10/10/2026
هل البكاء على الفقد حرام؟ | فهم دموع يعقوب في سورة يوسف الآية ٨٥ #الله #الإسلام
الحزن بحر لا شاطئ له، وموج متلاطم يهدد بسحب أعتى المؤمنين قوة إلى أعماقه. وعندما تتوالى الابتلاءات على القلب، تتمدد قدرة الإنسان على التحمل إلى أقصى حدودها. في الآية 85 من سورة يوسف، نلج منزل النبي يعقوب (عليه السلام) في اللحظة التي يواجهه فيها أبناؤه في غمرة حزنه:
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ "قالوا تالله لا تزال تذكر يوسف حتى تشرف على الهلاك أو تكون من الميتين." (سورة يوسف: 85)
يرسم القرآن صورة جليّة لأب مكسور الخاطر ابيضّت عيناه من الدموع. وأبناؤه، وهم يشهدون حزناً يشتعل كنار بطيئة لا تشتعل إلا لتلتهم، أقسموا بالله في ذهول تام. العبارة العربية "تَفْتَأُ" تحمل معنى النفي المقدر (لا تفتأ)—أي "لا تبرح" أو "لن تتوقف". أما كلمة "حَرَضًا" فتدل على حالة من الضنى الشديد والإنهاك البالغ، وهي حالة يكون فيها المرء مستهلكاً بالحزن حتى يقف على أعتاب الموت—فلا هو حيٌّ بالكامل ولا هو ميتٌ فيستريح.
ومع ذلك، لم يكن ألم النبي يعقوب عليه السلام اعتراضاً على القضاء والقدر. وعندما أخطأ أبناؤه فهم دموعه وظنوها قلة حيلة، رد عليهم بإحدى أعظم إعلانات التوحيد الموثقة في السور الإلهية:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ "قال إنما أرفع بثي وحزني إلى الله وحده، وأعلم من إحسان الله ورحمته ما لا تعلمونه." (سورة يوسف: 86)
كان حزنه كطائر يعود إلى ملاذه الأخير. لم يعرض حزنه أمام الخَلق، بل سكبه عند أعتاب الخالق. فالدموع ليست دليلاً على ضعف الإيمان، بل هي الفياض الطبيعي لقلب ينبض بالرحمة.
وتأمل كلمات رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) عندما فاضت روح ابنه الصغير إبراهيم:
«إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (صحيح البخاري: 1303)
لقد فهم السلف الصالح أن الحزن، حين يُوجَّه إلى الله، يصبح مركبًا يرتقي بالعبد إلى أعلى الدرجات. وقد علّق الحسن البصري (رحمه الله) على حال النبي يعقوب قائلاً:
«كَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ شِدَّةِ حُزْنِهِ لا يَشْكُو إِلَى الْخَلْقِ، بَلْ يَبْثُّ سِرَّهُ إِلَى الْخَالِقِ»
دروس رئيسية للارتقاء بحياتنا
1. الحزن لا يعني ضعف الإيمان: التعبير عن الألم، والبكاء، والشوق لمن فقدناهم هي مشاعر إنسانية طبيعية وانعكاس للرحمة في القلب، وليست نقصاً في الرضا بقضاء الله وقدره.
2. وجّه شكواك إلى الأعلى: عندما ترهقك الابتلاءات، ابتعد عن التنفيس على منصات التواصل الاجتماعي أو إثقال كاهل الناس الذين لا يملكون لك نفعاً ولا ضراً. اتبع نهج يعقوب عليه السلام: «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ».
3. الصبر أمل فاعل (صبر جميل): الصبر الحقيقي ليس استسلاماً سلبياً. لقد فقد يعقوب (عليه السلام) بصره وأبناءه، ومع ذلك أمر أبناءه بعد ذلك بفترة وجيزة: "يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه..." إن حسن الظن برحمة الله يجب أن يدفعنا إلى الأمام حتى في أشد أوقاتنا ظلاماً.