فِقْهُ المَذْهَبُ الحَنْبَلِيّ

فِقْهُ المَذْهَبُ الحَنْبَلِيّ

Share

ما في الصَّفْحَةِ بِقَلِمِ الشَّيخِ صالِح بن مُحمَّد الأَسْمَريّ ..يَقومُ علَيها (المَكتَب العِلْمِيّ) للشَّيخِ حَفِظَه الله ونَفَعَ بهِ

19/07/2024

عنوان: رد الطعن في فقه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه
بقلم: خادم الشريعة (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

طَعَنَ جماعةٌ في فِقْه الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه واجتهاده،وألحقوه بأهل الرواية والظاهر،كقول ابن خلدون رحمه الله تعالى في: "مقدمة تاريخه"(ص/440) : "فأما مذهب أحمد، فمقلده قليل، لبعد مذهبه عن الاجتهاد، وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض"انتهى.
وهي مقالةٌ يتعجَّب منها العارف بالإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه ومذهبِه؛لذا قال أبوالوفاء بن عقيل رحمه الله تعالى –كما في "ذيل طبقات الحنابلة" (1/347)لابن رجب-: "ومِنْ عجَبٍ مانسمعه من هؤلاء الأحْداث الجُهَّال أنهم يقولون: (أحمد ليس بفقيه لكنه محدثّ!) ،وهذا غاية الجهل؛ لأنه قد خَرَجَ عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وخرج عنه من دقيق الفقه مالا تراه لأحد منهم، ...ومايَقْصد هذا إلا مبتدع قد تمزَّقَ فؤادُه من خمُول كلمته وانتشار علم أحمد حتى أن أكثر العلماء يقولون: (أصلي أصل أحمد وفرعي فرع فلان) فحسبك بمَنْ يَرْضى به في الأصول قدوة"ا.هـ وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب(_أي المذاهب الأربعة_) وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها" ا.هـ. وقال الشمس ابن مفلح رحمه الله تعالى في" الفروع " (11/103) : "وفي
بل إن ابن خلدون رحمه الله تعالى في: "المقدمة"(ص/355) قرَّره بقوله: "ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لَمّا كثر تشعّب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرّحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب .. ومُدّعي الاجتهاد لهذا العهد مردود منكوص على عقبه مهجور تقليده"انتهى.
والثاني: شهادة أئمة الفقه والأصول بذلك، ومنهم الإمام الشافعي رضي الله عنه،ففي "طبقات الحنابلة"(1/10) مانصُّه: "قال الربيع بن سليمان : قال لنا الشافعي : أحمد إمام في ثمان خصال : إمام في الحديث ، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، إمام في القران ، إمام في الفقر ، إمام في الزهد ، إمام في الورع ، إمام في السنة.
ثم العالم بالإمام أحمد ومذهبه لابد أن يُذعِن لذلك، يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في رسالة: "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" (ص/ ) " ومن تأمل كلامه في الفقه وفهم مأخذه ومداركه فيه ، علم قوة فهمه واستنباطه . ولدقة كلامه في ذلك ربما صعب فهمه على كثير من أئمة أهل التصانيف ممن هو على مذهبه ، فيعدلون عن مآخذه الدقيقة إلى مآخذ أخر ضعيفة يتلقونها عن غير أهل مذهبه ، ويقع بسبب ذلك خلل كثير في فهم كلامه وحمله على غير محامله . ولا يحتاج الطالب لمذهبه إلا إلى إمعان وفهم كلامه .
وقد رؤى من فهمه وعلمه ما يقضي منه العجب ، وكيف لا ولم يكن مسألة سبق للصحابة والتابعين ومن بعدهم فيها كلام إلا وقد علمه وأحاط علمه به وفهم مأخذ تلك المسألة وفقهها ، وكذلك كلام عامة فقهاء الأمصار وأئمة البلدان – كما يحيط به معرفته-كمالك ، والأوازاعي ، والثوري ، وغيرهم .
وقد عرض عليه عامة علم هؤلاء الأئمة وفتاويهم ، فأجاب عنها وجماعة عرضوا عليه مسائل مالك وفتاويه من الموطأ وغيره ، فأجاب عنها . وقد نقل ذلك عنه حنبل وغيره . وإسحاق بن منصور عرض عليه عامة مسائل الثوري ، فأجاب عنها . وكان أولاً قد كتب كتب أصحاب أبي حنيفة وفهمها وفهم مآخذهم في الفقه ومداركهم ، وكان قد ناظر الشافعي وجالسه مدة وأخذ عنه"انتهى.
وهذا ما جعل الكثير يأخذ بمذهب الإمام أحمد رضي الله عنه في الفروع، يقول ابن بدران رحمه الله تعالى في: "المدخل"(ص/ ) :
العقد الثاني في السبب الذي لأجله اختار كثير من كبار العلماء مذهب الإمام أحمد على مذهب غيره:
هذا العقد له مدخل عظيم لمن يريد التمذهب بمذهب أحمد وما ذلك إلا لأن الداخل على بصيرة في شيء أعقل من الداخل فيه على غير بصيرة وأبعد عن التعصب والتقليد المحض وكل إنسان يختار لمطعمه وملبسه وحوائجه الضرورية فلأن يختار ويحتاط لدينه أولى.
ولما كان المقلد لا رأي له ولا ترجيح وإنما نصيبه من العلم أن يقول قالوا فقلنا، أثبتنا له هذا العقد ليتزين به ونصبنا له هذا السلم أملًا بأنه إن ترك التعصب الذميم والجهل المركب ارتقى قليلًا إلى درجات أوائل العلم ولاح له لمعان من نور الهدى فيجره اختيار المذهب إلى اختيار بعض الفروع بالدليل والبرهان فيكون حينئذ من المفلحين ويتزحزح عن نار الغفلة والتقليد الأعمى المذموم على لسان كل عاقل له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وإليك بيان ما نوهنا به وأشرنا إليه :
