10/07/2024
فلسطين في عهد الدولة الطولونية باختصار :
تعود تسمية هذه الدولة على اسم مؤسسها التركي الأصل أحمد بن طولون والي الدولة العباسية على مصر عام 868م ، وقد ساعدت الظروف السياسية المتدهورة في بغداد ابن طولون على الاستقلال بحكمه عن العباسيين مع الابقاء على الدعاء للخليفة العباسي في المساجد في المرحلة الأولى من حكمه ، وبعد أن استقرت الأمور له في مصر وجه أنظاره نحو بلاد الشام للأسباب الآتية :
1. الحصول على مواردها وخاصة من الأخشاب لصناعة السفن الحربية وتدعيم موقفه العسكري .
2. تأمين حدود مصر من جهة فلسطين .
3. حماية حدود مصر من القوات البيزنطية .
4. التقرب من الخلافة العباسية في بغداد .
سنحت الفرصة لابن طولون بتحقيق حلمه بالتوسع بعد أسند له الخليفة العباسي المعتمد مهمة القضاء على ثورة ( عيسى بن شيخ ) فتحرك بجيش كبير من مصر لكن مستشاري الخليفة أوقعوا بينه وبين ابن طولون بحجة أن ابن طولون يريد الاستقلال بشكل نهائي في مصر وضم الشام إليها .فما كان من الخليفة إلا عزله من قتال عيسى بن الشيخ وعين بدلا منه ( أماجور التركي ) الذي قضى على الثورة وحكم دمشق ، فضاعت أحلامه لبضع سنين حتى أتاه خبر وفاة خصمه أماجور عام 877م ، فأعلن ابن طولون الحرب على الدولة البيزنطية لكي يسيطر على الشام وعندما وصل إلى مدينة الرملة في فلسطين سلم له ( محمد بن رافع ) والي علي بن أماجور على فلسطين مقاليد الحكم ، ثم توجه إلى دمشق وتسلمها من علي بن أماجور ، بعدها تابع التوجه لحمص فحلب حتى وصل للثغور وثبت حكمه فيها وأخذ يستعد لقتال البيزنطيين لكنه تراجع بعد علمه عن اندلاع ثورة ابنه العباس في مصر وفي أثناء عودته قام بتحصين مدينة عكا وأمر ببناء السفن في مينائها ، كما حصّن قلعة يافا ثم غادرها إلى مصر التي هرب منها ابنه إلى مدينة برقة في ليبيا .
وسط هذه الظروف كانت الخلافات تدب بين الخليفة العباسي المعتمد وأخيه الموفق فتوجه أحمد ابن طولون مرة أخرة لمدينة الرملة التي كان سيلحقه إليها الخليفة المعتمد لكن أخيه الموفق تبعه وأعاده إلى مدينة سامراء بالعراق وأجبره على عزل أحمد بن طولون عن حكم مصر عام 882م ، لكنه بقي يحكم مصر والشام إلى أن توفي عام 884م فخلفه بالحكم ابنه ( خمارويه ) الذي نال الرضا من سكان فلسطين بسبب نقمتهم على الولاة العباسيين وسياستهم الاقتصادية ، فتوجه خمارويه بجيشه قاصداً الرملة لتأمين حدوده وتثبيت حكمه في الوقت ذاته توجهت جيوش المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق الذي يسعى ليكون والده الخليفة بعد الخليفة المعتمد فالتقى الجيشان في ( العوجاء قرب الرملة ) من أرض فلسطين عام 885م ودارت معركة كبيرة هزم فيها جيش خمارويه الذي هرب عائداً إلى مصر .
في عام 887م عاد خمارويه وسيطر على الشام بمعاونة قائده سعد الأسعر المحنك عسكرياً ، لكن خمارويه خاف من شعبية سعد فاستدعاه للرملة وقتله فثار أهل دمشق على الطولونيين ، فما كان من خمارويه إلا مراسلة أبا أحمد الموفق في بغداد لأجل الصلح فأجاب إلى ذلك وتمت توليه خمارويه من قبل الخيفة المعتمد مرة أخرى على مصر والشام لمدة ثلاثين عاماً ، وبعد وفاة المعتمد تسلم المعتضد فأقره عام 895 م على حكم مصر والشام وتوج الصلح بزواج الخليفة من ابنة خمارويه ( أسماء قطر الندى ) .
في عام 897م قتل خمارويه في دمشق على يد أحد خدمه فتولى الحكم ولده (أبو العساكر) لكنه لم يحكم سوى لبضعة أشهر، وتم خلعه وتولية أخيه أبو موسى هارون والذي ولى ( أبا زرعة الدمشقي ) والياً على فلسطين باسم الطولونيين .
لم تسر أمور الدولة الطولونية كما يجب بعد ذلك بسبب الخلافات على الحكم وخاصة بعد وفاة الخليفة العباسي المعتضد بالله عام 902م وتولي أخيه المكتفي بالله ، حيث تعرضت فلسطين لهجمات ثورة القرامطة ، فوجه الخليفة العباسي إلى دمشق القائد محمد بن سليمان بجيش كبير فسيطر عليها ثم توجه إلى فلسطين واستولى عليها سنة 904م ثم سار نحو مصر حيث جرت المعركة الفاصلة فسقطت الدولة الطولونية عام 905م وعادت فلسطين لسيطرة الدولة العباسية من جديد.
د. مؤيد .
