17/09/2025
#عُدتُ_لأحكي:
#مقدمة
هذه الحكاية... ليست من نسج خيالي. بل هي نبض قلوب نازحة، وهمس عائدٍ من منفى القهر، وصورٌ حيّة نقلها إليّ من عاشوا التفاصيل بكلّ مرارتها. هم أهلي... نزلاء الخيام، رفاق درب التيه، من حملوا جراحهم على أكتافهم وعادوا ليغرسوا الأمل في تربةٍ شربت من دمائهم.
سمعتُ أناتهم، رأيتُ دموعهم التي اختلطت بتراب الدمار، ولمستُ أيديهم وهي تبني من الرّكام حياةً جديدة. فكتبتُ بلسانهم، لأن قصتهم هي ملك كلّ من ظلمته الحرب، وكلّ من انتصر بإرادة الحياة على آلة الموت.
هذه كلماتهم... وهذا هو صوتهم الذي اخترق جدران الصمت، ليخبر العالم أننا... عُدنا.
(1):
كان البرد قارساً ذلك اليوم، بصرامة حديد البنادق التي أنهت حياة أبي. أمسكتُ بيدي أمي، يدٌ في كل كفّ، وانطلقنا كالريشة في عاصفة نارية. كانت عينايَ مثبتتين على ظهر قريتنا التي راحت تتقلص كجثة هامدة على أفق دامٍ. لم أكن أعلم أن تلك النظرة ستكون وقود عشرة أعوام من التيه.
في إدلب، لم نكن نبحث عن سقف، بل عن ظلّ. كنا ننام تحت صمت النجوم، وكان هدير القذائف يطاردنا حتى في الأحلام. كانت أمي تخبئ الخبز تحت وسادتها البالية، خوفاً من أن يسرقنا الجوع الذي صار رفيقنا الوحيد. كنا نتنقل بين بيوت الطين والخيم الممزقة، كل مكانٍ محطة عذاب جديدة، وكل وجهٍ يحمل قصةً تشبه قصتنا وجرحنا الذي لا يندمل.
إخوتي الصغار كانوا يسألونني: "متى نعود إلى بيتنا؟ إلى شجرة التوت التي كنا نتسلقها؟". كنتُ أصمت، لأن جوابي كان سيُترجم دموعاً. كيف أخبرهم أن شجرة التوت صارت حطاماً، وأن بيتنا صار رقماً في سجل الخراب؟
الحياة كانت تُقاس بخطواتنا على الطرق الترابية، وبعدد القلوب التي توقفت عن الخفقان حولنا. كنا نموت موتاً أصغر كل يوم، ونحلم بعودةٍ كنا نعلم في أعماقنا أنها مستحيلة.
(2):
لم يكن الرحيل اختياراً, بل كان أمراً واقعاً مفروضاً بحديد النار. أذكر أني كنتُ أحمل حقيبة صغيرة ملأتها بذكريات طفولة لم أكن أعرف أنها ستُسلب مني: لعبة محشوة، صورة للعائلة، وثوب العيد الأخير.
الطرقات كانت تعج ببشرٍ يشبهون الأشباح. عيون واسعة خاوية، تحمل ذعراً لم أكن أفهمه حينها. نسير تحت لهيب الشمس وفي قسوة البرد، لا فرق. الجوع كان رفيقنا الدائم، نقسم لقمة الخبز اليابسة إلى فتات، نخشى أن يأتي الغد ولا نجد ما يسدّ رمقنا.
في ليلةٍ من ليالي الهرب، كنا نختبئ في مبنى مهجور، فسمعنا دوي انفجار هائل يقترب. لم يكن الصوت هو الأسوأ, بل الصمت الذي تلاه. ثم انطلقت الصرخات. صرخاتٌ تمزق الظلام، تستغيث وتلعن. ضغطت أمي على أذنيّ بقوة كي لا أسمع، لكن عينيّ كانتا تريان كل شيء: جثث متناثرة، أشلاء بشرية كانت قبل لحظات تهرول مثلنا هرباً من الموت، فوجدته في الطريق.
تلك الليلة كانت أول مرة أرى فيها الموت عن قرب, الموت الذي لم يكن رحيماً ولا بطلاً البتّة، بل كان قبيحاً ومهيناً. وكانت أول مرة أسأل فيها: لماذا؟
(3):
ّ_والانتظار
وصلنا إلى المخيم. كان المخيّم مساحة من العري والوحل واليأس. خيام بالية لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء. كانت الأمطار تدخل علينا فتُغرق فراشنا الوحيد، وكانت الرياح تعبث بنا وكأننا أوراق يابسة.