قال الإمام الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي أحد المجتهدين في مذهب أحمد في كتاب «المناقب» في الباب السابع والتسعين منه:
اعلم وفقك الله أنه مما يتبين الصواب في الأمور المشتبهة لمن أعرض عن الهوى والتفت عن العصبية وقصد الحق بطريقه ولم ينظر في أسماء الرجال ولا في صيتهم فذلك الذي ينجلي له غامض المشتبه فأما من مال به الهوى فعسير تقويمه.
واعلم أننا نظرنا في أدلة الشرع وأصول الفقه وسبرنا أحوال الأعلام المجتهدين فرأينا هذا الرجل يعني الإمام أحمد أوفرهم حظا من تلك العلوم فإنه كان من الحافظين لكتاب الله عز وجل وقرأه على أساطين أهل زمانه وكان لا يميل شيئا في القرآن ويروي قوله صلى الله عليه و سلم «أنزل القرآن فخمًا ففخموه»
وكان لا يدغم شيئًا في القرآن إلا «اتخذتم» وبابه كأبي بكر، ويمد مدا متوسطا.
وكان رضي الله عنه من المصنفين في فنون علوم القرآن من التفسير والناسخ والمنسوخ والمقدم والمؤخر في القرآن وجوابات القرآن والمسند وهو ثلاثون ألف حديث وكان يقول لابنه عبد الله: احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إمامًا.
والتاريخ وحديث شعبة والمناسك الكبير والصغير وأشياء أخر.
وقال عبد الله: قرأ علينا أبي المسند وما سمعه منه غيرنا وقال لنا: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة.
قال ابن الجوزي: وأما النقل فقد سلم الكل له بانفراده فيه بما لم ينفرد به سواه من الأئمة من كثرة محفوظه منه ومعرفة صحيحة من سقيمه وفنون علومه وقد ثبت أنه ليس في الأئمة الأعلام قبله من له حظ في الحديث كحظ مالك ومن أراد معرفة مقام أحمد في ذلك من مقام مالك فلينظر فرق ما بين المسند والموطأ.
وقال ابنه عبد الله: سمعت أبا زرعة يقول كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث بتكرير الألف مرتين. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
وقيل لأبي زرعة: مَن رأيت من المشايخ المحدثين أحفظ؟ فقال: أحمد بن حنبل، حزمت كتبه في اليوم الذي مات فيه فبلغت اثني عشر حملا وعدلا ما كان على ظهر كتاب منها حديث فلان وفي بطنها حدثنا فلان وكل ذلك كان يحفظه أحمد عن ظهر قلبه.
قال ابن الجوزي: وقد كان أحمد يذكر الجرح والتعديل من حفظه إذا سئل عنه كما يقرأ الفاتحة ومن نظر في كتاب العلل لأبي بكر الخلال عرف ذلك ولم يكن هذا لأحد من بقية الأئمة.
وكذلك انفراده في علم النقل بفتاوى الصحابة وقضاياهم وإجماعهم واختلافهم لا تنازع في ذلك.
وأما علم العربية فقد قال أحمد: كتبت من العربية أكثر مما كتب أبو عمرو الشيباني
وأما القياس فله من الاستنباط ما يطول شرحه.
قال أبو القاسم بن الجَبُّلي: أكثر الناس يظنون أن أحمد إنما كان أكثر ذكره لموضع المحبة وليس هو كذلك كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن المسألة كان علم الدنيا بين عينيه.
وقال إبراهيم الحربي: أدركت ثلاثة لن يرى الناس مثلهم أبدًا وتعجز النساء أن يلدن مثلهم رأيت أبا عبيد القاسم ابن سلام فما مثلته إلا بجبل نفح فيه روح ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا ورأيت أحمد بن حنبل فرأيته كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء.
وقال أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود رأس أحفظ لحديث رسول الله ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد.
قال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها ثم لم يلتفت إليها، وكان إذا تكلم في الفقه تكلم كلام رجل قد انتقد العلوم فتكلم عن معرفة.
قال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي: ومن عجيب ما نسمعه عن هؤلاء الجهال أنهم يقولون أحمد ليس بفقيه لكنه محدث وهذا غاية الجهل لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم وخرج عنه من دقيق الفقه ما ليس نراه لأحد منهم وانفرد بما سلموه له من الحفظ وشاركهم وربما زاد على كبارهم .
ثم ذكر ابن عقيل مسائل دقيقة مما استنبطه الإمام، ثم قال: ومما وجدنا من فقه الإمام أحمد ودقة علمه أنه سئل عن رجل نذر أن يطوف بالبيت على أربع قال يطوف طوافين ولا يطوف على أربع.
فانظروا إلى هذا الفقه كأنه نظر إلى المشي على أربع فرآه مُثلة وخروجًا عن صورة الحيوان الناطق إلى التشبيه بالبهائم، فصانه، وصان البيت والمسجد عن الشهرة ولم يبطل حكم القضية في المشي على اليدين بل أبدلها بالرجلين اللتان هما آلة المشي.
ثم ذكر مسائل من هذا القبيل، ثم قال: ولقد كانت نوادر أحمد نوادر بالغة في الفهم إلى أقصى طبقة، قال: ومَن هذا فقهه واختياراته لا يحسن بالمنصف أن يغض منه في هذا العلم وما يقصد هذا إلا مبتدع قد تمزق فؤاده من خمول كلمته وانتشار علم أحمد حتى إن أكثر العلماء يقولون أصلي أصل أحمد وفرعي فرع فلان فحسبك ممن يرضى به في الأصول قدوة.
