18/06/2026
بعد المقال الاول حول
ماذا يريد المحامي السياسي الوزير عبد اللطيف وهبي من مهنة المحاماة
والمقال الثاني حول
هل ما زالت الثقة ممكنة بين وزير العدل والمحامين
هاهو الاستاذ الجامعي حميد النهري يعود ليفكك الازمة المتفاقمة من خلال طرحه لسؤال اخر أكثر عمقا:
موقع انفاس بريس
Anfaspress.com
أين هي الحكومة؟.. حين يتحوَّل إصلاح العدالة إلى مسلسل سياسي مُمِلّ
الكاتب : حميد النهري jeudi 18 juin 2026, 14:20 1937
السؤال الذي لم يعد ممكنا تأجيله
في الوقت الذي دخل فيه المحامون أسبوعا كاملا من التوقف عن العمل احتجاجا على ما وصل إليه ملف إصلاح مهنة المحاماة لم يعد السؤال المطروح هو من ربح الجولة الأخيرة في هذا الصراع ولا من يملك الأغلبية داخل البرلمان ولا حتى من يملك القدرة الأكبر على التصعيد.
السؤال الحقيقي أصبح أكثر بساطة وأكثر خطورة في الآن نفسه أين هي الحكومة؟
فما يجري اليوم بين وزير العدل ومهنة المحاماة تجاوز منذ مدة حدود الخلاف التشريعي العادي وتحول إلى مشهد سياسي يبعث على القلق أكثر مما يبعث على الاطمئنان. لقد أصبح المغاربة يتابعون هذا الملف منذ شهور طويلة تصريحات وردود وبلاغات واجتماعات ثم عودة إلى الإضراب والتصعيد المتبادل. والنتيجة الوحيدة الواضحة إلى حدود اليوم هي أن النقاش ابتعد تدريجيا عن إصلاح العدالة واقترب أكثر فأكثر من منطق المواجهة الشخصية.
أولا: حين يتحول الإصلاح إلى مسلسل
المفارقة أن المواطن العادي لم يعد يهتم كثيرا بمشروع القانون ولا بمضامينه التفصيلية. بل أصبح يتابع ما يشبه مسلسلا سياسيا متكررا حد الملل كلما تحدث الوزير انتظر الناس ردود فعل هيئات المحامين وكلما أضرب هؤلاء انتظروا الحلقة الموالية. وفي كل مرة يزداد الشعور بأن النقاش يتحرك في دائرة مغلقة لا تنتج إصلاحا ولا تنتج توافقا
والأخطر من ذلك أن الرأي العام بدأ يختزل المشهد كله في شخص الوزير. فعندما يتوقف المحامون عن العمل للاحتجاج يفسِر كثير من المواطنين ذلك باعتباره احتجاجا ضد عبد اللطيف وهبي شخصيا أكثر مما هو موقف من مشروع قانون. وعندما يتحدث الوزير عن المحاماة لا ينشغل كثيرون بمضمون ما يقول بقدر ما يعلِقون بعبارات من قبيل: «ها هو ناض ليهم عاود».
هذه العبارات البسيطة تترجم فشلا سياسيا وتواصليا كبيرا فالمواطن لم يعد يرى وزيرا يدافع عن مشروع إصلاحي بل أصبح يرى شخصا في مواجهة مستمرة مع مهنة. وهنا يفقد الإصلاح جزءا كبيرا من معناه.
مقارنة لا مفر منها كيف تدار إصلاحات العدالة في الديمقراطيات الراسخة؟
حين أقدمت فرنسا على إصلاح منظومتها القضائية وحين خاضت إسبانيا والبرتغال نقاشات كبرى حول تحديث العدالة والمهن القانونية لم تتحول تلك الملفات إلى مواجهات شخصية بين وزير وهيئة مهنية لأن السياسة الحكومية في تلك السياقات لا تدار بمنطق «من الأقوى؟» بل بمنطق «ما التوافق الممكن؟».
وحين يغيب هذا المنطق لا يكسب أحد لا الوزير ولا المحامون من جهة ولا المواطن الذي ينتظر عدالة أفضل من جهة اخرى.
ثانياً: البعد الأخلاقي وتناقض المواقف
لا يمكن في هذا السياق إغفال البعد الأخلاقي الذي يفترض أن يؤطر أي مسؤولية عمومية خاصة حين يتعلق الأمر بقطاع بحجم وأهمية العدالة فوزير العدل أدى يوما ما قسم المسؤولية العمومية الذي يتضمن الالتزام بخدمة المصلحة العامة واحترام المؤسسات.
وتزداد خصوصية هذا الملف حساسية بالنظر إلى أن وزير العدل نفسه ينتمي إلى مهنة المحاماة ويحمل صفة محام وهو ما كان من المفترض أن يشكل عنصرا إضافيا لتقريب وجهات النظر وبناء جسور الحوار لا أن يتحول إلى عامل يعمق التوتر بين الوزارة وهيئة تعدُ شريكا أساسيا داخل منظومة العدالة.
المفارقة أن الوزير المحامي الذي يعرف مهنة المحاماة من الداخل لم يستثمر هذه المعرفة لبناء الجسور بل بدا أحيانا وكأنه يوظفها لتعميق الخلاف.
ومن حق الرأي العام أن يتساءل كيف يمكن التوفيق بين خطاب الإصلاح وبين ممارسات تثير هذا القدر من التوتر والانقسام؟
ثالثا: المحاماة ليست عدوة الإصلاح
لا أحد ينكر أن المحاماة تحتاج إلى إصلاح كما لا أحد ينكر وجود اختلالات تستوجب النقاش والمعالجة لكن الإصلاح لا يبدأ من شيطنة المهنة ولا ينجح عبر تقديمها للرأي العام باعتبارها أصل المشكلة.
