10/03/2026
ليلة القدر ❤️
عن النبيﷺقال"نضَّرَ اللَّهُ امرأً سَمعَ منَّا حَديثًا فبلَّغَهُ، فرُبَّ مُبلَّغٍ أَحفَظُ مِن سامِعٍ".
10/03/2026
ليلة القدر ❤️
10/03/2026
عن عائشة رَضِيَ الله عنها: أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يَعتَكِف العشرَ الأواخر مِن رمضان حتى تَوفَّاهُ الله، ثم اعتَكَف أَزواجُه مِن بَعدِه. رواه البخاري
09/03/2026
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئزَرَه، وأَحيَا لَيلَه، وأَيقَظ أَهلَه. رواه البخاري
03/03/2026
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم، أغلق فلم يدخل منه أحد). رواه البخاري
13/02/2026
:-
:-
كان نُزولُ الوَحْيِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَلقِّيه له أمرًا شديدًا عليه؛ إذ كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَتصبَّبُ عَرَقًا ممَّا يُلاقِيه مِن شِدَّةٍ عِندَ تَلقِّيه الوَحْيَ.
وفي هذا الحديثِ يَذكُرُ عبدُ الله بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما سببَ نزولِ قولِه تعالى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}، فيُخبِرُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كان يُعالِجُ مِن التنزيلِ شِدَّةً مِن تَلقِّيه الوَحْيَ؛ لعِظَمِ ما يُلاقِيه مِن هَيبةِ المَلَكِ وما يأخُذُ عنه، وثِقَلِ الوَحْيِ، ولخَشيتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَضيعَ القُرآنُ ويتفلَّتَ قبْلَ أن يَضبِطَه كان يُحرِّك شَفَتَيْه في أثناءِ نُزولِ الوَحْي بالقُرآنِ؛ مَخَافةَ أن يَذهبَ عنه جِبْرِيلُ عليه السَّلام دونَ أن يَحفظَ ما نُزِّل عليه، فأنزلَ اللهُ تعالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} أي: جَمْعَه في صَدرِك فلا تَنْسَى منه شيئًا، {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} فاستمِعْ له وأَنْصِتْ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثمَّ إنَّ علينا أن تَقْرَأَه، فتكفَّل اللهُ سبحانه وتعالى بأن يَثبُتَ القُرآنُ في صَدرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيَتْلُوَ منه ما شاء بعدَ انقضاءِ الوَحْي، فكان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعْدَ ذلك إذا أتاهُ جِبْريلُ بالوَحْيِ استمَع دُونَ أن يَتعجَّلَ في تلقِّيه؛ استجابةً لأمرِ الله عزَّ وجلَّ، فإذا انطَلَقَ جِبريلُ عليه السلامُ منصرِفًا قَرَأ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القرآنَ كما قرأه جِبْريلُ عليه السلامُ.
وقولُ الرَّاوي: «فقال ابنُ عَبَّاسٍ: فأنا أُحرِّكُهُما لكم كما كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُحرِّكُهُما، وقال سَعيدٌ: أنا أُحرِّكُهُما كما رأيتُ ابنَ عَبَّاسٍ يحرِّكُهما، فحَرَّك شَفَتَيْه» هو زِيادةُ بيانٍ على القَولِ، بالوَصْفِ.
وهذا الحَديثُ يُسمَّى في عِلمِ مُصطَلحِ الحَديثِ: المُسَلْسَلَ بتَحريكِ الشَّفَةِ، لكنَّه لم يَتَّصِلْ تَسَلْسُلُه.
و الله أعلى و أعلم.
تعلم و أعمل و بلغ به غيرك، الدال على الخير كفاعله.
06/02/2026
:-
ومَصيرَه الذي يَنتَهي إليه إنْ كانَ مِن أهلِ الشَّقاوةِ أو مِن أهلِ السَّعادةِ، ثُمَّ بعدَ هذه الأطْوارِ كُلِّها والكِتابةِ يَنفُخُ الملَكُ فيه الرُّوحَ بعدَ ذلك، ويكونُ النَّفخُ بعدَ أربعةِ أشهُرٍ، وقد نُقِلَ على ذلك اتِّفاقُ العُلَماءِ؛ فقَضيَّةُ وَقتِ التَّخليقِ والكِتابةِ شَيءٌ، وقَضيَّةُ وَقتِ نَفخِ الرُّوحِ شَيءٌ آخَرُ.