قال ابن الجوزي: إن أحمد ضم إلى ما لديه من العلم ما عجز عنه القوم من الزهد في الدنيا وقوة الورع ولم ينقل عن أحد من الأئمة أنه امتنع من قبول أوقاف السلاطين وهدايا الإخوان كامتناعه ولولا خدش وجوه فضائلهم رضي الله عنهم لذكرنا عنهم ما قبلوا ورخصوا بأخذه.
وقد عقد ابن الجوزي في مناقبه بابًا خاصا في بيان زهده في المباحات.
ثم إنه ضم إلى ذلك الصبر على الامتحان وبذل المهجة في نصرة الحق ولم يكن ذلك لغيره. وقد أخرج أبو نعيم الحافظ عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال قال لي محمد بن الحسن صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف.
فقلت له: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال: قلت: أنشدك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ فقال: إذا أنشدتني بالله فصاحبكم. قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قلت: فصاحبكم أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا. قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعونه، وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس. قال: ويريد بصاحبكم مالكًا.
قال ابن الجوزي: فقد كفانا الشافعي رضي الله عنه بهذه الحكاية المناظرة لأصحاب
أبي حنيفة، وقد عرف فضل صاحبنا على مالك فإنه حصّل ما حصّله مالك وزاد عليه كثيرا وقد ذكرنا شاهد هذا باعتبار المسند مع الموطأ.
وقد كان الشافعي عالما بفنون العلوم إلا أنه سلم لأحمد علم النقل الذي عليه مدار الفقه.
وقد روى ابن الجوزي عن عبد الله بن أحمد قال سمعت أبي يقول: قال لي الشافعي: أنتم أعلم بالحديث منا فإذا صح الحديث فقولوا لنا حتى نذهب إليه.
وأخرج هذه الحكاية الطبراني وأبو نعيم الحافظ.
وروى الطبراني أن أحمد كان يقول: استفاد منا الشافعي ما لم نستفد منه.
وأخرج الحافظ ابن عساكر عن الحسن بن الربيع أنه قال: أحمد إمام الدنيا. وقال: لولا أحمد لأحدثوا في الدين. وقال: إن لأحمد أعظم منة على جميع المسلمين وحق على كل مسلم أن يستغفر له.
قلت: وقد ذكرنا كثيرًا من مناقبه في كتابنا تهذيب تاريخ ابن عساكر.
قال ابن الجوزي: قلت: فهذا بيان طريق المجتهدين من أصحاب أحمد لقوة علمه وفضله الذي حث على اتباعه عامة المتبَعين ... قلت وهذا باب واسع جدا.
وذكر ابن الجوزي من هذا كثيرًا، ثم قال: هذا قدر الانتصار لاختيارنا لمذهب أحمد ورحمة الله على الكل وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وكان الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل البغدادي يقول: هذا المذهب يعني: مذهب أحمد إنما ظلمه أصحابه لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع أحمد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات فكانت الولاية سببًا لتدريسه واشتغاله بالعلم، فأما أصحاب أحمد فإنه قل فيهم من يعلم بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد لغلبة الخير على القوم فينقطعون عن التشاغل بالعلم. اهـ
والحاصل: أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه من فقهاء الأمة،ومذهبه في الفروع قائم مشهور،ولا عبرة بخلاف من خالف، لذا علّق الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى على مقولة ابن عقيل السابقة في: "سير النبلاء"(11/321) بقوله: " قال ابن عقيل: من عجيب ما سمعتُه عن هؤلاءِ الأحداث الجهال، أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنَّه محدِّث.
قال: وهذا غاية الجهل، لإنَّ له اختياراتٍ بناها على الأحاديث بناءً لا يعرفه أكثرُهم.
وربما زاد على كبارهم.
قلت :أحسِبهم يظنُّونه كان محدثا وبَسْ _قال المجد في القاموس :" بَسْ : بمعنى حَسْب"_، بل يتخيَّلونه من بابَّة محدِّثي زمانِنا!
ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف،
وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم،
وفي الحفظ رتبة شعبة، ويحيى القطان، وابن المديني.
ولكنَّ الجاهل لا يعلم رتبةَ نفسهِ، فكيف يعرف رتبةَ غيره ؟ ! "انتهى
وأما نسبة مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه للظاهرية فسببه أخذه بالأحاديث كلٌّ على موردِه عند التعارض، بخلاف أبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم أجمعين، حيث إن الإمام أباحنيفة يُفرِّق بين ماكان على القياس من الأحاديث ومالم يكن،فيأخذ بالأول دون الثاني. وأما الإمام مالك رضي الله عنه فيأخذ من الأحاديث مايوافق عمل أهل المدينة، والإمام الشافعي رضي الله عنه يحكم بقول أهل الحجاز في ذلك إلا مسائل له فيها قولان.
وفي بيان ذلك يقول العلامة شاه عبدالعزيز رحمه الله تعالى في: "فتاويه" (ص/76) : "اعلم أن المجتهدين الباحثين عن دلائل الأحكام الشرعية ومآخذها، لما رأوا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم متعارضة، وآثار الصحابة والتابعين مختلفة، وهي أعم المآخذ وأكثرها في الأحكام: تحيروا واختلفت آثارهم في وجه التفصي_أي: الخروج_عن هذا التعارض والإختلاف.