07/07/2024
قصةٌ التقويم الهـــجـــريّ :
يختلف التقويم الهجري عن الميلادي في حساب الأشهر؛ إذ يقاس الهجري بدورة القمر حول الأرض، على خلاف الميلادي الذي يعتمد على دوران الأرض حول الشمس، مما يؤدي إلى تباين أيام الشهر بين 29 و30 يوما في التقويم الهجري، أما الميلادي فهو محدد الأيام.
ونتيجة هذا الاختلاف، فإن السنة الهجرية تنقص كل عام 11 يوما عن السنة الشمسية، وهو ما يجعل الشعائر والمناسبات الإسلامية تحدث في فصول وأوقات مختلفة.
سبب التأريخ الهجري
اتفق الصحابة على ربط السنة الأولى من التقويم الهجري بالهجرة النبوية (12 ربيع الأول)، واعتمدوا بداية السنة الهجرية من الأول من محرم لكونه يأتي بعد انتهاء موسم الحج، ويمثل بداية أعمال جديدة للعرب.
لم يكن للتأريخ الهجري وجود في بداية الإسلام، إلا أنه ظهر عقب حادثة حصلت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي يعد أول من استخدم التاريخ الهجري.
فقد وصل في سنة 17 من الهجرة خطاب إلى أبي موسى الأشعري مؤرخ في شعبان، وبدوره أرسل للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستفسره عن الكتب التي تصل مؤرخة بالأشهر دون ذكر السنوات، وهو ما من شأنه أن يحدث خلطا بين الرسائل.
فجمع عمر الصحابة للبحث عن حل هذا الإشكال، فاختلفوا بين من يرى اعتماد تاريخ مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يرى اعتماد تاريخ وفاته، وبعضهم اقترح العمل بتأريخ الفرس أو الروم.
وخلصت مداولات الصحابة إلى إقرار تاريخ الهجرة النبوية الشريفة، بوصفها حدثا مهما في تاريخ الدولة الإسلامية، وفي ذلك قال عمر رضي الله عنه إن "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرّخوا بها".
وأصبح هذا الحدث المهم بذلك انطلاقة التأريخ الهجري للأمة الإسلامية، والذي وافق بداية شهر محرم الحرام من سنة 622م.
24/06/2024
بلاد كنعان ومصر الفرعونية :
تشير الدلائل الأثرية والمصادر الكتابية إلى العلاقات الوثيقة بين بلاد كنعان والمصريين القدماء على مدار العصر البرونزي ، وظهرت الدلائل مع بداية الألف 3 ق.م ، وتدل الأختام المصرية المكتشفة في أريحا إلى أن ثمة روابط تجارية وثيقة كانت قائمة بين البلدين ، كما أن صور القبائل الكنعانية المصورة في قبور بني حسن من عهد المملكة الثانية عشرة ( القرن 19 ق.م ) دليل آخر على عمق هذه الروابط ، أما درجة السيطرة المصرية على بلاد كنعان فنجدها في نصوص ( أوغاريت وصور وجبيل ومجدو ) .وفي العصر البرونزي الوسيط حكم الهكسوس مصر وفلسطين وأخضعوهما لحكمهم ، والهكسوس عبارة عن قوم غرباء من آسيا قدموا إلى هذه المنطقة وحكموها لفترة ثم انتصر عليهم المصريون وطردوهم.
وشهد العصر البرونزي المتأخر ( 1550-1200ق.م ) انتعاش التجارة الدولية بين فلسطين ومصر ، ثم بسبب التطورات السياسية والصراع على المنطقة قاد ملك قادش ( في سوريا ) تحالفاً ضد مصر ، كما قامت ثورة المدن الكنعانية حيث تم تنظيم أكبر تحالف بين قادش والملوك الكنعانيين في ( مجدو – تل المتسلم اليوم ) ، وكان تحوتمس الثالث قد استلم الحكم حديثاً ، فجرد حملة عسكرية ضخمة أراد منها تأمين حدود مصر ، وتقدم نحو سهل مرج ابن عامر بالقرب من مجدو حيث دارت رحى معركة ضخمة خارج أسوار مجدو انتهت بانتصار تحوتمس الثالث وجيشه الذي حاصر مدينة مجدو لمدة سبعة أشهر كاملة عام1468 ق.م، ثم اقتحهما الجيش المصري وغنم الكثير من الغنائم ، كالخيول والعربات المصنوعة من الذهب والفضة والماشية وعدد كبير من الأسرى ومن الأسلحة والأثاث والتماثيل الثمينة وغيرها.
ومع انتصار مجدو تم تأكيد الهيمنة المصرية في الشام، وبدأ تحتمس الثالث عهده الذي وصلت فيه الإمبراطورية المصرية إلى أقصى توسع لها.
المراجع :
- نور الدين ، عبد الحليم : تاريخ وحضارة مصر القديمة ، القاهرة ، ط1 ، 2008م .
- الأحمر ، مها : العلاقات السياسية والدبلوماسية في المشرق العربي القديم من خلال محفوظات تل العمارنة المسمارية ، رسالة ماجستير في التاريخ القديم غير منشورة ، دمشق ، 2008م.
- برستد ، جيمس هنري: تاريخ مصر منذ أقدم العصور إلى الفتح الفارسي ، ترجمة : حسن كمال ، القاهرة ، ط1 ، 1990م .
29/07/2021
معلومة سريعة
حربا الأفيون الأولى والثانية في الصين:
حروب الأفيون O***m Wars، أو الحروب الأنگلو-صينية، وتنقسم إلى حرب الأفيون الأولى بين عامي1839 -1842 وحرب الأفيون الثانية بين عامي1856 -1860، وكانت سلسلة من النزاعات على التجارة والعلاقات الدبلوماسية بين الصين في عهد أسرة چينگ والامبراطورية البريطانية.
