15/06/2025
الحمد لله أنهت اللجنة الثانية لاصلاح مادّة العربيّة شعب علميّة أنهت أعمالها اليوم الأحد الخامس عشر من جوان 2025 بعد مجهود استمرّ لثلاثة أيّام شكرا جزيلا لكلّ الزملاء على تفانيهم في العمل وان شاء الله في دورة التدارك
لمساعدة أساتذة العربيّة على تخطّي الصعوبات في ميدان تدريس مادة العربية
15/06/2025
الحمد لله أنهت اللجنة الثانية لاصلاح مادّة العربيّة شعب علميّة أنهت أعمالها اليوم الأحد الخامس عشر من جوان 2025 بعد مجهود استمرّ لثلاثة أيّام شكرا جزيلا لكلّ الزملاء على تفانيهم في العمل وان شاء الله في دورة التدارك
09/06/2025
امتحان مادة العربية شعبة الٱداب
02/06/2025
02/06/2025
الزميل الخلوق رمضان الشابي Midou Midou في ذمة الله . الله يرحمه ويغفر له
25/01/2025
حلقة تكوين موضوعها درس البلاغة من التقعيد الى الاستعمال والهدف هو اخراج درس البلاغة من الرتابة خدمة للتلميذ وينشّطه كالعادة السيّد سمير السعيدي متفقّد مادّة العربيّة بولاية باجة ...شكرا للجميع وأخصّ بالذكر السيدة فاطمة سليمان على توثيق الحلقة .
تجلّيات العقل ومجالاته :
لا نرى لزاما أوان دراستنا لمسألة المنزع العقلي في الأدب العربي القديم أن نهتم بالعقل من حيث بنيته ومن حيث هو مقولة فلسفيّة لأنّ من شأن ذلك أن يدخلنا في متاهات فكريّة نحن في غنى عنها ذلك أنّ أدباء المنزع العقلي لم ينسّقوا أفكارهم تنسيقا دقيقا شاملا ولم يتناولوا مواضيع فلسفيّة بعينها (فلسفة الطّبيعة/فلسفة الأخلاق/ فلسفة العلوم ..) بل ألّفوا كتبا موسوعيّة كثيرة شملت مواضيع مختلفة متآلفة أحيانا متداخلة أحيانا أخرى فالتّوحيدي في الإمتاع والمؤانسة والمقابسات خاض في مسائل الفلسفة والدّين والسّياسة والاجتماع والعلم وغرائب الحيوان وأخبار الحمقى والفنون... وتبعا لذلك تجلّى المنزع العقلي في مجالات متعدّدة يمكن أن نجملها في جملة من الثّنائيات العقل والأدب /العقل والنّقل /العقل والمعرفة /العقل والإنسان /العقل والأخلاق... وهي ثنائيات إذا جمعنا شتاتها وألّفنا بينها تمكّنا من معرفة آليات اشتغال المنظومة الفكريّة العربيّة والمجالات التي يتحرك في حدودها العقل العربي
5- مجالات المنزع العقلي عند التّوحيدي
5-1- العقل والأدب : من البكائيّة والغنائيّة إلى العقلانيّة .
إنّ العقل في التصوّر الذي تنقله اللّغة العربيّة المعجميّة يرتبط دوما بالذّات وحالاتها الوجدانيّة وأحكامها القيميّة بما يجعله متّجها دوما إلى السّلوك البشري بالدّرجة الأولى ثم إلى الطّبيعة وظواهرها فهو في نفس الوقت عقل وقلب وفكر ووجدان وتأمّل وعبرة ، ولئن كانت لفظة العقل مألوفة في الأدبيّات العربيّة فإنّ استعمالها في إنشاء المعرفة حديث ولّدته تلك الصّدمة الحضاريّة مع الأمم الأخرى عن طريق التّرجمة التي أوجدت توجّها جديدا في الأدب العربي القديم وكان لابدّ من الانتقال من خطاب وجداني (البكاء على الأطلال /العشق/الجنون..) إلى خطاب عقلي موضوعه الإنسان بكلّ أبعاده والطّبيعة بمختلف ظواهرها فحصل التحول مع الجاحظ في مضامين الأدب فأضحى العلم والمنطق في خدمة الأدب تأثّرا بالمنظومة الاعتزالية وتعمّق هذا المسار الفكري مع التّوحيدي فأصبح الأدب شاملا لجميع المعارف وأصبح الأديب خزّانة للعلم والثّقافة فضمّت كتبه ومنها الإمتاع والمؤانسة والمقابسات جوانب هامّة من تفكيره وأرائه في الأدب والإنسان والفلسفة والحياة والوجود فخاض في أهمّ قضايا العصر الفكريّة والفلسفيّة والعلميّة واتّخذ منها مواقف متفرّدة
وبهذا الوعي الجديد أمكن للتّوحيدي خاصّة ولأدباء المنزع العقلي عامّة ممارسة ضرب من التّفكير العقلاني جعل من القيم السّائدة موضوع تساؤل وعيا بمنزلة المثقّف في المجتمع متجاوزا بذلك منهجيّة التّقبّل السّائدة وبذلك أصبح التّفكير العقلاني ضرورة منهجيّة وفكريّة لإثبات الذّات أمام الغزو الثّقافي للآخر فلابدّ من التّفكير العقلاني يقول التّوحيدي في الإمتاع " وما وهب اللّه العقل لأحد إلّا وقد عرضه للنّجاة" ، كما نجده يقول في المقابسات " سمعت عيسى بن علي يقول لو أنّ الأوّلين اجتمعوا في صعيد واحد وأعير كلّ واحد قوّة الباقين ثمّ مجّدوا العقل مطنبين مسهبين ووصفوا شعاعه ونوره وشرفه وبهاءه ونبله وكماله وبهجته وجماله وزينته وفعاله لما بلغوا منه حدّا ولا استوعبوا من ذلك جزءا" (المقابسات ص.182)
إنّ الأدب أحد الفنون بل هو أبرزها وأقدرها على التعبير والانتشار والتّأثير ولما كانت الفنون التي يعبّر الإنسان من خلالها عن مواقفه من الكون والمجتمع فإنّ الأدب يعتبر من أهمّ ركائز التعبير والتوحيدي يقسّم الأدب على جنسين نثر ونظم والحديث عن هذين الجنسين عنده يطول إلّا أنّ ما يهمّنا هو إبراز العلاقة بين هذا التقسيم وبين مفهوم الإنسان فالتوحيدي يرى أن النّثر والنّظم يتقابلان مع ثنائية الوجود الإنساني فالنظم يقابل الجسد لأنّ الجسد مركّب من عدّة عناصر وكذلك النّظم فهو مركّب من المعنى والوزن ولذلك فهو يلائم الجسد ويطربه ولمّا كان النّاس أقرب إلى الطّبيعة الجسديّة المركّبة فيهم ، بعيدين عن العقل فإنهم يميلون إلى النّظم لأنّه يلائمهم ويطربهم ، فصورة العقل لديهم ضعيفة وهذا ما يجعلهم يتقبّلون ما يطربهم بعد أن يلائمهم ذلك أن الطبيعة والجسد يميلان إلى الولع بالوزن والإيقاع . أمّا النثر فهو بسيط يقابل العقل والعقل بسيط لأنّه جوهر والجوهر واحد وكذلك النّثر فهو بسيط لأنّه يتألّف من المعنى فقط بالمقارنة مع النّظم ولما كانت قلّة من الناس نسبة العقل فيهم أكثر من نسبة الطّبيعة فإنّ من يفضّل النّثر على النّظم قلّة فالعقل يطلب المعنى الصّادق ولا يهتمّ بالوزن وبنوعيّة اللفظ (المقابسات ص299)
كما استأثرت مسألة اللفظ والمعنى عنده بمكانة هامّة سيرا على نهج من سبقه ومن عاصره إذ انتصر البعض للّفظ والبعض الآخر للمعنى أمّا التوحيدي فقد عدّ اللفظ والمعنى وجهين لعملة واحدة لا يجب ترجيح أحدهما على الآخر " ولا تعشق اللفظ دون المعنى ولا تهو المعنى دون اللفظ "
فالمنزع العقلي يقصد به ذلك الاتّجاه الذي يرى العقل أداة للمعرفة .
العقل والنّقل : نحو إرساء منظومة فكريّة يتناغم فيها العقل مع النّقل
إن العقل في الفكر اليوناني ينظر إلى الأشياء نظرة موضوعيّة تبحث فيها عن مكوّناتها الذّاتية و عمّا هو جوهري فيها ، أمّا العقل في الأدبيّات العربيّة القديمة فإنّه يربط بين العقل وواجد الوجود فتصوّروا العقل العربي تابعا سواء أكان في بنيته أم في فعله لعقل ثابت وخالد ومفارق للطّبيعة وللعقول الفرديّة معا هو العقل /الله أو الفعّال فالعقل العربي وإن تجاوز دائرة البكائيّة والغنائيّة فإنّه لم يستطع التحرّك خارج دائرة العلوم الشّرعيّة فالتّوحيدي خاض في موضوع شغل معاصريه ومن سبقهم وهو البحث في العلاقة بين الفلسفة والشّريعة ورغم أنّه أعلى من شأن الفلسفة وأبدى تقديره للفلاسفة فإنّه خلص آخر الأمر إلى أنّ التّوفيق بين الفلسفة والشّريعة مطلوب لأنّ " كمال الإنسان بهما " ويقول في المقابسات – المقابسة رقم 53 - : إنّ النّاس محتاجون إلى قبول بعضهم بعضا في أمور أساسيّة من قبيل الدّين والسّياسة لكنّهم محتاجون على الدّوام إلى الحوار أو التّسليم بطائفة مختلفة من الأفكار ..." فيحاصر بذلك المقدّس عقل التّوحيدي لتصبح له حدودا تقتصر وظيفته على الاستدلال يقول فرحات الدّشراوي في مقال له بعنوان منزلة العقل عند ابن خلدون " تطبّعت المعرفة العربيّة الإسلاميّة في عصور ازدهارها بطابع النّظر العقلي المندمج بطابع الرّوح والشّعور والعقيدة فحدث فيها الانسجام المتين بين عنصري العقل والعقيدة انسجاما ليس له مثيل في سائر الدّيانات الأخرى " .