الطعام كان ندرة. طوابير طويلة للحصول على رغيف خبز أو علبة طعام. كنت أرى الذل في عيون الرجال، وآباء عجزوا عن إطعام أطفالهم. أمهات يخفين دموعهن ويوزعنّ الطعام على أولادهنّ، وينمن جوعاً.
المرض كان يفتك بالضعفاء. لم تكن هناك مستشفيات، سوى خيمة صغيرة فيها طبيب منهك، لا أدوية عنده سوى المسكنات والصلوات. أذكر الطفل الذي كان يلعب بجواري، مرض بالتهاب رئوي. توسلت أمه للطبيب، وبكت، وصلّت, لكن القدر كان أسرع. مات في اليوم التالي، ملفوفاً ببطانية رقيقة، ودُفن في حفرة بلا اسم في أرض لا تخصه.
الحياة في المخيم كانت دوراناً بين انتظارين: انتظار مساعدة قد لا تأتي، وانتظار خبر قد يقتل الأمل. أخبار المجازر كانت تصلنا كطعنة جديدة في قلب مثخن. وفي كل مرة، كنا ندرك أن الموت يطاردنا أينما ذهبنا.
وفي خضم ذلك، كان النظام وأذرعه يفرضون سطوتهم. يتحكمون في المساعدات، يختطفون من يشاؤون تحت جنح الظلام. كان الخوف يسري في عروقنا كالسم. كنا نخاف من ظلنا، من صديقنا، من كل غريب, لأن الخيانة صارت سلعة رخيصة في سوق الحرب.
لم تكن تلك السنوات العشر مجرد وقتٍ مضى، بل دورة كاملة من الموت البطيء. كل يوم كان تحدياً للبقاء، جسدياً ونفسياً. وكان أصعب التحديات أن نحافظ على إنسانيتنا في مكانٍ صُمم ليسلبنا إياها.
(4):
في إحدى الليالي، سمعت أمي تهمس بالدعاء: "اللهم أرنا عجائب قدرتك, أرنا يوماً نعود فيه إلى ديارنا، ولو على عتباتها المدمّاة". نزلت دمعتها على خدها المتعب، فامتزجت بتراب الخيمة. في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنين، شعرت بجذوة صغيرة تتقد في صدري, كان ذلك أملاً.
أخبار النصر بدأت تصلنا، همسات أولاً، ثم صرخات: "سقط الأسد, عاش الوطن". كان الناس يخرجون من خيامهم كأنهم خرجوا من قبورهم. الذهول يسبق البكاء، والعيون تتجه نحو الوطن. كنا نتساءل: هل يحق لنا أن نحلم مرة أخرى؟
(5):
ُطام_الذاكرة
ها هو الطريق الطويل يعود قصيراً. العجلات تسير فوق رفات الطرقات، والعيون لا ترمش، كأنها تخشى أن تكون الرؤية حلماً. كل حجر، كل شجرة محترقة، كل مئذنة منحنية، كانت تحكي قصة الألم.
ثم ها هي.. بلدتي. لم أعد أعرفها. كانت تشبه جمجمة محروقة تحت الشمس. البيوت مفتوحة الجوانب كقلوب أهلها. الشوارع ممزقة بالحفر. الرائحة مختلفة: رائحة الموت والتراب والدم والغبار.
وقفنا أمام ما تبقى من بيتنا. كان جداراً واحداً صامداً، وعلى رأسه صورة جدي الباهتة، مبتسماً ببراءة وكأنه لا يرى ما حدث.
سقطت أمي على الركام، لكنها لم تبكِ. غرست يدها في التراب، وأخذت تقبله بعنف، كما تقبل أم طفلها الميت. كانت تنتحب: "عدنا يا أرض, عدنا يا حُلم". إخوتي الصغار كانوا يجرون بين الغرف التي لم تعد موجودة، يحددون أماكنهم: "هنا كانت غرفتي, هنا كانت نافذة المطبخ".
