31/03/2021
العوامل المـُشكِّلة لعقائد الجماهير
إن العوامل التي تُحدّد آراء الجماهير وعقائدها ذات نوعين: عوامل بعيدة، وعوامل قريبة، ومن بين العوامل البعيدة: #العِرْق، وكذلك التقاليد الموروثة؛ فالجماهير كائن عضوي، وككل الكائنات العضوية؛ لا يمكن تغيّره إلا بواسطة التراكمات الوراثية البطيئة؛ فالقادة الحقيقيون للشعوب هم تقاليدها الموروثة، وبدون تقاليد ثابتة لا يمكن أن توجد حضارة، وأيضًا الزمن؛ فهو الذي يطبخ آراء الجماهير على نارٍ هادئة؛ فبعض الأفكار التي يمكن تحقيقها في فترة ما؛ تبدو مستحيلة في فترة أخرى؛ فالنُّظم السياسية لا تنهار في يومٍ واحد.
وأمَّا المؤسسات السياسية والاجتماعية، فهي تمثل مَنْتُوج العِرق، ويلزم أحيانًا عدة قرون من أجل تشكيل نظام سياسي معيَّن، وعدة قرون أخرى من أجل تغييره؛ فالشعب لا يمتلك أبدًا أية قدرة حقيقية على تغيير مؤسساته، ولكنه يستطيع تعديل اسمها عن طريق إشعال الثورات، وكذلك عامل التعليم والتربية؛ حيث يمكن البرهنة بسهولة أن التعليم لا يجعل الإنسان أكثر أخلاقية ولا أكثر سعادة، وأنه لا يغيّر غرائزه وأهواءه الوراثية، وإذا ما طُبِّق بشكل سيئ فإنه يصبح ضارًّا؛ فالدولة التي تُخرِّج بواسطة هذه الكتب المدرسية البائسة كل هؤلاء الطلاب لا تستطيع أن توظف منهم إلا عددًا صغيرًا، وتترك الآخرين بدون عمل؛ فمع التربية والتعليم تتحسن روح الجماهير أو تفسد، فهما مسئولان عن ذلك جزئيًا.
أما العوامل المباشرة فمنها: #الشعارات؛ فمُخيِّلة الجماهير تتأثر بالصوَر بشكل خاص، وكذلك قوة الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها، والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك أحيانًا أكبر قدرة على التأثير ككلمة ( ديمقراطية )واخرى ذات طابع عاطفي ومطلبي ( التغيير والاصلاح ) مثلًا، وعندما تشعر الجماهير بنفور عميق من الصور التي تثيرها الكلمات إثْرَ الانقلابات السياسية؛ فيتجه الحاكم الى تغيير هذه الكلمات الى اخرى ذات ارتباط عقائدي وديني ( القدس موعدنا ) دون أن يَمَسَّ الأشياء ذاتها بالطبع. إذن فَبَراعة الحكّام تتمثل في معرفة كيفية التلاعب بالكلمات.
ومنها أيضًا: #الأوهام؛ فالشعوب تتجه نحو الأوهام كما تتجه الحشرة نحو الضوء ًا_لهم ، ومن يحاول قشع الأوهام عنهم يصبح ضحية لهم، وهناك أيضًا عامل التجربة؛ فهي المنهجية الوحيدة الفعّالة من أجل زرع حقيقة ما في روح الجماهير بشكل راسخ، وتدمير الأوهام التي أصبحت خطرة أكثر مما ينبغي. وعمومًا فإن التجارب التي عاشها جيل ما غير ذات جدوى بالنسبة للجيل اللاحق؛ لذا نجد من الضروري تكرار التجارب من عصر إلى عصر من أجل أن تمارِس بعض التأثير وتنجح في زعزعة خطأ راسخ بقوة، وهناك عامل العقل، وهو عامل سلبي في التأثير لا عامل إيجابي؛ فالجماهير لا تتأثر بالمحاجات العقلانية، ولهذا السبب فَمُحَرِّكو الجماهير لا يتوجهون أبدًا إلى عقلها، وإنما إلى عاطفتها .