بعد العمل بنظام الكانتون عام 1856، والذي قيد التجارة إلى ميناء واحد ولم يسمح بالدخول الأجنبي للصين، واجهت شركة الهند البريطانية مشكلات تجارية في الصين، فاستثمرت بتوسع في انتاج الأفيون لتعويض خسائرها التجارية. فقام التجار البريطانيون والأمريكان بشراء الأفيون من مصانع شركة الهند البريطانية في پاتنا وبنارس، في رئاسة البنغال بالهند البريطانية، ثم قاموا ببيعه للمهربين الصينين على السواحل، مما يعد اختراقاً للقوانين الصينية.
03/07/2020
من هو الشهيد ماجد أبو شرار ؟
ولد ماجد محمد عبد القادر أبو شرار في قرية دورا قضاء الخليل في عام 1936 حيث تلقى تعليمه الابتدائي فيها ، ثم عام 1948م انتقل مع والده إلى غزة ونشأ في شيابه فيها .
في العام 1954 التحق بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية وتخرج منها عام 1958، ثم التحق بأمه وإخوانه الذين كانوا قد عادوا من أجل الحفاظ على أملاكهم إلى قريتهم دورا.
عمل في سلك التدريس في الأردن في مدرسة ( عي) قضاء الكرك ثم أصبح مديراً لها .
في عام 1959م عمل في صحيفة الأيام في السعودية حيث وجد مبتغاه للتعبير عن أفكاره الوطنية والسياسية ضد الكيان الصهيوني .
عام 1962 التحق بحركة "فتح"، وتفرغ أبو شرار في صيف 1968 للعمل في صفوف الحركة بعمان في جهاز الإعلام، الذي كان يشرف عليه مفوض الإعلام آنذاك كمال عدوان، وأصبح ماجد رئيسا لتحرير صحيفة "فتح" اليومية ، ثم مديرا لمركز الإعلام، وتم اختياره أمينا لسر المجلس الثوري لحركة" فتح" في المؤتمر الثالث للحركة في العام 1971.وبعد استشهاد كمال عدوان في العام 1973أصبح مسؤولا عن الإعلام المركزي ثم الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ساهم في دعم تأسيس مدرسة الكوادر الثورية في قوات العاصفة عام 1969 عندما كان يشغل موقع مسؤول الإعلام المركزي ، كما ساهم في تطوير مدرسة الكوادر أثناء توليه لمهامه كمفوض سياسي عام وهو الموقع الذي شغله في الفترة ما بين1973-1978.
أصبح عضواً في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين منذ سنة 1972، كما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي.
اختير في المؤتمر العام الرابع لحركة فتح في العام 1980 ليكون عضوا في اللجنة المركزية لحركة "فتح".
اغتالته المخابرات الصهيونية لدوره الكبير في فضح ممارسات وإرهاب الكيان الصهيوني صبيحة يوم 9تشرين الأول1981 بقنبلة وضعت تحت سريره في أحد فنادق روما حيث كان يشارك في مؤتمر عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ونقل جثمانه الى بيروت حيث دفن في مقبرة الشهداء فيها.
01/07/2020
اسم دمشق من خلال الكتابات المصرية القديمة :
لقد ذكرت دمشق بأسماء عدة وباشتقاقات لفظية متنوعة ، ولكن سنتحدث عن أول من أطلق هذه التسمية .
وجب التنويه أن الأصول اللغوية لاسم دمشق هو آرامي ومن المعروف أن الآراميين هم القبائل الذين امتد نفوذهم ومكان سكنهم من الحجاز وفلسطين والأردن حتى ضفاف الفرات والخليج العربي . وسيطروا سياسياً على إرث أسلافهم من العموريين والأكاديين والسومريين .
أما معنى الاسم المؤلف من أربعة حروف ساكنة كالتالي ( تــ - مســ - ق ta – ms – qu ) فقد نقشت هذه الصيغة للاسم على جدران معبد الكرنك في مصر بين المدن التي غزاها الفرعون تحوتمس الثالث ، ونجد الاسم ذات الصيغة اللفظية المصرية القديمة ضمن قوائم المدن التي غزاها ( أمينوفس الثالث ) في القرن 14 ق.م . وتجدر الاشارة أن ذكر اسم دمشق يشير لأهمية المدينة سياسياً وضرورة وجودها كمركز سياسي قبل هذا التاريخ بفترة طويلة .
- أما اسم دمشق بصيغته بالشكل المسماري المعروف فأيضاً يأتينا من مصر من خلال رسائل تل العمارنة عاصمة أخناتون ، وهي الرسائل المكتوبة باللغة الأكادية والخط المسماري العالمي والمرسلة من أمراء جنوب سورية بما فيها دمشق إلى فرعون مصر .
وقد ورد الاسم في ثلاث رسائل من تل العمارنة على النحو الآتي :
1. أُورو دِ – مـَشــ - قَ uru di – mas- qa
2. أُورو دوَ مـَ – أشـ - قَ uru du – ma – as – qa
3. أُورو تِـ - مَشــ - قِ uru ti – ma – as – qi
ثم مع مرور الزمن وبدءاً من منتصف القرن العاشر ق.م يرد اسم دمشق في النصوص الآشورية ضمن صيغة آشورية ونظام كتابة مماثل للمسمارية :
اورو دِمشقَ – اورو دمشقِ – اورو دمَشقِ
وهذا يعني ورود اسم دمشق بحالات الرفع والنصب والجر .