وتَقَعُ أعمالُ العبدِ وَفْقَ ما كُتِبَ؛ فإنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، حتَّى ما يَكونُ بيْنه وبيْنَ الجَنَّةِ إلَّا ذِراعٌ -وهو غَايةُ القُرْبِ- فيَسْبِقُ عليه كِتابُه، بأنْ يَكونَ قد كُتِبَ عليه سابِقًا في بَطنِ أُمِّه أنَّه شَقيٌّ؛ فيُختَمُ له بالشَّقاوةِ، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ فيَدخُلُها كما سبَقَ به القَدَرُ، وفي الجِهةِ الأُخْرى قد يَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ، حتَّى يَقتَرِبَ منها اقتِرابًا شَديدًا، بألَّا يَكونَ بيْنَه وبيْنَها إلَّا ذِراعٌ، فيَسبِقُ عليه ما كُتِبَ سَلَفًا في كِتابِه بأنَّه مِن أهلِ الجَنَّةِ، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجَنَّةِ، فيَدخُلُها.
وهذه الصُّورةُ المذكورةُ في الحديثِ يُفسِّرُها حَديثُ سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِديِّ رَضيَ اللهُ عنه في الصَّحيحينِ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أهلِ الجَنَّةِ فيما يَبْدو لِلنَّاسِ وهو مِن أهلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ عَمَلَ أهلِ النَّارِ فيما يَبْدو لِلنَّاسِ وهو مِن أهلِ الجَنَّةِ»؛ فقَولُه «فيما يَبْدو لِلنَّاسِ» فيه إشارةٌ إلى أنَّ باطنَ الأمْرِ يكونُ بخِلافِ ذلك؛ وإنَّ مَن خُتِمَ له بعمَلِ أهلِ النَّارِ لا يكونُ هذا إلا فيمَن عمِلَ خيرًا ظاهِرًا مع فسادِ نيَّةٍ وخُبثِ طويَّةٍ وجَرائمَ خَفيَّةٍ، وإلَّا فالأعمالُ الصَّالحةُ سَببٌ لِزيادةِ الهُدى والتَّوفيقِ، وكذلك الذي خُتِمَ له بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ وكان يظهَرُ منه عمَلُ أهلِ النَّارِ إنَّما يُوفَّقُ بسَببِ خِصالٍ خيرٍ كانت فيه وهي خَفيَّةٌ، وإلَّا فالسَّيِّئاتُ تدعو بعضُها بعضًا.
وفي الحَديثِ: بَيانُ قُدرةِ اللهِ تَعالى في خَلْقِ الجَنينِ وبَيانِ أطْوارِه.
وفيه الإيمانُ بالقَدَرِ، سَواءٌ تَعلَّقَ بالأعمالِ أو بالأرزاقِ والآجالِ.
وفيه: عَدَمُ الاغتِرارِ بصُوَرِ الأعمالِ وظَواهِرِها؛ لِأنَّ الأعمالَ بالخَواتيمِ.
وفيه: أنَّ الأعمالَ مِنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ أمَاراتٌ لا مُوجِباتٌ، وأنَّ مَصيرَ الأمْرِ في العاقِبةِ إلى ما سَبَقَ به القَضاءُ وجَرَى به التَّقديرُ وَفقَ عِلمِ اللهِ تَعالى وحِكمَتِه.
و الله أعلى و أعلم.
تعلم و أعمل و بلغ به غيرك، الدال على الخير كفاعله.
30/01/2026
:-
:-
في هذا الحَديثِ الجَليلِ شَبَّه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الإسلامَ ببِناءٍ مُحكَمٍ، وشبَّه أركانَه الخَمسةَ بقواعدَ ثابتةٍ مُحكَمةٍ حاملةٍ لذلك البُنيانِ، فلا يثبُتُ البنيانُ بدُونِها، وبقيَّةُ خِصالِ الإسلامِ كتتمَّةِ البُنيانِ، وأوَّلُ هذه الأركانِ: الشَّهادتانِ؛ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، وهُما رُكنٌ واحدٌ؛ لكَونِهما مُتلازمتَينِ لا تنفَكُّ إحداهُما عن الأخرى.