العقل والمعرفة : نحو إرساء معرفة عقليّة وإرباك ثقافة التّسليم وإقامة حضارة الحوار والجدل الفكري
نجد في تراث التوحيدي جدلا وشيئا من التّصارع بالحجج وشيئا من التّلاقح والتّقادح والتّفاتح يعزوه إلى أبي سليمان المنطقي يقول في الإمتاع والمؤانسة ج 3ص 186/187 "إن النّاس محتاجون إلى قبول بعضهم بعضا في أمور أساسيّة من قبيل الدين والسّياسة ، لكنّهم محتاجون على الدّوام إلى الحوار أو التّسليم بطائفة مختلفة من الأفكار تتناوش وتتصالح " فالأفكار لا يمكن أن يلغي بعضها بعضا إلغاء بل علينا أن نسعى دائما إلى الاختلاف مدركين طبيعة ما نقوم به يقول في المقابسة رقم 53 "إنّنا ننظر من جهات متفاوتة " فلا غرابة أن يجري السّمر في الليلة الأولى حول متعة الحديث وخصائص الحديث الجيّد وخلاصة الرّأي فيه أنّ الحديث الجيّد هو الذي يجري على أحكام العقل ففي المحادثة تلقيح للعقول وترويح للقلب .
يسمّي أبو حيّان الفكر الإنساني باسم حديث الإنسان والحديث بداهة له لهجات مختلفة فلا يستطيع المرء مطلقا أن يغضّ النّظر عن شيء منها تحت ستار المفاضلة والنّظرة الضّيقة والتحكّم القبلي المتعسّف فلا معنى للفكر أو العلم أو النّضج إلاّ إذا استوعبت قوّة الخلاف لذلك تحدّث عن لقاح العقول أي تلقيح الفكرة بفكرة أخرى مختلفة يقول " إنّ النّفوس تتقادح ، والعقول تتلاقح ، والألسنة تتفاتح " فيختار القدح للنّفس ويختار اللّقاح للعقل ثمّ يميّز آخر الأمر بين النّفوس والعقول والألسنة ففي الاطمئنان إلى العقول اطمئنان إلى الصّدق وإقامة البرهان ، وفي الاطمئنان إلى النّفوس جنوح نحو البداهة او اللّقانة أو الحدس على أنّ الألسنة ليست فيما يبدو آلة تعكس ما في العقول والنّفوس فربّما بدت آلة صانعة لها حقّ المشاركة في التّكوين فالألسنة تستطيع أن تضيف إلى القدح والتّلاقح ما يسمّيه صاحبنا باسم التّفاتح فالكشف إذن ذو جانب لساني واللّسان قوّة تُتِمُّ الحدس والعقل ، وتشكّل للقدح والتّلاقح طابعا خاصّا .
ونجده يقول في الإمتاع ج1 ص 1533حول مشروعيّة الحديث عن ضرورة تلاقح الأفكار" الانحراف المطلق لا يوجد والاعتدال المطلق لا يوجد ، وإنّما يوجد كلاهما بالإضافة " لأنّ الفرد في حاجة إلى" تناوش " الأفكار أكثر من الأفكار ذاتها .
يقول د محمّد ناصف في كتابه محاورات مع النّثر العربي – الفصل الخامس- ص1299 :" أبوحيّان عالم عقلي مركّب لا يخلو من الغموض ... أحيانا يكون واقعيّا وأحيانا يكون مثاليّا ،أحيانا تأخذه قوّة كلمة الصّدق ، وأحيانا تأخذه فكرة تنوّع السّبل أحيانا يرى المجتمع جدالا ، وأحيانا يحلم أن يكون المجتمع حوارا "
والتّوحيدي دائم السّؤال إذ يرى أنّ أبواب البحث عن كلّ موجود أربعة وهي جوهر الفلسفة عنده هي هل؟ وما؟ وأي ؟ ولم؟ وكتبه كلّها خاصّة المقابسات لا تخلو من التّساؤل فللتّساؤل دور هام في تشكيل بنيته الفكريّة .
العقل والإنسان : الإنسان مشروع يتأسّس لا يكتمل إلّا بالعقل
ثنائية العقل/ الإنسان بارزة بجلاء في كتابات أدباء المنزع العقلي ومن بينهم التّوحيدي خاصّة أنّ العقل يحدّد عندهم بوظيفة " تحقيق سعادة الدّارين " فكيف يحقّق العقل جوهر الإنسان فعليّا أو كيف يستكمل العقل الإنسان استكمالا أخيرا ؟
أخضع التّوحيدي الإنسان والمجتمع عموما إلى التّأمّل العقلي فكشف أدبه عن نزعة إنسانيّة تجلّت في الدّعوة إلى التّسامح بين أبناء الأمم المختلفة ونبذ العصبيات وقد تطرّق إلى هذا الموضوع في اللّيلة السّادسة من الإمتاع في ردّه على أحد الشّعوبيين الذي ثلب العرب وحطّ من شأنهم مقدّما الفرس وفي ردّ التوحيدي كثير من الموضوعيّة والنّزاهة وكثير من التّرفّع عن التّعصّب الضيّق والانتماء العرقي
كما تتجلّى علاقة العقل بالإنسان في كتابات التّوحيدي في مواقفه من العصر:
من الوضع السّياسي حكّاما وبطانة "قد ملكت نواصينا وسكنت ديارنا وصادرت أموالنا وحلت بيننا وبين ضياعنا وقاسمتنا مواريثنا ، وأنسيتنا رفاهة العيش وطيب الحياة وطمأنينة القلب فضياعنا مقطّعة ونعمنا مسلوبة وحريمنا مستباح وخراجنا مضاعف .."(الإمتاع ج3ص88) ويقول عن البطانة الفاسدة " إنّ منابع الفساد ومنابت التّغليط كلّها من الحاشية"
وقف التّوحيدي من الوضع السّياسي موقف النّاقد المتبرّم فعاب على السّاسة إهمالهم لشؤون الرعيّة ، كما أنكر استبدادهم وجبروتهم وتميّز تفكيره بإدراك عميق لمفاسد الحكم المطلق فهو عنده مقترن بسوء التّدبير والتّغافل عن مصالح الدولة من ذلك تعاطي الملوك الملذّات وإغراقهم في المجون
ولم يكتف التوحيدي بالنّقد بل حاول تقديم البديل أجمله في أركان أربعة للإصلاح السّياسي :
• المشورة "افزع إلى الله في الاستخارة وإلى الثّقات بالاستشارة ولا تبخل على نفسك برأي غيرك ..." (الإمتاع الجزء3 ص
• إسعاف العقل وتسويف الهوى " ما وهب اللّه العقل لأحد إلّا وقد عرضه للنّجاة"(نفس المصدر ص.245)
• حرّية التّعبير " ولو قالت الرعيّة لسلطانها لم لا نخوض في حديثك ولا نبحث في أمرك ولا نسأل عن عاداتك وسيرتك ولا نقف على حقيقة حالك في ليلك ونهارك ولم لا تسمع كلّ غثّ وسمين منا" (الإمتاع ج3 ص88)
• الاعتبار بما تقدّم "من لا تجربة له يقتبس ممّن له تجربة " (الإمتاع ج3ص214)
من الوضع الاجتماعي
إذ لا يقلّ قتامة عن الوضع السّياسي " وإذا الزمن قاتم متلوّن لا عاشق فيه للمروءة ولا منتهز فيه للخير ولا مؤثر فيه للصّدق ولا طالب فيه للصّواب ..." " وإذا الشّغب متّصل فطلب المال لا آخر له والمصطنع مستزيد والمحروم ساخط والمال ممزّق والتّجديف من الطّالب واقع والسرّ مكشوف والعلانيّة فاضحة وقد ركب كلّ هواه " (الإمتاع ج2 ص 215/216) فنقد طبقيّة المجتمع وظاهرة الانتفاضات والثّورات إذ وجدت العامّة "فرصتها في العبث والفساد والنّهب والغارة " (العيّارون/أسود الزّبد..) لذلك نجد موقفين للتوحيدي من العامّة العامّة الضالّة التي كان همّها العاجلة وموقفه موقف إدانة ورفض والعامّة الرّاشدة وقد دافع عنها وبلّغ صوتها للسّلطان وحمله على تعديل سياسته تجاهها .
العقل والأخلاق: في سبيل إرساء منظومة أخلاقيّة تتوافق وأحكام العقل
حوى مؤلّفا التوحيدي الكثير من الرؤى والمواقف الأخلاقيّة وهو يربط بين الأخلاق والدين والعمل يقول في المقابسات " لو ميّزنا الأخلاق بالشرح في هذا المكان للزم أيضا أن يشرح الدّين والعمل وجميع ما سلف التلفّظ به وأتى الذكر عليه " وينطلق في مؤلّفاته من قاعدة أخلاقيّة " أن كل من كان نصيبه من الكيس والحزامة أكثر ، كان قسطه من النّفع والفائدة أوفر ، وكلّ من كان حظّه من العقل والتّأييد أنزر كانت تجاربه فيها أخسر ، وعاقبته فيها أعسر " (المقابسات )
وواضح أن الخسارة والمكسب هنا لا تنصرف إلى المعاش الدنيوي فقط ولكن أيضا إلى المعنى الدّيني والأخلاقي .
ولمّا كان العقل عند مفكّرنا يحظى بالتّقدير ويعترف له بالأهميّة فإنّه أساس وركن يعوّل عليه والدّليل على قيمته عنده أنّه من يفقده يسقط عنه التّكليف فالعقل أساس هام في الأخلاق والمعرفة الإنسانيّة به يعرف الدّين ويقوّم الخلق ويقتبس العلم
ويرى التوحيدي أنّ الكون انبنى على ثنائيات (نفس ما ذهب إليه الجاحظ) وقام على مجموعة أضداد كالنّوم واليقظة والحسن والقبيح والصّواب والخطأ والخير والشر فكل ما يدور عليه الإنسان مقابل بالضدّ أو شبه الضدّ كالحياة والموت والرّخاء والخوف والعدل والجور والشّجاعة والجبن ..ودور العقل أو ما يسمّيه النّفس النّاطقة تمييزا له عن النّفس الشّهويّة والنّفس الغضبيّة هو حسن التّمييز بين هذه المتضادّات لاجتلاب المنفعة وإتيان الحسن من الأفعال ودرء الضدّ واجتناب القبيح "( الإمتاع ج2ص 24)
منقول
حول كتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي
كتاب الإمتاع والمؤانسة:
هو كتاب يجمع مسامرات ومحاوارات أبي حيان التوحيدي مع الوزير أبي العارض، يتطرق فيه إلى أهم موضوعات عصره والرد على القضايا والتساؤلات التي يثيرها الوزير بأسلوب سردي جميل، قام بتأليفه عام 374هـ، وإليكم هذا الملخص عنه، وعن مؤلفه:
مؤلف الكتاب:
هو أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، عاش في القرن الرابع الهجري، وقضى معظم حياته متنقلا بين فارس وبغداد، وانضم إلى الوزير ابن العميد الملقب بذي الكفايتين إلا أنه لم ينل عنده مأموله لأن الوزير ابن عباد قلب حياته جحيما، وناصبه العداء منذ البداية، فلجأ إلى صديقه أبو الوفاء المهندس وهو أحد أعيان بغداد ليعينه ويتوسط له عند الوزير أبي عبد الله العارض، ففعل وتم له مراده، وانضم لمجلسه يسامره ويحادثه في شتى مجالات المعرفة فترة من الزمن، ألف العديد من الكتب، واشتهر بمخالطة الصوفيين، وبتعمقه في الفلسفة والمنطق الذي درسهما على يد شيخه أبي سليمان المنطقي، توفي في حدود 400 هـ.