وهناك تفاسير كثيرة لاسم دمشق ولكن أردنا أن نرد أول من ذكر اسم دمشق في الوثائق تاريخياً .
ملاحظة : ( عصر العمارنة) قد شهد تحالفات وصراعات بين القوى السياسية الكبرى القائمة، وتبدلات في مناطق السيادة والنفوذ، ورافقها تغيّر في طبيعة مواقف الكيانات الصغرى، وكان يحكم مصر خلال هذا العصر ملوك من الأسرة الثامنة عشر وهم: أمنحوتب الثالث (1390- 1352ق.م) وأمنحوتب الرابع /أخناتون (1352 - 1336ق.م) وتوت غنج آمون (1336ق.م).
د. مؤيد حمزة بتصرف
- أنظر : فيصل عبد الله ، اكتشافات أول نص مسماري في دمشق ، مجلة جامعة دمشق ، المجلد 27 ، العدد 3 +4 ، دمشق 2011.
- Albright , w.f , the vocaliz ation , p 4500, the land of Damascus between 1850 – 1750 B.C Basor 83.30.36.
- تريفور برايس : رسائل عظماء الملوك في الشرق الأدنى القديم، ترجمة: رفعت السيد علي - القاهرة 2006م.
28/06/2020
أقدم نص تاريخي في دمشق :
يمكننا القول أن تسمية دمشق كأقدم عاصمة مأهولة تستند علمياً إلى وثائق كتابية تتحدث عنها بوصفها عاصمة ، حيث كان الآراميون أول من اتخذها عاصمة رسمية ومركزاً للتجارة استقطبت كل مدن الدول الآرامية منذ مطلع الألف الرابع ق.م . غير أن تاريخ دمشق وغوطتها يعود لمطلع الألف الثاني ق.م اذ كانت تحمل أسماء أخرى أطلقت عليها من قبل نصوص آشورية ، وكنا نفتقر لوجود أي شاهد كتابي حتى جاء الاكتشاف في ( تل سكا ) قرب دمشق ليفتح صفحة جديدة في تاريخ دمشق المكتوب .
وتعود الاكتشافات إلى الآثاري أحمد طرقجي الذي بدأ في التنقيب بالتل منذ عام 1989م ، ويقع التل على بعد 20 كم جنوب غرب دمشق وقد زار التل من قبل كل من الادريسي الجغرافي المعروف والمؤرخ ياقوت الحموي في القرنين الثاني والثالث عشر الماضيين .
وسنتحدث عن المستوى الرابع في الكشف الأثري الذي حققه الطرقجي وهو القصر الملكي في تل سكا ويؤرخ في عصر البرونز الوسيط الثاني 1800-1600ق.م ، حيث عثر على بناء كبير ذي حجرات وغرف واسعة وجدران فخارية بسماكة 140-180سم وغطيت الجدران بالجص وزينت بالرسوم الهندسية .
أهم ما يميز الرسوم الجدارية الفريسك وهو ما يمكن مقارنته برسوم ما تم العثور عليه في ماري وإبلا وآلالاخ وقطنا .
وقد تم اكتشاف أول نص مسماري في دمشق هو الأول من نوعه في دمشق عام 2008م في تل سكا ، ويعد هذا النص البرهان الأول على اكتشاف الكتابة المسمارية واللغة الأكادية - العمورية واستخدامهما منذ مطلع الألف الثاني في دمشق وهو من حيث مادته وصناعته مطابق ما تم استخدامه في محفوظات مكتبة ماري في عهد زمري ليم .
وهكا يمكن التأكيد أن دمشق وغوطتها كانت مأهولة بالقرى العمورية منذ مطلع الألف الثاني ق.م ، يشهد على ذلك مجموعة من المعلومات الأثرية حول المدينة القديمة ، حيث لا يمكن التنقيب فيها بسبب السكن وتكاليفه الكبيرة ولهذا ستظل أجزاء كبيرة من تاريخها مبهمة محفوظة في باطنها .
- د. مؤيد حمزة بتصرف
لمزيد من المعلومات د. فيصل عبد الله ، اكتشاف أول نص مسماري في دمشق ، مجلة جامعة دمشق ، العدد الثالث والرابع ، 2011، المجلد 27 .
- أجمد الطرقجي ، دمشق في الألف الثايي ق. م، جامعة دمشق
23/05/2020
تاريخ قرية الفالوجة في فلسطين المحتلة
المدينة الأخيرة في تاريخ النكبة
بلدة عربية تنسب إلى الولي الصالح شهاب الدين أحمد الفلوجي الذي هاجر من بلدة الفلوجة على نهر الفرات في العراق إلى موقع زريق الخندق شمالي شرق القرية ، ولما مات دفن هناك وأخذ الناس يبنون البيوت حول ضريحه فتكونت نواة القرية.
وهي قرية عربية فلسطينية تقع بين الخليل وغزة كانت تتبع لقضاء غزة قبل الاحتلال الصهيوني وتقسيم فلسطين.
ترتفع حوالي 100 م عن سطح البحر وتحيط بها ثنية وادي الفالوجة من جهاتها الثلاث. الشرقية والشمالية والغربية. وقد أضاف ذلك إلى وظيفتها الدينية الأساسية وظيفة دفاعية تتمثل في احاطة الموقع بواد عميق يكسب أهمية عسكرية تساعده على رد غزوات القبائل المجاورة.
ويوجد بها جامع كبير قديم بها ثلاث اروقة وقباب وصحن ودفن فيه الشيخ الفالوجي، وبها اضرحة ومقامات لاولياء ومجاهدين من فترة الحروب الصليبية. انشئت مدرسة للبنين عام1919م وللبنات عام1940، ويوجد موقع اثري يدعى خربة الجلس.