فالمحاماة ليست مجرد قطاع مهني كسائر القطاعات بل هي جزء من منظومة العدالة وأحد الضمانات الأساسية لدولة القانون. ولهذا فإن الحفاظ على صورتها ومكانتها لا يقل أهمية عن إصلاحها.
حين يتحول الإصلاح إلى منطق الغلبة
غير أن ما يثير القلق أكثر هو أن النقاش لم يعد يدور حول كيفية إصلاح المهنة بل حول من يملك القدرة على فرض تصوره للإصلاح. وكأن المطلوب لم يعد بناء توافق حول مستقبل العدالة، بل إثبات من يمتلك القوة السياسية أو الأغلبية العددية الكافية لتمرير موقفه.
والحال أن الإصلاحات الكبرى لا تُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق الإقناع والشراكة. فلا توجد في التاريخ السياسي الحديث إصلاحات قضائية ناجحة فرضت فرضا على أصحاب المهنة، لأن العدالة تحتاج إلى قضاة ومحامين مقتنعين لا مُكرهين.
كما أن صورة الإصلاح نفسها بدأت تتاكل تدريجيا فبدل أن يظهر المشروع باعتباره ورشا وطنيا لتطوير العدالة أصبح يظهر في كثير من الأحيان وكأنه مواجهة مفتوحة بين وزير وهيئة مهنية.
وعندما تطغى صورة الصراع على صورة الإصلاح يصبح الخطر الحقيقي هو فقدان القدرة على إقناع الفاعلين والرأي العام بجدوى التغيير نفسه.
رابعا: الحكومة الغائبة... الخطيئة السياسية الكبرى
ومن هنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكنا تجاهله:
إذا كان إصلاح العدالة جزءا من البرنامج الحكومي فأين هي الحكومة من كل ما يجري؟
ولماذا يبدو وكأن هذا الورش الوطني الكبير تحول إلى ملف شخصي لوزير العدل؟
وأين هو الدور السياسي لرئيس الحكومة في إعادة النقاش إلى إطاره المؤسساتي الطبيعي؟
امتلاك الأغلبية البرلمانية لا يعني امتلاك الحقيقة المطلقة. وقوة التحالف الحكومي لا تعني أن الإصلاح ينجح بمنطق الغلبة. فالديمقراطية ليست فقط القدرة على تمرير القوانين بل هي أيضا القدرة على إنتاج التوافقات وحماية المؤسسات الوسيطة.
خاتمة: الجميع يخسر حين تغيب الدولة
لعل أكبر خطر يواجه هذا الملف اليوم ليس مشروع القانون نفسه بل أن يترسخ لدى الرأي العام شعور بأن الدولة لم تعد تدير الإصلاح بمنطق المؤسسات وإنما بمنطق الأشخاص.
وهنا يصبح الجميع خاسراً:
تخسر الحكومة صورة الإصلاح.
وتخسر المحاماة صورتها داخل المجتمع.
ويخسر المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات بشكل عقلاني.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم هل سينتصر الوزير أم سينتصر المحامون؟
السؤال الحقيقي هو هل ما زلنا أمام ورش لإصلاح العدالة؟ أم أننا أمام مسلسل سياسي طويل أصابه الملل والرداءة وفقد تدريجيا أهدافه الأصلية؟
وهل ستتدخل الحكومة لإعادة هذا الملف إلى حجمه الطبيعي كمشروع دولة ومؤسسات أم سيستمر الجميع في استهلاك ما تبقى من الثقة والهيبة في معركة لا يبدو أن أحدا يعرف كيف تنتهي؟
إن التاريخ السياسي لا يتذكر الوزراء الذين مرروا القوانين بقوة الأغلبية بل يتذكر الذين نجحوا في تحويل الخلاف إلى توافق والتوتر إلى إصلاح والمؤسسات إلى شركاء لا إلى خصوم. وما لم تستعد الحكومة دورها كحكم ووسيط ومحرك للتوافق فإن هذا الملف مرشح لأن يُضاف إلى قائمة طويلة من الإصلاحات التي استهلكت طاقة سياسية كبيرة لكنها لم تُنتج الأثر المؤسساتي الذي كانت البلاد في حاجة إليه.
12/06/2026
حميد النهري: هل ما زالت الثقة ممكنة بين وزير العدل والمحامين؟
الكاتب : حميد النهري vendredi 12 juin 2026, 17:38 1298
Anfasspressانفاس بريس
لم يعد النقاش الدائر اليوم حول مشروع قانون مهنة المحاماة مجرد خلاف تشريعي حول بعض المواد القانونية أو الصلاحيات المهنية كما لم يعد مجرد سجال سياسي عابر يمكن احتواؤه بتصريح أو لقاء أو وساطة ظرفية.
فالبلاغ الأخير الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب والذي أعلن التوقف الشامل والإنذاري عن تقديم الخدمات المهنية لمدة أسبوع يكشف أن الأزمة دخلت مرحلة جديدة عنوانها فقدان الثقة أكثر مما هي خلاف حول النصوص.
