23/03/2026
وأما خزائن الكتب بمدينة تونس، يعني بجامع الزيتونة، وهي المقصودة بالذات من هذه النبذة التاريخية، فأول ما ظهر من ذلك الخزانة العامة التي أحدثها أبو فارس عبد العزيز الحفصي في سنة 797هـ، وجعلها بالجامع المذكور بمجنبة رصد الهلال. وعلى قياسه جرى عمل حفيده السلطان أبي عمر وعثمان، فقد أضاف في سنة 839هـ لخزانة جده خزانة أخرى مشتملة على أهم الكتب، وضعها بالمقصورة الشرقية بالجامع، وتعرف بمقصورة سيدي محرز بن خلف.
ثم تلاه حفيده أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد المسعود، فأسس في أوائل المائة العاشرة المكتبة المعروفة بالعبدلية، التي سيأتي الكلام عليها، وجعلها بالرواق الشرقي بالجامع مشرفة على جهة سوق العطارين. وجميع هذه الخزائن الثلاث عبثت بها الأيام أثناء الاحتلال الإسباني لتونس في عام 980هـ، قالوا إنهم مزقوها كل ممزق، حتى كانت تباع بأبخس الأثمان، أو تدوسها سنابك خيولهم المرابضة بصحن جامع الزيتونة. فقد ذكر بعض المؤرخين أن المار حول الجامع من جميع جهاته لا تكاد تقع قدمه على غير الكتب، فبادت جميع الكتب وتلاشت، ولم يبق منها بالجامع إلا بضع نسخ من صحيح الإمام البخاري.
وأمسى العلم بتونس كشمس على مغيب حوالي القرن الحادي عشر، ومما زاد نجمه أفولاً تعاقب الأوبئة في ذلك العهد، منها وباء عام 1100هـ. قال الوزير السراج إن العلم انقطع من تونس بذلك الفناء المتعاقب، وذلك من بقية الأسباب التي أتت على ما تركته أيدي الفتن والسرقة، لأن الكتب لا تعيش طويلاً بين غير أهل العلم.
ولما أراد الله إخراج هذه الديار من ظلمات الجهل الذي أرخى عليها سدوله في تلك العصور، أشرقت عليها شمس البيت الحسيني، فتوجهت عناية الباي حسين بن علي تركي، رأس العائلة الحسينية، إلى بناء المدارس ونسخ الكتب، لا سيما كتب الفقه، واجتهد في ذلك لحد تكوين خزانة معتبرة وقفها على المحكمة الشرعية بتونس، منها نسخة المدونة المحفوظة الآن بالمكتبة العبدلية.
وفاقه في هذا الميدان حفيده لأخيه الأمير العالم الباشا علي بن محمد، صاحب النهضة العلمية، إذ أرسل إلى الأستانة مفتي دولته الشيخ حسين البارودي لاشتراء أكثر ما يمكن اقتناؤه من أحسن الكتب وأبدعها خطاً وتزويقاً وتذهيباً، جمعها بمكتبته التي جعلها بمسجد بيت الباشا بباردو. وكان في جملتها من الكتب النادرة آنذاك حواشي الكشاف التي لم تكن موجودة قبل ذلك بين أهل العلم بتونس.
كما أسس الباشا المذكور مكاتب أخرى بمدارس الطلبة للمعلمين والمتعلمين، فكان هذا الأمير، الذي خلط في مدته عملاً صالحاً وآخر سيئاً، هو أبو النهضة العلمية الأولى في العصر الحسيني. إلا أن كتبه تلاشى منها الكثير بامتداد يد النهب إليها من باي قسنطينة، الذي شارك في النزاع الحاصل بين الباشا المذكور وبين ابني عمه محمد الرشيد باي وعلي باي، اللذين استرجعا منه بالقوة القاهرة ملك أبيهما المغصوب في سنة 1169هـ، وفي خلالها كان المشار إليه.
قال شاعرهم: مصرع
وأمسى دفيناً بعد أن كان دافناً
فقلت وقد أرّخته: دفن الباشا.
بقلم المؤرخ سيدي محمد بلخوجة رحمه الله
[✍️الزيتونة المالكية الأشعرية]