الأم تكون الفاعلة.
اتركوها تكون القائدة.
اتركوها تكون المعلمة.
تعلم طفلها، ويتعلم منها، وتتعلم هي منه.
أما نحن، فنكون إلى جانبهما، لا أمامهما.
لأن الرضاعة ليست درسًا تحفظه المرأة.
إنها علاقة حية تنشأ بينها وبين طفلها، ومهارة يكتشفانها معًا، ولغة يتعلمانها يومًا بعد يوم.
وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه للأم في بداية هذه الرحلة ليس المزيد من التعليمات، وإنما جملة بسيطة:
ثقي بنفسك.
استمعي إلى طفلك.
واطلبي المساعدة عندما تحتاجين إليها.
واتركي للرضاعة مساحة كي تكون طبيعية.
لأننا حين نريد أن نحمي الرضاعة الطبيعية، علينا أحيانًا أن نتعلم أولًا كيف نتركها تعيش.
13/08/2026
الكنفدرالية التونسية للقابلات،: تكريم المرأة لا يقتصر على استحضار ما حقيقته، بل يشمل ايضا الاعتراف بما قدمته...
www.albayene.tn
جريدة إلكترونية إخبارية جامعة
12/08/2026
في اليوم الوطني للمرأة التونسية، لا بدّ من التذكير بأن "مهنة القبالة هي المهنة النسائية بامتياز "؛ فهي مهنة ارتبطت تاريخيًا بالمرأة، بخبرتها وكفاءتها ودورها في رعاية المرأة والأسرة والمجتمع.
ولأنها مهنة حظيت بثقة المجتمع، فقد حظيت كذلك باهتمام المشرّع، لما عُرفت به القابلة من حكمة وكفاءة ومسؤولية. ولم يكن دورها محصورًا في فضاء الولادة، بل امتد إلى المجال القضائي، حيث كانت القابلة تحظى بمكانة تخوّلها الشهادة أمام المحاكم منذ القرن التاسع عشر.
وقد تواصل الاعتراف بالمهنة عبر مختلف مراحل تطور الدولة: من حضورها أمام محاكم الجنايات منذ سنة 1864، إلى إدراج أحكام تتعلق بها ضمن المجلة الجزائية سنة 1913، ثم تكريسها ضمن الوظيفة العمومية منذ سنة 1946 و افىادها بسلك خاص بها، ومواصلة دعم حضورها وتنظيمها في دولة الاستقلال، وصولًا إلى مكانتها في قانون الصحة والنصوص المنظمة للمؤسسات الصحية إلى يومنا هذا.
ولم تكن مساهمة القابلات في بناء تونس الحديثة مقتصرة على ممارسة المهنة، بل كنّ شريكات في تنفيذ السياسات الصحية والسكانية للدولة، ولا سيما في مجال "التنظيم العائلي"، وفي توسيع خدمات الصحة الإنجابية ورعاية المرأة والأسرة.
ومن هذه المسيرة برزت رائدات في العلم ومهنة القبالة والنضال والمساهمة في بناء تونس الحديثة، من بينهنّ بدرة بن مصطفى وفريدة العقربي، إلى جانب أجيال متعاقبة من القابلات اللواتي واصلن المسيرة وأسهمن، كلٌّ في موقعها، في بناء هذه المهنة وتطوير خدماتها.
والقبالة تتميز أيضًا بخصوصية لا تشاركها فيها كثير من المهن: فهي مهنة لا تتوقف أمام الأزمات أو الحروب أو حالات الطوارئ؛ فالحياة لا تتوقف، والولادة لا تتوقف، والقابلة لا تتوقف عن أداء رسالتها.
إن ريادة القابلات التونسيات ليست مجرد صفحة من الماضي، بل هي جزء من تاريخ المرأة التونسية، ومن تاريخ تونس نفسها، ومسيرة متواصلة تُبنى اليوم بأيدي كل قابلة تواصل أداء رسالتها في خدمة المرأة والأسرة والمجتمع.
ولذلك يحق لنا أن نحتفل.
نحتفل بما قدّمناه من عمل وتضحيات، وبما حققناه من إنجازات، وبكل امرأة وقابلة كانت فاعلة في بناء مجتمعها ووطنها.
فنحن لا نحتفل لأننا نساء فقط، بل نحتفل لأننا فاعلات؛ لأننا عملنا، وناضلنا، وأسهمنا، وأنجزنا، وكنّا ولا نزال جزءًا من مسيرة بناء تونس.
تحية للرائدات الأوائل، وتحية لكل القابلات اللاتي واصلن المسيرة وحملن رسالة المهنة جيلًا بعد جيل.
13 اوت فخر لكل النساء التونسيات 🇹🇳
12/08/2026
في اليوم الوطني للمرأة التونسية، نستحضر بفخر نساءً اخترن العلم والعمل والمسؤولية، وكنّ جزءًا من مسيرة الريادة التي صنعت تاريخ تونس.