ويكتسب هذا السؤال راهنيته أكثر بعد انتقال الملف من مرحلة تبادل المواقف والبلاغات إلى مرحلة الاحتجاج المهني المنظم في خطوة تعكس حجم التوتر الذي بات يطبع العلاقة بين الوزارة والجسم المهني. وهنا يطرح السؤال الحقيقي:
هل ما زالت هناك ثقة كافية بين وزير العدل والمحامين تسمح بإخراج إصلاح متوافق عليه أم أن الأزمة تحولت إلى مواجهة شخصية وسياسية أصبح من الصعب فصلها عن المشروع نفسه؟
في تقديري هذا هو أصل المشكل الحقيقي.
الإصلاح ضرورة لكن المنهجية مسألة أخرى!!
لا أحد يجادل اليوم في أن مهنة المحاماة تحتاج إلى إصلاحات حقيقية. ولا أحد يستطيع إنكار وجود إشكالات جدية مرتبطة بالحكامة والتدبير المالي وأوضاع المحامين الشباب وآليات التمثيلية المهنية والتحديث المؤسساتي.
بل إن أول من ناقش هذه الاختلالات وطالب بإصلاحها هم المحامون أنفسهم.
غير أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد فالمهنة بدورها تواجه أسئلة حقيقية تتعلق بالحكامة والشفافية والتكوين وأوضاع المحامين الشباب والتفاوتات المهنية. وهي قضايا تستحق نقاشًا داخليًا جادًا بعيدًا عن منطق الدفاع التلقائي أو منطق الاتهام المتبادل.
لكن الإصلاح شيء ومنهجية الإصلاح شيء آخر.
فالتاريخ يعلمنا أن الإصلاحات الكبرى لا تفشل دائمًا بسبب مضمونها بل بسبب الطريقة التي يتم بها إعدادها وتقديمها وتنزيلها على الفاعلين المعنيين بها.
ولهذا فإن جوهر الأزمة الحالية لا يكمن فقط في المواد القانونية محل الخلاف بل في المناخ الذي أصبح يحيط بها.
فكلما تطورت الأحداث ازداد الشعور بأن العلاقة بين الطرفين لم تعد قائمة على الحوار والثقة بقدر ما أصبحت قائمة على الشك المتبادل وتبادل الاتهامات والأحكام المسبقة.
محاكمة مهنة أم إصلاح مهنة؟
قد يكون من الطبيعي أن تنتقد وزارة القطاع او الدولة نفسها اختلالات بعض المهن كما أنه من حقها أن تسعى إلى تطويرها وتحديثها. لكن من غير الطبيعي أن يتحول النقاش العمومي إلى ما يشبه محاكمة جماعية لمهنة بكاملها أمام الرأي العام.
فوجود اختلالات داخل المحاماة لا يعني اختزال المحاماة في تلك الاختلالات.
كما أن وجود تجاوزات فردية أو إشكالات تدبيرية لا يبرر تقديم المهنة وكأنها مرادف للسمسرة أو الابتزاز أو البحث عن الامتيازات.
لأن المحاماة ليست مجرد نشاط مهني كباقي الأنشطة. انها إحدى المؤسسات الأساسية لدولة القانون وإحدى الضمانات الجوهرية لحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة وأحد الرموز التاريخية لاستقلال العدالة.
ولهذا فإن المحافظة على مكانتها ورمزيتها داخل المجتمع لا تقل أهمية عن إصلاحها.
ثم إن الإشكاليات المرتبطة بالحكامة والتدبير والشفافية ليست استثناءً مغربياً. فهي موجودة داخل هيئات المحامين في مختلف دول العالم بما فيها الديمقراطيات العريقة. ومع ذلك لا يتحول النقاش هناك إلى التشكيك في قيمة المهنة أو في ضرورتها داخل المجتمع.
فالفرق كبير بين إصلاح مؤسسة وبين نزع الشرعية الرمزية عنها.
البعد الشخصي وتأثيره في المشهد
وربما تزداد حساسية الوضع عندما يكون مصدر الانتقاد شخصًا ينتمي إلى نفس المهنة.
فأصعب الانتقادات ليست دائمًا تلك التي تأتي من الخارج بل أحيانًا تلك التي تصدر من الداخل لأنها تكون محملة بتاريخ مهني ونقابي وسياسي يجعلها قابلة لتأويلات متعددة.
غير أن الأمر لم يعد يتعلق بمحامٍ يناقش زملاءه داخل هيئة مهنية أو جمعية انتخابية.
نحن أمام وزير في حكومة يقود ورشا يفترض أنه جزء من مشروع دولة لإصلاح العدالة.
ومن هذا المنطلق فإن معيار النجاح لا ينبغي أن يكون من انتصر في النقاش أو من ربح معركة التواصل بل مدى القدرة على بناء توافقات تسمح بإخراج إصلاح مستدام ومقبول من مختلف الأطراف.
فالمطلوب من رجل الدولة ليس فقط أن يشخص الأعطاب بل أن يخلق شروط الثقة الضرورية لمعالجتها.
الدولة تستطيع فرض القوانين لكنها لا تستطيع فرض الثقة
لقد حرصت جمعية هيئات المحامين بالمغرب في مختلف بلاغاتها على التمييز بين الحكومة ووزير العدل وبين مشروع إصلاح العدالة وطريقة تدبير الوزير لهذا المشروع.
لكن مع توالي التصريحات والردود والتصعيدات أصبح هذا الفصل أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لأن الرأي العام بدأ ينظر إلى الأزمة باعتبارها مواجهة مباشرة بين الوزير والمحامين أكثر من كونها نقاشا مؤسساتيا حول مستقبل المهنة.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.فحين يتحول إصلاح العدالة إلى معركة كسر إرادات يخسر الجميع.