فالذي اختاره مالك رحمه الله تحكيم عمل أهل المدينة...والذي اختاره الشافعي رحمه الله تحكيم أهل الحجاز...والذي اختاره أحمد بن حنبل رحمه الله إجراء كل حديث على ظاهره، لكنه خصصها بمواردها مع اتحاد العلة، وجاء مذهبه على خلاف القياس، واختلاف الحكم مع عدم الفرق، ولذلك نسب مذهبه إلى الظاهرية.
وأما الذي اختاره أبو حنيفة رحمه الله وتابعوه: هو أمر بين جدا، وبيانه: أنا إذا تتبعنا فوجدنا في الشريعة صنفين من الأحكام، صنف هي القواعد الكلية المطردة المنعكسة...وصنف وردت في حوادث جزئية، وأسباب مختصة، كأنها في منزلة الإستثناء من تلك الكليات، فالواجب على المجتهد أن يحافظ على تلك الكليات، ويترك ماوراءها..."انتهى.
فائدة: ممن نقض كلام ابن خلدون المذكور العلامة أبو زهرة الأزهري رحمه الله تعالى في كتابه: "الإمام أحمد بن حنبل" ، ولنفاسة ما قرَّره فيه أنقله هنا، حيث قال( ص 352) : " قال فيلسوف التاريخ الإسلامي ابن خلدون في مذهب أحمد من حيث قلة أتباعه في البلاد الإسلامية: "فأما مذهب أحمد فمقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض" وترى من هذا أن فيلسوف المؤرخين يضرب على نغمة الذين أنكروا على أحمد وصف الاجتهاد وعدوه من علماء الحديث لا من الفقهاء لهذا الا عتبار فهو وإن كان لا يخرجه من زمرة الفقهاء يصف فقهه بأن الاجتهاد فيه قليل وأنه يغلب عليه الرواية والأخبار .... وقد ذكرنا أن هذه القضية غير مسلمة وبينا أن أحمد رضي الله عنه كان فقيهاً وكان مجتهداً وكان اجتهاده مبنياً على أسس سليمة من السنة المروية والآثار الصحاح الثابتة من أقضية الصحابة والتابعين فكان يبني على ما علم من أخبار ويقيس عليها... وعلى ذلك نقرر أن ابن خلدون لم ينصف أحمد عندما أشار بقلة اجتهاده وكثرة رواياته ليفهم أنه كان محدثاً أكثر مما كان فقيهاً أو فقهه فقه رواية لا فقه دراية.
ولقد أخطأ ابن خلدون مرة ثانية عندما حكم بأن قلة التابعين له سببها قلة اجتهاده فإن هذه القضية في ذاتها غير سليمة فإن العامة لا يختارون من يقلدون اختياراً منشؤه الموازنة بين الأدلة ومعرفة مقدار فقه الفقيه فما كان تقليد عامة أهل مصر أو الشام للشافعي منشؤه الموازنة الصحيحة بين مقدار اجتهاد الشافعي واجتهاد غيره وكذلك يقال في مالك وأبي حنيفة.
إنما كثرة المقلدين وقلتهم ترجع الى أمور سياسية أو اجتماعية سهلت نشر المذهب أو صعبت ذلك...
واذا كان مذهب أحمد لم ينتشر كغيره من المذاهب فذلك لملابسات لم يكن مقدار اجتهاده ذا تأثير فيها وما كان لمثل ابن خلدون أن يقحم مقدار الاجتهاد في ذلك المقام".
وقال أيضا (ص/ 392) : "وهنا يثار سؤال لم كانت هذه القلة ؟ ولقد أثار الباحثون ذلك السؤال وتصدوا للإجابة عنه وقد أجاب ابن خلدون عنه فقال:" فأما مذهب أحمد فمقلده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد وأصالته في معاضدة الرواية والأخبار بعضها ببعض وأكثرهم بالشام والعراق من بغداد ونواحيها وهم أكثر الناس حفظاً للسنة ورواية للحديث"
وقال أيضا:
" وإن ذلك لا يصلح تعليلاً لهذه العلة لأن الأصل غير صحيح فليس ذلك المذهب قليل الاجتهاد فقد علمنا أنه المذهب الذي فتح باب الاستنباط على مصراعيه في غير النص، وأن كثرة المتقدمين أو كلهم هم الذين قرروا أن باب الاحتهاد المطلق لا يغلق قط . وأنه ظهر فيه العلماء الذين درسوا أعراف الناس في العصور المختلفة وواءموا بينها وبين مصادر الشرع واستنبطوا تحت ظل الكتاب والسنة ومن أضوائهما أحكاما صالحة متناسبة .
وإن مصر عندما أرادت تعديل المعمول به في الأحوال الشخصية والوقف والمواريث والوصايا وجدت في هذا المذهب معيناً لا ينضب من الأحكام الصالحة فاقتبست منها الكثير بل لقد اقتبس منه مايعد تجديداً للمعمول به تجديداً يوافق بعض المطالب الاجتماعية التي يطالب بها بعض الباحثين في الاجتماع فلقد اقترحت لجنة الأحوال الشخصية التي ألفت سنة 1926 العمل به فيما يتعلق بلزوم شروط الزواج التي تشترطها المرأة كألا يتزوج عليها ونحو ذلك ولكن لم يؤخذ بذلك الاقتراح لأنه تجديد لم تكن قد تهيأت الأذهان له.
وإن سلمنا صحة هذه الدعوى التي يدعيها ابن خلدون تسليماً جدلياً فقررنا أن الاجتهاد في المذهب الحنبلي قليل مع أن كل الأسباب التي بين أيدينا تناقض ذلك، فلن نسلم أن العامة يتبعون المذاهب لقلة الاجتهاد أو كثرته إنما العامة يتبعون المذاهب لوجود الدعاة إليها وذوي السلطان المعتنقين لها وعندئذ يكون العامة تابعين لهم وقد توجد أحوال أخرى غير السلطان أذاعت المذهب أو أخملته عند العامة ولكنها شؤون تتصل بسياسة الاجتماع وشؤون الجماعة... وليس لكون الاجتهاد قليلا أو كثيرا دخل في القلة أو الكثرة لأن العامة لا يدرسون الدليل"انتهى المراد
والله أعلم.
https://www.sasmari.com/%D8%B1%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B7.../