ومن بينهنّ القابلات التونسيات، اللواتي كنّ في قلب هذه المسيرة منذ بداياتها.
بدرة بن مصطفى وفريدة العقربي… من رائدات العلم ومهنة القبالة والنضال والمساهمة في بناء تونس الحديثة.
ريادتهنّ ليست مجرد صفحة من الماضي، بل جزء من تاريخ المرأة التونسية الذي نفتخر به، ونواصل نحن اليوم بناءه.
تحية لهنّ، ولكلّ القابلات اللاتي واصلن المسيرة وحملن رسالة المهنة جيلًا بعد جيل.
🇹🇳 13 أوت -فخر لكل النساء التونسيات.
12/08/2026
الكنفدرالية التونسية للقابلات تدعو إلى تقييم نقل نشاط التلقيح إلى قسم التوليد بعقارب
دعت الكنفدرالية التونسية للقابلات وزارة الصحة إلى فتح تقييم مهني وفني لقرار نقل نشاط وحدة التلقيح بصفة وقتية إلى قاعة المراقبة لما بعد الولادة بقسم ا
12/08/2026
بيان
بمناسبة اليوم الوطني للمرأة التونسية 13 أوت 2026
في ريادة المرأة التونسية… القابلة التونسية في قلب المسيرة منذ بداياتها
في الثالث عشر من أوت، لا نحتفي بالمرأة التونسية باعتبارها عنوانًا لمناسبة وطنية فحسب، بل نستحضر مسيرة طويلة من الريادة، صنعتها نساء اخترن العلم والعمل والاستقلالية والمشاركة في بناء المجتمع والدولة.
وفي هذه المسيرة، لم تكن القابلة التونسية حضورًا طارئًا، ولم تأتِ لتلتحق لاحقًا بركب الريادة.
كانت القابلة في قلب هذه المسيرة منذ بداياتها.
فالقبالة مهنة ارتبطت تاريخيًا بالمرأة و الأسرة و المجتمع، وظلت القابلة حاضرة إلى جانب النساء و أسرهن في أكثر مراحل حياتهن خصوصية وحساسية؛ شاهدة على الولادة، ومرافقة للأم، ومسؤولة عن جانب أساسي من صحة المرأة والطفل و المجتمع.
ولم تكن هذه الريادة وليدة الأمس.
فمنذ سنة 1888، عرف التشريع التونسي تنظيمًا لممارسة فن التوليد، بما يعكس حضور هذه المهنة، في وقت مبكر، ضمن تنظيم المهن الصحية وحماية صحة النساء والأطفال.
ومنذ ذلك التاريخ، كانت القابلة حاضرة في مسار الدولة التونسية: مهنة تُنظّم، ومعارف تُكتسب، ومسؤوليات تُحدّد، ونساء يمارسن علمًا ومهنة ذات أثر مباشر في حياة الأسر والمجتمع.
ثم جاءت مرحلة التعليم والتكوين لتفتح أمام المرأة التونسية آفاقًا جديدة.
ففي سنة 1932، وفي زمن كانت فيه أبواب التعليم العالي والمهن العلمية لا تزال محدودة أمام النساء، تخرّجت بدرة بن مصطفى الورتاني وفريدة العقربي المنستيري من كلية الطب بالجزائر كقابلتين، وهما ثاني امرأتين تونسيّتين تتخرجان من كلية الطب بعد الدكتورة توحيدة بالشيخ.
كانتا من جيل نساء اخترن العلم في وقت مبكر، وحملن معارفهن ومهنتهن إلى تونس، لتتحول الشهادة إلى ممارسة، والممارسة إلى خدمة، والخدمة إلى حضور نسائي فاعل في المجتمع.
وفي هذه المسيرة الريادية، يبرز اسم بدرة بن مصطفى مرة أخرى في فضاء آخر من فضاءات ريادة المرأة التونسية.
فلم تكن قابلة فحسب، بل كانت أيضًا من النساء المنخرطات في الحركة النسائية التونسية، وشاركت سنة 1936 في تأسيس الاتحاد الإسلامي النسائي التونسي إلى جانب بشيرة بن مراد و توحيدة بالشيخ ونساء تونسيات أخريات، وتولت فيه مسؤولية أمينة المال.
وهنا تلتقي، في صفحة واحدة من تاريخ المرأة التونسية، أسماء بشيرة بن مراد، وبدرة بن مصطفى، وتوحيدة بالشيخ؛ نساء اخترن، كل من موقعها، أن يوسعن حضور المرأة التونسية في العلم، والمهنة، والعمل النسائي، والحياة العامة.
إنها ريادة لم تكن عنوانًا فرديًا، وإنما مسيرة صنعتها نساء آمنّ بأن العلم والعمل والمشاركة ليست امتيازًا، بل حقًا، وأن حضور المرأة في بناء المجتمع والدولة يبدأ من قدرتها على أن تتعلم، وتمارس، وتنظم، وتخدم، وتدافع.