يخسر الوزير فرصة تسجيل إصلاح توافقي ومستدام وتخسر المهنة فرصة تطوير ذاتها وتجديد آليات اشتغالها.
وتخسر الدولة فرصة إنجاح ورش إصلاحي يحتاج إلى الثقة أكثر مما يحتاج إلى الغلبة.
فالدولة تستطيع أن تفرض القوانين لكنها لا تستطيع أن تفرض الثقة.
والإصلاحات الكبرى لا تقاس بعدد المهزومين فيها بل بعدد المؤمنين بها.
ولذلك يبقى السؤال الحقيقي:
هل ما زالت الدولة قادرة على بناء الثقة الضرورية لإصلاح مهنة المحاماة أم أننا دخلنا مرحلة أصبح فيها منطق المواجهة أقوى من منطق الإصلاح نفسه؟
لأن القوانين يمكن تعديلها والمواد المختلف بشأنها يمكن التوافق حولها أما الثقة إذا ضاعت فإن استعادتها تصبح أصعب بكثير من تعديل أي نص قانوني.
وذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه اليوم ليس فقط وزير العدل والمحامين بل ورش إصلاح العدالة برمته.
12/06/2026
حميد النهري: حين تبحث الأحزاب عن "السوبر ستار" بدل إنتاج القيادات
الكاتب : حميد النهري jeudi 11 juin 2026, 19:12 10473
مع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تعود إلى الواجهة ظاهرة سياسية ليست جديدة تماما داخل المشهد الحزبي المغربي، لكنها تتجدد هذه المرة بصورة أكثر وضوحا وحدّة وتتعلق بمحاولة صناعة "السوبر ستار السياسي" وتقديمه كحل جاهز لأعطاب السياسة والأحزاب والدولة.
وقد عاد هذا النقاش بقوة بعد تداول أخبار وتسريبات حول إمكانية صعود فوزي لقجع إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة ورئاسة الحكومة في سيناريو يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة عرفها الحزب نفسه حين راهن في مراحل معينة على شخصيات تكنوقراطية أو ذات صورة تدبيرية قوية كما وقع مع مصطفى الباكوري وغيره من الوجوه التي قدمت انذاك باعتبارها قادرة على قيادة مرحلة جديدة.
وبعد ذلك جاء نفي فوزي لقجع بشكل واضح للأخبار المتداولة بشأن انضمامه إلى حزب الأصالة والمعاصرة أو ترشحه باسمه في الانتخابات المقبلة مؤكدا أنه لا ينتمي حاليا إلى أي حزب سياسي.
غير أن هذا النفي لا يلغي أهمية النقاش الذي أثارته هذه الأخبار بل ربما يزيده دلالة فالمسألة لا تتعلق في النهاية بشخص الوزير فوزي لقجع ولا بصحة خبر سياسي ظرفي بقدر ما تتعلق بسرعة إنتاج "الزعيم المحتمل" داخل المخيال السياسي والإعلامي وبمدى استعداد جزء من الفاعلين الحزبيين للبحث عن شخصية قادرة على حسم التوازنات الداخلية أو تحسين المواقع الانتخابية حتى قبل أن تعلن تلك الشخصية أي موقف سياسي.
لقد أصبحنا نعيش بشكل متزايد ظاهرة صناعة "السوبر ستار السياسي"حيث يتم تحويل بعض المسؤولين أو الشخصيات العمومية إلى أبطال استثنائيين لا باعتبارهم نجحوا في قطاع معين فقط بل باعتبارهم أيضا "البديل الوحيد الممكن" أو "الرجل القادر على إنقاذ البلاد".
إنه نوع من الوهم الجماعي الذي يتم بناؤه تدريجيا عبر التسويق الإعلامي والتكرار وصناعة الصورة وتضخيم النجاح الفردي.
غير أن هذا الوهم الجماعي لا يُبنى من تلقاء نفسه بل يحتاج دائما إلى من يصنعه ويغذيه ويعيد إنتاجه يوميا. فحول كل "سوبر ستار سياسي" تنشأ تدريجيا شبكة واسعة من المؤثرين والمروجين وصناع الصورة الذين يتحول دورهم من تحليل الوقائع والسياسات إلى تسويق الأشخاص وتضخيم الإنجازات وربط كل نجاح باسم واحد.
وتساهم وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع هذه الظاهرة حيث تتحول بعض الصفحات والمنصات والحسابات إلى فضاءات للتهليل أكثر منها فضاءات للنقاش العمومي. في هذا المناخ يصبح النقد تشويشا وتصبح المساءلة استهدافا ويصبح الاختلاف حسدا أو عداء للنجاح بينما يتم التعامل مع الأسئلة المرتبطة بالكلفة أو النتائج أو البدائل باعتبارها خروجا عن الإجماع المفترض حول "البطل".
وربما يكون السؤال الأعمق الذي يطرحه صعود ظاهرة "السوبر ستار السياسي" هو: هل نحن أمام قوة جديدة للسياسة أم أمام أزمة حقيقية للوساطة السياسية؟
ففي الديمقراطيات الحديثة يفترض أن تقوم الأحزاب والنقابات وهيئات المجتمع المدني بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع وأن تؤطر المواطنين وتنتج النخب والبرامج والبدائل. لكن حين تضعف هذه المؤسسات أو تفقد جزءا من قدرتها على التأطير والإقناع يبدأ البحث عن "الرجل المنقذ" باعتباره حلا سريعا لأزمة الثقة. وهنا لا يصبح صعود السوبر ستار دليلا على قوة الحياة السياسية بقدر ما يصبح مؤشرا على ضعفها.