19/07/2024

عنوان: نظر غير المجتهد في خطاب الشرع
بقلم: خادم الشريعة(الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

لغير المجتهد أن ينظر في الكتاب والسنة لكن بنظر الفقهاء، وبدونه يضل، يقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: " الحديث مضلة إلا للفقهاء " ( يريد أن غيرهم قد يحمل شيئاً على ظاهره وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفى عليه، أو متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه) قاله ابن أبي زيد القيرواني (رحمه الله) في: " الجامع " ( ص / 118 )؛ولذا قال ابن وهب رحمه الله : " لولا مالك بن أنس والليث بن سعد لهلكت ، كنت أظنّ أنّ كلّ ما جاء عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم يفعل به ".]رواه ابن عساكر[

وعليه فإن الدعوة لأخذ الأحكام من الكتاب والسنة مع مباشرة ذلك دون قَيْد الأهليَّة منعه العلماء، وحكموا ببطلان نتائجه ولو وافقت الحق! ،وفيه يقول الإمام الخطابي رحمه الله في: " معالم السنن " ( / ) - تعليقاً على حديث: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" -: "وإنما يؤجر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة ...، وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول وبوجوه القياس، فأما من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف، ولا يعذر بالخطأ في الحكم ، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل حديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار. أما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فحار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار" ا. هـ. وقال النووي رحمه الله في: " شرح مسلم " ( 12/12): " قال العلماء: فأما من ليس أهلا للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم ، ولا ينفذ حكمه ، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية، ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك" ا. هـ.

https://www.sasmari.com/%D9%86%D8%B8%D8%B1-%D8%BA%D9%8A.../

19/07/2024

عنوان: مسألة انتقال المتفقه عن مذهبه الفقهي لمذهب آخر
بقلم: خادم الشريعة (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

يعمَد بعضهم إِلى ترك مذهب قومه الفقهي بعد تفقُّهه عليه، وتقليده له عُمُرا(!)

مُتمسَّكا بأن الفقهاء أجازوا الإنتقال عن المذهب لغيره من المذاهب الفقهية المعتبرة...

لكن الشأن ليس على هذا الإطلاق، فقد شدَّد الفقهاء في الإنتقال حتى حرّمه جماعةٌ مطلقا -حكاه الحطاب في: "مواهب الجليل"(1/32)-، سدا لذريعة التَّلاعُب بأحكام الشريعة وسقوط هيبتها، والمشهور عند الفقهاء رعاية شيئين عند الإنتقال لمذهب من المذاهب الأربعة:

-أولهما: التزام شروط التقليد في ذلك؛

- ومنها ما حكاه القرافي رحمه الله تعالى بقوله: "قال الزَّنَاتيَ: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقالُ من مذهبٍ إلى مذهب بثلاثة شروط: ألاَ يَجْمع بينهما على وجهٍ يخالف الإجماع، كمن تزوَّج بغير صَدَاقٍ ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد، وأن يعتقد فيمن يُقلِّده الفَضْلَ بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رَمْياً في عَمَاية، وألاَّ يتتبَّع رُخَصَ المذاهب." انتهى.

-ومنها ما قاله العز ابن عبدالسلام رحمه الله تعالى في: " قواعد الأحكام فى مصالح"( 2/158) :"ومن قلد إماما من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك ؟ فيه خلاف , والمختار التفصيل , فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم ; فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه , فإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره , ولو كان ذلك باطلا لأنكروه وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى , لأنه لو وجب تقليده لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير , بل كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى تقليد نفسه , ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل وهذا مما لا يرتاب فيه عاقل "انتهى.

-ومنها ألا يقصد بالإنتقال غرضا فاسدا كالوجاهة والمال، يقول التقي ابن تيمية رحمه الله تعالى –كما في: "مجموع الفتاوي"(20/222) - : "ولا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني مثل أن يلتزم مذهبا لحصول غرض دنيوي من مال أو جاه ونحو ذلك فهذا مما لا يحمد عليه بل يذم عليه في نفس الأمر ولو كان ما انتقل إليه خيرا مما انتقل عنه وهو بمنزلة من يسلم لا يسلم إلا لغرض دنيوي أو يهاجر من مكة إلى المدينة لامرأة يتزوجها أو دنيا يصيبها" انتهى المراد. وبنحوه في: "جزيل المواهب"(ص/42)للسيوطي رحمه الله تعالى.

