16/07/2026
ولا أزال، مذ كنت غلامًا في السابعة ، أحمل القاهرة في سويداء قلبي؛ لا تغيب وإن غاب كل شيء، ولا تشيخ وإن شاخ العمر.
القاهرة المغوية .. التي تضيء وتحرق .. مجمع الجنة والجحيم.. ملتقى الأضاد ومفترق الأحباب .. مثوى التائه الطريد وطاردة المطمئن المقيم ..
كنتُ أقدم عليها من قريتي مضطراً وَجِلا ؛ لكن ما إن تطأ قدماي ثراها حتى يتبدد ذلك الخوف، كأن الأرض نفسها كانت تعرفني، وكأن هواءها يلقاني بالسلام قبل الناس. ثم ألتقي بمن أحب، فإذا الدنيا كلها قد اجتمعت في يدي.
لا تزال وجوه الأقارب، وأصدقاء الطفولة وقد سبق الفرح أعينهم بلقياي لا تفارق الذاكرة .
الترام يشق الطرقات كأنه سطر من قصيدة قديمة.
حافلات القاهرة الحمراء تمضي في نظامها كأنها نبض المدينة.
المباني العتيقة،وحجارتها التي تحفظ من الحكايات ما لا تحفظه الكتب.
لافتات الدكاكين المكتوبة بخط الثلث، وكأن الخطاط كان يؤمن أن حتى اسم محل البقالة يستحق أن يُكتب كآية.
كأس العصير، وقطعة الآيس كريم، ولحظة الوقوف أمام إشارة المرور التي لم أعرفها إلا من كتاب القراءة والاطلاع …
ثم تأتي ليالي القاهرة الدافئة، لا بحرارة جوها، ولكن بحرارة القلوب التي كانت تضمّني إليها، فنذهب ليلا إلى نادي (السكة الحديد ) لأبتهج واشعر بالافتخار وكأنني في اعظم نوادي مصر …
ربما كلها كانت أشياء صغيرة، لكنها كانت في نفسي أعيادًا كاملة.
حتى إذا جاء الموعد المنتظر ذهبت في يد أمي إلى تلك العمارة العتيقة وانتشيت بعد ركوب المصعد الحديدي المكشوف ثم أدخل على الطبيب، فيستقبلني بابتسامته التي كانت دواءً من دائي ، وقال كلمته التي ما زالت ترن في أذني إلى اليوم: «أنت بخير… أراك بعد عام.» فما كنت أخرج من عنده إلا وأنا أحمل من الطمأنينة ما لا تصنعه العقاقير.
ولعل بعض الناس يلومني على الافراط في حب بلادي، وهذا الشوق الذي لا تنطفئ حرارته. ولكن كيف أملك أن أنزع من القلب ما زرعته الأيام الأولى؟.
نعم.. تبدل كل شيء ، وأصاب وجه بلادي من التشوه ما يؤلم العين ويدمي القلب ويجرح الخاطر ، ولكن ذلك كله لم يستطع أن يمحو صورتها الجميلة التي سكنت روحي.
فما كل جمال عظيمٍ بكثرته … وإنما الجمال ما بدا هيّنًا على العين، عميقًا في القلب؛ ذلك الجمال لا يُرى، وإنما يُحس.
ولهذا أعود إليها كل عام، أمشي في شوارعها هائمًا على وجهي، أفتش في الميادين و الشوارع، وعلى الأرصفة، وفي الوجوه، عن ذلك الصبي الذي كنتُه، وعن تلك الذكريات التي لا تغادر مرفأ الذاكرة.
ليس لأنني أظن أنني سأجدها، بل لأن بعض الأماكن لا نتوقف عن البحث عنها، حتى بعدما ندرك أنها لم تعد موجودة إلا في داخلنا.
ليس كل ما نحب يبقى على حاله.
ولكن ما يسكن القلب يبقيه القلب على حاله.
ولله الأمر من قبل ومن بعد .
10/04/2026