صحيح أن نجاحات كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة منحت صورة قوية لبعض المسؤولين المرتبطين بهذا القطاع ولا أحد يمكنه إنكار حجم الإنجازات الرياضية والتنظيمية التي تحققت لكن الإشكال لا يبدأ من الاعتراف بالنجاح بل من تحويل هذا النجاح إلى شرعية سياسية مطلقة.
فالنجاح الرياضي، مهما كان حجمه لا يمكن أن يتحول تلقائيا إلى تفويض سياسي شامل لإدارة الدولة والمجتمع.
ولعل أشهر مثال رمزي على هذا النوع من الانبهار الجماعي ما وقع في فرنسا بعد التتويج بكأس العالم سنة 1998 حين رفعت جماهير كثيرة شعار "زيدان رئيسا". كان الأمر تعبيرا عاطفيا عن الفرح الجماعي لكنه كشف كيف يمكن للنجاح الرياضي أن يتحول بسرعة إلى رأسمال سياسي ورغبة جماهيرية في صناعة "المنقذ".
غير أن الفرق في الديمقراطيات القوية هو أن النجاح لا يلغي المحاسبة. ففي ألمانيا تحول فرانز بكنباور لاعب ومدرب كرة القدم الألماني الملقب بالقيصر الذي تحول الى رمز قومي بعد نجاح مونديال 2006 بحكم توليه مسؤولية إدارة اللجنة المنظمة لبطولة كأس العالم التي أقيمت في ألمانيا لكن ذلك كله لم يمنع من فتح التحقيقات والمتابعات في حقه والمرتبطة بملف التنظيم والتمويل.
وهنا يكمن الفرق بين دولة تصنع المؤسسات ودولة تصنع الأبطال.
ويزداد هذا النقاش تعقيدا حين يتعلق الأمر بشخصيات تجمع بين الصورة الرياضية والسلطة المالية داخل الدولة كما هو الحال بالنسبة إلى فوزي لقجع باعتباره أيضا الوزير المكلف بالميزانية أي في قلب القرارات المرتبطة بالنفقات العمومية والتوازنات المالية والاختيارات الاقتصادية للدولة.
فهنا لم يعد الأمر مرتبطا فقط بصورة النجاح الرياضي أو التنظيمي بل أيضا بمنطق تدبير مالي قائم على لغة الأرقام والمؤشرات والتوازنات الكبرى.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو إلى أي حد تنعكس هذه الأرقام فعلا على الواقع الاجتماعي للمواطنين؟
لأن جزءا كبيرا من الخطاب العمومي في المغرب أصبح يقوم على الاحتفاء بالمؤشرات وارتفاع الاستثمارات والأوراش الكبرى وتنظيم التظاهرات الدولية وتحسن بعض الأرقام المالية بينما يستمر جزء واسع من المجتمع في طرح أسئلة مختلفة تماما مرتبطة بالغلاء وتدهور القدرة الشرائية والصحة والتعليم والبطالة والفوارق الاجتماعية.
وهنا تظهر مفارقة "السوبر ستار التدبيري" حيث يتم أحيانا تقديم المسؤول الناجح في لغة الأرقام باعتباره ناجحا سياسيا واجتماعيا بشكل تلقائي رغم أن المجتمع قد لا يشعر دائما بانعكاس تلك المؤشرات على حياته اليومية.
ولا شك أن النجاح في تدبير ملف معين يمنح صاحبه ما يمكن تسميته "شرعية الإنجاز" وهي شرعية تقوم على النتائج المحققة والكفاءة التدبيرية. لكن الديمقراطية لا تقوم فقط على شرعية الإنجاز بل أيضا على الشرعية السياسية التي يمنحها المواطن عبر الاختيار الحر والانتخابات والبرامج والمحاسبة.
ومن هنا تبدأ الأزمة الأعمق التي يعيشها المشهد الحزبي المغربي اليوم.
فالأحزاب لم تعد في كثير من الأحيان تشتغل على إنتاج الأفكار والمشاريع والقيادات من داخل مدارسها النضالية بل أصبحت تبحث داخل "الميركاتو السياسي" عن كائنات انتخابية جاهزة قادرة على جلب الأصوات وصناعة التوازنات الانتخابية والإعلامية.
ولهذا لم يعد غريبا أن نرى شخصيات يتم استقبالها داخل أحزاب جديدة رغم أن مواقفها السابقة كانت لسنوات في مواجهة تلك الأحزاب نفسها أو في نقد خطاباتها ومشاريعها.
والأخطر أن هذه الظاهرة تتوسع رغم أن الأحزاب السياسية تستفيد من دعم مالي عمومي يفترض فيه أن يوجه إلى التأطير والتكوين وإنتاج النخب وتقوية الديمقراطية الداخلية وإعداد البرامج والرؤى السياسية.
لكن الواقع يكشف في كثير من الأحيان أن جزءا من الأزمة مرتبط بضعف الاستثمار الحقيقي في الإنسان الحزبي وفي المدرسة النضالية مقابل تضخم منطق البحث عن "الوجه الانتخابي الجاهز" أو "السوبر ستار" القادر على صناعة الحدث الإعلامي وجلب الأصوات.
