20/06/2026
تحية خاصة كبيرة لأحدث أبرز المعجبين لديّ! 💎 محمد سمراني
اترك تعليقًا للترحيب به في مجتمعنا، @أبرز المعجبين
خطيب جامع ومدرس ديني
20/06/2026
تحية خاصة كبيرة لأحدث أبرز المعجبين لديّ! 💎 محمد سمراني
اترك تعليقًا للترحيب به في مجتمعنا، @أبرز المعجبين
الهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ وَبِنَاءُ الإِنسَانِ
19/6/2026- 4/1/ 1448 هـ
إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهْدِيهِ ونَشْكُرُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيْهِ ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أَعْمالِنَا مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ ولا مَثيلَ لَه ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَه وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وحَبِيبَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنا محمَّداً عَبْدُ اللهِ ورَسُولُهُ وصَفِيُّهُ وحَبِيبُهُ بَلَّغَ الرِّسالَةَ وأَدّى الأَمانَةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ فَجَزاهُ اللهُ عَنّا خَيْرَ ما جَزَى نَبِيّاً عَن أُمَّتِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ
إِلَى يَومِ الدِّينِ
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كَلَّمَا حَلَّ شَهرُ اللهِ المُحَرَّمُ يَتَذَاكَرُ المُسلِمُونَ ذَلِكَ الحَدَثُ العَظِيمُ الذِّي غَيرَ مَوَازِينَ التَّارِيخِ إِنَّهُ حَادِثُ الهِجرَةِ النَّبَوِيَّةِ المُبَارَكَةِ الَّتِي كَانَت سَبِيلاً إِلَى بِنَاءِ الدَّولَةِ وَتَحقِيقِ مَعَانِي القِيَمِ وَالفَضَائِلِ وَالمُؤَاخَاةِ وَوِحدَةِ الصَّفِ وَالتَّعَايُشِ السِّلمِي بَينَ النَّاسِ عَلَى اِختِلَافِ الأَعرَاقِ وَالعَقَائِدِ وَرِعَايَةِ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَاتِ قال تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40)
إِخوَةَ الإِيمَانِ: لَمْ تَكُنِ الهِجرَةُ النَّبَوِيَّةُ مُجَرَّدَ اِنتِقَالٍ مَكَانِي مِن مَكةَ إِلَى المَدِينَةِ بَل كَانَتْ فِي جَوهَرِهَا مَشرُوعاً حَضَارِيّاً مُتَكَامِلاً لِبِنَاءِ الإِنسَانِ بِنَاءِ عَقلِهِ وَقَلبِهِ وَسُلُوكِهِ وَمَكَانَتِهِ فِي المُجتَمَعِ فَأَصبَحَ المُسلِمُ أَكثَرَ وَعياً وَحِكمَةً وَمَسؤُولِيَةً
لَقَد بَنَتِ الهِجرَةُ الإِنْسَانَ عَقَائِدِيّاً وَإِيمَانِيّاً بِتَقوِيَةِ اِرتِبَاطِهِ بِاللهِ سُبْحَانَهُ الواحِدِ القَويِّ الحَكِيمِ والشُّعُورُ بِمَعِيَّتِهِ فِي أَصعَبِ اللَّحَظَاتِ فَفِي لَحظَةِ الخَطَرِ دَاخِلَ غَارِ ثَورٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: "ما ظَنُّكَ يا أبا بَكرٍ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهما" مسلم
كَمَا عَمَّقَت الهِجرَةُ مَفهُومَ التَّوَكُلِ الحَقِّ عَلَى اللهِ تعالى مَعَ العَمَلِ حَيثُ كَانَتِ الهِجرَةُ خُطَةً مَدرُوسَةً بِالأَخذِ بِكَامِلِ الأَسبَابِ والتَّخطِيطَ المُحكَمِ لِكُلِّ خُطوَةٍ مِن خَطَوَاتِهَا فَالمُسلِمُ يَتَعَلَمُ أَنَّ الإِيمَانَ لَا يَعنِي تَركَ العَمَلِ بَل الاِعتِمَادُ علَى اللهِ تعالى مَعَ الأَخذِ بِالأَسبَابِ وَالإِتقَانِ
إِخوَةَ الإِيمَانِ: كَمَا بَنَتِ الهِجرَةُ الإِنْسَانَ نَفسِيّاً بِالصُمُودِ أَمَامَ المِحَنِ وَأَن يُقَاوِمَ الضَّعفَ وَيَتَحَمَّلَ الأَلَمَ وِيَصبِر
فَفِي سَبِيلِ الدِّينِ وَالحَقِّ يَتَحَمَّلُ المُسلِمُ أَلَمَ فِرَاقِ الأَهلِ وَالوَطَنِ وَالمَالَ وَالبَلَاءَ وَيَتَيَقَنُ أَنَّ الاعتِصَامَ بِاللهِ تَعَالَى وَاللُّجُوءَ إِلَيهِ هُوَ بَابُ النَّجَاةِ
وَالهِجرَةُ حَرَرَتِ الإِنْسَانَ مِنَ خَوفِ البَشَرَ طَالَمَا الأَقدَارُ بِيَدِ اللهِ تَعَالَى فَرُغمَ مُطَارَدَةِ المُشرِكِينَ وَالمُكَافَآَتُ الَّتِي وَضَعُوهَا لِمَن يَقتُل سَيدَنَا مُحَمَّداً ﷺ أَو يَدُلَّ عَلَيهِ لَمْ يَشعُر النَّبِيُّ ﷺ وَلا أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ بِنِ الخَطَّابِ وَلَا كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم بِالخَوفِ الحَقِيقِي بَل كَانُوا مُطمَئِنِّينَ وَاثِقِينَ مِن نَصرِ اللهِ تَعَالَى وَوَعدِهِ الحَقِّ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَإِنَّ المَسلِمَ يَعلّمُ أَنَّ الخَوفَ الحَقِيقِي هُو اليَّأسُ وَالقُنُوطُ مِن رَحمَةِ اللهِ تَعَالَى وَتَأيِيدِهِ
إِخوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ الهِجرَةَ وَضَعَت مِنهَاجاً مُتَكَامِلاً لِبِنَاءِ الإِنسَانِ فِكرِيّاً وَثَقَافِيّاً والاِنتِقَالِ مِن مجتَمَعٍ قَبَلِيّ إِلَى مُجتَمَعٍ مُتَنَوِعٍ تَذُوبُ فِيهِ الفَوَارِقِ فَهِيَ بِدَايَةُ مَرحَلَةِ التَّعلُّمِ وَالتَّشرِيعِ مِن خِلَالِ بِنَاءِ المَسجِدِ كَمَركَزٍ للتَّربِيَةِ والتَّعلِيمِ والسِيَاسَةِ والاِقتِصَادِ والتَّوجِيهِ لِيَبنِي أُمَّةً عَالَمِيَةً
وَالهِجرَةُ هَيَأَةِ الإِنْسَانَ قِيَادِيّاً وَمَسؤُولِيَةً فَقَد اِختَبَرَتِ القُدُرَاتِ القِيَادِيَةِ فِي مُختَلَفِ المُستَوَيَاتِ
لأَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي اِتِّخَاذِ المُبَادَرَةِ وَعَلِيٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الفِدَاءِ
وَالتَّضحِيَةِ وَأَسمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنهُا فِي الدَّعمِ وَالتَّخطِيطِ وَالإِمدَادِ وَعَبدِ اللهِ بِنِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُما فِي جَمعِ المَعلُومَاتِ
