24/08/2026
جاب الديب من ديلو»… حين يصبح رجل واحد هو الجواب الوحيد
في نقد منطق «السوبر ستار» في السياسة المغربية
الجزء الاول 1/2
2026-08-17
هناك عبارات ساخرة تختصر أحياناً ما تعجز عنه صفحات طويلة من التحليل السياسي. وأستعير هنا واحدة من عالم أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام: «حيجيب الديب من ديله».
وقوة العبارة ليست في «الديب» نفسه، ولا في تعيين من يُقصد به. إنها في المبالغة الساخرة في القدرة على إحضار الديب الصعب الإحضار، بل إحضاره من ذيله؛ أي في صناعة صورة من يستطيع أن يفعل الأصعب، وأكثر من الأصعب، وبطريقة بسيطة لا تخطر على البال، بمعنى أن يحقق ما يبدو مستحيلاً.
تغيّر الزمن، وتغيّر السياق، وتغيّر الأشخاص. لكن شيئاً في هذه الثقافة السياسية يبدو عصياً على التغيير: كلما ضعفت المؤسسات بحثنا عن الرجل القوي؛ وكلما عجزت الأحزاب عن إنتاج القيادة بحثت عنها خارج أسوارها؛ وكلما تعقّدت المشكلات ازداد إغراء تقديم «رجل المرحلة» باعتباره الحل الجاهز.
وهذا بالضبط ما يستحق التأمل في الظاهرة التي تشكّلت حول التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، أو التحاق الحزب بالوزير فوزي لقجع.
فالرجل كسياسي لم يخض الانتخابات بعد، ولم يقدّم للمغاربة برنامجاً وطنياً متكاملاً يطلب على أساسه أصواتهم. ومع ذلك هناك كثير من اللقجعيين من يتحدث منذ الآن عن الأغلبية، ومن يحسم في موقع الحزب المقبل، ومن يضعه في رئاسة الحكومة، ومن يعيد ترتيب الخريطة السياسية لما بعد الاقتراع.
أي أننا، مرة أخرى، أمام سيناريو نطلب فيه من سوبر ستار لا مثيل له أن «يجيب الديب من ديله».
مواطن بسيط… بعد سنة من التفاوض
وفي أول خروج حزبي له بأكادير، قال فوزي لقجع إنه التحق بحزب الأصالة والمعاصرة «مواطناً بسيطاً، بكل تواضع»، وإنه يمارس حقاً دستورياً، وإنه لم يأت بحثاً عن منصب.
وفي اللقاء نفسه، صرّح عضو المكتب السياسي المكلف بقطب التنظيم بأن هذا الالتحاق كان محل نقاش داخل قيادة الحزب منذ أكثر من سنة، وأن الاتصالات انطلقت بمبادرة من المنسقة الوطنية.
التصريحان صدرا في القاعة نفسها، وفي اليوم نفسه.
ولا أستنتج من ذلك أن أحداً كذب. فالرجل كان في موقع حكومي يبيح له عدم الإفصاح عن مفاوضاته، كما أن الحزب من حقه أن يتفاوض في السرية. لكنني أستنتج شيئاً آخر، وهو الأهم: أن مساراً سياسياً، حسب التصريح نفسه، بُني على مدى سنة كاملة، ثم عُرض على المغاربة في يوم واحد وبإخراج مركّب.
واستنتجنا منه أن الرأي العام لم يكن طرفاً في القرار، بل كان جمهوراً للعرض.
ومن جرى التفاوض بشأنه سنة على مستوى المكتب السياسي، ثم أُلحق بالمكتب يوم انضمامه إلى الحزب، لم يكن مشهد دخوله مشهد مواطن بسيط. وهذه ملاحظة على الوضع لا على الرجل.
كما أن أول ظهور حزبي رسمي لفوزي لقجع في معقل رئيس الحكومة بأكادير، ثم انتقاله إلى تيزنيت لدعم مرشحي الحزب، لم يكن محايداً. وقبل ذلك بأيام، كان رئيس الحكومة قد ردّ من الداخلة حيث رشّح حزب الأصالة والمعاصرة رئيس الجهة. الجغرافيا وحدها ترسم خريطة المعركة، ولا تحتاج إلى تصريح.
«السوبر ستار» ليس شخصاً، إنه منطق
لكن ما يقلقني ليس ما قاله لقجع. إنه ما يقوله عنه الآخرون، وخصوصاً اللقجعيين.
فالانتخابات لم تجر بعد. والمغاربة لم يصوّتوا بعد. والحملة لم تبدأ بعد. ومع ذلك تشكّل حول الرجل خطاب لا يقدّمه وافداً جديداً على العمل الحزبي، بل «رجل المرحلة»: من سيحقق الأغلبية، ومن سينظّف الحزب، ومن سيقود الحكومة المقبلة.
وهذا في الحقيقة ليس تزكية لشخص بقدر ما هو إعلان إفلاس مؤسسة.