ولا يمكن عزل هذه الظاهرة عن الصراعات التي تعيشها بعض الأحزاب حول القيادة ومستقبلها السياسي. ففي كثير من الأحيان لا يكون البحث عن "السوبر ستار" تعبيرا فقط عن الرغبة في توسيع القاعدة الانتخابية بل يصبح أيضا جزءا من الصراع بين قيادات حزبية مختلفة تسعى إلى تعزيز مواقعها أو إعادة رسم موازين القوى داخل التنظيم.
وعندما تعجز المؤسسات الحزبية عن تدبير التنافس الداخلي عبر البرامج والرؤى السياسية يصبح استدعاء الأسماء اللامعة أو الشخصيات ذات الحضور الإعلامي وسيلة لحسم الصراعات أو التأثير في اتجاهاتها.
إن أخطر ما تكشفه هذه المرحلة ليس فقط صعود ظاهرة "السوبر ستار السياسي" بل أيضا ترسخ ثقافة شخصنة الإنجازات داخل الوعي السياسي والإعلامي.
ففي كل مرة يتحقق فيها نجاح في مجال معين يتم ربطه مباشرة بشخص واحد. نجاحات الأمن تتحول إلى نجاحات شخصية ونجاحات الرياضة تتحول إلى إنجازات فردية وإصلاحات العدالة أو الإدارة أو المشاريع الكبرى يتم اختزالها بدورها في أسماء بعينها.
وكأن المؤسسات لم تعد تشتغل بمنطق الدولة بل بمنطق "الرجل المعجزة".
ولعل أخطر ما يمكن أن ينتجه منطق "السوبر ستار السياسي" هو تحويل المواطن من فاعل سياسي إلى مجرد متفرج. فبدل أن يشارك في النقاش العمومي حول البرامج والسياسات والاختيارات الكبرى يصبح منشغلا بمتابعة الأشخاص وصورهم ومساراتهم الفردية.
وفي هذا السياق لا بد من التأكيد على أن جوهر هذا النقاش لا يتعلق برفض الكفاءات أو التقليل من قيمة النجاح أو الإنجاز كما لا يتعلق بمهاجمة أشخاص بعينهم.
فالمجتمعات تحتاج إلى الكفاءة وتحتاج إلى المسؤول الناجح وتحتاج إلى تثمين الإنجازات حين تتحقق.
لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى مؤسسات قوية وأحزاب حقيقية ومحاسبة ديمقراطية وتداول للنخب واحترام لذكاء المواطنين.
فالنجاح لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة والإنجاز لا ينبغي أن يتحول إلى قداسة والكفاءة لا ينبغي أن تصبح بديلا عن النقاش الديمقراطي.
فالمغرب اليوم في حاجة إلى أحزاب قوية وديمقراطية قادرة على إنتاج نخبها وبرامجها وقياداتها من داخلها لا إلى أحزاب تنتظر في كل محطة انتخابية ظهور "السوبر ستار" الجديد.
وهو في حاجة أيضا إلى مواطن مسؤول وواع ومشارك في الحياة العامة قادر على اختيار من يدبر مستقبله ومستقبل أبنائه على أساس البرامج والكفاءة والمحاسبة لا على أساس الانبهار بالأشخاص.
فالديمقراطية لا تحتاج إلى مزيد من "السوبر ستار" بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات قوية وأحزاب قوية ومواطنين أحرار.
11/06/2026
الملتقى الوطني الثالث لأساتذة المالية العامة بالمغرب المنظم من طرف الجمعية المغربية للمالية العمومية.
للمزيد من المعلومات يرجى زيارة الموقع الرسمي للملتقى
colloqueamfp.ma
30/05/2026
حميد النهري: دخول العيد إلى البرلمان.. لكن من يتحمل تكلفة الأزمات في المغرب؟
كتاب الرأي
الكاتب : حميد النهري vendredi 29 mai 2026, 17:26 13587
Anfasspress انفاس بريس
وصلت أزمة عيد الأضحى إلى البرلمان وارتفعت المطالب بفتح تحقيق حول أرقام القطيع والأسعار وواقع الأسواق. وبغض النظر عن كون الأمر تحول إلى تراشق سياسي بين الحكومة والهيئة السياسية التي أثارت الموضوع فإن مجرد وصول العيد إلى قبة البرلمان يكشف أننا لم نعد نعيش مجرد أزمة موسمية عابرة بل نعيش أزمة ثقة اجتماعية واقتصادية حقيقية.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس من أخطأ في الأرقام؟
ولا من يتحمل مسؤولية سوء التقدير؟
بل السؤال الأكثر قسوة هو ماذا سيفيد هذا التحقيق مواطنا دفع ثمن ازمة العيد مسبقا من جيبه وأعصابه وقدرته الشرائية؟
فالمواطن هو الحلقة الأضعف دائما.
هو من تحمل غلاء المحروقات وهو من أدى ثمن ارتفاع المواد الأساسية وهو من دفع كلفة التنقل في طرق مهترئة ومزدحمة ومليئة بالردارات والغرامات. وفي الأخير هو من وجد نفسه هذه السنة أمام أسعار أضاحي تحولت إلى صدمة جماعية حقيقية.
واليوم بعد انتهاء العيد لا يفكر جزء كبير من المواطنين في أجواء العيد بل في كيفية تسديد الديون واسترجاع التوازن المالي للأسرة بعد نزيف استمر أسابيع.
وفي انتظار الأزمة المقبلة يبدو أن المطلوب من المواطن أن يستمر فقط في أداء دور المتحمل الرسمي لكل اختلالات السياسات العمومية.