وَابنِ فِهرٍ بِالتَّموِيِهِ وَتَأمِينِ المَؤُونَةِ وَعَبدِ اللهِ بِنِ أُرِيقِط غِير المُسلِمِ بِخِبرَةِ الطَّرِيقِ فَكُلُّ فَردٍ لَهُ دَورٌ مِحوَرِيٌ مِمَا يَدُلُ عَلَى اِستِثمَارِ الكَفَاءَاتِ فِي إِنجَاحِ الغَايَاتِ
إِخوَةَ الإِيمَانِ: هَكَذَا بَنَتِ الهِجرَةُ النَّبَوِيَةُ الإِنسَانَ فَلَم تَكُن مُجَرَّدَ هُرُوبٍ مِنَ الظُّلمِ بَل كَانَت وِلَادَةً جَدِيدَةً لِلمُسلِمِ عَقِيدةً وَفِكراً وَسُلُوكاً كَانَت نُقطَةَ تَحَوِّلٍ مِنَ الضَّعفِ إِلَى القُوَةِ وَمِنَ التَّبَعِيَةِ إِلَى القِيَادَةِ وَمِنَ الفَردِيَّةِ إِلَى الأُمَّةِ وَكُلُّ مَن أَرَادَ أَن يَبنِي نَفسَهُ أَو مُجتَمَعَهُ فَعَلَيهِ أَن يَستَلهِمَ دُرُوسَ الهِجرَةِ فِي تَنمِيَةِ الإِيمَانِ وَتَربِيَةِ النَّفسِ وَإِصَلاحِ المُجتَمَعِ وَبِنَاءِ الحَضَارَةِ
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ بَعدَ الفَتحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" بخاري
فَللهِجَرَةِ اليَومَ صُوَرٌ مِنهَا إِخلَاصُ النِّيَةِ للهِ تَعَالَى يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِه وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" متفق عليه
وَمِنهَا الهِجرَةُ إِلَى الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ عَن مُجَاشِع بْن
مَسْعُودٍ السُّلمِىّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ: "إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لِأَهْلِهَا وَلَكِنْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ وَالْخَيْرِ" مسلم
وَمِنهَا هِجرَةُ المَعَاصِي والسَيِئَاتِ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: "المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" متفق عليه
قَالَ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمُ؟ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ" أحمد
وَمِنهَا هِجرَةُ أَصحَابِ السُّوءِ قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا﴾ (المزمل: 10) وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الرَّجُلُ على دينِ خَلِيلِهِ فلْيَنْظُرْ أَحدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" أبو داود والترمذي
وَأَخِيراً الهِجرَةُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ زَمَنَ الفِتَنِ والشُبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَاِختِلَاطِ أَمرِ النَّاسِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "العبادةُ في الهَرْجِ كهجرةٍ إليَّ" مسلم
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هِجرَتُنَا لا تَنقَطِع وحَربُنَا مَع الشَّيطَانِ لَا تَنتهِي إِنَّ أَسْمَى أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ هِيَ الْهِجْرَةُ مِنَ الشَّرِّ إِلَى الْخَيْرِ وَمِنَ الرَّذِيلَةِ إِلَى الْفَضِيلَةِ وَمِنَ الظَّلاَمِ إِلَى النُّورِ فَلْنُهَاجِرْ إِلَى اللهِ بِقُلُوبِنَا إِلَى الْخَيْرِ وَالْحُبِّ وَالنَّقَاءِ هِجرَةَ تَغييرٍ وتَحوِيلٍ مِن كُلَّ سُوءٍ لِكُلِّ خَيرٍ قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11) وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ تَسْلَمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ فَغَفَرَ لَهُ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ لَهُ تُهَاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ لَهُ تُجَاهِدُ وَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتَقْتُلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ فَعَصَاهُ فَجَاهِدَ" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَمَاتَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّةٌ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةُ" ابن حبان والنسائي
اللَّهُمَّ اِستَعمِلنَا وَلَا تَستَبدِلنَا وَانفَعنَا وَانفَع بِنَا وَسُدّ بِنَا ثُغُورَ أُمَّتِكَ
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْحَمْدُ للهِ الذي جعلَ الهجرةَ النبويَّةَ فتحاً وتمكيناً ونوراً وهدايةً للمؤمنين الحمدُ للهِ الذي أيَّدَ نبيَّهُ ونجَّاهُ وأظهرَ دينَهُ واصطفاه وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيماً لِشَانِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ صَلَّى اللهُ عَليْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً
أَمَّا بَعْـدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ فَإِنَّ التَّقْوَى رَأْسُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَهِيَ الْمَتْجَرُ الرَّابِحُ فَتَزَوَّدُوا بِهَا مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِكُمْ مَا أَسْرَرْتُمْ مِنْهَا وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَاَعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَمِيمٍ بَدَأَ بِهِ بِنَفسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَةِ قُدسِهِ فَقَاْلَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
الدعاء
12/06/2026
✍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال سيدنا رسول الله ﷺ :_
(كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله تعالى ثم بالصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة).