تبعت في العصر العثماني لقضاء الخليل، وفي فترة الاحتلال الإنجليزي لقضاء غزة، وهي مذكورة في المصادر المملوكية والتركية كحاضرة من حواضر فلسطين.
يعمل معظم سكان الفالوجة في الزراعة* وتبلغ مساحة أراضيها 38.038 دونما يزرع معظمها حبوباً وخضراً وفواكه. وتقوم الزراعة على مياه الأمطار التي يبلغ معدلها السنوي 400 مم. وتفتقر أرض الفالوجة إلى المياه الجوفية، فليس فيها سوى أربع آبار لم تكن تفي بحاجات السكان في سنوات القرية الأخيرة.
تأتي الوظيفة التجارية في المرتبة الثانية بعد الوظيفة الزراعية بسبب أهمية الموقع الجغرافي. ويعتمد على التجارة* قسم هام من السكان. وإلى جانب الزراعة والتجارة يربي الكثيرون المواشي والدواجن التي تدر عليهم أرباحاً طائلة. ويضاف إلى ذلك بعض الصناعات الخفيفة التي تشتهر بها القرية تطحن الحبوب وغزل الصوف وصبغه ونسجه، وصناعة الأنية الفخارية.
النكبة والاحتلال عام 1948م
تشكل بلدة "الفالوجة" آخر القلاع الفلسطينية التي سقطت بيد العصابات الصهيونية عام 1949، بعد معركة صمود وتحد سطرها أهلها في الدفاع عنها، والإصرار على عدم الخروج منها، حيث قدم أهلها والحامية المصرية التي كانت مرابطة بالبلدة نحو أربعمائة شهيد بحسب ما ذكره المؤرخ الفلسطيني عارف العارف في كتابه النفيس (نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود).
خرج أهل الفالوجة مرغمين تحت قصف الطائرات الصهيونية، فيما خرجت القوات المصرية ومن تبقى فيها من سكان البلدة وفق اتفاقية هدنة (رودس) عام 1949م ، ولم تدخلها العصابات الصهيونية إلا بعد هذا التاريخ.
فكانت هناك مؤامرة على الفالوجة وأهلها بحيث نقل السكان جبرا بعد انسحاب الجيش المصري منها إلى غزة والخليل، ودمرت البلدة عن بكرة أبيها، ولم يبق فيها سوى أجزاء من مسجد وبئر قديمة وبقايا من السوق المركزي، لتزرع البلدة بأشجار من الصنوبر والكينيا والنخيل، إضافة إلى بناء عدد من المغتصبات أكبرها مغتصبة لجوت ومعسكرات للجيش الصهيوني وجزء من مغتصبة جريات جات.
صفحات مجيدة من تاريخ نكبة الفالوجة التي كانت امتدادا للنكبة الكبرى لن تسقط بالتقادم ولن تنسى، فلا زالت القرية باسمها وتاريخها وتراثها محفورة في قلوب الآلاف من أهلها وأصحابها الذين هجروا في المنافي والمخيمات والشتات على أمل العودة التي يرونها قريبة.
المصادر :
• مصطفى مراد الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ق2، بيروت 1966.
•أنيس صايغ: بلدانية فلسطين المحتلة، بيروت 1968.
* د. مؤيد حمزة بتصرف
15/05/2020
طريق البخور وعلاقته بصحراء النقب الفلسطينية :
في حضرموت وظفار (اليمن وعُمان) في جنوب الجزيرة العربية، تنمو حصريا شجرة شائكة، يسيل منها سائل سرعان ما يجف ويتحول إلى حبات كبيرة تميل إلى اللون الأبيض تسمى البخور. وعند وضع الحبات على قطع فحم من الخشب الملتهب، يخرج منها دخان أبيض ذكي الرائحة ( كاتب فلسطيني ).
وقد نشأ لخدمة البخور طريق تجاري متشعب، لكنه يتجه من الجنوب إلى الشمال حيث سواحل المتوسط عل امتداد 2400 كم، تغير عبر التاريخ أكثر من مرة، في استجابة للتحولات الإقليمية وتوازن القوى والتحالفات، إلى أن اتخذ من مسارات الصحراء الخطرة طريقا شبه نهائي.
** يعدّ طريق البخور أحد أهم طرق التجارة العالمية التي منها أيضا: الطريق الملوكي أو طريق الملوك، طريق اللبان، طريق الحرير، طريق البحر أو طريق الفلستينيين، طريق العبيد، طريق العنبر، طريق القوافل العابر للصحراء الكبرى، وطريق التوابل.
** طريق البخور هو طريق تجارة القوافل قديما، ومعبر تجاري دولي بين الشرق والغرب. يبدأ من سواحل اليمن على بحر العرب إلى شمال البحر المتوسط، مرورا باليمن وجنوب الجزيرة العربية، وينقسم إلى طريقين؛ أحدها يتجه إلى نجد ثم العراق وفارس، والآخر يتجه إلى شمال الجزيرة العربية ثم مدينة البترا في الأردن، ومن بعدها إلى فلسطين على البحر المتوسط. ويأتي إلى البترا طريق آخر من سيناء في مصر، ويلتقي مع الطريق القادم من شمال الجزيرة العربية. كانت القوافل العابرة عبر طريق البخور محملة بالبخور والتوابل ومنتجات الشرق نحو أوروبا .