سبب التأليف:
لما ساعد أبو الوفاء المهندس أبا حيان في التوسط له عند الوزير أبي العارض، واستقر المقام بأبي حيان التوحيدي وأصبح من الأصفياء المقربين، مضت فترة انقطع فيها عن صديقه أبي الوفاء، فأحس هذا الأخير بالبعد والجفاء والنكران للجميل، فاستدعاه وخاطبه خطابا شديد اللهجة معاتبا إياه ولائما منه سوء تصرفه، واعتداده بنفسه، وهدده بالمقاطعة إلا إذا قام بنقل كافة المسامرات والمحاورات التي جرت بينه وبين الوزير إليه، فوافق أبو حيان على ذلك، وبدأ في تسطير كتاب يبدأ بعتاب أبي الوفاء، ورده هو عليه، ثم المسامرات التي جرت بينه وبين الوزير.
طريقة العرض:
لم يتبع أبو حيان تصنيفا موحدا لموضوعات كتابه، وإنما قسمه إلى ليالٍ يذكر في كل ليلة القضايا التي طرحت ونوقشت، والأسئلة التي أثيرت والأجوبة التي رد بها عليها، ولم يكن من الممكن توحيد الموضوعات لأنها كانت تثار من وحي اللحظة وحسبما يجري به الحديث والحوار، وأيضا لأن الموضوعات أتت متعددة مشاربها، متنوعة مداخلها ومخارجها، فغطت مساحات واسعة من المعرفة، والطريقة التي اتبعها أبو حيان في كتابه تحقق تماما عنوانه، وتؤدي بكل جدارة الوظيفة المناطة بها وهي إمتاع القارئ وإيناسه، وذكر في المقدمة عتاب أبي الوفاء له كاملا، ورده – أي أبي حيان – عليه، وكان الوزير غالبا هو السائل، وأبو حيان المجيب، فيبدآن ليلتهما بقضية ما يختارونها بناء على عدة أسباب: إما توضيحا لحادثة وقعت في البلاد، أو تفسيرا لمعضلة من المعضلات الفكر طرحت في الجلسة، أو لمجرد طلب الثقافة العامة، وتختم الليلة غالبا بملحة هي عبارة عن طرفة أو أبيات شعرية أو عبرة يلقيها أبو حيان، وكان الحديث يستمر حتى يغلبهما النعاس، وأتى الكتاب في أربعين ليلة موزعة على ثلاثة أجزاء، ونحن سنتطرق للجزء الأول ونرى أن ذلك كافيا ليعطينا فكرة عامة وجيدة عن الكتاب.
المحتويات:
مثلما ذكرنا سابقا فإن محتويات الكتاب لم تأتي منتظمة، وإنما تركوا الأمر على عواهنه، فنلاحظ أن الحديث في الليلة الأولى أتى ليضع اللبنات الأساسية للمنهجية التي ستسير عليها هذه المسامرات والأحاديث، ثم انتقلوا لمناقشة أهمية التحدث والحديث، وضوابطه وعلاقته بالعقل، والفرق بين المحدث والحادث والحديث، وهكذا نلاحظ انسيابية القضايا المطروحة وعفويتها؛ ولذلك تنوعت محتويات الكتاب تنوعا غنيا ووافرا، حيث غطت مجالات عديدة من المعرفة، امتدت إلى عصور متباينة، وشملت مناطق مختلفة في العالم، وكان تطرقهم للقضايا يختلف حسب الموضوع ومسار الحديث فأحيانا يكون معمقا ومفصلا، وأحيانا يكون مجرد إشارات، وأذكر هنا أمثلة على القضايا التي تطرق إليها الكتاب (لا يشترط أن تكون مشروحة بالتفصيل):
- في الإلهيات والعقائد، ومثال ذلك: تطرقهم لعقائد بعض الأمم، مثل: الهنود، واليونان، والفرس (الزرادشتية)، وإيراد أبي حيان لكتاب العامري في القضاء والقدر.
- في الفلسفة وعلم المنطق وفي الصوفيات والروحانيات، وتطرق الكتاب في مواضع عديدة لذكر المواقف المتعددة لعلماء ذلك العصر من هذه العلوم، وكان أبو حيان كثيرا ما ينقل آراء ودروس شيخه أبي سليمان المنطقي في قضايا مشابهة من مثل تعريف النفس والعقل والسكينة، وفي المنطق ذكر أبو حيان مقالا لابن يعيش في الممكن والفرق بينه وبين الواجب والممتنع، وذكر الحوار الحامي الشهير بين أبي سعيد السيرافي النحوي الفقيه، وأبي بشر متى المناصر للعلوم المنطقية اليونانية والداعي بشدة إليها، و لميوله الصوفية وتعمقه في علوم المنطق أطنب أبو حيان في مرات عديدة في التحدث عنها وذكر أهم قضاياها وبحثها.
- في اللغة بكافة أقسامها من صرف ونحو وبلاغة وغيرها من علوم اللغة: حيث كان الوزير غالبا ما يسأله عن مسألة لغوية وأبو حيان يجيب عليها، وكانت الأسئلة تدور حول الفروق اللغوية، وتوضيح معاني بعض الكلمات الغريبة ومواقع استخدامها، وعن بعض الأفعال وما هي الحروف التي تتعدى بها، وكان أبو حيان يتحدث أحيانا عن اللغة العربية ذاكرا ما تتميز به بشكل عام عن اللغات الأخرى، وأحيانا كان يدافع عن علم خاص كمدافعته المستميتة لعلم البلاغة وإفحامه لمن فضل علم الحساب عليها، وكذكره لمحاورة أبي سعيد السالفة التي بين فيها أهمية النحو في جعل الحياة أفضل بتسهيل وتيسير التواصل بين الناس وجعله أكثر كفاءة وفعالية.
- في الأدب بكافة أقسامه من خطب ورسائل ومقولات وأشعار، ففي مرات كثيرة كان يستشهد بأبيات لشعراء متعددين من عصور مختلفة كأبي الورد وذي الرمة والقطامي والحجاج (شاعر معروف في عصره)، وأيضا كان يستشهد ويذكر خطبا ومقولات لفصحاء ومتكلمين سابقين، ويزين حديثه أيضا بقصص غريبة وحوادث عجيبة وقعت في عصور مختلفة.
- في قضايا عصره وسياسة حكامه، وفي وصف وزرائه وعلمائه وشعرائه وأدبائه، ففي مرات عديدة كان الوزير يسأل أبا حيان عن رأيه في مجموعة من الشعراء والعلماء في مجالات مختلفة، وأحيانا كانوا يناقشون قضايا سياسية، وبعض الجماعات التي تظهر هنا وهناك، وكيفية التعامل معها مما ينقل إلينا صورة لا بأس بها عن حوادث ذلك الدهر وأحواله.
- في الإنسان والأمم والشعوب وأحوالها وفي الأخلاق والسجايا والطبائع، حيث تطرق لتعريف الإنسان، ومم يتكون، وتعرض للأمم والنقاشات الواردة حول أفضلية بعضها على بعض، وذكر أنه يرى أن لكل أمة فضائل ومساوئ وهي متغيرة بذلك حسب أحوالها وأزمانها وقوتها وضعفها، وذكر مطولا أخبار العرب وصفاتهم ودافع عنهم، ورد على الجيهاني الذي ألف كتابا في مثالب العرب، وتطرق أيضا للأخلاق فعرفها وذكر ما هو خلق وما هو ليس بخلق، وتعرض لشرح وتفصيل أخلاق الناس وكيف أنهم يشابهون الحيوانات فيها إلا أنهم يتميزون عنها بالعقل.
- في عالم الحيوانات، وغاص هنا وأبحر وذكر في ثلاث ليال متتالية كما هائلا من المعلومات عن حيوانات متعددة ومتنوعة المألوف منها والغريب، الموجود والمنقرض، الحقيقي والخرافي، وطفق يذكر صفاتها، وطباعها، وتناسلها، ويقارن بينها وبين الإنسان.
الأسلوب:
اتبع أبو حيان في كتابه أسلوبا سرديا رائعا، يخاطب فيه صديقه أبا الوفاء المهندس، ويذكر له الحوارات التي دارت بينه وبين الوزير بأسلوب تكثر فيه:
- الجمل القصيرة، والسجع المنظم المسبوك، ولننظر إليه حين يقول:" من شف أمله شق عمله، ومن اشتد إلحاحه، توالى غدوه ورواحه، ومن أسره رجاؤه، طال عناؤه، وعظم بلاؤه، ومن التهب طمعه وحرصه، ظهر عجزه ونقصه"
- ثم إنه إذا وصف بالغ وأتقن ولم يترك واردة في الموصوف ولا شاردة إلا وقيدها، وذلك تطبيقا لأمر العارض حين قال له: "واجزم إذا قلت، وبالغ إذا وصفت"، وهذا الوصف البديع يتجلى بوضوح حين قام بوصف الوزير ابن عباد فلنستمع إليه قائلا:" والناس كلهم محجمون عنه؛ لجرأته وسلاطته واقتداره وبسطته، شديد العقاب طفيف الثواب طويل العتاب، بذيء اللسان، يعطي كثيرا قليلا أعني يعطي الكثير القليل، مغلوب بحرارة الرأس، سريع الغضب، بعيد الفيئة قريب الطيرة، حسود حقود حديد، وحسده وقف على أهل الفضل، وحقده سار إلى أهل الكفاية"
- وكان أسلوبه صريحا فيعترف لأهل الفضل بالفضل، ولأهل الإساءة بالإساءة، فهو كثيرا ما يتبع ذكره لشيخه أبي سليمان، والوزير العارض، وصديقه أبو الوفاء المهندس بألفاظ الدعاء بالرحمة والبقاء والحفظ، ويتبع ذكره للزنادقة والمناطقة والمتفيقهين بما يستحقونه.
- ونلاحظ أنه ينسب كل مقولة وكل معلومة يذكرها لصاحبها، وإن أغفل ذلك أحيانا فإن الوزير يسأله عن مصدر تلك المعلومة حتى يقطع الشك باليقين.
- وعرضه للمعلومة شامل يأتيها من كل جوانبها، ويلاحق جميع نقاطها نقطة نقطة كما في رده على المدعي بأن علم الحساب هو أفضل العلوم وأن علوم البلاغة ما هي إلا فضلة لا داعي لها، فرد عليه أبو حيان ردا شاملا تعرض لكل كلمة ذكرها ذلك المدعي ونقضها من غزلها، وفضحها على الملأ مبينا عوارها.