-الثاني: رعاية مذهب البلد الشائع المُتَّبع، فإن الشُّذوذ له تبعاتٌ في القضاء والإفتاء والعمل، وكذا له آثاره على عبادات المقلّد ومعاملاته مع نفسه وأهله وذويه وغيرهم، حكى التقي ابن تيمية رحمه الله عن الوزير ابن هبيرة رحمه الله قوله-كما في: "المسوَّدة في أصول الفقه"(ص/ 96)- : "فأما تعيين المدارس بأسماء فقهاء معينين فإنه لا أرى به بأسا، حيث إن اشتغال الفقهاء بمذهب واحد من غير أن يختلط بهم فقيه في مذهب آخر يثير الخلاف معهم ويوقع النزاع فيه؛ فإنه حكى لي الشيخ محمد بن يحيى عن القاضي أبي يعلى أنه قصده فقيه ليقرأ عليه مذهب أحمد، فسأله عن بلده فأخبره، فقال له: إن أهل بلدك كلهم يقرءون مذهب الشافعي فلماذا عدلت أنت عنه إلى مذهبنا؟ فقال له: إنما عدلت عن المذهب رغبة فيك أنت، فقال له: إن هذا لا يصلح فإنك إذا كنت في بلدك على مذهب أحمد وباقي أهل البلد على مذهب الشافعي لم تجد أحدا يعبد معك ولا يدارسك، وكنت خليقا أن تثير خصومة وتوقع نزاعا، بل كونك على مذهب الشافعي حيث أهل بلدك على مذهبه أولى، ودله على الشيخ أبي إسحاق وذهب به إليه، فقال: سمعا وطاعة، أقدمه على الفقهاء" انتهى.

ثم هناك أمر يغفل عنه كثيرٌ من المتفقّهه أبان عنه الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى في: "جزيل المواهب"(ص/42) بقوله: "يُكره أو يُمنع للفقيه – الإنتقال عن مذهبه- ؛لأنه قد حصَّل فقه ذلك المذهب ويحتاج إلى زمن آخر لتحصيل فقه هذا المذهب، فيشغله ذلك عما هو الأهم من العمل بما تعلمه،وقد ينقضي العمر قبل حصول المقصود من المذهب الثاني، فالأَوْلى ترك ذلك" انتهى. وحكاه عن السيوطي مُقِرّا له غيرُ واحدٍ ،كابن عابدين الحنفي رحمه الله تعالى في: "العقود الدرية"(2/327)،والمُرابط المالكي رحمه الله تعالى في: "مراقي السعود"(ص/462)،في آخرين.
والله الهادي، لارب سواه.

تمت بحمد الله

19/07/2024

عنوان: المقلد في الفروع يرجّح مذهبه ولا ينكر على المخالف
بقلم: خادم الشريعة(الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

يسارع بعض الصالحين إلى إنكار قول فقهي لمجتهد كالإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، مع كون مسائل الفروع الإجتهادية لا إنكار فيها، يقول الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى-كما في: "الآداب الشرعية"(1/168)-: "لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العلم بمذهبه ، فإنه لا إنكار على المجتهدات"أ.هـ. قال النووي رحمه الله تعالى في "الروضة"( / )-عن:"تنبيه الغافلين"(ص/ 101)-: " ثم إن العلماء إنما ينكرون ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع ولا ينكر أحد على غيره، وإنما ينكرون ما خالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً"أ.هـ.

لكنّ الإنتصارَ لقولٍ يَعتَقِد المُقلِّد رُجحانَه= صحيح؛ كإنتصار المالكي لإرسال اليدين في الصلاة، وانتصار الشافعي للقنوت في الفجر،... وبه جرى العمل؛ لأنّ الأصل في حق المقلد اعتقادُ رُجحانِ مذهبه، جاء في: " جمع الجوامع مع شرح المحلي"(2/400) مانصه: "والأصح انّه يجب على العامي وغيره ممّن لم يبلغ رتبة الإجتهاد التزام مذهب معيّن من مذاهب المجتهدين يعتقده أرجح من غيره أو مساوياً له وإن كان نفس الأمر مرجوحاً على المختار المتقدّم".أ.هـ. وفي "فتح العلي المالك" (ص/190) قال: "وأمّا العالم الذي لم يصل رتبة الإجتهاد والعامي المحض فإنه يلزمهما تقليد المجتهد لقوله تعالى: "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" والأصح أنّه يجب التزام مذهب معيّن من مذاهب المجتهدين يعتقد أنه أرجح من غيره أو مساو ، وينبغي لهما في المساوي السعي في رجحانه ليتجه لهما اختياره على غيره".أ.هـ. وقال ابن المبرد رحمه الله تعالى في "مغني ذوي الأفهام" (ص/76): "وعلى أهل كل مذهب: اعتقاد أن إمامه أعلم من غيره،وأن مذهبه الصواب"ا.هـ.

وتَرجيحُ المُقلِّد لمذهبٍ على آخر ليس تَرجيحا استدلاليا، خِلافًا للمجتهد، يقول ابن الصلاح رجمه الله تعالى –كما في: " فتح المعين بهامش إعانة الطالبين لزين المليباري" (4/233)-:" إن الله أوجب على المجتهدين أن يأخذوا الراجح، وأوجب على غيرهم تقليدهم فيما يجب عليهم العمل به"أ.هـ المراد.
وأوضحه الكيرانوي رحمه الله تعالى في كتابه: "فوائد في علم الفقه" (ص/85 ـ مع إعلاء السنن) بقوله:

"فإن قلت: إذا لم يكن من أهل الترجيح فكيف يختار مجتهداً للتقليد دون آخر؟ قلت: ترجيح المجتهد لا يحتاج إلى دليل خاص، بل يكفي فيه ميلان القلب إلى الذي يختاره للتقليد وحسن الظن به بوجه من الوجوه . بخلاف ترجيح المسألة على المسألة فإنه لا يكون إلا من دليل، وهو ليس من أهل الاستدلال .هذا هوالفرق،فافهم .