ومعنى الشَّهادتينِ: أنْ يَنطِقَ العبدُ بهما مُعترفًا ومُقِرًّا بوَحدانيَّةِ اللهِ واستحقاقِه للعِبادةِ وحْدَه دونَ ما سِواهِ، وبرِسالةِ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ، مُصدِّقًا بقلبِه بهما، مُعتقدًا لمعناهما، عامِلًا بمقتضاهُما؛ هذه هي الشَّهادةُ الَّتي تنفعُ صاحبَها في الدَّارِ الآخِرةِ، فيفوزُ بالجنَّةِ، وينجو مِن النَّارِ.
والرُّكنُ الثَّاني: هو إقامةُ الصَّلاةِ، ويعني: المحافظةَ على أداءِ الصلَواتِ الخَمسِ المَفروضاتِ في اليومِ واللَّيلةِ، وهي: «الفَجْر، والظُّهر، والعَصْر، والمغرِب، والعِشاء» في أوقاتِها، بشُروطِها وأركانِها وواجباتِها. والرُّكنُ الثَّالثُ: إخراجُ الزَّكاةِ المفروضةِ، وهي عِبادةٌ ماليَّةٌ واجِبةٌ في كُلِّ مالٍ بلَغَ المِقدارَ والحدَّ الشرعيَّ، وحالَ عليه الحَوْلُ -وهو العامُ القمَريُّ أو الهِجريُّ- فيُخرَجُ منه رُبُعُ العُشرِ، وأيضًا يَدخُلُ فيها زَكاةُ الأنعامِ والماشيةِ، وزَكاةُ الزُّروعِ والثِّمارِ، وعُروضِ التِّجارةِ، وزكاةُ الرِّكازِ، وهو الكَنزُ المدفونُ الَّذي يُستخرَجُ مِنَ الأرضِ، وقيل: المعادِنُ، بحَسَبِ أنْصابِها، ووقتِ تزكيتِها.
وفي إيتاءِ الزَّكاةِ على وَجهِها لِمُستحِقِّيها زِيادةُ بَرَكةٍ في المالِ، وجَزيلُ الثَّوابِ في الآخرةِ. وللبُخلِ بها ومَنعِها مِن مُستحقِّيها عواقبُ وخيمةٌ في الدُّنيا والآخرةِ، بيَّنَتْها نُصوصٌ كثيرةٌ في القُرآنِ والسُّنةِ، وهي تُصرَفُ لِمُستحقِّيها المذكورينَ في قولِه تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
والرُّكنُ الرَّابع: الحجُّ، ويكونُ بقَصدِ المشاعرِ المقدَّسةِ لإقامةِ المناسِكِ، تعبُّدًا لله عزَّ وجلَّ، مرَّةً واحدةً في العُمُرِ، ويَلزَمُ لوُجوبِه: القُدرةُ والاستطاعةُ الماليَّةُ والبَدنيَّةُ.
والرُّكنُ الخامسُ -وهو آخِرُ الأركانِ-: صومُ رمضانَ، وهو عِبادةٌ بدنيَّةٌ، والصِّيامُ يعني: الإمساكَ، بنيَّةِ التعبُّدِ، عن الأكْلِ والشُّربِ وغِشيانِ النِّساءِ، وسائرِ المُفطِّراتِ، مِن طلوعِ الفَجرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ.
وفي الحديثِ: دَلالةٌ على أنَّ أركانَ الإسلام تنقسمُ إلى أربعة أقسامٍ، منها: ما هو عمَلٌ لِسانيٌّ قلبيٌّ، وهو الشَّهادتانِ؛ إذ لا بدَّ فيهما مِن نُطقِ اللِّسانِ، وتَصديقِ الجَنانِ، ومنها: ما هو عمَلٌ بدَنيٌّ، وهو الصَّلاةُ والصَّومُ، ومنها: ما هو ماليٌّ محضٌ، وهو الزَّكاةُ، ومنها: ما هو عمَلٌ بدَنيٌّ ماليٌّ، وهو الحَجُّ.
و الله أعلى و أعلم.