ً
#مدد
مَا هِيَ رِسَالَتُنَا فِي الحَيَاةِ
12/6/2026- 26/12/ 1447 هـ
اَلْحَمْدُ للهِ ذِي الْجَلَالِ الأَكْبَرُ عَزَّ في عُلاهُ فَغَلبَ وَقَهَرْ يَعلَمُ قَطْرَ المَطَرْ وأَورَاقَ الشَجَرْ ومَا في الأرحَامِ مِنْ أُنْثَى وَذَكَرْ خَالِقُ الخَلْقِ عَلَى أَحْسَنِ الصُّوَرْ وَرَازِقَهُمْ على قَدَرْ وَيَتَوَفَّاهُم على صِغَرٍ وشَبَابٍ وكِبَرْ وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ شَهَادَةَ مَن أَنَابَ وأَبْصَرْ ورَاقَبَ رَبَهُ وَاسْتَغْفَرَ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ وحَبِيبُهُ وخَلِيلُهُ الطَّاهِرُ المُطَهَّرُ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ ما أَقْبلَ ليلٌ وأَدبرَ
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: مَا خَلَقَنا اللهُ سُبْحَانَهُ في هَذِهِ الدُنَّيا عَبَثاً فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون:115) ولم يَتْرُكْنَا فيها سُدَى فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحسَبُ الإِنسَانُ أَن يُترَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36) فلقدْ خَلقَنَا اللهُ تَعَالَى لِمُهمَةٍ عَظِيمةٍ وغَايةٍ جَليلَةٍ خَلَقَنا لتَوحِيدِهِ وإِفرَادِهِ بالعِبادَةِ وَالعِبَادَةُ اسمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحبُّهُ اللهُ ويَرضَاهُ منِ أَقوَالٍ وَأَعمَالٍ ظَاهرةٍ وبَاطِنَةٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ﴾ (الذاؤيات:57)
وبَيَّنَ سَبِيلَ الفَلَاحِِ وَالصَّلَاحِِ وَسَبِيلَ الغِوَايَةِ والطَّلَاحِِ
فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان:3) وهيئَ لِعبدِهِ وسائِلَ الهِدَايَةِ فَخَلقَ لَهُ عَقلاً وسَمْعاً وَبَصَراً قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ النحل:78)
وَأَرسَلَ الرُسلَ وأَيَدهُمْ بالكُتِبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد:25) وَلَم يَترُكْ لِعَبَادِهِ حُجَةً فَقَالَ تَعَالَى: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء:165)
وتركَ لهم حُرِيَةَ الإِرَادَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ (الشورى:20)
لذلك وَصَّى رَسُولُ اللَّه ﷺ باغتِنَامِ كُلِّ ما أُوتي العبدُ من قُدراتٍ وبَذلِهَا في تحقيقِ غَايةِ وجودِهِ وهي عِبادَةُ اللهِ وتزكيَةُ النفسِ وعِمَارَةُ الأرضِ فقَالَ ﷺ: " اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ" الحاكم
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: مِن حِكمَةِ اللهِ تَعَالَى أَنْ جَعلَ الإِنسانَ خَليفتَهُ في الأَرضِ يُقيمُ سُنَنَهُ ويُظهِرُ عَجَائِبَ صُنعِه وأَسرَارَ خَليقتِهِ وبَدائِعَ حِكَمِهِ ومَنَافِعَ أحكامِهِ واقْتَضَت رَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وسُنَّتُهُ في خَلقِهِ أن يَستخلِفَ على الأَرضِ من يشاءُ من عبادِه فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (الأعراف:128)
والاستِخلافُ ابتلاءٌ وامتِحانٌ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:129) يرِثُ الأرضَ مَن أَحسنَ القيامَ بواجبِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء:105) والاستِخلافُ يقتَضِي عِبَادَةَ اللهِ تَعَالَى وتَحقِيقَ شَرعِهِ تَعَالَى والصَّلَاحَ والإصلاحَ وَتَعمِيرُ الأَرضَ وَبِنَاءَ الحَيَاةِ بِالقَولِ والعِلمِ وَالعَمَلِ قال سُبْحَانَهُ :﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور:55)
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: المُؤمنُ خَيرٌ كُلُّهُ قَالَ ﷺ:"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قِيلَ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ: يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالَ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفِ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ الْخَيْرِ قَالَ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ: يُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ" متفق عليه
وَالمُسلمُ الذي يَقبَلُ الإسلَامَ دِيناً تُصبِحُ رِسَالَتُهُ الالتِزَامَ بِهَذَا الدِّينِ وَالدَّعوَةَ إِلَيهِ وَنَفْعَ الخَلقِ وبِهذا يَكُونُ عُضواً نَافِعاً يَنشُرُ الخَيرَ والفَضلَ والبِرَّ فَيغدُو شُعاعَ نُورٍ وبَرَكَةٍ قَلبُهُ مُفعَمٌ بِالمَحَبَّةِ لِسَانُهُ رَطبٌ بِالمَوَدَّةِ يَدُهُ مَبسُوطَةٌ