قال العبد الضعيف: وأيضاً فمنشأ ترجيح مجتهد على آخر كون مذهب الأول شائعاً في بلاده، وتيسر الرجوع إلى علماء مذهبه وكتبه دون الثاني" ا.هـ المراد .

19/07/2024

الميزان في فروع الدين قائم على ركيزتين :

الأولى : الدليل الصحيح . قال المرداوي - رحمه الله - في : ((التحبير شرح التحرير)) ( 1/197 ) : " الدليل عند علماء الشريعة : ( ما يُمْكن التوَصُّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ) عند أصحابنا وغيرهم ، منهم أكثر الفقهاء والأصوليين " ا.هـ .

والأدلة منها ماهو مُتّفَق عليه ، ومنها ما هو مُخْتَلف فيه ، قـال المرداوي - رحمه الله - في:((التحبير شرح التحرير)) ( 3/1229-123):
" أدلة الفقه : والمتفق عليه في الجملة أربعة : الكتاب والسنة – وهذا بلا نزاع – ، والإجماع والقياس . والمراد : اتفاق الأئمة الأربعة ، ومَن نَحَا نحوهم ، ولا اعتبار بخلاف من لا يُعْتدّ بقوله " . ثم قال : " قوله : ( ويأتي غيرها ) أي : غير هذه الأربعة ، وهي الأصول التي اشْتَهَر الخلاف فيها : كالاستصحاب ، وشرع من قبلنا ، والاستقراء، ومذهب الصحابي ، والاستحسان ، ونحوه " ا.هـ .

إلا أن مرجع الأدلة الشرعية إلى الكتاب والسنة لا غير . يقول التقي ابن تيمية – رحمه الله – كما في : ((مجموع الفتاوى))
( 27/396 ) -: " وأما القول بأن هذا الفعل : مستحب أو منهي عنه أو مباح - فلا يثبت إلا بدليل شرعي . فالوجوب والندب والإباحة والاستحباب والكراهة والتحريم لا يثبت شيء منها إلا بالأدلة الشرعية ، والأدلة الشرعية مرجعها كلها إليه صلوات ربي وسلامه عليه . فالقرآن هو الذي بَلَّغه . والسنة هو الذي عَلَّمها . والإجماع بقوله عُرِف أنه معصوم " انتهى المراد .

والثانية : أن تكون الصيّرورة إلى قولٍ محفوظ عُمِل به ، ليس شاذاً
ولا مهجوراً ؛ لأن من الأدلة السَمْعيَّة ما لم يُعْمَل به كالشِّق الثاني لحديث سَمُرة المُخرَّج عند أبي داود برقم (4515) ، والترمذي برقم ( 1414) والنسائي (8/20) ، وابن ماجه برقم (2663) ، وأحمد (5/10) وفيه قال صلى الله عليه وسلم : (( من قتل عبده قتلناه ، ومن جَدَعَه جدعناه )) ، حيث قال الحافظ ابن رجب يرحمه الله في "جامع العلوم والحكم "
(1/319) : " وقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف ، وهذا يدل على أن هذا الحديث مطَّرح لا يُعْمل به " ا.هـ .
وإلى ذلك أشار الحافظ محمد الطبّاع المالكي - كما في : ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب البغدادي رحمه الله - بقوله: " كلُّ حديث جاءك عن النبي r لم يبْلُغْك أن أحداً من أصحابه فعله : فَدَعْه " . والذهبي - رحمه الله - في : ((سير أعلام النبلاء)) ( 16/404 ) بقوله : " أما من أخَذَ بحديث صحيح ، وقد تَنَكبه سائر أئمة الاجتهاد : فلا " ا.هـ. والحافظ ابن رجب - رحمه الله - في : ((فضل علم السلف على الخلف)) (ص9) بقوله: " أما الأئمة وفقهاء أهل الحديث : فإنهم يَتَّبِعون الحديث الصحيح حيث كان ، إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم ، أو عند طائفة منهم . فأما ما اتُّفِق على تَرْكِه : فلا يجوز العمل به ؛ لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يُعمـل به ، قال عمر بن عبدالعزيز : ( خذوا من الرأي ما كان يوافق من كان قبلكم ، فإنهم كانوا أعلم منكم ) " ا.هـ . ثم قال (ص13) :
" وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم - يعني : الأئمة - ، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم، وهو أشد مخالفـة لها - يعني : السنة - ؛ لشذوذه عن الأئمة ، وانفراده عنهم : بفهم يفهمه أو بأَخْذِ ما لم يأخذ به الأئمة من
قبله " . ا.هـ .