وتحمل مسيرة بدرة بن مصطفى بُعدًا آخر من هذه الريادة؛ فقد كانت قابلة ومناضلة وحقوقية، ولم تفصل بين مهنتها ومسؤوليتها تجاه النساء والمجتمع.
وفي سنة 1952، وفي خضم أحداث تازركة، كانت ضمن من انتقلن إلى المنطقة للمساهمة في تقصي ما وقع، وفحص النساء اللواتي تعرضن للانتهاكات، والاستماع إلى شهاداتهن والمساهمة في توثيق ما عانينه.
هنا تظهر القابلة في صورة تتجاوز حدود المهنة:
امرأة تحمل العلم، ومهنية تتحمل المسؤولية، وحقوقية تقف إلى جانب النساء، ومناضلة تجعل من معرفتها ومكانتها وسيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية.
وهذه الصفحة من تاريخ بدرة بن مصطفى تذكرنا بأن مهنة القبالة لم تكن يومًا منفصلة عن قضايا النساء والمجتمع.
القابلة وبناء الدولة الوطنية
مع الاستقلال، لم تكن القابلة التونسية مجرد مهنية انتقلت إلى منظومة صحية جديدة، بل كانت جزءًا من بناء الدولة الوطنية نفسها.
ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة التونسية تبني مؤسساتها، وتعيد تنظيم الصحة العمومية، وتعمل على تحسين ظروف حياة التونسيين، كانت القابلة حاضرة في قلب هذا التحول؛ في المدن والقرى، في المستشفيات والمراكز الصحية، وفي البيوت التي كانت تستقبل فيها النساء لحظة الميلاد.
وعبر أجيال متعاقبة، كانت القابلة حاضرة في واحدة من أكثر اللحظات ارتباطًا بتاريخ المجتمع: لحظة ولادة التونسيين.
عرفت أمهاتهم، ورافقت ولاداتهم، وشهدت مجيء أجيال كاملة إلى الحياة.
وكانت شاهدة كذلك على التحولات العميقة التي عرفها المجتمع التونسي: من الأسرة التقليدية إلى الأسرة الحديثة، ومن انتشار الولادة المنزلية إلى توسع الولادة داخل المؤسسات الصحية، ومن محدودية الخدمات الصحية إلى بناء منظومة الصحة العمومية.
لذلك، فإن تاريخ القابلة لا يمكن أن يُكتب باعتباره تاريخ مهنة صحية فقط.
إنه جزء من التاريخ الاجتماعي والصحي للدولة التونسية الحديثة.
ومع تطور الدولة والمنظومة الصحية، تطورت المهنة ومسؤولياتها؛ من الممارسة المهنية إلى التكوين المنظم، ثم إلى التعليم العالي والتكوين الجامعي.
وأصبحت القابلة التونسية اليوم جامعية، ومهنية مستقلة، وفاعلة في الصحة العمومية، وشريكة أساسية في حماية الصحة الجنسية والإنجابية.
فدورها لا يقتصر على الحمل والولادة وما بعد الولادة، وإنما يمتد إلى التثقيف والوقاية، والوصول إلى المعلومة الصحية، وحماية الحق في الرعاية، واحترام الخصوصية والكرامة والاستقلالية في اتخاذ القرار.
ومن هنا، فإن الحديث عن ريادة القابلة التونسية ليس حديثًا عن تاريخ مهنة فحسب؛ بل هو جزء من تاريخ ريادة المرأة التونسية نفسها.
امرأة اختارت العلم، ودخلت الجامعة، ومارست مهنة ذات مسؤولية، وأسهمت في بناء الصحة الوطنية، ودافعت عن مكانة مهنتها، وكانت حاضرة إلى جانب النساء وحقوقهن.
وفي هذا اليوم الوطني، نستحضر أجيال القابلات التونسيات اللواتي حملن هذه المسيرة جيلًا بعد جيل؛ من القابلات الأوائل إلى القابلة الجامعية اليوم، بما تحمله من معرفة علمية، وكفاءة مهنية، ومسؤولية أخلاقية، ووعي بحقوق المرأة.
إن تكريم المرأة التونسية لا يكون فقط باستحضار ما حققته، بل أيضًا بالاعتراف بما قدمته من علم وعمل ومسؤولية، وبما تواصل تقديمه كل يوم في مواقعها المختلفة.
وإن تكريم القابلة التونسية هو اعتراف بجزء أصيل من هذه المسيرة؛ مسيرة امرأة كانت ولا تزال في قلب صحة المرأة، وفي قلب الصحة الجنسية والإنجابية، وفي قلب لحظة الميلاد التي تبدأ منها حياة جديدة.