لأن الحزب الذي يُقدَّم إليه وافد جديد باعتباره الحل الوحيد، يكون قد قيل عنه، دون أن ينتبه أحد، إنه بذاته لا يرقى إلى مستوى المنافسة السياسية، وإن سنواته وهياكله ومؤتمراته ومناضليه وبرلمانييه ووزراءه لم تُنتج قيادة من داخله، وإن الحل كان لا بد أن يأتي من الخارج.
ولا يُعالَج ضعف حزب باستيراد رجل. الحزب الذي يحتاج إلى نجم لا يحتاج إلى نجم؛ يحتاج إلى مؤتمر حقيقي، وإلى ديمقراطية داخلية، وإلى تأطير، وإلى سنوات من إنتاج الكوادر. لكن هذه أشياء بطيئة ومكلفة وغير قابلة للتصوير. أما الاسم الجاهز فيُختصر في صورة واحدة.
بل إن أخطر ما يمكن أن يقال عن سياسي هو أنه لا بديل عنه. لأن الديمقراطية كلها قائمة على وجود بديل. فحين يصبح رجل واحد هو الجواب الوحيد، لا نكون قد وجدنا الحل؛ نكون قد ألغينا السؤال.
وقد عرف المغرب هذا المنطق أكثر من مرة، بأسماء مختلفة وفي أحزاب مختلفة. تظهر الشخصية القوية، فيلتف حولها الجميع، وتكبر المؤسسة من حولها، ثم يرحل الرجل أو يضعف، فتبدأ الهجرة في الاتجاه المعاكس، ثم ننتظر الرجل القوي التالي. وفي كل دورة نسمي الأمر تجديداً، وهو في الحقيقة إعادة إنتاج.
حين يُطلب منّا أن نصدّق الرواية مرتين
قبل شهور، كان الجواب واضحاً: صرّح لقجع أنه لا ينتمي إلى أي حزب.
واليوم، بعد مدة قليلة، أصبح الرجل عضواً في حزب وعضواً في مكتبه السياسي، يوزّع الأدوار ويوجّه الدفة. وفي اليوم نفسه، يخبرنا قيادي في الحزب أن النقاش حول هذا الالتحاق دام أكثر من سنة.
بل أكثر من ذلك، صرّح لقجع أيضاً أنه لم يأت بحثاً عن منصب. لكن في المقابل، يتكفّل اللقجعيون بالحديث عنه لا باعتباره مرشحاً محتملاً لرئاسة الحكومة، بل باعتباره الخيار الوحيد.
ولستُ أناقش نيّة أحد؛ فالنوايا لا سبيل إلى إثباتها، ولا شأن للتحليل السياسي بها. بل أناقش شيئاً آخر تماماً: ما الذي يُطلب منّا أن نصدّقه في كل مرحلة؟
فالمشكلة ليست أن يغيّر سياسي موقفه؛ هذا يقع في كل الديمقراطيات، ولا عيب فيه، بل قد يكون علامة نضج. المشكلة أن يُطلب منّا، في كل محطة، أن نتعامل مع الرواية الجديدة وكأن ما قبلها لم يكن، وأن نبدأ من الصفر كلما تغيّر المشهد.
وحين تُدار عملية سياسية على هذا النحو، فإنها لا تمسّ الديمقراطية وحدها.
بل تمسّ المنافسين، إذ يُطلب منهم أن يخوضوا سباقاً أُعلنت نتيجته قبل انطلاقه.
وتمسّ الأحزاب، إذ يُطلب منها أن تكون مؤسسات بينما يُدار المشهد بمنطق الأسماء.
وتمسّ المواطن قبل الجميع، لأنها تفترض فيه قصر الذاكرة: أن ينسى ما قيل له قبل أشهر، وأن يتلقى كل رواية جديدة باعتبارها الرواية الأولى.
وما هكذا تُدار السياسة.
التعيين لا يُصوَّت عليه
وهنا سؤال لا ينبغي الهروب منه: هل تكفي شرعية الإنجاز لصناعة الشرعية السياسية؟ الجواب الواضح: لا.
فالمسؤولية العمومية شرف وأمانة، والثقة التي تُمنح لمسؤول في مؤسسات الدولة لها قيمتها ومعناها. لكنها من طبيعة مختلفة تماماً عن الشرعية التي يمنحها الاقتراع. الأولى تفويض للتدبير، والثانية تفويض للاختيار. الأولى تُقيَّم بالنتيجة، والثانية تُقيَّم بالبرنامج ثم بالمحاسبة.
ولذلك، منذ اللحظة التي يدخل فيها مسؤول ناجح إلى الحلبة الحزبية، تبدأ مباراة أخرى بقواعد أخرى.
لا يعود السؤال: ما المسؤوليات التي تحمّلها؟ بل: ماذا يقترح على المغاربة حتى ينتخبوه؟
ولا يعود السؤال: ماذا أنجز في الميزانية أو في المجال الرياضي؟ بل: ما اختياراته الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف يريد توزيع كلفة الإصلاح وثماره؟ وما تصوره للعدالة الاجتماعية والمجالية؟ وبأي موارد؟
والسمعة والشعبية والخبرة أشياء ثمينة. لكن لا واحدة منها تمنح أصوات المواطنين بالنيابة عنهم.