- ودائما ما يورد الحجج العقلية في معرض رده على بعض الخصوم، أو محاولة إقناعه لمحدثيه بنقطة ما، كرده على المدعي السابق، والذي قال له: بأنك حتى تقنعني بوجهة نظرك لجأت إلى علم البلاغة فصغت جملك المنمقة، وعرضت ألفاظك عرضا تهدف فيه إلى تبيين وجهة نظرك، وهذا هو جوهر البلاغة.
نظريات الأجناس الأدبية ومناهجها:
درست نظرية الأجناس الأدبية من قبل دارسي الأدب ونقاده في ضوء مجموعة من النظريات والمناهج، ويمكن حصر نظريات التجنيس في عدة مقاربات على النحو التالي:
? النظريـــة التاريخيـــة:
تدرس النظرية التاريخية الأجناس الأدبية في تطوراتها التاريخية وتحولاتها الزمنية التعاقبية.بمعنى أنها ترصد الأجناس الأدبية باعتبارها مقولات تصنيفية وتجنيسية وتنميطية، فتحاول رصدها عبر عصور التاريخ، وتبيان تشكلاتها الدلالية والفنية والوظيفية.وهنا، يحضر البعد الدياكروني القائم على التعاقب والتحقيب والتحول والصيرورة الزمنية.فالأجناس الأدبية تتطور عبر العصور تلاقحا وتوالدا وتناسلا، حيث تظهر أجناس أدبية في عصر ما، ثم تختفي في عصر ما. وهذا مايهتم به تاريخ الأدب الذي يتتبع الأجناس الأدبية في تعاقبها الزمني، وتسلسلها التاريخي، دارسا إياها في حقبة معينة، بالتركيز على خصائص الشكل تاريخيا، وفنيا، وموضوعاتيا، ووظيفيا.
وإذا عدنا إلى تاريخ الأدب العربي، نلاحظ أن ثمة مجموعة من الأجناس الأدبية قد ظهرت في عصر ما، ثم اختفت في عصور أخرى، مثل: شعر النقائض الذي ظهر في العصر الأموي عند جرير والفرزدق والأخطل، ولكنه لم يعد له وجود الآن بشكل من الأشكال في أدبنا الحديث والمعاصر. وقد اختفى شعر الزهد والعتاب والاعتذار والمدح في أدبنا الحديث، بعد أن انتشر انتشارا كبيرا في العصر العباسي. كما اختفى شعر الموشحات في عصرنا هذا، بعد أن حل محله أجناس أدبية جديدة لم تكن معروفة في العهود الماضية، كشعر التفعيلة، والقصيدة النثرية، والقصيدة الشذرية، والقصيدة الكونكريتية... وهكذا، " ففي كل عصر يصبح عدد معين من الأنماط الأدبية معروفا معرفة جيدة لدى الجمهور، بحيث يعتمدها مفاتيح لتأويل الأعمال. يصبح الجنس الأدبي، هنا، على حد عبارة يوس أفق الانتظار.إن الكاتب يستبطن بدوره هذا الانتظار فيصبح الجنس الأدبي لديه نموذج كتابة. وبعبارة أخرى، فإن الجنس الأدبي نمط كان له وجود تاريخي ملموس، وساهم في النظام الأدبي لعصر من العصور."
وبناء على ماسبق، يمكن الحديث عن شعرية تاريخية تدرس الأجناس الأدبية في تطورها وتعاقبها الزمني، وتبحث عن قوانين الأجناس وعناصرها الثابتة والقارة، وتعيد النظر في كثير من المسلمات التجنسيسة. وفي هذا الصدد، يقول تودوروف(Todorov):" إذا كانت المهمة الأولى للتاريخ الأدبي هي دراسة تحول كل مقولة أدبية، فإن الخطوة الثانية ستكون أخذ الأجناس الأدبية بعين الاعتبار تعاقبيا، كما فعل باختين(بعبارة أخرى، دراسة التنوع الشامل لنمط واحد)، وتزامنيا في علاقة الأجناس بعضها ببعض.ويجب ألا ننسى، في الوقت نفسه، أنه في كل عصر يصاحب نواة السمات المتماثلة عدد كبير من السمات الأخرى التي نعتبرها مع ذلك، أقل أهمية، ومن ثمة غير مصيرية في إلحاق هذا العمل بذاك الجنس الأدبي. وتبعا لذلك، يكون العمل جديرا بالانتماء إلى أجناس أدبية مختلفة طبقا لحكمنا بالأهمية على هذه السمة أو تلك من سمات بنيته. وهكذا، تنتمي " الأوديسية" حسب القدامى بلا جدال إلى جنس الملحمة. أما عندنا نحن، فإن هذا المفهوم قد فقد راهنيته. وقد نكون ميالين لربط " الأوديسية" بجنس القصة أو حتى بجنس القصة الأسطورية.
والمهمة الثالثة للتاريخ الأدبي قد تكون، هي التعرف على قوانين التحول التي تتصل بالانتقال من عصر أدبي إلى آخر(على افتراض أن هذه القوانين موجودة).وقد اقترحت عدة نماذج تسمح بجعل منعطفات التاريخ ممكنة الإدراك. ويبدو أن تحولا قد حدث في تاريخ الشعرية من نموذج عفوي(يولد الشكل وينضج ثم يموت) إلى نموذج جدلي (أطروحة- نقيضها- تركيب). نحن نحترس هنا من تبنيهما، ولكن يجب ألا يستخلص من ذاك أن المشكلة غير موجودة. ولنقل: إنه من العسير معالجتها الآن في غياب أعمال دقيقة تمهد الطريق.وبما أن التاريخ الأدبي قد أراد، لمدة طويلة، امتصاص ميدان الفنون المجاورة، فهو ينظر بالنسبة إلينا، بمظهر قريبها الفقير. فالشعرية التاريخية هي القطاع الأقل تبلورا من قطاعات الشعرية(Poétique)."
وهكذا، فالنظرية التاريخية تنظر إلى الأجناس الأدبية من خلال ثلاثة منظورات متكاملة، تتمثل في دراسة تحولات الأجناس الأدبية، ودراستها في تعاقبها التاريخي عبر تتبع العصور الأدبية، ثم استكشاف قوانين التحول الفني والجمالي.
? النظريـــة الكلاسيكيـــة:
تعد النظرية الكلاسيكية امتدادا للنظريات الشعرية والأدبية والأجناسية اليونانية والرومانية(أرسطو، وديوميند، وهوراس..)، وتنبني هذه النظريةعلى احترام قواعد الأجناس الأدبية احتراما كبيرا، من خلال الفصل بين هذه الأجناس، وتمثل قواعدها كما أرسيت في مرحلتي: اليونان والرومان. ويعني هذا أن الأجناس الأدبية- حسب النظرية الكلاسيكية- تتحدد بقواعدها ومضامينها وأساليبها وصيغها الفنية والجمالية. لذا، ينبغي على المبدعين احترام خصوصيات الأسلوب الشعري، والأسلوب الملحمي، والأسلوب الدرامي، وعدم الخلط بينها. وتبعا لذلك، فقد كان مبدأ التجنيس هو الفصل بين الأنواع والأنماط والأشكال والأساليب، والاستعانة بالتراتبية الهرمية في التصنيف والتنويع والتقسيم. وبتعبير آخر، تستند النظرية الكلاسيكية إلى بلاغة الفصل بين الأجناس الأدبية. في حين، تتكىء النظرية الرومانسية على بلاغة الوصل والنقاء والصفاء.
? النظريـــة الرومانسيـــة:
إذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية في ضوء معايير تجنيسة معينة،فإن الرومانسية كانت تؤمن بانصهار الأجناس الأدبية في بوتقة أدبية واحدة.أي: إن الرومانسية كانت تقول بالوحدة الفنية بين الأجناس الأدبية، وتشكيلها لوحدة أجناسية كبرى. وفي هذه الفترة بالذات، ظهر مفهوم الأدب (La littérature) الذي كان يجمع في طياته أجناسا وأنواعا وأنماطا أدبية مختلفة داخل وحدة فنية وجمالية كبرى. وفي هذا السياق، يقول تزتيفان تودوروف (T.Todorov):" وأخيرا، بدأت فكرة وحدة الفنون تفرض نفسها. ومن هنا، أخذت تتبلور نظرية للفنون تحاول أن تؤطر على الأقل أكثر الممارسات الفنية هيبة، أعني الشعر والرسم. وتحولت هذه النظرية في القرن الثامن عشر إلى دراسة خاصة هي علم الجمال، حيث سيهيأ مكان لنظرية الأدب في الحدود التي تندمج بها في نظرية عامة للفنون، وسيكون ليسنج وكانط الممارسين الأولين لهذا الخطاب، وقد مهدت لهما بحوث طويلة منذ ليوناردو دافنشي إلى شفتسبري.
والنتيجة-إذاً- هي أن أيا من هذه التطورات الثلاثة لم يؤد مباشرة إلى تكوين الوحدة" أدب". وبالرغم من ذلك، فإنها عملت كلها على التمهيد لها، فقد أصبحنا نتوفر على مقولة عليا هي مقولة الفن، الذي يمكن تقسيمه بسهولة إلى كيانات، من رتبة أدنى هي الأجناس الأدبية، كما أننا نتوفر على كتاب الشعرية الذي تضمه استمرارية التقليد. لن يتخذ مفهوم الأدب استقلاله إلا مع حلول النزعة الرومانسية الألمانية، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق.لقد توقفت مفاهيم المحاكاة والتمثيل والتقليد عن دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ماارتبط به من غياب الغائية الخارجية، والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل، وعدم قابلية العمل للترجمة.كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول مميزاته الخاصة، ذلك هو السؤال الذي نجده في الكتابات الرومانسية، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا خاصة في الدراسات الأدبية المؤسسية، وهذا يرجع بدون شك للشكل الذي اتخذته هذه الكتابات، إما لأنها كانت كتابات مقطعية شذرية تشبه الشعر في جوانب عديدة (كما هو الحال عند شليجل ونوفاليس)، وإما دراسات فلسفية منتظمة لن تحيد عن التقليد الذي رسمه علم الجمال، الذي يحتل الأدب فيه مكانا محدودا، وتلك هي حالة شليجل وهيجل."