فالقابلة لم تكن فقط شاهدة على ولادة التونسيين، بل كانت أيضًا شاهدة على ولادة تونس الحديثة، وشريكة في مسيرتها، وحاضرة في بناء مجتمعها وصحته ومستقبله.
في الثالث عشر من أوت، نحيّي المرأة التونسية في كل مواقعها، ونحيّي خصوصًا النساء اللواتي اخترن أن يصنعن الريادة بالعلم والعمل والعطاء.
تحية إلى المرأة التونسية الرائدة.
وتحية إلى القابلة التونسية، التي كانت منذ البدايات جزءًا أصيلًا من ريادة المرأة التونسية، وصنعت من مهنتها مسارًا من العلم والخدمة والنضال والإنسانية.
فريادة القابلة التونسية ليست مسارًا منفصلًا عن ريادة المرأة التونسية؛ إنها في صلبها، وجزء من تاريخها، ووجه من وجوهها.
كل عام ونساء تونس وقابلاتها رائدات، مناضلات ومتميزات.
الكنفدرالية التونسية للقابلات
09/08/2026
هل تنكّرت الدولة للقابلة؟
من مهنة كانت في قلب سياستها السكانية والصحية إلى مهنة تُسأل اليوم: ماذا تفعلين؟
بقلم: سعيدة الفريو
هناك أسئلة تبدو بسيطة عندما تُقال في حديث إداري عابر، لكنها تحمل في داخلها تاريخاً كاملاً.
ومن أكثر الأسئلة التي أصبحت تؤرقني مهنياً:
«لقد قلت الولادات... ماذا تفعل القابلة الآن؟»
وأعتقد أن الوقت حان لقلب هذا السؤال.
فالسؤال ليس فقط: ماذا تفعل القابلة اليوم؟
بل:
ماذا فعلت الدولة عندما تغيرت المؤشرات الديموغرافية؟
هل أعادت التفكير في أدوار القابلات، وفي تكوينهن، وفي مجالات تدخلهن، وفي كيفية استثمار كفاءاتهن؟
أم أنها اكتفت بالنظر إلى انخفاض عدد الولادات باعتباره مشكلة تخص القابلة؟
لأن القابلة لم تكن يوماً مجرد موظفة تنتظر حدوث الولادة.
عندما كانت الدولة تحتاج إلى القابلة
لفهم ما يحدث اليوم، علينا أن نعود قليلاً إلى الوراء.
منذ انطلاق برامج التنظيم العائلي في تونس خلال ستينيات القرن الماضي، كانت القابلات في قلب العمل الميداني.
كنّ في مراكز رعاية الأم والطفل، وفي الفرق المتنقلة، وفي متابعة النساء، وفي خدمات تنظيم الأسرة، وفي التثقيف والوقاية، وفي الوصول إلى النساء في المناطق التي لم تكن الخدمات الصحية تصل إليها بسهولة.
كانت القابلة إحدى أهم حلقات الوصل بين السياسة الصحية والمرأة والأسرة.
كانت الدولة تحتاج إليها لتنفيذ جزء أساسي من سياستها السكانية والصحية.
وهذا ليس مجرد انطباع مهني أو ذاكرة شخصية.
إنه جزء من تاريخ صحي وسكاني له وثائقه وأرقامه وشواهده.
لكن التاريخ لا ينبغي أن يُقرأ فقط من زاوية ما احتاجته الدولة من المهنة.
بل علينا أن نسأل أيضاً:
ماذا منحت الدولة لهذه المهنة مقابل الدور الذي أدته؟ وكيف طورت مكانتها وأدوارها عندما تغيرت حاجات المجتمع؟
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
ماذا فعلت القابلات من أجل هذه الدولة؟
قبل أن نسأل القابلة اليوم:
«ماذا تفعلين وقد قلت الولادات؟»
أليس من العدل أن نتذكر أولاً ماذا فعلت القابلات عندما كانت الولادات مرتفعة جداً؟
ماذا فعلت في سنوات كان فيها النقص في الموارد البشرية الصحية مزمناً، وكانت أعداد قليلة من المهنيات تتحمل أعباء هائلة؟
كم من ليلة طويلة، وكم من ولادة صعبة، وكم من حالة طارئة، وكم من روح أُنقذت بفضل يقظة قابلة وخبرتها وقدرتها على اتخاذ القرار في لحظة لا تحتمل الخطأ؟
كم من قابلة عملت في ظروف قاسية، وفي مناطق بعيدة ووعرة، ووصلت إلى نساء لم تكن الخدمات الصحية تصل إليهن بسهولة؟
وعندما أطلقت الدولة برامج التنظيم العائلي، ألم تكن القابلات في الميدان؟
كنّ في مراكز رعاية الأم والطفل، وفي الفرق المتنقلة، وفي المدن والقرى والمناطق النائية، يصلن إلى النساء ويقدمن خدمات التنظيم العائلي والتثقيف والوقاية والمتابعة.