وصندوق الاقتراع ليس حفل تكريم لمسار مهني ناجح.
من يُعدّ الميزانية يتحمّل أثرها
وثمة سؤال لا يمكن لأي نقاش جدي أن يتجاوزه، وهو أقرب إلى مجالي.
فالرجل ليس وافداً جديداً على تدبير الشأن العام. إنه وزير منتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلف بالميزانية منذ سنوات. وهذا الموقع، في أدبيات المالية العمومية، من أكثر المواقع الحكومية أثراً على الإطلاق: فالتنمية تحتاج إلى تمويل، ومن يمسك بالتمويل يمسك بشروط ما يمكن إنجازه وما لا يمكن.
ولنكن دقيقين في التوصيف المؤسساتي. رئيس الحكومة مسؤول عن البرنامج الحكومي الذي يعرضه أمام البرلمان عند تنصيبه. لكن التنزيل الفعلي لهذا البرنامج لا يتم بالتصريح، وإنما بقانون المالية السنوي: إعداداً، ودفاعاً عنه أمام غرفتي البرلمان، وتنفيذاً. ومن يتولى ذلك مباشرة هو الوزير المكلف بالميزانية.
أي أن الاختيارات الكبرى لهذه الولاية — ما مُوّل وما أُجّل، وأين وُجّه الاستثمار العمومي، ومن استفاد من النفقات الجبائية، وكيف وُزّعت الأعباء بين الفئات والمجالات — مرّت كلها عبر هذا الموقع.
ولذلك فإن مساءلة أعضاء الحكومة أمام الناخبين لا تستثنيه، بل تضعه بحكم موقعه في الصف الأول إلى جانب رئيس الحكومة.
ولا تُقاس الحصيلة بالأرقام والمؤشرات وحدها. تُقاس بأثرها على المواطن: على القدرة الشرائية، وعلى العدالة المجالية، وعلى ما وصل فعلاً إلى الجهات والأقاليم والدواوير التي أعلن استعداده للنزول إليها.
ولستُ أنكر ما أُنجز. فقد راكم المغرب في هذه الولاية أوراشاً كبرى ومنشآت يفتخر بها المغاربة، ولا إنصاف في تجاهلها. لكن الإنصاف نفسه يقتضي أن يُقال إن لدينا ملاعب حديثة لا تغرق، بينما تغرق أحياء ومدن عند كل موسم أمطار. وبين الأمرين سؤال في أولويات الاستثمار العمومي، لا في نية أحد.
وهذا هو معنى المحاسبة في الديمقراطية: لا نفي للإنجاز، ولا تبرير للإخفاق، بل ميزان واحد يُطبَّق على الحصيلة كاملة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي أسبق مما يُطرح اليوم. فقبل أن نسأل: هل سيجيب الديب من ديلو؟ ينبغي أن نسأل: هل جابه خلال الولاية الحالية؟
والجواب لا يوجد في خطاب أكادير. يوجد في قوانين المالية الأخيرة، وفي تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وفي أرقام التنفيذ.
«المعقول» جميل… لكن أين البرنامج؟
تحدث لقجع في أول خروج حزبي رسمي له بأكادير عن القدرة الشرائية، وعن الصحة والتعليم والإدماج الاقتصادي، وعن دور الجماعات الترابية ومحاربة السكن غير اللائق، وعن النزول إلى الأقاليم والدواوير والإنصات إلى الشباب، وعن حزب يُعدّ برنامجاً واقعياً بحلول ملموسة.
كلام لا يمكن الاختلاف حوله. وهذه بالضبط مشكلته.
فالجميع يريد قدرة شرائية أفضل، وتعليماً يُنتج الكفاءة، وصحة تحفظ الكرامة. لم يقل حزب واحد يوماً إنه ضد ذلك. السياسة لا تبدأ عند الاتفاق على الأهداف؛ تبدأ عند الاختلاف حول الطريق إليها، وحول من يؤدي كلفتها.
وقد قدّم لقجع نفسه، في أكادير، المعيار الذي يسمح بمساءلته: أن نعلن عما نستطيع فعله وعما لا نستطيع.
فلنأخذ المبدأ على محمل الجد، ولنطبّقه على مجاله هو.
ما الهامش المالي المتاح فعلاً للوفاء بما سيُعلَن، في ظل مستوى المديونية وكلفة تعميم الحماية الاجتماعية والاستثمارات المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى المقبلة؟ ومن سيؤدي كلفة ما سيُعلَن؟ وما مصير النفقات الجبائية التي تكلف الميزانية عشرات المليارات سنوياً ويستفيد منها قطاعات بعينها؟
هذه ليست أسئلة تعجيزية. إنها الأسئلة العادية التي تُطرح على كل من يريد تدبير المال العام. ومن يعلن مبدأ الصدق في الالتزام هو أول المطالبين بالإجابة عنها بالأرقام الواقعية لا بالنوايا.