وعليه، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت الأجناس الأدبية في نظرية أدبية وفنية واحدة، وهي التي ساهمت في ظهور مصطلح الأدب:" لاشك أن السؤال التالي يخامر ذهن القارىء: هل المعنى الحديث لكلمة(Littérature) كان مجهولا فيما مضى؟ إذا وضعنا السؤال هكذا فإننا نفترض أن السؤال واضح، وإننا نعرف ما نعني عندما نستعمل الكلمة، إلا أننا ربما نستطيع أن نقول: إنه قبل الثورة الرومانسية الألمانية كان الكلام يدور حول الأنواع التي كانت تعتبر قارة وثابتة ومنفصلة بعضها عن بعض.أما مع الرومانسية، فإننا نلاحظ نزعة نحو التركيب ومزج الأنواع والمتضادات.لهذا، نجدهم يولون اهتماما كبيرا لشكسبير الذي لم يكن يلتزم صوتا واحدا في مسرحياته، وإنما يمزج أصناف الكلام، فيمزج مثلا الكلام الجزل بالكلام السوقي. ونفس النزعة جعلتهم يهتمون بالحوار الأفلاطوني الذي يتقبل في ثناياه عدة أنواع مازجا بين الجد والهزل. والشيء الذي لا يجب إغفاله هو أنهم يضعون الرواية في الصدارة؛ لأنهم انتبهوا إلى كونها تتضمن أو يمكن أن تتضمن جميع الأنواع. في القرون الماضية، كانت الرواية بمثابة الفرد الفقير في عائلة الأنواع، إلا أنها منذ نهاية القرن الثامن عشر.أي: في فترة معاصرة لميلاد مفهوم (Littérature)، ولبزوغ الرومانسية، أخذت تشق طريقها شيئا فشيئا، إلى حد أنها صارت مع مرور الزمن قمة الأنواع. ذلك أنها تستوعب الرسالة والمذكرات والسيرة الذاتية والحوار المسرحي، بل يمكن أن تستوعب حتى الشعر. وإن تعودنا على قراءة الروايات هو الذي يجعلنا لا نلمح هذه الخاصية."
وهكذا، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت بين جميع الأجناس والأنواع الأدبية في قالب واحد، رافضة مبدأ الفصل والتمييز بين المقولات التجنيسية.
? النظريـــة الجماليـــة:
تدرس النظرية الجمالية أو الإسطيتيقية الأجناس الأدبية في ضوء المعطيات الفنية والجمالية، بالاستعانة بمفاهيم التناسب والتشاكل والهارمونيا الإيقاعية والنغمية، والاعتماد أيضا على الذوق والتأثر الانطباعي، إلى حد يصبح فيه الجنس الأدبي بقواعده ومبادئه التنظيمية سرا من أسرار جمالية النص الأدبي أو الخطاب الإبداعي.
هذا، ويعد الفيلسوف الألماني هيجل من الذين ساهموا في بلورة نظرية للأجناس الأدبية في الغرب، من خلال رؤية فلسفية جمالية مثالية مطلقة . ويذهب هيجل إلى وجود قرابة كبيرة بين الرواية والملحمة، إلا أن الفن الملحمي باعتباره شعرا لم يزدهر إلا إبان الفترة اليونانية. ومن ثم، يعبر هذا الفن عن تلاحم الذات والموضوع في إطار انسجام متكامل ومتناغم، يعبر عن شعرية القلب والتآلف والسعادة المطلقة. أما الفن الثاني، فهو الفن الروائي الذي يتخذ السرد النثري وسيلة للتعبير عن انفصال الذات والواقع، أو تشخيص الهوة التراجيدية الموجودة بين الأنا والعالم. وبالتالي، يؤكد هيجل مدى نثرية العلاقات الإنسانية في المجتمع الحديث، فيشير إلى وجود قطيعة فينومونولوجية بين الذات والموضوع، و بين الإنسان والواقع . ويعني هذا أن الرواية هي في الحقيقة تشخيص للوحدة المفقودة بين الذات والموضوع، ونشدان التكامل المأمول بينهما، واستشراف للسعادة الكلية المطلقة المعهودة في الملحمة اليونانية . وقد أقر هيجل بأن الرواية ملحمة بورجوازية أو ملحمة عالم بدون آلهة، أفرزتها تناقضات المجتمع الرأسمالي، ويبدو من خلال ما كتبه هيجل أنه يفضل الملحمة على الرواية، والشعر على النثر، والقلب على الواقع.
ومن جهة أخرى، فقد ثارت النظرية الجمالية مع بيندتو كروشه في كتابه:" علم الجمال" (1902م) على نظرية الأجناس الأدبية:"هجوما لم تقم له بعد قائمة، على الرغم من المحاولات العديدة التي جرت للدفاع عنه أو لإعادة صياغته بشكل مختلف."
ويعني هذا أن الإيطالي بندتو كروتشه يرفض مقولة الأجناس الأدبية، إذ لايميز بين الشعر الغنائي، والملحمة، والدراما، بل يعتبرها كأنها مجموعة غنائية واحدة مصوغة في بنية فنية خاصة، في شكل حكاية وشخصيات وفعل درامي. أي: إنه يدعو إلى وحدة العمل الفني على غرار جماعة يينا الألمانية. وفي هذا السياق، يقول محمد غنيمي هلال:" وفي الحق، يبدو الفيلسوف كروتشيه فريدا في نقده الجمالي، فقد رأينا أنه، في مثاليته، ينكر قيمة العالم الخارجي، ويجعل الفكر كل شيء في العمل الفني، ثم إنه ضد التفريق بين اللفظ والمعنى، والشكل والمضمون، ويرى القيمة كلها في الشكل؛ لأن الصورة فيه تفترق عن مضمونها، كما أنه ينكر الفروق بين الأجناس الأدبية، ويرى أن قيمتها الفنية تنحصر في صفاتها الغنائية، ولايعتد بعد ذلك بقواعد فنية للصفات الغنائية، فقد تكون التعبيرات الساذجة ذات طابع فني عميق في دلالتها على لسان السذج من الناس، والفرق بينهما وبين التعبيرات الفنية الناضجة على أيدي كبار الشعراء هو فرق في الامتداد لا في العمق."
وهكذا، فالنظرية الجمالية قد انكبت على دراسة الأجناس والأنواع الأدبية بالدرس والفحص والنقاش، وذلك في ضوء مقارنات فنية، ومقايسات جمالية، كانت بطريقة أو بأخرى، تتأرجح بين القبول والرفض.
? النظريـــة التطوريــة:
تأثرت النظرية التطورية بتصورات داروين ولامارك صاحبي كتابين مهمين، وهما:" فلسفة علم الحيوان" (1809م)، و" في أصل الأنواع" (1859م)، حيث يقسم داروين الكائنات الحية تقسيما بيولوجيا إلى مجموعة من الكائنات الحية المختلفة، معتمدا في ذلك على المنهج العلمي التجريبي القائم على الافتراض، والملاحظة، والتجريب، والاستنتاج النظري. بمعنى أن النظرية التطورية قائمة على الغائية والتغير. وهكذا، نجد فرديناند برونوتيير(Ferdinand Brunetiere) ينقل المنهج التطوري من بيئته العلمية البيولوجية إلى حقل النقد الأدبي، فيؤلف كتابا تحت عنوان:" تطور الأنواع في تاريخ الأدب"، ثم يستعمل مصطلح الجنس لتصنيف النصوص الأدبية تنويعا وتنميطا وتجنيسا. ويرى أحمد اليابوري بأن أول من طبق:" المبادىء التطورية في مجال الدراسة الأدبية في ألمانيا منذ1860م كان ستاين تال، وسار على نهجه في روسيا تلميذه فيزلوسكي الذي عمل على تأسيس شعرية تطورية. وفي إنجلترا، اشتهر أدينكتون بكتابه:" تطبيق مبادىء التطورية في الأدب والفن" (1890م). وفي فرنسا، وفي السنة نفسها، ظهر كتاب فرديناند برونوتيير حول:" تطور الأجناس في تاريخ الأدب"، ثم بعد ذلك بسبع سنوات ظهرت دراسته الثانية :" موجز في تاريخ الأدب الفرنسي"، وهما نموذجان للبحوث التي أنجزت في إطار التعالق بين التطورية الأدبية والتطورية البيولوجية في أفق تجاوز الدراسات التي كانت، إلى ذلك الحين، تعنى بمقاربة الأدب من منظور تاريخي، قلما يلتفت إلى عناصر الدينامية."
هذا، ويرى فرديناند برونوتيير أن الأجناس الأدبية ليست مجرد كلمات، فحسب، بل توجد في الطبيعة وفي التاريخ، وتتكون هذه الأجناس وتتوالد كما تتوالد الكائنات الحية في الطبيعة، عبر الانتقال من البسيط إلى المركب والمعقد، ومن الأحادي إلى المتعدد، ومن المتجانس إلى غير المتجانس، مع مراعاة مبدإ التعارض والاختلاف بين الأنواع، باستقراء خصائصها ومكوناتها الحية. ويمر الجنس الأدبي من فترات متنوعة: فترة الولادة، وفترة النضج، وفترة الموت والاندثار.أما فيما يتعلق بالتغييرات التي تطرأ على الأجناس الأدبية، فيرجعها برونوتيير إلى الوراثة، والجنس، وتأثير البيئات الجغرافية والاجتماعية والتاريخية، وكذلك شخصية المبدع أو الأديب وأثره على الجنس الذي يكتبه محافظة وتغييرا. ويتناول برونوتيير كذلك قضية تحولات الأجناس الأدبية الداخلية والخارجية. وقد اعتمد برونوتيير في منهجه التطوري هذا على بعض المبادىء الرئيسة، كالتطور، والمقصدية، والتفاعل، والصراع . وفي هذا السياق، يقول أحمد اليابوري:" ومن جملة مايثير الانتباه في نظرية برونوتيير إشارته في كتابه:" موجز تاريخ الأدب الفرنسي" إلى أن المأساة الهزلية التي ظهرت في القرن السابع عشر:" ليست سوى تردد الدراما بين الرواية والمأساة". وهذا يعني التخلي، جزئيا، عن مبدإ التطور، وتوظيف مبدإ التفاعل الذي بفضله أمكن لجنس سردي أن يتفاعل مع جنس درامي لكي تتحقق المأساة- الهزلية. وفي هذا الإطار، يذكر برونوتيير:" إذا كانت الأجناس الأدبية لاتتحدد، كما هو الشأن بالنسبة للأنواع الحية، إلا بالصراع الذي تخوضه فيما بينها، فإن المأساة- الهزلية، مثلا، ليست سوى تردد الدراما بين الرواية والمأساة. وكيف يمكن أن ننظر إلى المأساة- الهزلية إذا فصلنا دراسة الرواية عن دراسة المأساة""
هذا، وقد تعجب رينيه ويليك وأوستين وارين كثيرا من رأي برونوتيير الذي يذهب إلى أن خطب الوعاظ في القرن السابع عشر قد تحول، بعد انقطاع، إلى الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر:"ثمة سؤال آخر يتعلق باستمرار الأنواع. فمن المتفق عليه أن برونوتيير ألحق الأذى بعلم الأجناس عن طريق نظريته البيولوجية الزائفة في التطور، فتوصل إلى نتائج معينة كقوله في تاريخ الأدب الفرنسي، إن خطب الوعاظ في القرن السابع عشر تحولت- بعد فترة انقطاع- إلى الشعر الغنائي في القرن التاسع عشر."