لقد كنّ جزءاً من تنفيذ سياسة وطنية كاملة.
فهل كان ذلك كله بلا قيمة؟
وهل يُختزل تاريخ هذه المهنة اليوم في عدد الولادات فقط؟
أين الاعتراف بتلك السنوات التي عملت فيها القابلات في ظروف لم تكن فيها الموارد متوفرة كما هي اليوم؟
أين الاعتراف بمن أنقذن الأرواح؟
أين الاعتراف بمن وصلن إلى أقصى مناطق الجمهورية؟
أين الاعتراف بمن حملن على عاتقهن جزءاً من سياسة الدولة السكانية والصحية؟
أهكذا تُجازى مناضلات الميدان؟
بالتجاهل؟ بالتهميش؟ بالضغط؟ وبالتشكيك في جدوى المهنة؟
أنا لا أطرح هذه الأسئلة بدافع الحنين إلى الماضي.
بل لأن الدولة التي لا تحفظ ذاكرة كفاءاتها لا تستطيع أن تبني عليها مستقبلاً.
القابلات لا يطلبن وساماً على ما مضى.
إنهن يطلبن فقط ألا يُمحى ما قدمنه، وألا تتحول التحولات الديموغرافية الجديدة إلى ذريعة لمحو دورهن أو التشكيك في قيمتهن.
عندما وسّعت الدولة اختصاصات القابلة لأنها كانت تحتاج إليها
وهناك جانب آخر من تاريخ المهنة لا يمكن تجاهله.
القابلة لم تؤدِّ فقط المهام التقليدية التي ارتبطت بها تاريخياً، بل تحملت، في إطار القانون والتنظيم، مسؤوليات واسعة في رعاية الأم والمولود، خصوصاً في فترات لم يكن فيها طب الاختصاص متوفراً بالقدر الكافي.
عندما كان هناك نقص في أطباء الاختصاص، كانت الدولة في حاجة إلى القابلة.
وعندما كانت الخدمات الطبية لا تصل إلى كل المناطق، كانت القابلة موجودة.
وعندما كانت الحاجة إلى رعاية الأم والوليد أكبر من الإمكانات المتاحة، توسعت مسؤوليات القابلة بما يسمح للمنظومة الصحية بالاستجابة للحاجة.
أي أن تطور دور القابلة لم يكن دائماً نتيجة مطالبة مهنية بامتيازات جديدة.
كان، في جانب كبير منه، استجابة لحاجات الدولة والمجتمع الصحية.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله:
عندما كانت الدولة تحتاج إلى القابلة، لماذا كان من الممكن توسيع مهامها ومسؤولياتها؟
وعندما تغيرت الظروف، لماذا أصبح توسيع دورها فجأة أمراً يحتاج إلى تبرير؟
هل تتغير قيمة الكفاءة بتغير حاجة الإدارة إليها؟
أم أن الكفاءة تبقى موجودة، وما يتغير هو فقط مقدار ما تستثمره الدولة فيها؟
القابلة التي تحملت مسؤوليات كبيرة في فترات نقص طب الاختصاص، وعملت في مناطق لا تتوفر فيها كل الإمكانات الطبية، وكانت جزءاً أساسياً من منظومة رعاية الأم والوليد، لا يمكن اختزال تاريخها اليوم في سؤال عدد الولادات.
لقد وسّعت الدولة دور القابلة عندما احتاجت إليها.
واليوم، أمام التحولات الديموغرافية والصحية الجديدة، ربما حان الوقت لأن تسأل نفسها سؤالاً آخر:
لماذا لا نعيد توسيع هذا الدور، ولكن وفق حاجات تونس الجديدة، وبالتكوين والوسائل والتنظيم الذي يضمن جودة الرعاية وسلامة المرأة ووليدها؟
تغيرت الديموغرافيا... فهل تغيرت رؤية الدولة؟
تونس اليوم ليست تونس الأمس.
المؤشرات الديموغرافية تغيرت، والخصوبة تراجعت، وأصبحت الدولة نفسها معنية بتداعيات التحول الديموغرافي.
بل إن الخطاب الرسمي أصبح يتحدث عن تشجيع الإنجاب وعن ضرورة مواجهة هذا التحول.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف.
إذا كانت الدولة تريد اليوم تشجيع الإنجاب، وإذا كانت الصحة الإنجابية جزءاً من الاستجابة للتحولات الديموغرافية، وإذا كان المجتمع يحتاج إلى مرافقة النساء والأزواج الذين يرغبون في الإنجاب، فأين القابلة في هذه السياسة الجديدة؟
أين دورها في الصحة الإنجابية؟
أين دورها في مرافقة الأزواج الراغبين في الإنجاب؟
أين دورها في الوقاية والتوجيه المبكر؟
أين دورها في الإعداد للأمومة والأبوة؟
أين دورها في دعم الرضاعة الطبيعية؟
أين دورها في التثقيف الصحي وفي أنسنة الخدمات؟
وأين الاستثمار الحقيقي في تكوينها حتى تكون شريكاً في مواجهة التحولات الجديدة؟
لا يمكن أن تتغير السياسة السكانية وتبقى رؤية الدولة للقابلة ثابتة.