وحتى تُقدَّم هذه الأجوبة، يبقى ما سمعناه في أكادير خطاب حسن نية، لا برنامجاً سياسياً.
التصفيق المسبق ليس تكريماً
وهنا نعود إلى العبارة التي بدأنا منها، في صيغتها المغربية هذه المرة: «غيجيب الديب من ديلو».
فكلما ارتفع صوت القائلين إن الرجل جاء ليكتسح وينظّف ويغيّر ولن يرحم، ارتفعت في المقابل كلفة وجوده السياسي.
لأنك حين تقدّم شخصاً قبل الانتخابات باعتباره من سيغيّر كل شيء، فأنت لا تمنحه القوة وحدها؛ أنت ترسم على ظهره الهدف الذي ستتجه إليه سهام الخصوم جميعاً. وقوته التي يُراهن عليها داخل حزبه قد تصبح، في اللحظة نفسها، أهم عامل تعبئة ضده خارجه، والقضية التي يتوحد حولها منافسوه بعد أن كانوا متفرقين.
وقد يكون بعض اللقجعيين المتحمسين له أخطر عليه من خصومه.
فالرجل لم يقدّم بعد برنامجاً وطنياً باسمه، ولم يخض انتخابات، ولم يختبر داخل تنظيم حزبي، ولم يدبّر خلافاً داخلياً كبيراً. ومع ذلك حُسم في شأنه كل شيء سلفاً: جاء الذي سيطهّر، وجاء الذي لن يرحم، وجاء رئيس الحكومة المقبل.
وإذا كان الحكم المسبق على الرجل غير منصف، فإن التصفيق المسبق له لا يقل ظلماً. لأن كليهما يحكم عليه قبل أن يُختبر. والتصفيق المسبق ليس تكريماً؛ إنه رهن على مستقبل لم يبدأ.
وفي هذا الإطار، برز هذا الأسبوع اعتراض من زاوية مختلفة تماماً. فقد اعتبر الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في لقاء نُشرت وقائعه، أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش والوزير المكلف بالميزانية فوزي لقجع «وجهان لعملة واحدة»، لأنهما يشتركان في منطق تدبيري واحد قوامه الأرقام والميزانية على حساب البعد الاجتماعي، ولأن الثاني يُكمل، من موقعه، التوجه الذي يسير فيه الأول؛ محذراً مما سماه وهم اختزال المعركة الانتخابية في قطبين متطابقين في اختياراتهما الكبرى.
والملاحظة تستحق التوقف، لأنها تضيف بعداً لا يوجد في نقدنا. فنحن ننتقد شكل التنافس؛ وهذا التصريح ينتقد مضمونه. ومعاً يُنتجان سؤالاً مهماً: إذا كان الرابح معروفاً سلفاً، وكان منافسه الأول يحمل، حسب هذا الرأي، الاختيارات الاقتصادية نفسها، فما الذي يُعرض على الناخب أصلاً؟
لكن المعيار يُطبَّق على الجميع، وإلا لم يعد معياراً. فحين يقال إن القطبين وجهان لعملة واحدة، يصبح ضرورياً تقديم العملة الثالثة: بأي نخب؟ وبأي تنظيم؟ وبأي قدرة على إنتاج قيادة من الداخل؟ فسؤال إنتاج القيادة الذي نطرحه اليوم على حزب بعينه يُطرح، بالحدة نفسها، على كل حزب مغربي دون استثناء واحد.
دعوا المغاربة يصوّتون أولاً
لا اعتراض على دخول فوزي لقجع إلى السياسة. ولا على ترشحه. ولا حتى على طموحه إلى رئاسة الحكومة إن قالت صناديق الاقتراع كلمتها والمؤسسات الدستورية كلمتها.
الاعتراض على شيء واحد فقط: أن تُصنع الشرعية قبل المرور عبر الناخب.
فالمشكلة لم تعد أن حزب الأصالة والمعاصرة استقطب فوزي لقجع. المشكلة أن جزءاً من المشهد بدأ يتصرف كما لو أن فوزي لقجع استقطب الحزب، واستقطب معه المنتخبين والأعيان والمحللين، وربما استقطب مستقبلاً سياسياً لم يصنعه الناخبون بعد.
وصرنا أمام مشهد غريب: الرجل يقول إنه لا يبحث عن منصب، بينما هناك من يبحث له عن المنصب. ولم يقدّم برنامجاً بعد، بينما هناك من سلّمه المرحلة كلها.
ولذلك لم يعد السؤال يخصّه وحده. إنه يخصّنا جميعاً:
لماذا نبحث في كل مرة عن الرجل الذي سينقذ السياسة، بدل أن نبني السياسة التي لا تحتاج إلى منقذ؟
الديمقراطية القوية لا تُقاس بقدرتها على العثور على نجم قبل الانتخابات. تُقاس بقدرتها على إنتاج عشرات القيادات، والسماح بمنافسة حقيقية بينها، وترك الكلمة الأخيرة للمواطن.