لكن الدراسات اللاحقة ستتجاوز النظرية التطورية التي لاتعنى سوى بدراسة الأجناس الأدبية في ضوء متغيراتها الوراثية والبيولوجية الخارجية، لتنتقل إلى دراسات شكلانية وبنيوية ومورفولوجية تهتم بدراسة المكونات الداخلية للنصوص الأدبية، واستكشاف بناها العميقة إن شكلا وإن دلالة وإن وظيفة. وتبعا لذلك، "إذا كانت التطورية، في تطبيقاتها الأدبية، قد أغرت الباحثين بالطموح في بلوغ درجة من العلمية وكتابة تاريخ أدبي عالمي، في إطار الأدب المقارن، فإنها، مع ذلك، لم يكن لها إلا تأثير ضئيل في تاريخ الآداب الحديثة، وتعرضت للإهمال على مايبدو، عندما أرادت أن تقيم علاقة متينة، أكثر من اللازم، بين التطور الأدبي والتطورالبيولوجي، كما ذهب إلى ذلك ويليك ووارن في كتابهما:"النظرية الأدبية"".
وعليه، إن السيميائيات التطورية أو الدينامية أصلح منهجية- في منظوري الشخصي- لفهم التطورات التجنيسية، ولكن من الداخل النصي، وعبر استخلاص المكونات الأجناسية داخل البنى الخطابية.
? النظرية الماركسية والسوسيولوجية:
تربط النظرية الماركسية الأجناس الأدبية بالمجتمع ربطا وثيقا. بمعنى أن الجنس الأدبي إفراز فوقي من إفرازات المجتمع، ونتاج لتناقضاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. كما أن تراتبية الأجناس الأدبية هو في الحقيقة تعبير عن التراتبية المجتمعية وهرميته الطبقية. وهكذا، فقد :" بنت النظرية الأدبية الماركسية إجاباتها على هذه الأسئلة – في الأغلب الأعم- على الفرضيات الخاصة بسوسيولوجيا الأنواع في التاريخ وتطورها وتحولها وتتابعها- باعتبارها أنواعا من الكتابة- لابد أن يتم تفسيرها وفقا للتطور الاجتماعي."
وبتعبير آخر، تولد الأجناس الأدبية وتنمو وتنضج وتتطور وتختفي، حسب التطورات والتغيرات الجدلية التي تطرأ على المجتمع، وذلك على الصعيد التحتي والفوقي. ويقول أحد الدارسين، نقلا عن جوسدروف- :" إن ميلاد السيرة الذاتية الأدبية، جاء من المزج والتلاقي غير المستقر بين المسيحية والفكر الكلاسيكي في العصور الوسطى، بالإضافة إلى الشكوك الملتهبة، ووجود حركة الإصلاح، التي أوجدت رغبة جادة، أدت إلى وجود ثورة لكتابة الذات."
وهكذا، فقد اهتمت المقاربة الماركسية اهتماما لافتا للانتباه بتفسير نشأة الأجناس والأنواع الأدبية، وذلك في ضوء التصورات الاجتماعية الماركسية.
ومن جهة أخرى، فقد ركزت النظرية السوسيولوجية على دراسة الأجناس الأدبية في ضوء الأبحاث الاجتماعية ذات الطابع المادي التاريخي، أو في ضوء معطيات السوسيولوجية التجريبية، أو في ضوء المقاربة البنيوية التكوينية القائمة منهجيا على الفهم والتفسير. وهكذا، ينطلق لوسيان ?ولدمان في دراسته السوسيولوجية للرواية من تصور بنيوي تكويني في مقاربة الرواية الغربية التي أفرزتها البورجوازية الأوربية، مستفيدا في ذلك من تصورات هيجل، وماركس، ولوكاش، وفرويد، وجان پياجيه. وقد حاول دراسة مسيرة هذه الرواية فهما وتفسيرا من خلال مفاهيم أساسية، وهي:التشيؤ، والبطل الإشكالي، والوساطة، والتماثل، والبنية الدالة، والرؤية للعالم، ونمط الوعي... فاستخلص بأن الرواية الفردية (البيوغرافية) في القرن التاسع عشر كانت تعبيرا عن الرأسمالية الفردية. أما في بداية القرن العشرين، فقد كانت الرواية المنولوجية أو رواية تيار الوعي تجسيدا لرأسمالية الشركات. أما الرواية الجديدة مع نتالي ساروت، وكلود سيمون، وآلان روب ?رييه، وجان ريكاردو، وميشيل بوتور... فقد كانت تعبيرا عن المجتمع التقني الآلي.
? النظـــرية الفلسفيـــة:
هناك من الباحثين والدارسين الذين درسوا نظرية الأجناس أو الأنواع الأدبية في ضوء المقاربة الفلسفية. وهكذا، نجد إميل شتايغر في كتابه:" مبادىء البويطيقا" (1944م) يدرس الأجناس الأدبية بالاعتماد على الوجودية الهايدغرية، حيث يتمسك بالثلاثية المعروفة في تاريخ الأجناس، وهي: الغنائية، والملحمية، والدرامية. وتبعا لذلك، فهو يرى أن كل قطعة شعرية تقع بين هذه الأطراف الثلاثة بشكل من الأشكال، و" لكن لاتتمثل خاصيات الغنائية التي يدعوها الغنائية والملحمية والدرامية تمثلا كاملا إلا في عدد محدود جدا من الأعمال" . زد على ذلك، يربط شتايغر المحلمة بالحاضر، والغنائية بالماضي، والدرامية بالمستقبل.ويعني كل هذا بالمفهوم الهايدغري أن الماضي قائم على الاستذكار، ويدل الحاضر على العرض، ويحيل المستقبل على التوتر. وهناك مفاهيم أخرى هايدغيرية في تصنيف إميل شتايغر:" هناك سلسلة الاستبشار للغنائية، والسقوط للملحمية، والإدراك للدرامية، وهي أيضا سلسلة مستمدة من هايدغر، وهي تطابق المراحل الثلاث في حياة الإنسان. الغنائية والطفولة، والملحمية والشباب، والدرامية والنضج.أما ثالوث الملكات الإنسانية، فيدخل في الصورة بدعوة الغنائية عاطفية أو حسية، والملحمية تصويرية أو حدسية، والدرامية منطقية أو فكرية، ويماثل ذلك مانفعله حين نشعر ونبين ونثبت. كذلك يقول لنا الكاتب: إن الأشكال الثلاثة تماثل سلسلة المقطع والكلمة والجملة. وتعتبر نظريات كاسيرر مصدر الاصطلاحات في هذا المجال."
وعليه، فإن مايميز نظرية إميل شتايغر حول الأجناس أو الأنواع الأدبية هو:" استخدامها الخاص للتصور الهايدغري للزمن أدى إلى ربط القصيدة الغنائية بالماضي، والملحمة بالحاضر والدراما بالمستقبل. ولا تلجأ نظرية شتايغر إلى المتكلم كمعيار لها على عكس النظريات الأخرى . وتنتفي عنده ثنائية الذات والموضوع استنادا إلى مسلماته الهايدغرية: وهو يصف القصيدة الغنائية وصفا يقوم على هذا الدمج الغيبي بينهما. كما تعزف أقواله الخاصة بقصائد غوته التي كتبها في ستراسبورغ في كتابه عن غوته نغمة أخرى تعتبر تنويعا آخر على وحدة الذات والموضوع معبرا عنها تعبيرا عاطفيا، أو تعبيرا تشتم منه رائحة الإيمان بوحدة الوجود."
في حين، تميل الآنسة كيت هامبرغر في كتابها:" منطق الشعر" (1957م) إلى الاستعانة بالفلسفة الظاهراتية أو الفينومينولوجية، حينما ميزت بين نوعين من الشعر: الشعر القصصي أو شعر المحاكاة، والشعر الغنائي أو شعر الوجود. وترى هامبرغر بأن الشعر الغنائي ماهو إلا تعبير عن الواقع:" يصدر عن الأنا، ولابد من أن يفهم موضوعه على أنه تجربة مر بها المتكلم."
وهكذا، تهدف النظرية الظاهراتية أو الفينومينولوجية إلى دراسة الأجناس الأدبية من خلال ربط الذات بالموضوع، وتشغيل فعل التأويل الذي تمارسه الذات المتلقية أثناء تعاملها مع النص المعطى. ومن هنا، فالقراءة تتحول إلى تجربة وممارسة في التعلم، مختلفة عن القراءة الإدراكية العادية. وتبعا لذلك، يتعامل القارىء الظاهراتي مع الأجناس الأدبية في ضوء نظرية كلية قائمة على الفهم والتأويل. ومن ثم، فالدلالة تستخلص بشكل تدريجي من خلال التأرجح بين الجزئي والكلي.أي: ينطلق المتلقي الظاهراتي من جزئيات النص نحو كلياته، وهكذا، دواليك استشرافا واستذكارا. ويمثل هذه النظرية على سبيل التمثيل كل من : كيت همبورغر (K?te Hamburger) وبول ريكور (Paul Ricoeur)...
? النظريــــة اللسانيــة:
هناك مجموعة من الدارسين اللسانيين قد صنفوا الأجناس الأدبية في ضوء النظريات أو المقاربات اللسانية، مثل : كيت هامبورغر (K. Hamburger) التي وضعت نظرية للأجناس الأدبية - إلى جانب تصورها الفلسفي الظاهراتي- قائمة على التلفظ، وذلك في كتابها القيم:" منطق الأجناس الأدبية"، إذ ميزت بين ثلاثة أنواع من صيغ التلفظ: التلفظ التاريخي، والتلفظ النظري، والتلفظ التداولي.ومن ثم، فمنطق الأجناس الأدبية يستلزم الجمع بين ذوات التلفظ، والتعارض بين التخييل واللاتخييل. ويعني هذا أن همبورغر تتحدث عن التخييل الملحمي والدرامي، أما الشعر الغنائي فهو جنس أدبي غير تخييلي؛ لأن الذات المتلفظة مرجعية وتاريخية. في حين، إن الذات المتلفظة في الجنسين السابقين(الدرامي والملحمي) معروضة بشكل إيجابي ملحميا ودراميا، كما يستعين الجنسان معا بالماضي البسيط (Passé simple) باعتباره زمن التخييل. وهناك عند هامبورغر أجناس أخرى مختلطة تجمع بين ماهو تخييلي وغنائي.