وطريق بري آخر يصل أقصى شمال الجزيرة العربية بالرمادي قرب بغداد ويسير بمحاذاة نهر الفرات حتى مدينة ماري (قرب ابو كمال) ومنها يتجه غرباً الى تدمر فحمص حيث يعود فيتفرع الى فروع عديدة، منها فرع يصل حمص بدمشق، وآخر يتجه نحو الموانيء البحرية السورية .
شهد طريق البخور هذا تراجعاً كبيراً بعد ان فقدت الدولتان المعينيية والسبئية سيطرتهما على البحر الاحمر وسواحل افريقيا الشرقية بسبب سيطرة اليونان والرومان على التجارة البحرية في هذا البحر . وفي وقت لاحق استعاد طريق البخور مكانته التجارية بعد ان تحالفت الامبراطورية البيزنطية مع الحبشة في غزو هذه الاخيرة لليمن .
وهكذا تمكن الحليفان من بسط نفوذهما على الطرق التجارية في البحر الاحمر والطرق البرية من جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى شمالها ، فاستعاد طريق البخور منذ الثلث الثاني للقرن السادس الميلادي مكانته التجارية العالمية بين الهند واليمن وبلاد الشام ومصر بالتوازي مع الطريق الآخر عبر البحر الاحمر الذي كان ينقل البضائع الآتية من أفريقيا الشرقية عبر اليمامة الى العراق.
** كان البخور يُجنى ثم يجهَّز بعلم وإشراف رجال الدين الذين كان يحتكرون التجارة في اليمن وعُمان، ولا يسمحون بالتصدير إلا بعد الحصول على الرسوم والضرائب التي جعلت رحلته خطيرة وسعره باهظا، والعائدات منه بسبب حجم الطلب العالمي عليه مرتفعة. وساهمت الثروات الهائلة التي تراكمت في انتعاش القبائل البدوية العربية في الجزيرة وبلاد الأنباط، التي أقامت لأول مرة دولة في عمق الصحراء.
ويذكرالمؤرخ «بليني» (Pliny) أن محصول البخور كان يُجنى مرتين في السنة، وتُجمع الغلالُ في معبد شبوة الكبير بحضرموت؛ وكان يتعين الحصول من الكهنة على حق التصدير، وهي جزية أولى تُضاف إليها جزياتٌ أخرى طوال الرحلة، حيث يتوجب دفع الحمايات والإتاوات للقبائل والممالك.
** وقد عبرَ الأنباط النقب نحو مصر مرورا بغزة، وبنوا مستوطناتهم التجارية والصناعية وبعضها أسسها الأدوميون، لكن الأنباط وضعوا بصمتهم الخاصة، فاستغلّوا مناجم النحاس، ثم عمروا منذ القرن الثالث قبل الميلاد حيث بُنيت مدينة عبدة في البداية ومن ثم المدن الأخرى.
ومن المدن التي بناها الأنباط في النقب على طريق البخور نذكر :
- الخلصة: كانت العاصمة الإقليمية للنقب.
- كرنب: تقع على تلة صغيرة وترتفع 479 مترا عن سطح البحر.
- عبدة: تقع على الطرق التجاري بين البترا وغزة، وتحتوي على معبد وقلعة نبطية، وقد أخذت اسمها من الملك النبطي عبادة الثالث، وهي إحدى المدن المسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
- نصتان: تكاد تضاهي عبدة في أهميتها، وفيها آثار ظاهرة حتى اليوم.
-. شبطا: وتسمى حاليا «خربة المشيرفة»، وهي اليوم موقع أثري في صحراء النقب أضافتها اليونسكو عام 2005 إلى قائمة التراث العالمي، وتظهر في آثارها بقايا أنظمة الري المتطورة التي شجعت على استيطان هذه الصحراء لصالح التجارة والزراعة.
وهكذا مثّل الأنباط حلقة مميزة في التاريخ العربي، وشكلوا حلقة وصل مثالية بين الآراميين والعرب، وكانت تجارتهم سبباً في تشكيلٍ حضاري جديد جلب الثراء والمجد لدولتهم التي امتدت لتشمل مملكة واسعة شكّلَ النقبُ الفلسطيني حيزاً واسعاً منها، وتَبرز مدنهم الأربعة التي سُجِّلت على قائمة التراث العالمي شاهداً حضارياً على عروبة فلسطين منذ الأزمنة، وبما يؤكد أن فلسطين كانت دائماً حيزاً مهماً من الممالك العربية التي نشأت قبل الإسلام وبعده، ولم تنفصل يوماً عن هذا الوجود العربي، حتى في الحقب الهلينية أو الرومانية.
د. مؤيد بتصرف
17/11/2019
فنُّ الفسيفساء باختصار :
الفسيفساء Mosaic مصطلح أصله اللاتيني (بسيفوسيس) psêphosis هي أحد أقدم الفنون التصويرية ويتم تشكيل اللوحة الفسيفسائية عادة من انتظام عدد كبير من القطع الصغيرة وعادة ماتكون ملونة التي تكون بمجملها صورة تمثل مناظر طبيعية أو أشكال هندسية أو لوحات بشرية أو حيوانية. استخدام الفسيفساء قديم ويرجع لأيام السومريين ثم الرومان حيث شهد العصر البيزنطي تطورا كبيرا في صناعة الفسيفساء لأنهم ادخلوا في صناعته الزجاج والمعادن.
وإن تتبعنا بدايات هذا الفن منذ نشأته الأولى نجد بأن أقدم ظهور له كان منذ العصر الحجري المتوسط (10000_7500ق.م) منذ أن طعم إنسان هذا العصر أدواته مترجما لنا فن الترصيع لتكون بمثابة البدايات الأولى لنشأة هذا الفن، ليستخدم فيما بعد كزينة بناء في سومر من خلال إلصاق الأحجار الصغيرة في الطين حيث رصصت بأحكام بجانب بعضها بغرض التقوية والتزيين.