ولذلك ينبغي أن نقلب السؤال في النهاية: لماذا نطالب رجلاً واحداً بأن «يجيب الديب من ديله»، بينما المطلوب منه في الديمقراطية أبسط من ذلك بكثير، وأصعب منه في الوقت نفسه: أن يقدّم برنامجه، وأن يقنع المواطنين، ثم أن ينتظر أصواتهم؟
وحتى ذلك الحين، يبقى ما ينبغي أن يُقال للجميع بسيطاً:
تمهّلوا قليلاً… المغاربة لم يصوّتوا بعد.
د. حميد النهري
أستاذ المالية العامة بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية
24/08/2026
بأي صفة سنحاسبه؟
حين ينتقل الوزير من صفة التكنوقراطي وتدبير المال العام إلى صفة السياسي وصندوق الاقتراع
الجزء الثاني
كتبتُ في مقال سابق أن السؤال ينبغي أن يسبق الوعد: فقبل أن يقال لنا عن الوزير فوزي لقجع «غيجيب الديب من ديلو»، ينبغي أن نسأل أولاً: «واش جاب الديب من ديلو؟»
وقد تركتُ السؤال آنذاك مفتوحاً. وأطرحه اليوم كاملاً، لأنه مع اقتراب الحملة الانتخابية لم يعد سؤالاً نظرياً.
غير أنني اكتشفتُ، وأنا أحاول الإجابة عنه، أن الصعوبة ليست في الجواب. إنها في الصفة.
فبأي صفة، بالضبط، سنحاسب مسؤولاً تولّى تدبير الميزانية سنوات وهو خارج كل انتماء حزبي، ثم انتقل إلى حزب سيطلب باسمه أصواتنا على حصيلة تكوّنت قبل انتمائه إليه؟
وقبل محاولة الجواب، لا بد من توضيح عدد من النقاط من الناحية القانونية والسياسية. فسؤال المحاسبة هنا لا يُفهم إلا بفهم طبيعة الموقع الذي شغله الرجل سنوات، ووزنه الحقيقي داخل الجهاز التنفيذي.
الحقيبة المالية في هرم الدولة
في الأدبيات المالية والسياسية المقارنة، لا تُعامَل الحقيبة المالية باعتبارها حقيبة قطاعية كباقي الحقائب. إنها تُصنَّف، في أغلب الديمقراطيات الراسخة، ضمن المواقع السيادية الأولى في هرم الدولة.
ففي المملكة المتحدة، يُنظر إلى وزير الخزانة باعتباره ثاني أهم موقع تنفيذي بعد رئيس الوزراء مباشرة، لأنه المسؤول عن الاستقرار الاقتصادي والمالي للبلاد. وفي فرنسا، يُعدّ وزير الاقتصاد والمالية من أبرز الشخصيات في الجهاز التنفيذي، بحكم إمساكه بعصب الدولة. وفي الولايات المتحدة، يُعتبر وزير الخزانة المستشار الأول للرئيس في السياسات الاقتصادية والمالية والضريبية، داخلياً ودولياً.
والقاسم المشترك بين هذه التجارب واحد: حيثما وُجدت دولة حديثة، وُجد صاحب الحقيبة المالية في الصف الأول، لا لأنه يوزّع المال، بل لأنه يحدّد ما يمكن فعله وما لا يمكن.
وقد يقال إن المقاربة الأمنية هي التي تصنع تراتبية الوزارات، فتضع الداخلية في المقدمة. لكن حين تصبح التنمية هي عنوان المرحلة، ينتقل مركز الثقل الى المالية : إذ لا معنى لبرنامج تنموي دون تمويل، ولا معنى لتمويل دون من يقرّر توقيته وحجمه ووجهته.
الفجوة بين الرتبة والوزن
وحين ننتقل إلى الحالة المغربية، نصادف مفارقة تستحق التوقف. فالمسؤول عن الميزانية لا يحمل صفة وزير كامل، وإنما صفة وزير منتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلف بالميزانية. أي أن موقعه في الترتيب الرسمي اقل من نظرائه في التجارب المقارنة.
لكن وزنه الفعلي في صناعة القرار العمومي ببلادنا يفوق بكثير ما توحي به رتبته البروتوكولية.
ولا مفارقة في ذلك عند التدقيق. فمركز الثقل في هذه الحقيبة ليس في اللقب، بل في الوظيفة: من يُعدّ مشروع قانون المالية، ويتفاوض بشأنه مع القطاعات، ويدافع عنه أمام غرفتي البرلمان، ويشرف على تنفيذه، يوجد في قلب صناعة القرار مهما كانت صفته في المرسوم.
وقد عزّز الإصلاح المالي هذا الوزن. فالقانون التنظيمي لقانون المالية أرسى منطق البرمجة متعددة السنوات، والنجاعة، وربط المسؤولية بالنتائج، ونقل الميزانية من منطق وسائل إلى منطق أهداف ومؤشرات. وكل ذلك وسّع عملياً دور الجهة الممسكة بالميزانية في تحكيم الأولويات بين القطاعات، لا في تسجيل أرقامها فحسب.