بِالنِّعمَةِ يُفِيءُ عَلَى مَن يَلقَاهُ المُسلمُ يعيشُ من أجلِ رِسَالةٍ سَامِية وغَايةٍ نبيلةٍ يَحيَا من أَجْلِهَا ويُكافِحُ في سَبيلِها يُحقِّقُ الصَالِحَ العام يُسخِّرُ من أجلِهَا عَمَلَهُ ويَخدِمُ دِينَهُ
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "إِذَا لَم تَشغَل نَفسَكَ بِالحَقِّ شغلَتْك بالباطِل"وَفِي أَحضَانِ البِطَالَة تُولَدُ الرَّذائِل قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:108)
صَاحِبُ الرسالَةِ يَبدأُ بِإصلاحِ نَفسِهِ ومُحاسبَتِها وَتَمتدُّ رِسَالَتَهُ إلى إِصلَاحِِ غَيرِهِ وَرِعَايَةِ الآخَرِينَ مَعَ سُمُوِّ الغَايَةِ وَعُلُوِّ الهِمَّةِ بِحِرَاسَةِ المِلََّةِ وخِدمَةِ الأُمَّةِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود:88) وَقَالَ النبيُّ ﷺ:"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُورِ وَأَشرَافَهَا وَيَكْرَهُ سَفْاسِفَهَا" الطبراني والبيهقي
وَقَالَ النبيُّ ﷺ:"مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ" الترمذي
فالمسؤولُ المُسلمُ رسالتُه تَحقيقُ مَصَالِحَ رَعيَّتِهِ بإِقامَةِ العَدلِ وإِحقَاقَ الحقِّ يجتهِدُ في تَحقيق ما ينفعُهم ودَفعِ ما يضُرُّهم في دِينِهِم ودُنيَّاهم وأَنْ يأخُذَ على أيدِي السُّفهاءِ
والفسَقَة ويردعَهم عن المعاصِي والظُّلم والفوضَى
ورِسالةُ العُلمَاءِ في الحياةِ عَظِيمَة فَهُم خُلفاءُ الرُّسُل وورَثَةُ الأنَبِياءَ قال ﷺ:"وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ" أبو داوود وغيره
والواجِبُ على أهلِ العِلمِ حِمَايةُ المُجتمَعِ مِن آَفةِ الجَهْلِ وفَسَادِ العَقائِد وَكَشفِ الشُّبُهات يُعلِّمونَ الناسَ أُمورَ دِينِهم يُصلِحُونَ ما فَسَدَ يَأمرُونَ بالمَعروف وينهَونَ عن المُنكَر
والمُربِّي المُسلمُ مسؤوليَّتُه إصلَاحُِ الحَالِ وتَربِيَةُ الأَجيالِ وتَعلِيمُهُم الأَخلَاقَ السَّامِيَّة وتُهذِّيبِ فِكرِهِم وَهُوَ قُدوةٌ وحكمةٌ فِي سُلُوكِهِ وَأَخلَاقِهِ
والمرأةُ المُسلمةُ زوجةٌ وأمٌّ ومُرَبيةٌ رسالتُها تَعهُّد الفَضِيلة في المُجْتَمعِ بِناءً وحِرَاسَة فالمرأةُ لزوجها سكَناً وأمناً وطُمأنينةً تجعلُ المنزلَ عُشَّ سعادةٍ ومكمَنَ مودَّةٍ ورحمةٍ ترعَاه بعطفِها وحنانِها تُنشِّئُ أطفالَها على مبادِئ الإسلام تحكِي لهم قصصَ الأنبياء وعُظماءَ الإسلام تُفقِّهُهم في الدين وتُبيِّنُ هديَ سيِّد المُرسَلين
والشابُّ المُسلمُ رسالتُه أن يعتزَّ بإسلامه ويُقوِّيَ إيمانَه
ويفهمَ دينَه ويسيرَ وفقَ تعاليمِه ويُحصِّنَ عقلَه ويسعَى لإصلاحِ نفسِه يُحافِظَ على سلامة مُجتمعه وأمنِه ويفقَهَ واقِعَه وينهَلَ من معينِ العلم في كلِّ التخصُّصات
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: لِكُلٍّ مِنَّا غَايَةٌ وَرِسَالَةٌ فَلنَحرِص عَلَى أَدائِهَا لِتَعلُو الأُمَّةُ وَيَزهُو المُجتَمَعُ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ*وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (الأحقاف:31-32)
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنَا لِما يُحِبُ وَيَرضَى وَيَجعَلَنَا كَالغَيثِ أَينَما يَنزِلُ يَنفَعُ
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ
الغَفُورُ الرَّحِيمُ
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ المُجتَبَى اللهُمَّ صَلِّ عَلَى نَبِيِّكَ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ الْوَفَا وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً
عِبَادَ اللهِ: اِتَّقُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَ وَانتَهُوا عَمّا نَهَى عَنهُ وَزَجَرَ
وَأَخرِجُوا حُبَّ الدُّنيَا مِن قُلُوبِكُم فَإِنّهُ إِذَا اَستَولَى أَسَرَ وَاَعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَمِيمٍ بَدَأَ بِهِ بِنَفسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَةِ قُدسِهِ فَقَاْلَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
الدعاء
الأَمَانَةُ الْعَهْدُ الثَّقِيلُ
5/6/2026- 19/12/ 1447 هـ
اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَمَرَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ جَزِيلَ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ وَنَهَى سُبْحَانَهُ عَنِ الْمَكْرِ وَالْغَدْرِ وَسَائِرِ الْخِيَانَاتِ وَأَوْعَدَ عَلَى ذَلِكَ أَلِيمَ الْعَذَابِ وَأَشَدَّ الْعُقُوبَاتِ وَأَشْهَدُ أَنْ لَاْ إِلَهَ إِلَّاْ اللهُ وَحْدَهُ لَاْ شَرِيْكَ لَهُ يُحِبُّ مِنْ عِبَادِهِ الصَّادِقِينَ الْأُمَنَاءَ أَهْلَ الْبِرِّ وَالطُّهْرِ وَالْوَفَاءِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ الصَّادِقُ الْأَمِينُ أَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ وَخِيرَتُهُ مِن خَلقِهِ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ أَهْلِ الطُّهْرِ وَالْأَمَانَةِ وَصَحْبِهِ أُولِي الْفَضْلِ وَالدِّيَانَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: خُلُقٌ عَظِيمٌ وَأَسَاسٌ مَتِينٌ أَمَرَ اللهَ جَلَّ وَعَلَا بِأَدَائِهِ إِنَّهُ الْأَمَانَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (النساء:58) وَنَهَى عَنْ سُلُوكِ سُبِلِ الْخِيَانَةِ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال:27)
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَدْلُولَ الْأَمَانَةِ وَاسِعٌ وَمَفْهُومَهَا شَاسِعٌ فَأَعْظَمُهَا أَمَانَةُ التَّكْلِيفِ الَّتِي نَاءَتْ بِحَمْلِهَا السَّمَاوَاتُ الشِّدَادُ وَالْأَرْضُ الْمِهَادُ وَالْجِبَالُ الْأَوْتَادُ وَتَعَهَّدَ بِحَمْلِهَا الْإِنْسَانُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (الأحزاب:72)
فَالْعَبْدُ الْمُوَفَّقُ مَنِ اسْتَشْعَرَ عِظَمَ الْمَسْؤُولِيَّةِ فَالْتَزَمَ الْأَوَامِرَ وَاجْتَنَبَ النَّوَاهِيَ وَالزَّوَاجِرَ لِيَحْظَى بِالْفَضْلِ وَالنَّوَالِ وَيَبْتَعِدَ عَنِ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: إِنَّ مُرَاعَاةَ الْأَمَانَةِ أَصْلٌ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَوَامِرِ الرَّبَّانِيَّةِ فَالتَّوْحِيدُ أَمَانَةٌ وَهُوَ أَصْلُ الدِّيَانَةِ وَالصَّلَاةُ أَمَانَةٌ بِأَدَائِهَا وَحِفظِ شُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَالْأَيْمَانُ وَالْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ مَعَ الْخَالِقِ وَفِي مُعَامَلَةِ الْخَلْقِ أَمَانَةٌ بَلْ جَوَارِحُكَ وَسَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ تِلكَ النِعَّمُ مِنَ اللهِ أَمَانَةٌ مُودَعَةٌ لَدَيْكَ وَسَوْفَ تُحَاسَبُ عَلَيهَا أَحَفِظْتَ أَمْ ضَيَّعْتَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء:36)
وَالْوَظِيفَةُ وَالْأعَمَالُ الْمَنُوطَةُ بِكَ أَمَانَةٌ فَيَجِبُ الْقِيَامُ بِحَقِّهَا وَالْحَذَرُ مِنَ التَّفْرِيطِ بِهَا وَإِحْسَانُ الزَّوْجَيْنِ لبَعْضِهِمَا أَمَانَةٌ وَالْأَوْلَادُ أَمَانَةٌ فَيَجِبُ تَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الْفَضِيلَةِ فَيُسْقَوْنَ بِمَائِهَا وَيَنْهَلُونَ مِنْ مَعِينِهَا وَيُتَعَاهَدُونَ بِالنُّصْحِ
وَالتَّوْجِيهِ وَالرِّعَايَةِ وَالتَّهْذِيبِ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم:6)
أًَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الْقِيَامَ بِالْأَمَانَةِ وَالِاهْتِمَامَ بِشَأْنِهَا صِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَسِمَةُ الصَّالِحِينَ فَالْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اتَّفَقُوا عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي دَعْوَةِ أَقْوَامِهِمْ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِقَوْمِهِ: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾) الشعراء:107)
وَإِنَّ إِمَامَ الأُمَناءِ وسَيِّدَ الأَنبِيَاءِ الصَّادِقُ الْأَمِينُ مُحَمَّدٌ ﷺ
وتَأمَّلوا صُورَةً مِن صُوَرِ حِرصِهِ عَلَى أَدَاءِ الأَمَانَاتِ أَمرَهُ ﷺ عَلِيّاً أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ عَنِ الهِجرَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ"
والأمانةُ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَارَةُ الْمُتَّقِينَ وَرَثَةِ جَنَّةِ الفِردَوسِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ*
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ*أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ
*الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون:8-10)
قَالَ النبيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ" أَحْمَدُ
وَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِالْأَمَانَةِ وَلَوْ قُوبِلَ بِالْخِيَانَةِ قَالَ النبيُّ ﷺ: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
وَالْخِيَانَةُ مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" متفق عليه
وَقَالَ ﷺ: "لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ" أَحْمَدُ