فنحن اليوم أمام وضعية متازمة شيئا فشيئا تحول عيد الأضحى من مناسبة دينية واجتماعية مرتبطة بالفرح والتضامن وصلة الرحم إلى موسم للقلق والتوتر والضغط النفسي والحسابات المالية المعقدة.
في كل سنة يتكرر نفس السيناريو بشكل يكاد يكون مملا نسمع تصريحات مطمئنة أرقام رسمية تؤكد وفرة القطيع خطابات تتحدث عن استقرار السوق ثم ينزل المواطن إلى الأسواق ليكتشف واقعا مختلفا تماما (أسعار ملتهبة عرض محدود احتقان وفوضى. ومشاهد توتر كأن المجتمع يستعد لعبور أزمة لا للاحتفال بعيد).
الأخطر ليس فقط الغلاء بل ذلك الانفصال المتزايد بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي.
فقبيل العيد يسمع المواطن عبر بعض المنابر الرسمية أن كل شيء تحت السيطرة وأن الأسعار مناسبة ثم ما إن يغير المحطة أو القناة حتى يستمع مباشرة إلى مواطنين يشتكون من الغلاء والعجز عن اقتناء الأضحية.
هنا تبدأ أخطر أزمة وهي أزمة فقدان الثقة لأن المواطن عندما يشعر أن ما يعيشه لا يشبه ما يسمعه تصبح الأرقام بلا معنى ويتحول الخطاب المطمئن إلى مصدر إضافي للغضب والسخرية والاحتقان.
لقد أصبح عيد الأضحى في المغرب مؤشرا سياسيا واجتماعيا حقيقيا يقيس درجة الاحتقان داخل المجتمع ودرجة تآكل القدرة الشرائية.
وفي كل سنة أيضا نعود إلى نفس الخطاب الموسمي ( نصائح حول كيفية الذبح والتخزين دعوات إلى الترشيد حملات توعية حول التنقل والسلامة الطرقية حديث عن المضاربين والشناقة والوسطاء.
ثم ينتهي الموسم كسابقيه ويبدأ الاستعداد النفسي للأزمة المقبلة.
أما النقاش الحقيقي فيتم الهروب منه دائما. لا أحد يريد أن يطرح السؤال المؤلم وهو هل نحن أمام أزمة ظرفية أم أمام نموذج اقتصادي واجتماعي وصل إلى مرحلة الإنهاك؟
سنوات طويلة من البرامج والشعارات والاستراتيجيات لم تمنع من وصول المواطن إلى وضع أصبح فيه شراء الأضحية أقرب إلى مغامرة مالية قد تربك ميزانية الأسرة لأشهر.
بل الأخطر أن المواطن أصبح يشعر بأنه المتهم الدائم في كل أزمة. فإذا ارتفعت الأسعار قيل إنه يلهث وراء المظاهر وإذا وقع الاكتظاظ قيل إنه لا يحسن الاستهلاك واذا كثرت الحوادث قيل إنه لا يحترم القانون وإذا اشتكى من الغلاء قيل له إن السلع متوفرة.
وإذا انفجر غضبه قيل إنه لا يفهم منطق السوق.
هذه السنة أضيف عنصر آخر أكثر خطورة يتمثل فتحول بعض الطبالة ومروجي الخطاب التبريري إلى محاكم اجتماعية جاهزة لإدانة المواطن بدل مساءلة أسباب الأزمة نفسها.
صحيح أن بعض السلوكيات الاجتماعية قد تساهم أحيانا في تعقيد الوضع لكن اختزال الأزمة في سلوك المواطن وحده لم يعد يقنع أحدا.
لأن تدبير الأزمات مسؤولية الدولة والسياسات العمومية لا مسؤولية المواطن وحده. ولهذا لم يعد كافيا الحديث عن تحقيقات ظرفية أو تقارير تقنية أو حتى تسقيف للأسعار رغم أهمية هذه الإجراءات.
المطلوب اليوم هو شجاعة سياسية حقيقية تبرز من خلال الإجابة على أسئلة مثل كيف نحمي القدرة الشرائية فعلا، كيف نعيد تنظيم سوق الأضاحي، كيف نعيد الثقة في الأرقام العمومية، كيف نمنع تحول الأعياد إلى مواسم للاحتقان؟
وكيف نجعل المواطن يشعر أن الدولة تتقاسم معه الأزمات بدل الاكتفاء بمطالبته بالصبر والتكيف؟
ربما آن الأوان لكي تتحول أجوبة هذه الأسئلة إلى جزء أساسي من البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات بعد كل عيد.
لأن أخطر ما يمكن أن يقع لأي مجتمع ليس فقط تكرار الأزمات بل أن يعتاد عليها وأن يصبح الغلاء عاديا والاحتقان عاديا وفقدان الثقة عاديا وأن يتحول المواطن إلى مجرد طرف يؤدي الفاتورة كل سنة بصمت.
وكأننا ذلك القطيع الذي يعبر النهر كل سنة من نفس المكان، رغم أنه يعرف مسبقا أن التماسيح تنتظره هناك.
17/05/2026
نشر موقع anfasspress وجهة نظري حول الصراع المفتعل الذي أدخل وزير العدل مهنة المحاماة في دوامة توتر غير مسبوقة.
كتاب الرأي
حميد النهري: ماذا يريد المحامي..السياسي.. الوزير عبد اللطيف وهبي من مهنة المحاماة؟
الكاتب : حميد النهري dimanche 17 mai 2026, 11:23
قد يكون هذا التفسير مبالغا فيه لكنه انتشر لأن الوزير نفسه لم ينجح في تبديده بل ساهم أحيانا بخطابه وطريقته في تغذيته.