ولأكن دقيقاً: لا أقول إن الميزانية هي مركز القرار الاستراتيجي في المغرب. فالتوجهات الكبرى تُرسم في مستويات أخرى. ما أقوله شيء أضيق وأمتن: إنها موقع التنزيل. فما يُموَّل يقع، وما لا يُموَّل يبقى نية معلنة في وثيقة.
وهذه الفجوة بين الرتبة الشكلية والوزن الفعلي هي بالضبط ما يجعل سؤال المحاسبة صعباً. لأن من يُحاسَب عادةً هو صاحب الرتبة، بينما من يقرّر فعلاً قد يوجد في مكان آخر من الخريطة.
قانون المالية هو الترجمة الفعلية للبرنامج الحكومي
ولنكن دقيقين في التوصيف المؤسساتي. فرئيس الحكومة مسؤول عن البرنامج الحكومي الذي يعرضه أمام البرلمان عند تنصيبه. لكن ذلك البرنامج يظل، في ذاته، وثيقة نوايا. أما اللحظة التي نعرف فيها ماذا اختارت الحكومة فعلاً فهي قانون المالية السنوي.
فالبرنامج يخبرنا بما تريد الحكومة أن تفعله؛ وقانون المالية يخبرنا بما قرّرت أن تموّله. وبين الاثنين تقع السياسة كلها.
والميزانية ليست وثيقة تقنية عن المداخيل والنفقات والعجز والمديونية. إنها الترجمة المالية للاختيارات: ما مُوّل وما أُجّل، وأين وُجّه الاستثمار العمومي، ومن استفاد من الامتيازات الجبائية، وكيف وُزّعت الأعباء بين الفئات والجهات.
سوابق تُذكّرنا بثقل الحقيبة
وليست هذه ملاحظة نظرية فتاريخ ما بعد دستور 2011 مليء بما يؤكدها. وهنا لا بد من التذكير بالعلاقة المعقدة بين رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران ووزير الاقتصاد والمالية صلاح الدين مزوار، وكيف كان الامر يبدو أحياناً أننا أمام مركزين للقرار داخل حكومة واحدة.
ونتذكر ملف صندوق تنمية العالم القروي سنة 2015، حين نصّت المادة 30 من مشروع قانون المالية على أن يكون وزير الفلاحة هو الآمر بالصرف في حساب رُصدت له اعتمادات ناهزت خمسين مليار درهم. وقد تحرّك فريق العدالة والتنمية في البرلمان لسحب المقتضى، فيما رفض وزير الفلاحة عزيز أخنوش ما اعتُبر تشكيكاً في تدبيره ولوّح بالاستقالة. أما بنكيران فقد اعتبر، فيما صرّح به آنذاك، أن وزير المالية محمد بوسعيد ورئيس حزبه في التجمع الوطني للأحرار أدرجا المقتضى دون أن ينتبه إليه.
وأياً كانت قراءة كل طرف لتلك الواقعة، فإن دلالتها واحدة: الصراع لم يكن على نص تقني، بل على من يمسك فعلياً بمفاتيح خمسين مليار درهم. ونتذكر كذلك مرحلة سعد الدين العثماني ومحمد بنشعبون، وما أظهرته من الثقل المتزايد للمالية في تحديد حدود الممكن الحكومي.
الخلاصة أن وزراء المالية والميزانية، وإن لم يكونوا رؤساء حكومات، كانوا دائماً من أكثر أعضائها تأثيراً فيما يقع فعلاً.
واليوم نحن امام واقعة الصندوق نفسه...
والمفارقة أن نفس الحساب 2015 عاد إلى قلب المشهد. فقد أحدث قانون المالية لسنة 2026 «صندوق التنمية الترابية المندمجة» ليحل محل «صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية»، مع رصد اعتمادات أداء تبلغ خمسة ملايير درهم برسم السنة الجارية، وترخيص بالالتزام المسبق بمبلغ خمسة عشر مليار درهم على حساب اعتمادات 2027. وهو الوعاء المالي للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تبلغ برمجتها الإجمالية نحو 210 مليارات درهم.
وأثناء مناقشة قانون المالية في نونبر الماضي، ظل الخلاف قائماً حول الإشراف على هذا الصندوق بين حزب الأصالة والمعاصرة المتشبث بتعديل صيغة الإشراف، والتجمع الوطني للأحرار الرافض لأي مساس بإشراف وزارة الفلاحة عليه، رغم محاولات وساطة جمعت رؤساء فرق الأغلبية والوزير المنتدب المكلف بالميزانية.
ثم أخيرا حُسمت المسألة. فبموجب المرسوم رقم 2.26.634 الصادر في 3 غشت 2026 والمنشور بالجريدة الرسمية، عُيّن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية آمراً بقبض موارد هذا الحساب الخصوصي وصرف نفقاته، بصفة انتقالية، مع إمكانية الاستعانة بالولاة والعمال ورؤساء المصالح المركزية واللاممركزة.