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: ونحنُ نَتَحَدَّثُ عن الأمانة يَجِبُ أن نَقِفَ وَقفَةً طَويلةً وَقفَةَ مُحاسَبَةٍ ومُراجَعَة أمامَ مَيدانٍ من مَيادينِ الأمانةِ التي سنَعيشُها بَعدَ أيَّامٍ قَلائِل وهي امتِحاناتِ الشَّهاداتِ الإعداديَّةِ والثَّانويَّةِ والجامِعات وهنا تَظهَرُ حَقيقَةُ التَّربيةِ التي غَرَسناها في بُيوتِنا فإنَّنا نَرى اليَومَ ظاهِرَةً تُدْمي القَلب ظاهِرَةَ التَّفَنُّنِ في "الغِشِّ"
اسمعوا إلى هذا النِّداء نُوَجِّهُهُ اليومَ إلى الثَلاثَة إلى الطَّالِب وإلى المُراقِب وإلى الوَليِّ
أيُّها الطَّالِب اِعلَم أنَّ الغِشَّ لَيسَ مُجَرَّدَ مُخالَفَةٍ للقَوانينِ بَل هو خِيانةٌ للهِ ولِمُجتَمَعِكَ وسَرِقَةٌ لِحُقوقِ غَيرِك هَل تَظُنُّ أنَّكَ عِندَما تَخدَعُ المُراقِبَ قد انتَصَرت؟ أنتَ في الحَقيقَةِ تُدَمِّرُ نَفسَك قال النَّبيُّ ﷺ: "مَن غَشَّ فلَيسَ مِنَّا" مسلم
أيُّها المُراقِبُ الفاضِل أنتَ اليَومَ حارِسُ أَمِينٌ وَوُقوفُكَ في قاعَةِ الامتِحانِ لَيسَ عِبئاً إداريّاً بَل هو ابتِلاءٌ شَرعيٌّ ومَسؤوليَّةٌ عَرَضَها اللهُ عَلَيك
أيُّها المُعَلِّم غَضُّ الطَّرفِ عَن غِشِ الطَّالِبِ لَيسَ رَحمَة هذهِ خِيانةٌ لله وَلِلنَّاسِ وَتَساهُلُكَ مَعَ الطَّالِبِ الغَشَّاش هو سَرِقَةٌ لِجُهدِ الطَّالِبِ المُجتَهِد
وأنتُم أيُّها الأَهلُ هَل تُريدونَ أبناءً يَنفَعونَكُم أم تُريدونَ
شَهاداتٍ مُزَوَّرَةً تُعَلَّقُ على الجُدران
إذا ساعَدتَ ابنَكَ على الغِشّ فأنتَ تُعَلِّمُهُ السَّرِقَةَ وَتُربِّيهِ على أنَّ الغايَةَ تُبَرِّرُ الوَسيلَة ثمَّ سَل نَفسَك هذا الطَّبِيبُ الذي نَجَحَ بالغِشّ هَل تَأمَنُهُ على عِلاجِك والمُهَندِسُ الذي نَجَحَ بالغِشّ هَل تَأمَنُهُ عَلَى تَصمِيمِ المَبانِي وَالجُسُورِ وَإقَامَةِ المَشَارِيعِ والمُعَلِّمُ الذي نَجَحَ بالغِشّ أَلَا يُخَرِّجُ أجيالاً فَاشِلَةً وَمُجتَمَعاً فَاسِداً فَاتَّقُوا اللهَ وَاحفَظُوا الأَمَانَةَ
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: كَلِمَةٌ عَلَينَا أَن نَجعَلَهَا دُستُورَنَا وأَسَاسَ تَربِيَةِ أَبنَائِنَا هَيَ "أَينَ اللهُ"
خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي بَعْضِ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَصْحَابُ لَهُ وَوَضَعُوا سَفْرَةً لَهُ فَمَرَّ بِهِمْ رَاعِي غَنَمٍ قَالَ : فَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "هَلُمَّ يَا رَاعِي هَلُمَّ" فَأَصِبْ مِنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ فَقَالَ لَهُ : إِنِّي صَائِمٌ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "أَتَصُومُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الْحَارِّ شَدِيدٍ سُمُومُهُ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الْجِبَالِ تَرْعَى هَذَا الْغَنَمَ" فَقَالَ لَهُ: إِنِّي وَاللَّهِ أُبَادِرُ أَيَّامِي الْخَالِيَةَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ يُرِيدُ مَخْتَبِرُ وَرَعَهُ: "فَهَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنَا شَاةً مِنْ غَنَمِكَ هَذِهِ فَنُعْطِيكَ ثَمَنَهَا وَنُعْطِيكَ مِنْ لَحْمِهَا فَتُعْطَى عَلَيْهِ" فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي بِغَنَمٍ إِنَّهَا غَنَمُ سَيِّدِي فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: "فَمَا عَسَى سَيِّدُكَ فَاعِلًا إِذَا فَقْدَهَا فَقُلْ: أَكْلَهَا الذِّئْبُ فَوَلَّى الرَّاعِي عَنْهُ وَهُوَ رَافِعٌ أُصْبُعَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: فَأَيْنَ اللَّهُ قَالَ : فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ يُرَدِّدُ قَوْلَ الرَّاعِي: فَأَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَ: فَلَمَّا عَادَ بَعَثَ إِلَى مَوْلَاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْغَنَمَ وَالرَّاعِي
فَأَعْتَقَ الرَّاعِيَ وَوَهَبَ لَهُ الْغَنَمَ
هذهِ هي الكَلِمَةُ التي يَجِبُ أن تَصرُخَ في قَلبِ كُلِّ مُسلِمٍ وَكُلِّ رَاعٍ وَكُلِّ مُؤتَمَن قَالَ تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة: 283)
أسألُ اللهَ العَظيمَ أن يُحيِيَ ضَمائِرَنا وأن يَرزُقَنا الأمانَةَ في القَولِ والعَمَل
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ
الغَفُورُ الرَّحِيمُ
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ المُجتَبَى اللهُمَّ صَلِّ عَلَى نَبِيِّكَ الْمُصْطَفَى وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَهْلِ الْوَفَا وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً
عِبَادَ اللهِ: اِتَّقُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَ وَانتَهُوا عَمّا نَهَى عَنهُ وَزَجَرَ
وَأَخرِجُوا حُبَّ الدُّنيَا مِن قُلُوبِكُم فَإِنّهُ إِذَا اَستَولَى أَسَرَ وَاَعلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُم بِأَمرٍ عَمِيمٍ بَدَأَ بِهِ بِنَفسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَةِ قُدسِهِ فَقَاْلَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
الدعاء
خطبة شكر المعبود على توفيق العباد للطاعة
28/05/2026
شُكْرُ المَعْبُودِ عَلَى تَوفِيقِ العِبَادِ للطَّاعَةٍ
29/05/2026
الْحَمْدُ لِلَّهِ الحَكِيمِ الشَّكُورِ شَرَعَ العِبَادَاتِ بِحِكمَتِهِ وَأَمَرَ الطَّائِعِينَ بِشُكرِهِ عَلَى تَوفِيقِهِ نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلاَئِهِ وَنَشْكُرُهُ عَلَى إِحْسَانِهِ وَعَطَائِهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَفَّقَ مَن شَاءَ لِطَاعَتِهِ وَحَرَمَ العُصَاةَ مِن رَحمَتِهِ وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَداً عَبْدَهُ وَرَسُوْلُهُ أَنَارَ الوُجُودَ بِطَلعَتِهِ وَهَدَى النَّاسَ بِشَرِيعَتِهِ اللهمَّ صَلِّ وسلِّم وبارِك عليه وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ لِقَائِهِ
أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
أَحِبَتِي فِي اللهِ: لَا يَخْلُوَ زَمَانُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نِعمَةٍ يَفرَحُ بِهَا وَمِنْ بَلَاءٍ يُمَحِّصُّهُ فَإِنْ جَرَى عَلَيهِ وَقْتُ النِّعَمِ وَجَبَ عَلَيهِ الاِنْشِغَالُ بِالشُّكْرِ وَإِنْ جَرَى عَلَيهِ وَقْتُ البِلَاءِ وَجَبَ عَلَيهِ الاِنْشِغَالُ بِالصَّبْرِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ( إبراهيم: 5)
فَلْنَعتَبِرَ بِمُرُورِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ فَهَا هِيَ الأَيَّامُ الفَاضِلَةُ تَنْقَضِي ثُمَّ يُخْتَمُ الحَجُّ وَهَكَذَا يَنقَضِي عُمُرُنَا فَمَاذَا أَعْدَدْنَا لِلرَّحِيلِ فَمِنْ قَرِيبٍ استَقبَلنَا أَيامَ العَشرِ ثُمَّ مَضَت وَهَا هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ تَمُرُّ مُسْرِعَةً تَخْتِمُ مَنَاسِكَ الحَجِّ وَغَداً آخِرُ يَوْمٍ لِذَبْحِ الأَضَاحِي إِنَّهَا الأَيَّامُ المَعْدُودَاتِ لِذِّكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ (البقرة:203)
يَا لَهَا مِنْ أَيَّامٍ مَضَتْ وَكَمَا مَضَى غَيْرُهَا كَانَتْ عَامِرَةً بِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَلِيئَةً بِالشَّعَائِرِ المُقَرِّبَةِ إِلَيْهِ سُبحَانَهُ فَأَخَذَ حَظَّهُمْ مِنْهَا المُوَفَّقُونَ وَضَيَّعَهَا المَحْرُومُونَ وَغَداً يَجِدُ كُلُّ عَامِلٍ مَا عَمِلَ أَمَامَهُ فِي كِتَابٍ ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (الكهف:49) قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"يا عِبادي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَد غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومُنَّ إِلَّا نَفْسَهُ" مسلم
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: حَقِيقٌ بِالعِبَادِ أَنْ يَشْكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا هَدَاهُمْ لِدِينِهِ وعَلَى مَا عَلَّمَهُمْ مِنْ شَرَائِعِهِ وَشَعَائِرِهِ وَعَلَى مَا وَفَّقَهُمْ مِنْ تَعْظِيمِهَا وَأَدَائِهَا فَإِنَّ الهِدَايَةَ نِعْمَةٌ وَالعِلْمَ نِعْمَةٌ وَالتَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ نِعْمَةٌ وَكُلُّ نِعْمَةٍ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ حَتَّى لاَ يَنْفَكَّ العَبْدُ فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ عَنِ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى
قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (الإنسان:3)
وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ دُسْتُورُ العِبَادِ يَدعُوهُم دَائِماً لِشُكْرِ اللهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ وَلاَ سِيَّمَا نِعْمَةَ الهِدَايَةِ لِلْحَقِّ وَالتَّوْفِيقِ لَهُ وَالعَمَلِ بِهِ وَذَلِكُمْ هُوَ مَنْهَجُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ
فَالنَّبِيُّ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يُبْتَلَى بِالسَّجْنِ فَلَا يَلْتَفِتْ لهَذَا الابْتِلاَءِ
