18/08/2020
الابتلاء وحديث (إذا أحب الله عبدا ابتلاه).
أولا – من القرآن الكريم:
ـ البقرة - الآية 155 ((وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ))
ـ محمد - الآية 31 (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)).
شرح الآية 155 من سورة البقرة: ولنختبرنكم بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع، وبنقص من الأموال بتعسر الحصول عليها، أو ذهابها، ومن الأنفس: بالموت أو الشهادة في سبيل الله، وبنقص من ثمرات النخيل والأعناب والحبوب، بقلَّة ناتجها أو فسادها. وبشِّر -أيها النبي- الصابرين على هذا وأمثاله بما يفرحهم ويَسُرُّهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
شرح الآية 31 من سورة محمد: ولنختبرنكم- أيها المؤمنون- بالقتال والجهاد لأعداء الله حتى يظهر ما علمه سبحانه في الأزل؛ لنميز أهل الجهاد منكم والصبر على قتال أعداء الله، ونختبر أقوالكم وأفعالكم، فيظهر الصادق منكم من الكاذب.
ـ ثانيا - والابتلاء الاختبار. قال الله تعالى في سورة الكهف – الآية السابعة:
)) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا)).
أي: إن الله سبحانه خلق الإنسان وخلق كل شيء على وجه الأرض فجعل بين الإنسان وبين الأشياء علاقات من الطلب والإغراء والزينة وما ذاك إلا من أجل اختبار الله لعباده أيسيرون ضمن الشريعة التي شرعها الله –فما خلق الله الإنس والجن إلا ليعبدون، هو الاختبار إذا – اختبارا نتيجته معرفة أيُّهم أحسن عملا بطاعة الله، وأيهم أسوأ عملا بالمعاصي، ويجزي الله كلا بما يستحق. فالحياة دار اختبار – دار ابتلاء: أتصبرون؟؟ـ وفي سورة الفرقان الآية 20 نجد: (( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا)).
والاختبار للناس كلهم – دون استثناء – ويعقب الاختبار السؤال – والسؤال للناس كلهم من دون استثناء: ((فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) – سورة الحجر. – وحتى الأنبياء والرسل يجمعهم الله للمساءلة فلا استثناء بين من أحبه الله ومن لم يحبه، قال الله تعالى في سورة المائدة – الآية 109: (( يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلامُ الْغُيُوبِ)).
ـ ثالثا: وحديث (إذا أحب الله عبدا ابتلاه) حديث لا يدور في فلك القرآن الكريم، الذي يقرر أن الابتلاء لا يقع على من أحبه الله فحسب؛ وهنا مدار النقد للحديث المنسوب للرسول أصلي عليه وأسلم، بل يقع على الإنسان – ولا يعلم أحد في هذه الحياة الدنيا أن الله سبحانه قد أحبه، وليس لمن يبتلى أن يقول: قد أحبني الله!! في حين يجعل الحديث الابتلاء مؤشرا على محبة الله!!!.
وحديث (إذا أحب الله عبدا ابتلاه)، لم نجده في الكتب التسعة ولكن وجدنا رافدا له في صحيح البخاري برقم /5580/: (... عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في أهل الأرض). ورافدا آخر في سنن الترمذي /1959/: (... عن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء...)..
أما في بقية الكتب الحديثية فقد وجدناه في:
ـ مسند الشاشي /601/: (...عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلاَهُ , فَمِنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ يَمَسُّهُ الْبَلاَءُ كَيْمَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ). (وفاة أبي سعيد الشاشي كانت في سنة 335هـ)
ـ شعب الإيمان للبيهقي /9329/: - (... عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ , - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَكَّ هِشَامٌ أَنَّهُ - قَالَ: " إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ , فَمَنْ حُبِّهِ إِيَّاهُ يَمَسُّهُ الْبَلَاءُ حَتَّى يَدْعُوَهُ فَيَسْمَعَ دُعَاءَهُ )" (وفاة البيهقي كانت في سنة 458 هـ.)
– شعب الإيمان للبيهقي /9331/: (... عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ لِيَسْمَعَ صَوْتَهُ "
- شعب الإيمان للبيهقي /9615/: (...عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: " كُنْتُمْ تَسْأَلُونَ عَنِ الرَّخَاءِ , وَكُنْتُ أَسْأَلَهُ عَنِ الشِّدَّةِ , وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ يَوْمٍ شَكَى لِي فِيهِ أَهْلِي الْحَاجَةِ , إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ , يَا مَوْتُ عِظْ عَظَتَكَ , وُسِّدَ سَدْلِ أَيِّ قَلْبِي إِلاَّ حُبَّكَ ").
وهذا الأحاديث أحاديث آحاد ظنية الثبوت؛ لا يمكن لها أن تقوم على ساقين؛ باعتبارها لتعلقها بالإيمان الذي يتطلب نصا ثابتا قطعيا لن يجده أحد في كتاب الله – كما بيناه آنفا.
ظافر سعيد نحاس