هذا وقد عثر على أرضيات مخروطية طينية في الألف الرابع قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين وقد ظهرت بألوان متعددة مغروسة بالطين على حوائط الأبنية والأعمدة قبل أن تجف، كما عثر على فسيفساء آشورية شمال العراق تؤرخ للقرن التاسع قبل الميلاد.
ولم تكن حضارة وادي النيل بعيدة عن إدراج بصماتها بعالم هذا الفن التصويري الزخرفي بصورة مبكرة، حيث عثر على ما يشبه الفسيفساء في بعض غرف هرم سقارة، وقد ظهرت الفسيفساء مستخدمة المكعبات الفخارية منذ القرن الثالث قبل الميلاد إبان العهد الهلنستي متأثرة بتلك التي استخدمت في الألف الرابع قبل الميلاد في مدينة آنين جنوب العراق، وقد شهد هذا الفن تطورا ملحوظا خلال الفترة الإغريقية.
ظهرت الفسيفساء مرادفة للصور الجدارية التي لم تكن قد انتشرت كثيراً، وكان ظهورها عملاً تزيينياً يجمّل الجدران، ويكسو الأرض الواسعة. وكانت النوافذ الزجاجية مؤلفة من قطع صغيرة من الزجاج تنضد مع بعضها لتشكيل صورة ما.
تتألف الفسيفساء بمفهومها الكلاسي والذي انتشر في العصرين الهلّنستي والروماني ثم البيزنطي وحتى بداية العصر الإسلامي، من فصوص مربعة صغيرة، تشكلت في ألواح كبيرة تزين جدران الأماكن العامة وأراضيها، من معابد وكنائس وقصور. وتمثل هذه الألواح مشاهد دينية وأسطورية.
لقد حظيت بلاد الشام بكم وفير من الأرضيات الفسيفسائية في الكنائس البيزنطية، والتي عملت على تصوير المواضيع الفنية المتمثلة في تصوير الحياة الريفية والأسطورية، وبعض الرموز الدينية المختلفة، بالإضافة إلى تصوير الإنسان والحيوان والنبات والمدن وغيرها، هذه الأعمال تعتبر مدارس فنية مهمة في المنطقة، وأهمها شمال سوريا (أنطاكية وحلب وأفاميا) وغيرها عشرات المناطق والمراكز الدينية في العصر البيزنطي كان لها أهميتها في سوريا وكذلك مناطق في جنوب بلاد الشام الأردن وفلسطين.
1. أنطاكيا :
معظم المواضيع التي تناولتها مواضيع أسطورية مثل حرب ديونيسيس إله الخمر اليوناني، وعثر على أشكال تمثل الفصول الأربعة وغيرها. وخلال الفترة البيزنطية بدأت كان لفن الفسيفساء في سوريا ومنها أنطاكيا في غرب سوريا حيث تقاطع التقاليد الفنية القديمة ومؤثراتها حيث أصبحت المشاهد أكثر قربا من الواقع والحقيقة. ونجد بين المناظر المكتشفة منظرا غير مألوف في السلوك الحيواني حيث نشاهد صور بعض الحيوانات ذات العداء الفطري معا مثل الذئب والحمل في مكان واحد في هدوء وسلام وصورت بعض الحيوانات البحرية في نقل واقعي وهذه السمة هي السائدة في معظم أعمال هذه المدرسة.
2. فلسطين:
كون فلسطين الأرض المقدسة فقد حظيت بكم وافر من الزخارف الفسيفسائية، حيث عثر على لوحات تمثل الفصول الأربعة وعددا من الحيوانات المفترسة والصيادين في منظر يخيم ،كما وعثر في فلسطين على لوحات فسيفسائية تحتوي أشكالا نباتية متعددة الألوان تخرج من مزهريات طويلة، كما واحتوت أيضا على لوحات تمثل رسوم طيور وأشكال الحيوانات والزخارف الهندسية. وكون كنسية القيامة وكنيسة المهد أهم كنائس فلسطين فقد جاءت الفسيفساء فيها تمثل كروم العنب والأغصان الملتفة والأشكال الهندسية كالمثلثات والدوائر الملتحمة
3. لقد ظهرت في مدينة جرش أبنية دينية مهمة خلال الفترة البيزنطية، تمثلت بإنشاء عدد من الكنائس ذات الأرضيات الفسيفسائية. لذلك نجد أن أساليب فسيفساء جرش تعتمد على أصول كلاسيكية مع ظهور تطور واضح في نماذجها، فمن أبرز كنائسها كنيسة الرسل والقديسين والأنبياء حيث يعتقد أن جدرانها كانت مزينة بالفسيفساء ،بالإضافة إلى كنيسة كوزموس ودميانوس التي يعتقد أن مبانيها كانت مزينة بالفسيفساء ،حيث احتوت كنيسة كوزمس ودميانوس على صور آدمية مختلفة وصور للفصول الأربعة والطيور المختلفة وفي إحدى اللوحات تصوير يمثل المتبرع ثيودور وزوجته جورجيا.