بَل يُولِي اِهتِمَامَهُ لنِعْمَةٍ هِيَ أَعْظَمُ إِنَّهَا نِعْمَةُ الهِدَايَةِ فَقَالَ فِي سِجْنِهِ ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (يوسف:38)
وَكَانَ مِن دُعَاءِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ (النمل:19)
إِخْوَةِ الإِيمَانِ: لَمَّا كَانَتِ العِبَادَاتُ بِأَنْوَاعِهَا وَالشَّرَائِعُ بِأَحْكَامِهَا مِنَنٌ مِنَ اللهِ سُبحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ تُقَرِّبُهُمْ إِلَيْهِ وَيُجْزَوْنَ عَلَيْهَا فِي الآخِرَةِ أعَلَى الدَّرَجَاتِ وَيَنْعَمُونَ بِسَبَبِهَا فِي الدُّنْيَا بِصَلَاحِ قُلُوبِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهَا فَلَمَّا مَنَحَ اللهُ سُبحَانَهُ لُقْمَانَ الحِكْمَةَ طَالَبَهُ بِالشُّكْرِ
فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (لقمان:12)
وَيَتَكَرَّرُ فِي القُرْآنِ خَتْمُ آيَاتِ الشَّرَائِعِ وَالأَحْكَامِ بِذِكْرِ اللهِ سُبحَانَهُ وَشُكْرِهِ عَلَيْهَا فَفِي آيَةِ التَّيَمُّمِ
قَالَ تَعَالَى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة:6)
وَفِي آيَاتِ الصِّيَامِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:135)
وَفِي آيَاتِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا
حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة:89)
وَفِي بَيَانِ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ*وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (يونس:59-60)
وَلَمَّا كَانَ البَيْتُ الحَرَامُ مَوْضِعُ المَنَاسِكِ وَالمَشَاعِرِ فَقَدْ كُلِّفَ بِبِنَائِهِ النَّبِيُّ القَانِتُ الشَّاكِرُ إِبرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَصَفَهُ رَبُّنَا فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*شَاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ (النحل:120-121)
وَكَانَت غَايَةُ بِنَاءِ البَيْتِ العُظمَى أَدَاءُ العِبَادَةِ فِيهِ شُكْراً للهِ سُبحَانَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم:37)
وَفِي أَيَّامِ الحَجِّ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بِذَبْحِ الأَنْعَامِ الَّتِي سَخَّرَهَا لِعِبَادِهِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ
سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الحج:36)
أَحِبَتِي فِي اللهِ: حَرِيٌّ بِنَا وَنَحْنُ نُوَدِّعُ هَذَا المَوْسِمَ الكَبِيرَ أَنْ نَلْحَظَ نِعَمَ اللهِ سُبحَانَهُ عَلَيْنَا وَفِيمَا شَرَعَ مِنَ الشَّعَائِرِ والمَنَاسِكِ وَفِي كُلِّ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَأَبْوَابِهَا وَتَفْصِيلِهَا
قال سُبحَانَهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة:243) فَالشُّكرُ والإِيمَانُ أَمَانٌ مِنَ عَذَابِ الدَّيَانِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ سُبحَانَهُ ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ (النساء:147)
وَكَانَ مِن وَعْدِ اللهُ تَعَالَى لِمَنْ شَكَرَ بِالزِّيَادَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (أبراهيم:7)
أَحِبَتِي فِي اللهِ: يَا مَنْ عَظَّمْتُمْ شَعَائِرَ اللهِ سُبحَانَهُ وَأَدَّيْتُمْ فَرَائِضَهُ وَفَارَقْتُمْ مَحَارِمَهُ وَوَقَفْتُمْ عِنْدَ حُدُودِهِ اشْكُرُوهُ جَلَّ جَلَالُهُ
عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَكَرِّرُوا الشُّكْرَ مَعَ تَكْرَارِ مَوَاسِمِهِ العَظِيمَةِ وَمِنْ ذَلِكَ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَالَ لَهُ: "يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" أبو داوود والنسائي
اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين الشاكرين وتَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى جَزِيلِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ عَظِيمُ الأَسْمَاءِ وَجَلِيلُ الصِّفَاتِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَفْضَلُ الْبَرِيَّاتِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ وَأَصْحَابِهِ الثِّقَاتِ وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَوَاتُ
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلى خَيرِ خَلقِ اللهِ أَجمَعِين إِتِّبَاعاً لأَمرِ رَبِّ العَالَمِين القَائِلُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
الدعاء