وتلته قرارات صادرة في 5 غشت ومنشورة بالجريدة الرسمية كذلك، عيّنت الولاة والعمال آمرين مساعدين بالصرف في حدود الاعتمادات المفوضة إليهم، وفوّضت لهم الإمضاء والمصادقة على صفقات الأشغال والتوريدات والخدمات والاتفاقيات المبرمة في هذا الإطار، وفسخها، على أن يستمر العمل بها إلى غاية 31 دجنبر 2026.
وهنا تكتمل صورة اقتسام الوظيفة: وزارة الداخلية أمسكت بالهندسة الترابية لإعداد البرامج عبر الولاة والعمال، بينما أمسكت وزارة الميزانية بالمفتاح المالي الذي يسمح بتمويلها. فلا نحن أمام تراجع لمقاربة لصالح أخرى، ولا أمام مركز قرار واحد، بل أمام توزيع دقيق للأدوار بين من يُعدّ ومن يصرف.
وبذلك يكتمل القوس على نحو لافت: صندوق ظل موضوع نزاع بين مكوّني الأغلبية، وحزب كان يطالب بتعديل صيغة الإشراف عليه، ووزير كان طرفاً في الوساطة بين الطرفين، يجد نفسه اليوم عضواً في ذلك الحزب وآمراً بالصرف في ذلك الصندوق.
ولستُ هنا لألمح إلى أي توظيف انتخابي لهذه الاعتمادات؛ فذلك اتهام يحتاج إلى إثبات لا أملكه ولا يقدمه أحد، والصندوق نفسه استجابة لحاجة تنموية حقيقية في المجالات القروية والجبلية.
لكن الحكامة تبدأ تحديداً بطرح السؤال قبل ظهور المشكلة لا بعدها: ما ضمانات الفصل حين يجتمع في يد واحدة، وعلى بعد أسابيع من الاقتراع، إعدادُ الميزانية، والأمرُ بالصرف في صندوق للتنمية الترابية بهذا الحجم، ومسؤولياتٌ مرتبطة بأوراش الاستحقاقات الرياضية الكبرى، وموقعٌ في المكتب السياسي لحزب يُتوقع له التصدر؟
والسؤال يُطرح على أي شخص يوجد في هذا الموقع، أياً كان اسمه وانتماؤه. وهذا بالضبط ما يجعله سؤالاً مؤسساتياً لا سؤالاً شخصياً.
وقد انتقل النقاش فعلاً إلى البرلمان. فقد طُرح على الحكومة سؤال حول موقع المؤسسات المنتخبة في هذا المسار: أي دور يبقى للجهات والجماعات والمجالس المنتخبة في تحديد حاجيات مناطقها وترتيب أولوياتها، إذا كانت القرارات المتعلقة بالمشاريع والاعتمادات تُتخذ مركزياً؟ مع التصريح بأن الإشكال ليس في تولي وزير الميزانية مهمة الآمر بالصرف في حد ذاته.
وهذه ملاحظة تستحق أن تُضاف إلى ملاحظتنا لا أن تحل محلها. فنحن أمام سؤالين متمايزين: سؤال الفصل بين الوظائف في شخص واحد، وسؤال العلاقة بين المركز والمجال. وكلاهما يصبّ في مصبّ واحد: أين تُتخذ القرارات التنموية فعلاً، ومن يُسأل عنها أمام المواطن؟
الجديد ليس في الجمع، بل في الترتيب
وقد يقال: وأين الجديد؟ فقد سبق أن جمع مسؤول بين حقيبة المالية وقيادة حزب وخاض الانتخابات؛ وصلاح الدين مزوار مثال قريب. والملاحظة صحيحة، لكنها تخطئ موضع الجديد.
فمزوار كان رجل حزب تولّى الحقيبة. أما ما نعيشه اليوم فمسؤول دخل الحقيبة من خارج كل انتماء حزبي، وراكم فيها حصيلة سنوات، ثم انتقل إلى حزب بعد أن اكتملت تلك الحصيلة تقريباً.
الجديد إذن ليس في الجمع بين الموقعين، وإنما في ترتيبهما الزمني. وهذا الترتيب بالذات هو ما يجعل سؤال المحاسبة معقداً.
بأي صفة سنحاسبه؟
فإذا طلب فوزي لقجع غداً أصوات المغاربة، فبأي صفة نحاسبه على السنوات التي سبقت التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة؟
هل نحاسبه باعتباره وزيراً منتدباً مكلفاً بالميزانية؟ أم باعتباره عضواً في حكومة يقودها حزب آخر؟ أم باعتباره تكنوقراطياً كان ينفّذ سياسة حكومية لا يملك وحده تقريرها؟ أم باعتباره قيادياً في حزب لم يكن منتمياً إليه حين تكوّنت الحصيلة التي سيُسأل عنها؟
وهنا يصبح شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة أعقد مما يبدو. فإذا كانت الحصيلة جيدة، من يملكها انتخابياً؟ الحكومة في مجموعها؟ أم الحزب الذي يقودها؟ أم الحزب الذي التحق به الوزير؟ أم الرجل شخصياً؟
وإذا كانت فيها إخفاقات، من يتحملها؟ هل يستطيع الحزب الجديد أن يقول إنها حصيلة حكومة يقودها حزب آخر؟ وهل يستطيع الوزير أن يقول إنه كان ينفّذ سياسة الحكومة؟ وهل يستطيع رئيس الحكومة أن يقول إنها كانت اختيارات وزير الميزانية؟
ثلاثة أجوبة ممكنة، وكل واحد منها يعفي صاحبه. وحين تتوفر لكل طرف حجة تُخرجه من المسؤولية، لا تعود المحاسبة ممكنة أصلاً.