المفارقة أن وهبي الذي كان لسنوات يقدم نفسه مدافعا عن الحريات واستقلالية المؤسسات عندما كان في المعارضة يجد نفسه اليوم متهما بمحاولة إخضاع واحدة من أكثر المهن ارتباطا بفكرة الاستقلال والحرية داخل منظومة العدالة.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الكبرى: فالوزير متعود على تغيير الخطابات والمواقف أكثر مما يغير القوانين.
إذا قارنا هذه الأزمة مع فرنسا مثلا نجد أن إريك دوبون موريتي عاش وضعا مشابها نسبيا عندما انتقل من محام صدامي إلى وزير للعدل.
لكنه رغم كل التوتر لم يصل إلى مرحلة جعلت الجسم المهني يشعر بأن الوزير يخوض معركة وجودية وشخصية ضد المهنة نفسها.
أما في المغرب فإن الخطر اليوم هو أن يتحول إصلاح المحاماة إلى معركة كسر عظام بين الدولة والجسم المهني وهو أسوأ سيناريو ممكن لأي إصلاح.
لأن العدالة لا تبنى بمنطق الغلبة السياسية ولا بمنطق تصفية الحسابات ولا بتحويل المهن القضائية إلى خصوم.
وفي النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا يريد وهبي من المحاماة؟
بل: لماذا يبدو وكأن الوزير فقد المسافة الضرورية بين رجل الدولة والمحامي والسياسي داخله؟
حميد النهري
أستاذ القانون العام بجامعة عبد المالك السعدي
رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية
11/05/2026
بين “مهندسي الانتخابات” و”الوصاية العائلية”.. هل تتجه السياسة بجهة الشمال نحو تعميق أزمة الثقة؟
شمالي
9 مايو، 2026


بقلم: حميد النهري، أستاذ جامعي
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، تعود إلى الواجهة، بجهة طنجة تطوان الحسيمة، مظاهر سياسية يعتبرها متتبعون من أبرز أسباب تراجع الثقة في العمل الحزبي والمؤسساتي، في ظل ما يوصف بعودة “مهندسي الانتخابات” وامتداد منطق “الوصاية العائلية” داخل عدد من الدوائر السياسية والانتخابية.
ورغم أن الحركية التي تعرفها الأحزاب السياسية خلال الفترات السابقة للانتخابات تبقى أمرا طبيعيا يفرضه منطق التنافس الديمقراطي، إلا أن جزءا من هذا الحراك يتحول، بحسب مراقبين، إلى صراع نفوذ وتحكم في التزكيات والخريطة الانتخابية، بشكل ينعكس سلبا على صورة السياسة وعلى ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.
ويرى الأستاذ الجامعي حميد النهري أن أخطر ما يرافق هذه المرحلة هو تنامي خطاب يوحي بأن نتائج الانتخابات ومصير بعض المدن يُحسم مسبقا داخل شبكات النفوذ والعلاقات، بدل أن يُترك لصناديق الاقتراع وإرادة الناخبين، وهو ما يساهم في تغذية الإحساس بالعزوف وفقدان الثقة في جدوى المشاركة السياسية.
وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة ما بات يعرف بـ”مهندسي الانتخابات”، وهم أشخاص يتحركون بين عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية، ويقدمون أنفسهم كوسطاء أو مؤثرين في رسم التحالفات والتحكم في الترشيحات، في صورة تضعف استقلالية القرار الحزبي وتطرح تساؤلات حول تكافؤ الفرص داخل المشهد السياسي.
كما تعود، وفق المتحدث نفسه، ظاهرة “الوصاية العائلية” لتفرض نفسها في بعض المدن، حيث يتم التعامل مع مواقع التمثيل السياسي وكأنها امتداد لنفوذ عائلي متوارث، ما يؤدي إلى تهميش الكفاءات وإعادة إنتاج نفس الوجوه، بعيدا عن منطق التنافس الديمقراطي وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويؤكد حميد النهري أن المغرب، في ظل رهانات التنمية والاستثمار وأفق 2030، بحاجة إلى مؤسسات قوية وأحزاب ذات مصداقية ونخب قادرة على التدبير والإقناع، معتبرا أن استمرار بعض الممارسات المرتبطة بالنفوذ المالي أو القرابة العائلية من شأنه أن يضعف الثقة في الحياة السياسية ويعمق الهوة بين المواطن والعمل الحزبي.
وأضاف أن دستور 2011 منح للأحزاب السياسية دورا محوريا في التأطير والتعبير عن الإرادة السياسية للمواطنين، في إطار التعددية والديمقراطية، غير أن تحقيق هذه الأهداف يظل رهينا بقدرة الأحزاب على حماية استقلالية قرارها الداخلي والقطع مع كل أشكال التحكم غير المعلن في المسار الانتخابي.
وختم الأستاذ الجامعي بالتأكيد على أن المسؤولية تبقى مشتركة بين السلطات والأحزاب السياسية والناخبين أنفسهم، داعيا إلى حماية نزاهة الانتخابات، وتعزيز تكافؤ الفرص، ورفض تحويل السياسة إلى “ميركاتو انتخابي”، لأن الخطر الحقيقي، بحسب تعبيره، لا يكمن فقط في ضعف المشاركة، بل في تحول فقدان الثقة إلى قناعة جماعية بأن التغيير لم يعد ممكنا عبر صناديق الاقتراع