إذا تغيرت حاجات تونس، فيجب أن تتغير معها خريطة الأدوار المهنية.
العالم يحتاج إلى القابلات... فلماذا ننظر إليهن بمنطق العدد؟
المفارقة تصبح أكبر عندما ننظر إلى الاتجاهات الدولية.
العالم يواجه نقصاً في أعداد القابلات، بينما تتزايد الحاجة إلى خدمات صحية تضمن العدالة في الصحة الجنسية والإنجابية، وتحسن صحة الأم والوليد، وتوفر رعاية مستمرة وقريبة من النساء.
والاتجاه الدولي لا يسير نحو تهميش القبالة.
بل نحو الاستثمار فيها، وتحسين تكوينها وظروف عملها، وإدماجها بصورة أكبر في الرعاية الأولية والصحة الإنجابية.
فهل من المعقول أن نبقى نحن أسرى منطق:
«قلت الولادات، ماذا تفعلين الآن؟»
المشكلة هنا ليست فقط مشكلة مهنة.
إنها مشكلة في طريقة تفكيرنا في الموارد البشرية الصحية.
فالمورد البشري لا يُقاس فقط بعدد المرضى الذين يخدمهم اليوم، بل أيضاً بقدرته على الاستجابة لحاجات المجتمع غداً.
القابلة ليست مرتبطة بعدد الولادات
القابلة ليست قيمتها في عدد الولادات التي حضرتها فقط.
يمكن أن تكون حاضرة قبل الحمل، وأثناءه، وبعده.
في الوقاية.
في الصحة الإنجابية.
في الإعداد للأمومة والأبوة.
في دعم الرضاعة.
في التثقيف الصحي.
في الكشف المبكر.
في المرافقة.
وفي صحة المرأة عبر مراحل حياتها.
يمكن أن يكون لها دور أكبر في الصحة المدرسية والجامعية، وفي التربية الأسرية، وفي الوقاية، وفي التثقيف حول الصحة الجنسية والإنجابية، وفي متابعة المرأة خارج فترة الحمل والولادة.
فإذا تغيرت حاجات المجتمع، لماذا لا تتغير أدوار القابلة معها؟
هذا ليس طلباً لخلق مهام وهمية حتى تبقى المهنة موجودة.
بل هو دعوة إلى إعادة توزيع الكفاءات وفق الحاجات الصحية الحقيقية للسكان.
أين الاستثمار في القابلة؟
هنا أيضاً يجب أن نكون أكثر جرأة.
أين التكنولوجيات الطبية التي تمكن القابلة من تطوير ممارستها؟
أين التكوين المستمر الجدي؟
أين التدريب على المرافقة الحديثة للأمومة والأبوة؟
أين الاستثمار الحقيقي في دعم الرضاعة الطبيعية؟
أين التكوين في أنسنة الخدمات الصحية وحماية حقوق النساء؟
أين التكوين المستمر في الوقاية والكشف المبكر؟
أين توسيع أدوار القابلات في الوقاية والصحة المدرسية والجامعية؟
وأين الاعتراف بالعمل الميداني الذي تقوم به القابلات فعلياً؟
فلا يمكن أن نطلب من القابلة تنفيذ نشاط أو حملة أو خدمة، ثم تظهر النتيجة في الإحصائيات وكأنها إنجاز إداري مجرد، بينما يختفي اسم من قام بالعمل فعلياً.
لا نريد أن تكون القابلة مجرد منفذة للأعمال، ثم تُنسب النتائج إلى غيرها في الإحصائيات.
نريد لها أن تكون شريكاً في تصميم السياسة، وفي تنفيذها، وفي تقييم نتائجها.
وهذا هو الفارق بين استعمال الكفاءة واستثمار الكفاءة.
وإذا كانت النساء يعزفن عن الخدمات العمومية؟
هناك سؤال آخر لا يقل أهمية.
إذا كانت الدولة تريد تحسين صحة الأم والطفل، فلماذا لا تتساءل بجدية:
لماذا تعزف بعض النساء الحوامل عن خدمات الأمومة في مراكز الصحة الأساسية وفي المستشفيات العمومية؟
هل السبب نقص الثقة؟
هل هو طول الانتظار؟
هل هو أسلوب الاستقبال؟
هل هو غياب الاستمرارية في الرعاية؟
هل هو الخوف من عدم احترام الخصوصية؟
هل هو ضعف المرافقة والمعلومة؟
هل هو شعور المرأة بأنها لا تُسمع ولا تُشرك في القرار؟
هل هي تجربة الولادة السابقة؟
أم أن المشكلة في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة بناء علاقتها بالمرأة؟
لا يكفي أن نقول إن المرأة تذهب إلى القطاع الخاص.