في تلك اللحظة، فهمت المعنى الحقيقي للعودة. العودة التي لا تعنيان نملك الجدران، بل العودة لنملك ذاكرتنا. عدنا لنقول للقتلة: "اقتلوا الأجساد، لكنكم لن تقتلوا الانتماء". عدنا لنغرس أرواحنا في هذا التراب مرة أخرى، كأننا نقسم أننا سنُنبته من جديد، وسنرويه بدموعنا حتى ولو كانت مالحة.
نظرت إلى السماء، حيث عيون شهدائنا تراقبنا، فرأيتُ سحابة وحيدة، بيضاء ونقية، وكأنها روح أبي تبتسم أخيراً.
(6):
لم يكن الرعب في العودة إلى الدمار، بل في العودة إلى ذكرياتٍ حية تتوارى خلف كل زاوية مدمرة. كل حجر مقلوب كان يشبه جمجمةً أعرفها، وكل باب محترق كان يخفي وراءه قصة لم تُروَ بعد.
أمي كانت تسير بين الأنقاض وكأنها تلمس أشباحاً. توقفت عند مكان المطبخ، وأخذت تحرك يديها في الهواء، تحاكي حركاتها القديمة وهي تعجن الخبز. سمعتها تهمس لأبي: "يا عبد الله، شوف... عدنا. الكرسي اللي كنت تجلس عليه قدام الباب صار رماداً". لم تكن تكلمه، بل كانت تستدعيه من بين الرماد لثوانٍ قصيرة، ثم يختفي.
أما أنا، فوقفت عند مكان مكتبي القديم. وتحت الأنقاض، انتشلت دفتراً بالياً. أوراقه المهترئة تناثرت كأوراق الخريف. وجدت رسومات طفولية لشمس مبتسمة، وأسطر غير واضحة كتبتها يوماً بخط مرتجف: "أريد أن أصبح طبيباً". التفتُ إلى أمي، فرأيت في عينيها بحراً من الأسى، أسىً على حلم احترق مع الدفتر.
الليل كان الاختبار الأشد. في الخيمة المؤقتة التي نصبناها بين جيراننا العائدين، كان الظلام يخلق من كل ظلّ شبحاً. إخوتي كانوا يقفزون عند أي صوت. لم نعد نخاف من قذائف الطائرات، بل من صرخات الماضي التي كانت تئن في آذاننا أكثر من صفارات الإنذار.
(7):
لم يكن أحدنا يتحدث عن الجرح الكبير. كنا نرتدي قمصاننا الممزقة وننظف الركام بأيدينا العارية، كما ننظف دماً جفّ على الأرض. كان الصمت لغتنا الوحيدة. كل ضربة معول على حجر كانت كأنها ضربة على صدورنا، تخرج منها غصة جديدة.
ذات صباح، جاءت جارتنا العجوز "أم علي" تحمل في يدها كيساً صغيراً من بذور اليقطين. قالت بصوتها الخشن: "التراب اللي شرب دم أولادنا، لازم يطلع خيراً... ازرعوا".
كانت تلك اللحظة فاصلة. لأول مرة، ننحني لا لندفن ميتاً ولا لنسعف جريحاً، بل لنزرع. أصابع أمي، التي غرست في التراب يوم عودتنا لتقبله، غرست الآن البذور في بقعة صغيرة نظفناها من الركام. دموعها كانت تسقي التراب أكثر من الماء.
لم نكن نزرع طعاماً فحسب، كنا نزرع حياة فوق قبور الموت. كنا نقول للأرض: "ها نحن نعطي بعد أن أخذتِ كل شيء". وكان الأمل ينبت مع البذور: بطيئاً، عنيداً، مشوهاً... مثلنا تماماً.
بدأ الجيران يقلدوننا. بقع خضراء صغيرة أخذت تتفتح بين رماد الدمار. لتصبح شواهد حيّة على أن الحياة أقوى من الموت.
(8):
؟
جاء يوم سمعت فيه ضحكة. كانت ضحكة أختي الصغيرة "سلمى". كانت تلعب بدميتها البسيطة بين الأنقاض مع بنت الجيران. توقفت عن العمل، ونظرت إليها مذهولاً. كان الصوت غريباً، جميلاً ومؤلماً في آن واحد, كأنك تسمع موسيقى في مقبرة.
التقت عيناي بعيني أمي. كانت تسمع مثلما أسمع. لم تنهرها، بل توقفت عن العمل، ووضعت يدها على قلبها وأغمضت عينيها، كما لو كانت تتذوق الضحكة. ثم انزلقت دمعة من وجنتها.