ومن جهة أخرى، يميز إميل بنيفست في كتابه:" قضايا اللسانيات العامة" بين الحكاية (Histoire) والخطاب(Discours)، وذلك في ضوء القرائن الإشارية والتواصلية. بمعنى أن الحكاية تستبعد هذه القرائن السياقية. في حين، يعتمد الخطاب عليها تبليغا وتوصيلا وتسنينا. ولقد اعتمد فينرش (Weinrich) على نظرية إميل بنيفنست، فبدأ يميز، وذلك على مستوى السامع أو المخاطب أو المتلفظ له، بين التعليق(Commentaire) والسرد(Récit) تجنيسا وتقعيدا.
?الشكلانيــــة الروسيـــة:
اهتم الشكلانيون الروس بقضية التجنيس مع فلاديمير بروب، وشكلوفسكي، و تينيانوف، وإيخنباوم، وشلوفسكي، وتوماشفسكي، ومكاروفسكي، ورومان جاكبسون... وقد انصبت اهتمامات هؤلاء على التمييز البويطيقي بين الشعر والنثر. في حين، اهتم موكاروفسكي بوصف اللغة الشعرية. أما اللساني رومان جاكبسون، فقد اهتم بقضايا الشعرية واللسانيات العامة، وخصوصا الصوتيات والفونولوجيا. أما السيميائي فلاديمير بروب، فقد أعطى عناية كبيرة للحكاية الروسية العجيبة، فوضع لها مجموعة من القواعد المولدة لها، والتي تترجم بنية سردية منطقية كونية مجردة ذات بعد ثلاثي: (التوازن- اللاتوازن- التوازن).
وعليه، فرومان جاكبسون (R.Jakobson) يركز كثيرا على أدبية النص وشعرية الرسالة، حينما يحدد مجموعة من الوظائف التي تميز جنسا أدبيا عن باقي الأجناس الأخرى. وهكذا، يرى رومان جاكبسون أن اللغة تتضمن ستة عناصر أساسية، وهي: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والقناة، والمرجع، واللغة. وللتوضيح أكثر، نقول: يرسل المرسل رسالة إلى المرسل إليه، حيث تتضمن هذه الرسالة موضوعا أو مرجعا معينا، وتكتب هذه الرسالة بلغة يفهمها كل من المرسل والمتلقي. ولكل رسالة قناة حافظة كالظرف بالنسبة للرسالة الورقية، والأسلاك الموصلة بالنسبة للهاتف والكهرباء، والأنابيب بالنسبة للماء، واللغة بالنسبة لمعاني النص الإبداعي... ويستنتج رومان جاكبسون بأن اللغة ذات بعد وظيفي، وأن لها ستة عناصر، وست وظائف: فالمرسل له وظيفة انفعالية، والمرسل إليه وظيفته تأثيرية، والرسالة وظيفتها جمالية، والمرجع وظيفته مرجعية، والقناة وظيفتها حفاظية، واللغة وظيفتها وصفية. ويركز رومان جاكبسون على الأدبية في تمييز الأدب عن باقي الأجناس الأخرى. لذا، تحضر القيمة المهيمنة (La valeur dominante) في عملية التصنيف والتقسيم. وقد أثبت جاكبسون أيضا على مستوى التجنيس أن الشعر قائم في جوهره على المشابهة(التشبيه والاستعارة)، بينما يرتكز السرد على المجاورة (المجاز المرسل والكناية).
? النظريـــة الأسلوبيــة:
تهتم النظرية الأسلوبية برصد الأجناس الأدبية التي تتحول على مستوى الصياغة والأسلوب. وهكذا، نجد بيير لارتوماس (Pierre Larthomas) يميز أسلوبيا بين الشفوي والكتابي.فالمسرح على سبيل المثال يزاوج بين الشفوي والكتابي، فالمؤلف يكتب مسرحية ليتم عرضها شفويا فوق خشبة المسرح. بمعنى أن ثمة أجناسا أدبية تستعمل الشفوي فقط، وهناك في المقابل أجناس كتابية، وأجناس مختلطة تجمع بين الكتابة والشفوية.
ومن ناحية أخرى، يتتبع ميخائيل باختين الرواية البوليفونية أسلوبيا، من خلال استكشاف أجناسها التقليدية التي تتمثل في الحوارات السقراطية، والهجائيات المينيبية اللاتينية، والأدب الكرنفالي في العصر الوسيط وعصر النهضة. وقد ميز ميخائيل باختين في كتابه:" شعرية دويستفسكي" بين الرواية المنولوجية والرواية البوليفونية. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. بمعنى أنها رواية حوارية تعددية، تنحى المنحى الديمقراطي، حيث تتحرر بشكل من الأشكال من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضا من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، يتم الحديث في هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات عن حرية البطل النسبية، واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف بحال من الأحوال مخالفة لرأي الكاتب. وللتوضيح أكثر، تسرد كل شخصية الحدث الروائي بطريقتها الخاصة، بواسطة منظورها الشخصي، ومن زاوية نظرها الفردية، وبأسلوبها الفردي الخاص. بمعنى، أن الرواية تقدم عصارتها الإبداعية وأطروحتها المرجعية عبرأصوات متعددة؛ وهذا ما يجعل القارىء الضمني الواعي يختار بكل حرية الموقف المناسب، ويرتضي المنظور الإيديولوجي الذي يلائمه ويوافقه، دون أن يكون المتلقي في ذلك مستلبا أو مخدوعا من قبل السارد أو الكاتب أو الشخصية على حد سواء. ويعني كل هذا أن الرواية البوليفونية مختلفة أيما اختلاف عن الرواية المنولوجية الأحادية الراوي والموقف، واللغة، والأسلوب، والمنظور، وذلك بوجود تعددية حوارية حقيقية على مستوى السراد، والصيغ، والشخصيات، والقراء، والمواقف الإيديولوجية .
? النظريــــة البنيويــــة:
من المعلوم أن النظرية البنيوية اهتمت كثيرا بعملية التجنيس الأدبي، وخاصة مع رواد الشعرية البنيوية، كتودوروف، ورولان بارت، وجيرار جنيت، وشولز، وكلود بريمون، ونورثروب فراي في كتابه :" تشريح النقد" (1957م)، وأندري جول في كتابه:"الأشكال الثابتة" (1930م)، وغيرهم... وهكذا، فقد درس تودوروف الأدب الفانطاستيكي دراسة تجنيسية بنيوية، تهدف إلى استكشاف مكوناته البنيوية الثابتة، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابيه:" مدخل إلى الأدب العجائبي" (1970م)، و" أجناس الخطاب" (1978م) . وتبعا لذلك، يميز تدوروف بين الأجناس الأدبية التي تنقسم إلى أجناس تاريخية وأجناس نظرية، فالأجناس التاريخية هي النصوص المنتجة عبر الحقب التاريخية، أما النصوص النظرية فهي تلك التصورات الإدراكية التي ارتبطت بالنصوص والخطابات النصية تنظيرا وتقعيدا، كما فعل أرسطو وغيره، وذلك ضمن ما يسمى بشعرية الأجناس الأدبية ومنطقها. ومن هنا، فعملية التجنيس تنتقل من مرحلة التجلي والممارسة النصية إلى مرحلة الإدراك النظري والتصنيفي.إذاً، فالعلاقة استلزامية وتكاملية بين ماهو تطبيقي وماهو نظري.
أما جيرار جنيت في كتابه " جامع النص"(Introduction à l'achtexte)، فقد أعاد تصنيف الأجناس الأدبية مرة أخرى، وانتقد الثلاثية المنسوبة خطأ إلى أفلاطون وأرسطو. وقد اعتبر جنيت أن موضع الشعرية ليس هو النص، بل هو جامع النص أو ما يسمى كذلك بنظرية الأجناس الأدبية. وفي هذا الصدد، يقول جنيت:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.
ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولايعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."
ومن جهة أخرى، يميز فيليب هامون بين المكون السردي والمكون الوصفي، إذ لم يعد الوصف تابعا للسرد كما كان شائعا، بل أصبح الوصف عند هامون مكونا مستقلا.
? النظريــــة السيميائيـــة:
اهتمت النظرية السيميائية السكونية بالأجناس الأدبية، عن طريق التعامل مع النص باعتباره خطابا يحمل معنى، فيتم تفكيكه وتركيبه في ضوء مقاربة بنيوية محايثة، تستكشف منطق المعنى والدلالة عن طريق الربط بين البنيتين: السطحية والعميقة، كما عند كريماص، وجوزيف كورتيس، وجاك فونتانيي، وفرانسوا راستيي، وغيرهم... وبعد ذلك، تتحدد البنيات العميقة ذات الطابع المنطقي والدلالي المسؤولة عن توليد كل التمظهرات السطحية للنصوص والآثار الأدبية. وتعد هذه البنيات مكونات تجنيسية لهذه النصوص والآثار.
ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن سيميائية تطورية جديدة تتجاوز السيميائيات السكونية. وفي هذا الصدد، يقول أحمد اليابوري:" في إطار التصور الجديد للنص يمكن الإشارة كذلك للتعديلات التي اقترحها بعض الباحثين لتجاوز النظرية السيميائية التي أصبحت، في نظرهم :" مجرد دراسة سكونية للعلامات، تعنى بدراسة التقاربات والثنائيات، والاستقطابات المزدوجة والقياسات والتناوبات وصيرورات الإدماج.ربما يوجد هناك، حيث يخاطر النص بالانفلات من هذه الشبكة، مكان لسيميائيات أخرى، مكملة للأولى، سيميائيات دينامية أكثر منها سكونية، تحدد موضوعها، ليس في رصد دقيق لاشتغال إواليات الارتداد، بل في مراقبة الاختلالات ومايعترضها من حذف، وماينتج عن ذلك من اضطرابات وتغيرات".
ينطلق فلاديمير كريزنسكي(Wladimir Krysinski) في تعامله مع الرواية من مقاربة سيميوطيقية تطورية، في كتابه:"ملتقى العلامات: أبحاث حول الرواية المعاصرة" .بمعنى أنه يتجاوز السيميوطيقا النصية السكونية التي تنطوي على البنيات الخطابية الداخلية، إلى سيميوطيقا تطورية حركية تعتني بالمكونات النصية الداخلية والمكونات السياقية الخارجية على حد سواء. ومن هنا، فالسيميوطيقا التطورية أو الدينامية تستكشف النص في ضوء ماقبل النص وخارج النص، وتنطلق من مجموعة من المفاهيم، وقد حصرها كريزنسكي في: التناص، والإيديولوجيا، والقيم، والمرجع، والجمال، والغريزة. ويعني هذا أن تكون الرواية وانبثاقها يعتمد على صياغة مرجعية مقترنة بماهو جمالي وتناصي، وصياغة إيديولوجية مبنية على ماهو قيمي (أخلاقي) وغريزي(نفسي). وبالتالي، فهذه الصياغات والمكونات هي التي تتحكم في توليد الرواية وتكوينها. لذا، قد يلاحظ في النص الروائي هيمنة مكون ما على مكون آخر. وبتعبير آخر، فإنتاج الرواية :" ينشأ عن توترات تتم، ضمن حركة مراوحة، بين سيناريوهات إيديولوجية وإحالية وأخلاقية وتناصية وإسطيتيقية ونزوية.