4. ما الفسيفساء الإسلامية فقد كانت امتدادا للفسيفساء البيزنطية في حين احتفظوا بفضل تطوير صناعة هذا الفن من حيث استخدامهم للألوان المائية في التلوين مع ابتكار أشكالا هندسية غير معهودة في تزيين القصور والمعابد لتمتد هذه التقنية لما بعد الإسلام إذ استعملت في زخرفة جدران المساجد والعمائر والقصور إثناء الحكم الأموي ( المسجد الأموي بدمشق ) والعباسي والفاطمي في مصر والأندلس. وقد تطور هذا الفن وقفز قفزة نوعية وذلك من حيث استخدام تربيعات البلاط القيشاني لإبراز الإشكال الزخرفية وإعطائها بعدا اكثر من اللون والبريق. وكان الأندلسيون أول من أسس مصنع أو معمل لتصنيع وتصدير القيشاني إلى كثير من بلدان العالم في أوائل القرن العاشر الميلادي ليكون بمثابة المؤشر القوي على مدى التقدم الذي وصل إليه هذا الفن في العصر المملوكي حيث حرص الفنان المملوكي على إدخال عنصر جديد في زخرفة الجدران والأرضيات وهو استخدام الفسيفساء الرخامية كتلك التي استخدمت بقبة قصر السلطان قلاوون في مصر، كما ظهر استخدام البلاطات الخزفية المزخرفة في تكسيه قمم المآذن والقباب والجدران. ولم يكن العثمانيين بمنأى عن احترام هذا الفن منذ قيام الدولة ولوحظ ذلك من خلال الشواهد الفسيفسائية بمسجد المرادية في مدينة بروسة.
د. مؤيد
27/06/2018
الأدب والشعر عند الأمير عبد القادر الجزائري:
بعد أن وقع الأمير عبد القادر أسيرا مع بعض من رفاقه ممن معه في قبضة جيش الاحتلال الفرنسي، و بعد أن خيره الفرنسيون بين جملة من البقاع ليختار منها منفى له و لأصحابهمقدمين له أشكالا من الإغراءات ليكون اختياره فرنسا ، أصر الأمير المجاهد أن يكون منفاه إلى الشام و تحديدا إلى سوريا ، فكان له ما أراد بعد شد و جذب ...
وخلال إقامته بالشام، استطاع الأميرعبد القادر أن يؤلف موسوعته الجامعة "كتاب المواقف"، تناول القضايا العويصة في الفكر الإسلامي وبث فيها آراء إصلاحية. وكان تأليف هذا الكتاب الضخم، حصيلة لثقافة الأمير الصوفية واستجابة لطلب بعض العلماء الذين التمسوا من الأمير أن يدون لهم ما يلقيه من دروس وما يتكلم به في مجالسه.
من أشهر مواقفه خلال هذه الفترة، ما فعله خلال أحداث الشام الطائفية التي وقعت في 10 تموز1860، إذ تواصل مع كل الأطراف لاحتواء الأزمة، وفتح بيته وبيوت جيرانه للفارين من الفتنة،وتوجت جهوده بنتائج باهرة، دعت كل الأطراف إلى إكباره. ولكن بقدر ما كانت النتائج كانت التضحيات، فدفع عدد من الجزائريين أرواحهم، من بينهم رفقاء الأمير في جهاده.
عرف الأمير عبد القادر الجزائري شاعراً، وتميز في مجالات كثيرة فقال في الفخر بنسبه:
أبونا رسول الله خير الورى طرا
فمن في الورى يبغي يطاولنا قدرا
ويفتخر أيضاً بفروسيته:
ومن عادات السادات بالجيش تحتمي
وبي يحتمي جيشي وتحرس أبطالي
وللأمير صولات في شعر الغزل العفيف، ومنه قوله:
ألا قل للتي سلبت فؤادي وأبقتني أهيم بكل واد
تركت الصب ملتهباً حشاه حليف شجى يذوب بكل ناد
فما راعه و هو في منفاه إلا حنينا ملك عليه كل أمره لزوجته التي حيل بينه و بين مضيها معه ، فكتب هذه الأبيات يشكو إليها ما يعانيه من جمر الشوق و لوعة البعاد ..
قال :
أقول لمحبوب تخلف من بعـــــــــــدي --- عليلا بأوجاع الفراق و البعـــــــــــــد
أما أنت حقا لو رأيت صبابتــــــــــي --- لهان عليك الأمر من شدة الوجـــــــــد
و أرى المسكين عذبــــــه النـــــــوى --- و أنهاه حقا إلى منتهى الحــــــــــــد
و إني و حقِ الله دائـــــم لوعـــــــــــة --- و نار الجوى بين الجوانح في وقــْـــد
ومـن عجب صبري لكل كريهــــــــــة --- وحملـيَ أثـقـالاً تـجـلّ عن العـــــــــد
و لست أهاب البيض كلا و لا القنــــا --- بيوم تصير الهام للبيض كالغمـــــــــد
وأرجاؤه أضحـت ظـلاما وبرقــــــــه --- سيـوفـا وأصـوات الـمدافع كالرعد
ولا هالني زحف الصفوف وصوتهــــا --- بيوم يشيب الطفل فيه، مع المــــــرد
وقد هالني بل قد أفاض مدامعـــــي --- وأضنى فؤادي بـل تعدى عن الحـــد
فـراق الذي أهـواه كهـلا ويافعــــــا --- وقلبـي خـليٌّ من سعادٍ، ومن هــــند
* * *
ألا هل يجود الدهر بعد فراقنــــــــــا --- فيجمعنا و الدهر يجري إلى الضــــد
و أشكوك ما نلت من تعب و مــــــــا --- تحمله ضعفي و عالجه جهــــــــــدي
كي تعلمي أمّ البنينَ بأنـــــــــــــــــه --- فراقك نار و اقترابك من الخلـــــــــد