علينا أن نسأل:
ما الذي يجعلها تختار الابتعاد عن القطاع العمومي؟
فالمرأة لا تختار الخدمة الصحية فقط بناءً على توفرها.
إنها تختار أيضاً بناءً على الثقة، والكرامة، والخصوصية، وجودة التواصل، والاستمرارية، والشعور بالأمان.
وهنا يمكن للقابلة أن تكون جزءاً أساسياً من الحل.
لكن ذلك يتطلب أن نعطيها المكان والوقت والتكوين والموارد والاستقلالية المهنية التي تسمح لها بأداء هذا الدور.
عندما تصبح القابلة مجرد أداة لسدّ الثغرات
ما يؤلمني أكثر هو أنني أشعر أحياناً أن الدولة لا تتذكر القابلة إلا عندما تكون في حاجة إليها.
في الأزمات.
في النقص.
في الحملات.
في تغطية المناطق.
في تنفيذ البرامج.
في سد الثغرات.
لكن عندما يتعلق الأمر بتطوير المهنة، أو توسيع أدوارها، أو الاستثمار في تكوينها، أو حماية كرامة العاملات فيها، أو إعادة التفكير في مستقبلها، يصبح حضورها أقل وضوحاً.
وهنا لا بد من أن نسأل:
هل أصبحت القابلة بالنسبة إلى الدولة أداة تُستدعى عند الحاجة، بدل أن تكون شريكاً دائماً في بناء السياسات الصحية؟
إذا كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في القابلة.
المشكلة في الرؤية التي تُدار بها المهنة.
ومن انخفاض الولادات إلى هرسلة القابلات
الأخطر أن انخفاض عدد الولادات بدأ يُستخدم أحياناً بطريقة تجعل القابلة وكأنها مطالبة بتبرير وجودها.
وهنا أقول بكل وضوح:
القابلة ليست مسؤولة عن المؤشرات الديموغرافية.
انخفاض الخصوبة ليس نتيجة لوجود القابلات.
كما أن ارتفاعها، إذا حدث، لن يكون نتيجة لعدد القابلات في المؤسسات.
المؤشرات الديموغرافية نتاج عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية معقدة، تتجاوز بكثير مهنة صحية واحدة.
لذلك لا يمكن تحويل التحولات الديموغرافية التي عرفتها تونس إلى مشكلة تُلقى على عاتق القابلة.
وإذا كانت الدولة ترى أن بعض مؤسسات التوليد لم تعد مناسبة للخريطة الصحية الجديدة، فلتكن لديها الشجاعة لاتخاذ القرار المؤسساتي الواضح، بناءً على معطيات ودراسات ومعايير معلنة.
إذا كانت هناك مؤسسات يجب إعادة هيكلتها أو دمجها أو حتى غلقها، فلتتحمل الدولة مسؤولية قرارها السياسي والإداري.
أما أن تُهمَّش المهنة، وتُمارس الضغوط على القابلات، ثم يُقال لهن:
«لقد قلت الولادات، ماذا تفعلن الآن؟»
فهذا ليس إصلاحاً صحياً.
هذا تحميل لمهنة صحية مسؤولية تحولات ديموغرافية تتجاوزها بكثير.
إعادة تنظيم المؤسسات لا تعني هرسلة المهنيين
من حق الدولة أن تعيد تنظيم خريطتها الصحية.
ومن حقها أن تراجع توزيع المؤسسات والموارد البشرية.
ومن حقها أن تتساءل عن جدوى بعض الهياكل عندما تتغير حاجات السكان.
لكن إعادة التنظيم شيء، وهرسلة المهنيين شيء آخر.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإضعاف المهنة أو التشكيك في قيمتها.
بل يبدأ بالحوار معها.
فالقابلات صاحبات معرفة ميدانية.
يعرفن النساء، ويعرفن حاجاتهن، ويعرفن ما يحدث داخل المؤسسات، ويعرفن أين توجد مواطن الخلل.
فلماذا لا تكون القابلة شريكة في التفكير في مستقبل خدمات التوليد والصحة الإنجابية؟
لماذا لا يُستفاد من خبرتها بدلاً من التعامل معها وكأنها جزء من المشكلة؟
من يريد إصلاح خدمة صحية دون الاستماع إلى مهنييها، يخاطر بإصلاح الورق وإفساد الواقع.
إذا تغيرت حاجات تونس... فلنغير الأدوار
ليس المطلوب أن نعيد الولادات إلى الارتفاع بأي ثمن.
وليس المطلوب أن تتحول القابلة إلى أداة لفرض الإنجاب.