تعلم و أعمل و بلغ به غيرك، الدال على الخير كفاعله.
23/01/2026
:-
:-
كان الصَّحابةُ رَضِيَ الله عنهم يَسألون النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الوَحْيِ، ويَترَقَّبونَه عندَ مَجيئِه، ومِن ذلك ما جاء في هذا الحديثِ، حيثُ سألَ الحارِثُ بنُ هِشامٍ رَضِيَ الله عنه رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كيف يَنزِل عليك الوَحْيُ من السَّماء؟ والمُرادُ بالوَحْيِ: ما يَنزِلُ به جِبْريلُ عليه السَّلامُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أمْرِ اللهِ سُبحانَه، فأخبَرَه رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه في بعضِ أوقاتِه يأتيه مِثلُ صَلْصَلةِ الجَرَسِ، وهو الصَّوتُ الَّذي يخرُجُ مِن الحديدِ عندَ تَدارُكِ الضَّربِ عليه، والجَرَسُ: قِطعةٌ مَعْدِنيَّةٌ تُصدِرُ صَوتًا عندَ اهتزازِها، وهذه الصُّورةُ أشدُّ أنواعِ الوَحْيِ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عندَما يأتيه؛ لِثِقَلِها، فينتهي مِن الشِّدَّةِ الَّتي يجدُها بانتهاءِ الوَحْيِ، وقد جمَعَ وحَفِظَ عن الوَحْيِ ما أَوْحى به مِن كلامِ الله عزَّ وجلَّ.
وأحيانًا أُخرى يَتمثَّلُ له صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَلَكُ رَجُلًا، فيأتي في صُورةِ إنسانٍ؛ فيُكَلِّمُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فيَحفَظُ عنه ما أَوْحى به إليه مِن كَلامِ الله عزَّ وجلَّ.
وفي الحديثِ: بَيانُ ثِقَلِ الوَحْيِ كما قال تعالَى: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 5] ؛ وذلِكَ لضعْفِ القُوَّةِ البشريَّةِ عن تحمُّلِ ذلك الوارِدِ العظيمِ مِن الجَنابِ الجَلِيلِ، وللوجَلِ مِن توقُّعِ تَقصِيرٍ فيما يُخاطَبُ به مِن قَولٍ أو فِعلٍ.
و الله أعلى و أعلم.
تعلم و أعمل و بلغ به غيرك، الدال على الخير كفاعله.
16/01/2026
:-
:-
هذا الحديثُ العَظيمُ قاعدةٌ مِن قواعدِ الإسلامِ، وأصلٌ مِن أُصولِ الشَّريعةِ، حتَّى قِيلَ فيه: إنَّه ثُلثُ العِلمِ، حيثُ قال فيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «الأعمالُ بِالنِّيَّةِ»، فلا تصِحُّ جَميعُ العِباداتِ الشَّرعيَّةِ إلَّا بوُجودِ النِّيَّةِ فيها، «ولِكلِّ امرِئٍ ما نَوى»، فإنَّما يَعودُ على المسلمِ مِن عَملِه ما قصَدَه منه، وهذا الحُكمُ عامٌّ في جَميعِ الأعمالِ مِنَ العباداتِ والمعاملاتِ والأعمالِ العاديَّةِ، فمَنْ قصَدَ بعَملِه مَنفعةً دُنيويَّةً لم يَنلْ إلَّا تلكَ المَنفعةَ ولو كان عِبادةً، فَلا ثَوابَ له عليها، ومَن قصَدَ بعَملِه التَّقرُّبَ إلى اللهِ تعالَى وابتغاءَ مَرضاتِه، نالَ مِن عَملِه المَثوبةَ والأجرَ ولو كان عمَلًا عاديًّا، كالأكلِ والشُّربِ، ثُمَّ ضرَبَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الأمثلةَ العمليَّةَ لِبيانِ تَأثيرِ النِّيَّاتِ في الأعمالِ فبيَّنَ أنَّ مَن قصَدَ بِهجرتِه امتثالَ أمْرِ ربِّهِ، وابتغاءَ مَرضاتِه، والفرارَ بِدِينِه مِنَ الفتنِ؛ فهِجرتُه هِجرةٌ شرعيَّةٌ مَقبولةٌ عندَ اللهِ تعالَى ويُثابُ عليها لصِدقِ نيِّتِه، وأنَّ مَن قصَدَ بِهِجرتِه مَنفعةً دُنيويَّةً وغرَضًا شخصيًّا، مِن مالٍ، أو تجارةٍ، أو زَوجةٍ حَسناءَ؛ «فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه»، فلا يَنالُ مِن هِجرتِه إلَّا تلك المنفعةَ الَّتي نَواها، ولا نَصيبَ له مِنَ الأجرِ والثَّوابِ.