وذلك الميزان في (الفروع) مشهور تقريره ؛ لذا علّق الذهبي - رحمه
الله - في : ((سير أعلام النبلاء)) ( 18/191 ) - في ترجمة ابن حزم الظاهري -على قوله: ( أنا أتبع الحق ، وأجتهد ، ولا أتقيَّد بمذهب ) بقوله: " قلت : نعم ، من بَلَغ رتبة الاجتهاد ، وشهد له بذلك عِدّة من الأئمة : لم يَسَعْ له أن يُقَلِّد ، كما أن الفقيه المبتديء العاميّ ، الذي يحفظ القرآن أو كثيراً منه : لا يسوغ له الاجتهاد أبداً . فكيف يجتهد ؟ وما الذي يقول ؟ وعلام يَبْني ؟ وكيف يَطِيْر ولمَّا يُريِّش ؟
والقسم الثالث : الفقيه المُنْتَهي اليَقِظ الفَهِم المُحدِّث ، الذي قد حفظ مختصراً في الفروع ، وكتاباً في قواعد الأصول ، وقرأ النحو ، وشارك في الفضائل ، مع حفظه لكتاب الله وتشاغله بتفسيره وقوة مناظرته . فهذه رتبة من بلغ الاجتهاد المُقيَّد ، وتأهَّل للنظر في دلائل الأئمة . فمتى وضَحَ له الحق في مسألة ، وثبت فيها النص ، وعمل بها أحد الأئمة الأعلام ؛ كأبي حنيفة مثلاً، أو كمالك أو الأوزاعي أو الثوري ، أو الشافعي وأبي عبيد وأحمد وإسحاق: فلْيَتَّبِع فيها الحق ، ولا يسْلُك الرُّخص ، ولْيَتَوَرّع ، ولا يَسَعَه فيها - بعد قيام الحجة عليه - تقليد " ا.هـ .
https://www.sasmari.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B2.../

18/07/2024

عنوان: الاحتجاج بالمذاهب الأربعة
بقلم: خادم الشريعة (الشيخ صالح بن محمد الأسمري)

هناك فرق بين مسألتين عند الفقهاء والأصوليين:

الأولى: جعل المذاهب الأربعة دليلا شرعيا.وهذه لم يختلف الفقهاء في عدم انطباق حقيقة الدليل عليها؛ حيث إن الدليل هو: ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
لذا لم يَعُدّ الفقهاء اتفاق المذاهب الأربعة في الأدلة، سواء أكانت أدلة متفقا عليها أم مختلفا فيها .

والثانية: الاحتجاج بالمذاهب الأربعة. وهذه معتبرة بعد استقرار المذاهب الأربعة واندراس غيرها من المذاهب؛ لأن الفقهاء قرروا شيئين:

الأول: كون الناس صنفين لا ثالث لهما، مجتهد ومقلد. والواجب على المقلد أن يأخذ بمذهب المجتهد.وأما القول بمرتبة(الإتباع)!فهي في حقيقتها إحدى درجات التقليد ولابد.

والثاني: عدم وجود مجتهد مستقل بعد الأربعة، وأما المجتهد المنتسب لمذهب فموجود ؛ لذا نبه الحافظ السيوطي رحمه الله في كتاب:"الرد على من أخلد إلى الأرض" إلى أن عامة من ذكرهم في كتابه من المجتهدين لم يصلوا رتبة الاجتهاد المستقل.

وأما من يدعي الوصول إلى رتبة الاجتهاد المستقل ف(علامة صحة دعواه: أن يستقل بالكلام في المسائل كما استقل غيره من الأئمة، ولا يكون كلامه مأخوذا من كلام غيره.وأما من اعتمد على مجرد نقل كلام غيره، إما حكما أو حكما ودليلا-كان غاية جهده أن يفهمه، وربما لم يفهمه جيدا أو حرفه وغيره! فما أبعد هذا عن درجة الاجتهاد!)كما قاله ابن رجب رحمه الله في: "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة".

وعليه: فمن يعمل عمل المجتهد في النظر إلى نصوص الشريعة وهو ليس ذا أهلية تامة-أي:مجتهد-فقد باشر فعل الحرام ، وانتصب لسهام الملام، ولا يرجى له الأجر،بل يخشى عليه الوزر، وفي ذلك يقول الإمام الخطابي رحمه الله في : "معالم السنن" تعليقاً على حديث: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" : "وإنما يُؤْجَر المخطئ على اجتهاده في طلب الحق؛ لأن اجتهاده عبادة ...، وهذا فيمن كان من المجتهدين جامعاً لآلة الاجتهاد، عارفاً بالأصول وبوجوه القياس، فأما مَن لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلِّف، ولا يُعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر، بدليل حديث ابن بُريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار . أما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق فقضى به . ورجل عرف الحقّ فَجَار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى الناس على جهل فهو في النار" ا.هـ . وقال النووي رحمه الله في: "شرح مسلم" (12/13): "قال العلماء: فأما من ليس أهلاً للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل آثم، ولا يَنْفُذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية، ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاصٍ في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يُعذر في شيء من ذلك" ا.هـ .

ومن ثم وقع الاتفاق الجُمْلي على الالتزام بالمذاهب الأربعة ، والمنع من الخروج عنها، وفي ذلك يقول بدر الدين الزركشي رحمه الله في : "البحر المحيط" (6/209): "والحق أن العصر خلا عن المجتهد المطلق، لا عن مجتهد في مذهب أحد الأئمة الأربعة، وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها" ا.هـ .
وقال في: "مراقي السعود" :
والمُجْمَعُ اليومَ عليهِ الأَرْبَعَة .... وقَفْوُ غَيْرها الْجَمِيع مَنَعَهُ

تمت بحمد الله
https://www.sasmari.com/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA.../

Want your school to be the top-listed School/college in Riyadh?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Category

Address


المملكة العربية السعودية
Riyadh