الإنجاب قرار شخصي وأسري، ويجب أن يبقى قائماً على الحرية والمعلومة والاختيار.
لكن عندما تتحدث الدولة نفسها عن تشجيع الإنجاب، فإن عليها أن تبني البيئة الصحية والاجتماعية التي تجعل المرأة والأسرة قادرين على اتخاذ قرار الإنجاب في ظروف أفضل.
وهنا يمكن للقابلة أن تكون شريكاً حقيقياً:
في الصحة الإنجابية.
في المرافقة.
في الوقاية.
في الإعداد للأمومة والأبوة.
في دعم الخصوبة والمساعدة على الإنجاب ضمن حدود اختصاصها.
في متابعة الحمل.
في الولادة.
في ما بعد الولادة.
وفي صحة المرأة عبر مراحل حياتها.
هذه ليست عودة إلى الماضي، بل إعادة تعريف للمستقبل.
هل تنكّرت الدولة للقابلة؟
قد يبدو السؤال قاسياً.
لكن أحياناً تكون الأسئلة القاسية ضرورية عندما يصبح الصمت أكثر كلفة من السؤال.
هل يمكن أن نقول إن الدولة، بعد أن استفادت لعقود من القابلات في تنفيذ جزء أساسي من سياستها السكانية والصحية، لم تمنح المهنة دائماً المكانة والتطور والاستثمار الذي يتناسب مع حجم هذا الدور؟
هل يمكن أن تكون الدولة قد اعتادت النظر إلى القابلة من زاوية الحاجة الآنية إليها، أكثر مما نظرت إليها باعتبارها كفاءة صحية وطنية قابلة للتطور والاستثمار؟
وهل أصبح انخفاض عدد الولادات سبباً لإعادة النظر في وجود القابلة، بدلاً من أن يكون مناسبة لإعادة تعريف أدوارها؟
هذه ليست أحكاماً نهائية.
إنها أسئلة سياسية ومهنية وصحية يجب أن تُطرح بصراحة.
لأن القضية في النهاية ليست الدفاع عن وظيفة.
القضية هي: كيف تدير الدولة كفاءاتها الصحية عندما تتغير حاجات المجتمع؟
لنقلب السؤال
بدلاً من أن نسأل القابلة:
«ماذا تفعلين الآن وقد قلت الولادات؟»
فلنسأل الدولة:
«ماذا ستفعلين بهذه الكفاءات بعد أن تغيرت حاجات المجتمع؟»
وبدلاً من أن نسأل لماذا أصبحت بعض النساء تبتعد عن خدمات الأمومة العمومية، فلنسأل:
«ماذا فعلنا حتى تشعر المرأة أن هذه الخدمات هي مكانها الطبيعي والآمن؟»
وبدلاً من أن نعتبر انخفاض الولادات نهاية لدور القابلة، فلنجعله بداية لإعادة التفكير في هذا الدور.
فالقابلات لا يطلبن أن تعود الولادات إلى ما كانت عليه.
ولا يطلبن امتيازاً.
ولا يطلبن أن تبقى المهنة أسيرة لدورها التقليدي.
إنهن يطلبن أن يُنظر إليهن باعتبارهن مهنيات راكمْن معرفة وخبرة وكفاءة، وأن تُستثمر هذه الكفاءة في خدمة احتياجات تونس المتغيرة.
وقد تتألم القابلة من التهميش، وقد تدفع نفسياً واجتماعياً ومهنياً ثمن عدم الاعتراف بدورها.
لكن الخاسر الأكبر ليس القابلة وحدها.
الخاسر الأكبر هو المرأة التي قد تُحرم من خدمة صحية قريبة ومستمرّة وذات جودة، والمولود، والأسرة، والمجتمع.
لأن خدمات القبالة ليست خدمة هامشية يمكن الاستغناء عنها كلما تغير عدد الولادات.
يمكن أن تتغير أدوار القبالة، ويمكن أن تتوسع، ويمكن أن يعاد تنظيمها بما يتلاءم مع حاجات تونس الجديدة؛ لكن لا يمكن إقصاء خدمات القبالة من منظومة صحية تريد حماية المرأة والمولود والأسرة.
فإقصاء القبالة لا يعني إقصاء مهنة فحسب.
إنه إضعاف لأحد أعمدة الصحة الإنجابية وصحة الأم والوليد، وقد يكون مدخلاً إلى إضعاف المنظومة الصحية نفسها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:
«ماذا تفعل القابلة بعد انخفاض الولادات؟»
بل:
«كيف نعيد بناء خدمات القبالة لتصبح أكثر قوة وفاعلية في تونس التي تغيرت حاجاتها؟»
لقد تغيرت تونس.
فهل تغيرت معها رؤية الدولة للقابلة؟
هذا هو السؤال الذي أضعه اليوم على الطاولة.
وربما يكون هذا السؤال، في حد ذاته، بداية حديث تأخر كثيراً.