و الله أعلى و أعلم.
تعلم و أعمل و بلغ به غيرك، الدال على الخير كفاعله.
09/01/2026
:-
:-
حَثَّ الشَّرعُ على مَكارمِ الأخلاقِ ونَهى عن مَساوئِها، والمسْلمُ الحقُّ يُحاوِلُ أنْ يَتَّصِفَ بمَعالي الأخلاقِ ويَعْلوَ بنَفسِه فيها درَجاتٍ، ويَبتعِدَ قَدْرَ استطاعتِه عن الأخلاقِ الذَّميمةِ والسَّيِّئةِ؛ لِيَكونَ بذلكَ داعيًا إلى اللهِ بأقوالِه وأفعالِه وسُلوكِه.
وفي هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكونَ لَعّانًا» واللَّعنَةُ هي الدُّعاءُ بالإبعادِ مِن رَحمةِ اللهِ وثَوابِه إلى نارِ اللهِ وعِقابِه، واللَّعَّانُ: هو مَن يُكثِر مِن لَعنِ غيرِه والدُّعاءِ عليه.
والصِّدِّيقُ هو المُبالِغُ في الصِّدقِ -وهي مَرتبةٌ عاليةٌ تَأتي بعْدَ النُّبوَّةِ- فلا يَصِحُّ أنْ تَجتَمِعَ هاتانِ الصِّفتانِ المتناقِضتانِ في شَخصٍ واحدٍ، فلا يَنبَغي له أنْ يكونَ صِدِّيقًا ومُؤمِنًا حَقًّا، ثُمَّ يَسُبُّ ويَلعَنُ، بلْ إنَّ الصِّدِّيقيَّةَ تَقتَضي عُلُوَّ الهِمَّةِ، وتَرْكَ سَفاسِفِ الأُمورِ، وأيضًا فإنَّ لَعْنَ المؤمنِ كَبيرةٌ مِن الكبائرِ؛ إذْ قدْ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ -كما في الصَّحيحينِ-: «لَعنُ المؤمنِ كقَتلِه».
وكذلك فإنَّ المسْلمَ الصِّدِّيقَ يَكونُ مِن أحرَصِ النَّاسِ على أنْ يَتمسَّكَ النَّاسُ بالإِسلامِ وبِتَقوى اللهِ حتَّى يَقترِبوا مِن رَحمتِه؛ فصُدورُ اللَّعنةِ مِنه يُنافي ما هوَ عَليه، اللَّهمَّ إلَّا إذا صَدرَت نادرًا، وفي شَخصٍ يَستحِقُّها، فهَذا ممَّا يُغتَفَرُ؛ ولذلكَ نَفَى في هذا الحديثِ كونَه لَعَّانًا، وليْس الدُّعاءُ بِهذا مِن أَخلاقِ المُؤمنينَ الَّذين وَصفَهمُ اللهُ تَعالى بالرَّحمةِ بيْنَهم، فمَنْ دَعا عَلى أخيهِ المُسلمِ باللَّعنَةِ، فَهوَ مِن نِهايةِ المُقاطعَةِ والتَّدابُرِ.
وفي الحديثِ: بَيانُ التَّحذيرِ مِن كَثرةِ اللَّعنِ، وأنَّه يُنافي صِفةَ الإيمانِ.
وفيه: بَيانُ أنَّ مَرتبةَ الصِّدِّيقينَ أرفَعُ مَراتبِ المؤمنينَ؛ حيث إنَّهم مُتَّصِفون بالرَّحمةِ، والشَّفقةِ على عِبادِ اللهِ.
و الله أعلى و أعلم.
تعلم و أعمل و بلغ به غيرك، الدال على الخير كفاعله.