في المساء، جلست سلمى في حجري وسألتني: "هل أبي سيعاقبني لأني ضحكت؟". كاد قلبي يتوقف. احتضنتها وهمست: "لا يا حبيبتي... أبوكِ يضحك معك الآن من الجنة. ضحكتك هي هديتنا له".
أدركت يومها أن الحرب لم تنتهِ بعد. إنها مستمرة داخلنا، معركة بين ذاكرة الألم وغريزة الحياة. لكننا في تلك اللحظة ربحنا جولة صغيرة, جولة اسمها "ضحكة طفلة".
(9):
مرت الأشهر، ونباتات اليقطين التي زرعناها بأيدينا المرتعشة، نمت. أوراقها الخضراء الكبيرة غطت الركام، كأنها تخبئ عورات الأرض بستار من الحياة.
جاء موسم القطاف. كان أول حصاد لنا منذ العودة. جمعنا الثمار البرتقالية التي تشبه شموساً صغيرة هبطت إلى الأرض. جمعُ الطعام كان جمعاً للانتصار. كل ثمرة كانت قصيدة صامتة كتبناها للبقاء.
في ذلك المساء، أعدت أمي وجبة من اليقطين على نار صغيرة. رائحة الطعام طردت رائحة الغبار والموت. جلسنا حول النار مع جيراننا نأكل. كانت هذه الوجبة قداساً للحياة.
قالت "أم علي" وهي تربت على كتف أمي: "شايفِة؟ الأرض ما بتخون. اللي بيزرع خير بيحصده". نظرت أمي حولها إلى الوجوه المتعبة التي أنارتها ابتسامات خجولة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة متعبة, لكنها كانت كافية لإنارة الليل.
(10):
بدأنا بإعادة بناء البيت. الأموال قليلة، والأيدي قليلة، لكن العزيمة كانت جبلاً لا يهتز. لم ننتظر أحداً، كنا نبني بأنفسنا.
في يومٍ ما، بينما كنت أرفع حجراً إلى مكانه، سمعت صوتاً يهزّ روحي. كان صوت الأذان. لم يأتِ من مسجّل صوت في مئذنة قائمة، بل من جارنا الشيخ "أبو ياسر"، وقف على أنقاض المسجد القديم ورفع صوته.
توقفت الأيادي كلها. رجال ونساء وأطفال، والغبار يغطي وجوههم، وقفوا يستمعون. كان صوت الأذان ينظف الأجواء من غبار الحرب ويملؤها برائحة الإيمان.
دموعي انهمرت, رأيت الجميع يبكون, لم تكن دموع ألم، بل دموع تطهير. كأن الأذان غسل أرواحنا وذكّرنا أننا ما زلنا هنا, نحن أهل هذا المكان، أهل السلام والإيمان.
(11):
#النهوض
اليوم، بيتنا يقف من جديد. ليس كالسابق، فجدرانه تحمل ندوب الذكريات، وسقفه ما زال يخاف من سماء الطائرات. لكنه بيتنا.
أخي الصغير رسم على أحد الجدران شمساً كبيرة وكتب تحتها: "هنا نعيش". أمي علقت صورة أبي الوحيدة الباقية في وسط الغرفة، كأنها تعلن أنه ما زال بيننا، يشهد نهوضنا.
أما أنا، فها أنا ذا أتابع دراسة الطب التي حلمت بها. لن أعالج الجروح الجسدية فقط، بل جراح الروح أيضاً. سأكون الطبيب الذي يزرع الحياة في أرض الموت.
العودة لم تكن عودة إلى الجغرافيا فقط، بل إلى الذات. لقد علمتنا الحرب أن القوة ليست في القتل والتدمير، بل في القدرة على النهوض بعد السقوط. في أن تزرع وطناً في حفنة تراب، وتبني من صوت الأذان سقفاً للأحلام.
ها نحن ننهض, ليس لأن الحرب انتهت، بل لأننا اخترنا الحياة. ولسنا وحدنا، بل معنا أشباح من رحلوا، وأرواح من عادوا، وأحلام من سيأتون.
الحمد لله الذي أقر أعيننا بالعودة، وأعطانا القوة لأن نغفر لكن لا ننسى، وأن نحب بجنون حتى بعد أن علّمتنا الحرب الكراهية.
ها نحن... أحياء.
بقلمي
د. باسل حمدو العرنوس
12 / 9 / 2025م