وهكذا، تبدو الرواية عامة ...أثناء تكونها وتطورها، تحت ضغط عوامل مختلفة ومعقدة، وكأنها مؤهلة للتعبير عن لحظة وعي مزدوج إيديولوجي وإستطيقي، غيرأن مايميزها، بصفة عامة، هو استجابتها للقوانين الداخلية أكثر من تأثرها بالقوانين الخارجية المصاحبة؛ وذلك ما جعلها بتعبير السيميائية الدينامية، مجالا للكوارث والاختراقات الناتجة عن تعدد خطوط الانفلات، وتنوع المستويات، واكتساح موجات التشويش لفضائها غير المنضد، والمنفتح باستمرار، على أفق تجاوز الصيغ والأشكال الجاهزة."
هذا، ويرى كريزنسكي أن النص الروائي مثل الكائن الحي له بنيته الوراثية والبيولوجية التي تجعله قادرا على التوالد، والتناسل، والتكيف، والتأقلم مع الظروف والوضعيات والضغوطات الذاتية والموضوعية. وبالتالي، فهو يقوم على مجموعة من عمليات التأثير والتأثر والبناء الدينامي، ويعتمد أيضا على مجموعة من التبادلات والتغيرات التجنيسية في إطار التطور النوعي والأجناسي.وبهذا، يكون كريزنسكي قد تأثر ببرونوتيير، وداروين، وسبنسر، وجاكوب، وكوينو(Cuénot)...
? النظريـــة البلاغيـــة:
اهتمت البلاغة سواء القديمة منها أو الجديدة كغيرها من النظريات بدراسة الأجناس الأدبية، ولكن من منظور مقامي وسياقي ومقصدي وأسلوبي وخطابي. وهكذا، نجد كبدي فاركا (Kebidi Varga) في كتابه:" البلاغة والأدب" (1970م) يدرس الأجناس الأدبية الثلاثة: الملحمة، والشعر، والدراما في ضوء المقام البلاغي. ويرى فاركا بأن هذا التقسيم الثلاثي قد تم استحداثه في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، ولم تكن هذه الثلاثية موجودة في المرحلة اليونانية والكلاسيكية. وتبعا لذلك، فإن هذه الأجناس الخطابية الثلاثة:" تمثل مقامات اجتماعية.أي: إنها تحدد بالنظر إلى مقاييس خارجية بالنسبة للخطاب. في حين، إن الأجناس الأدبية تتميز، في الدرجة الأولى، اعتمادا على مقاييس داخلية، إن السامعين هم الذين يحددون اختيار جنس من أجناس الخطابة، بينما تحدد الذات اختيار الجنس الأدبي.غير أن عدم ارتباط الأجناس الأدبية الثلاثة- بخلاف ما عليه في الخطابة- بثلاثة أنماط من المقامات لايعني، مع ذلك، أن الأعمال الأدبية توجد خارج المقام، إن الكاتب، شأنه في ذلك شأن الخطيب، يتوجه إلى أحد ما أو مخاطب ما.
والفرق الموجود بين القاضي والمستمع، من جهة، والمتفرج أو القارىء من جهة أخرى هو الفرق في الدرجة. إن المحامي يخاطب قاضيا. والشاعر يخاطب امرأة .إن أغلب القصائد الغزلية تتغنى بامرأة ما، وللمسرحيات مشاهدون، ويتعين إقناع هذه المرأة المحبوبة، كما يتعين إقناع المتفرجين، فهم جميعا سيصدرون أحكامهم بعد ذلك، ويبدو من جهة أخرى، أن ليس هناك أدب أكثر مقامية من الأدب الكلاسيكي، فالكاتب كان يعرف جمهوره، ويقبل معاييره، إن الأمر يتعلق، بالنسبة إليه، بأن يعلم ويمتع حسب قوانين المجتمع."
وبعد ذلك، يميز كبدي فاركا بين المقام الأدبي الداخلي والمقام الخطابي الخارجي، ويرى أن ثمة نوعا من التقارب بين الخطابة والأدب بشكل من الأشكال على مستوى المقام التواصلي:" وإذا ما سلمنا، نتيجة لذلك، بوجود مقامات في الأدب، فسيطرح علينا أن نعرف ما إذا كان هناك تناسب بين مقام متخيل وبين مقام أدبي.وقبل مناقشة هذه القضية، يحسن أن نحدد مانعنيه بالمقام الأدبي.إذ يوجد خلاف أساسي بصدد هذه النقطة بين الخطابة والأدب. فالخطيب يهدف بخطابه إلى التدخل مباشرة في الواقع الاجتماعي، فخطابه يكون جزءا من الواقع. في حين، إن الكاتب يبدع إنتاجا، ولايتدخل في الواقع الاجتماعي إلا بشكل غير مباشر. وبهذا التحويل للواقع الاجتماعي إلى واقع ثانوي يحصل العمل الأدبي على واقع مزدوج: واقع موضوعي، وآخر يتحقق أثناء القراءة، أو خلال التمثيل نتيجة الالتقاء بالجمهور، بجمهور ما. ففي حين لاتعرف الخطابة إلا مقاما واحدا، يجب نتيجة ماتقدم تمييز مقامين أدبيين: المقام الداخلي بين الناس، تلك العلاقات الماثلة داخل عمل أدبي. والمقام الخارجي، أي: العلاقات بين العمل الأدبي والذي يوجه إليه هذا العمل...
إن المقام الداخلي لايمكن أن يظهر إلا في العمل الأدبي الذي تمثل فيه عدة شخصيات، وبشكل خاص في الأدب المسرحي والملحمي والقصصي. ويلزم، بالمقابل، أن يتحقق المقام الخارجي في كل عمل أدبي. ومادام الأمر يتعلق في الحالتين بمقامات مشابهة للتي تحدد الأجناس الخطابية- وإن كان ذلك في مستويات مختلفة، فإن دراسات التشابهات بين مقامات الأدب ومقامات الخطابة تبدو مبررة."
علاوة على ذلك، يشير كبدي فاركا إلى وجود تشابه بين مقامات الخطابة الثلاثة وبين الأجناس الأدبية في منظورها الكلاسيكي:"وحسب الدراسات (التي تناولت البلاغة)، فإن الأجناس الخطابية الثلاثة تمثل المقامات الثلاثة الممكنة، بل المقامات الوحيدة الممكنة في الخطاب.أي: في التواصل الشفوي الدائر بين الخطيب والمستمع. ولنتذكر بهذه المناسبة التمييز بين الأجناس الثلاثة، كما صيغ في مختصر مجهول المؤلف:" إن هذه الأجناس الثلاثة صادرة عن الطرائق الثلاثة الممكنة للتعامل مع الناس، فإما نكتفي بعرض خالص للأشياء أمامهم لنمكنهم من معرفتها، وإما أن نجعل منهم قضاة وحكاما في الأشياء التي حدثت، وإما أن نقصد الإقناع بعمل يلزم فعله (مستقبلا..). وهكذا، يتحدث الجنس الاحتفائي إلى الناس كمستمعين لاأكثر، ويتحدث إليهم الجنس القضائي (التشاجري) باعتبارهم قضاة فيما وقع في الماضي، والاستشاري باعتبارهم حكاما في قضايا مستقبلية". والواقع أن الأجناس الأدبية الثلاثة لاتمثل هذه المقامات الثلاثة، غير أن المنظور الكلاسيكي يسمح بتحديد كل عمل أدبي بالعلاقة مع واحد من هذه المقامات الخطابية."
وهكذا، تصنف المقاربة البلاغية الأجناس الأدبية حسب المقام والسياق وأحوال المخاطبين.
?نظريـــة التلقـــي أوالتقــبل:
تعتبر نظرية التلقي أو التقبل من أهم النظريات المعاصرة التي اهتمت بالقارئ والقراءة، ونشأت هذه النظرية في ألمانيا الغربية، وتنسب لجامعة كونستانس، ومن ممثليها : ياوس وآيزر، ولا ننسى كذلك الناقد الأمريكي ستانلي فيش الذي اهتم كثيرا بنظرية الاستقبال. وقد بلورت هذه المدرسة مجموعة من المفاهيم الأساسية، كأفق الانتظار، والمسافة الجمالية، والقارئ الضمني، وفعل القراءة، والقطب الفني، والقطب الجمالي، ومرحلة استجماع المعنى، ومرحلة الدلالة.
وعليه، تهتم نظرية التلقي بكيفية تلقي النصوص والخطابات، وتبيان الوسائل والطرائق التي تتم بها عملية استقبال الكتابات الإبداعية، والمساهمة في عملية تجنيس النصوص الأدبية وتصنيفها وتنميطها. وقد اعتمدت نظرية التقبل على أفق الانتظار في عملية التجنيس، فالمتلقي يصنف الأعمال الأدبية حسب ما تعود عليه أفق انتظاره من أجناس وأنواع وأنماط. ومن ثم، فهناك أعمال تراعي أفق انتظارنا، وأعمال تخيب أفق انتظارنا، وأعمال تؤسس أفق انتظارنا. فالأعمال الحداثية هي التي تنتهك أفق انتظارنا لتؤسس أفقا جديدا . وقد تكون القراءة عمودية أو أفقية أو مائلة، وقد تبدأ القراءة من البداية أو الوسط أو النهاية.ويمكن القول:" إن كل نوع أدبي يفتح "أفق انتظار" خاصا به. راجع نفسك وسترى أنك لاتقرأ رواية بوليسية كما تقرأ رواية جنسية أو رواية أبطالها رعاة بقر.
كيف يتكون أفق الانتظار؟ عندما يطلع القارىء(أو المتفرج) على مجموعة من المآسي، فإنه ينتبه إلى العناصر التي تجمع بينها. وعندما يطلع على مأساة جديدة، فإنه ينتظر أن يجد فيها نفس العناصر التي سبق له أن أفرزها (عادة بصفة ضمنية). النوع يتكون عندما تشترك مجموعة من النصوص في إبراز نفس العناصر.
هناك عناصر أساسية وعناصر ثانوية.إذا لم يحترم النص العناصر الثانوية، فإن انتماءه إلى النوع لايتضرر.أما إذا لم يحترم العناصر الأساسية (المسيطرة)، فإنه يخرج من دائرة النوع، ويندرج تحت نوع آخر أو، في الحالات القصوى، يخلق نوعا جديدا.
منقول