وهذه ليست مسألة إجرائية. إنها تمسّ جوهر ما تعنيه الانتخابات. فالاقتراع ليس اختياراً للمستقبل فحسب؛ إنه أيضاً حكم على الماضي. وحين تصبح نسبة الماضي إلى صاحبه مستحيلة، يفقد نصف الاقتراع معناه.
وعلى ماذا سيصوّت الناخب؟
ثم يأتي السؤال الأكثر إحراجاً الجواب من الناحية النظرية بسيط: سيصوّت الناخب على مرشح وعلى برنامج حزب الأصالة والمعاصرة. لكن هل هذا فعلاً ما يجري بناؤه أمامنا؟
يصعب الاقتناع بذلك ونحن نرى كيف انتقل النقاش، في زمن قياسي، من برنامج الحزب إلى ما سيأتي به الوزير، ومن مشروع المؤسسة إلى شخصية الوافد، ومن سؤال الانتخابات إلى سؤال رئاسة الحكومة.
وهنا يوجد قلب الإشكال. فإذا وضع الحزب برنامجه ثم التزم به الوافد الجديد، فنحن أمام منطق حزبي سليم: مؤسسة لها مشروع، التحق بها رجل قوي. أما إذا أدّى دخوله عملياً إلى إعادة صياغة البرنامج حول رؤيته واختياراته، فنحن أمام شيء آخر تماماً: حزب صار ينتظر برنامجه من الوافد.
وفي الحالة الثانية، لن يعرف الناخب على ماذا صوّت إلا بعد أن يصوّت.
حين يتحوّل النقد إلى تهمة
ولعل أكثر ما يستحق التوقف في هذه المرحلة هو طريقة التعامل مع نقد لهذا الواقع فبدلاً من مناقشة الفكرة، صار جزء من الخطاب المحيط بالوزير أي (اللقجعيين) يناقش صاحبها: لماذا ينتقد؟ وماذا يريد؟ وهل يبحث عن موقع؟
وهكذا يتحول النقد السياسي نفسه إلى دليل على الرغبة في القرب من موضوع النقد. وهذا منطق يجعل الشخصية غير قابلة للنقد عملياً: من يصفّق مقتنع، ومن ينتقد يبحث عن مكان. أما الأفكار فتختفي بين الاثنين.
وقد قال الوزيرفي اول خروج سياسي له إنه لا يريد استهلاك وقته في الرد على كل ما يقال، وإن هناك كلاماً لا يستحق الرد. ومن حق أي مسؤول أن يترفع عن الإشاعات والإساءات.
لكن ليس كل نقد إشاعة لان هناك أحزاب منافسة، ومعارضة، وأحزاب داخل الأغلبية نفسها، وباحثون وصحافيون ومواطنون يطرحون أسئلة مشروعة. وهنا يظهر فرق جوهري بين الموقعين: التكنوقراطي يستطيع أن يختار ألا يجيب عن السجال السياسي، لأن شرعيته لا تأتي منه. أما السياسي فلا يملك هذا الامتياز، لأن شرعيته تأتي من الجواب نفسه.
فحين ينتقد حزب منافس اختياراتك الاقتصادية، عليك أن تجيبه اقتصادياً. وحين يسائلك خصم عن حصيلتك في الميزانية، عليك أن تجيبه سياسياً. وحين يسألك مواطن عن قدرته الشرائية، لا يكفي أن يُقال عنه إنه يبحث عن موقع.
المحاسبة هي ما يصنع السياسي
لذلك ينبغي أن نقلب الحكاية. قبل أن يقال لنا ماذا سيأتي به غداً، نريد أن نعرف: ماذا جاء به إلى اليوم؟ وبأي كلفة؟ وبأي أثر على المواطن؟ وما الذي يعتبره نجاحاً؟ وما الذي يقرّ بأنه لم ينجح فيه؟ وما الذي سيفعله بطريقة مختلفة؟
ولا أدعو هنا إلى معركة أرقام؛ فتلك أسهل المعارك وأقلها جدوى. يستطيع أنصار كل تجربة أن يستخرجوا عشرات المؤشرات الإيجابية، ويستطيع خصومها أن يضعوا أمامها عشرات المؤشرات المقابلة، ثم ينتهي النقاش إلى مباراة بين رقم ورقم.
السؤال الذي يعنيني سياسي لا محاسباتي: ما كلفة الاختيارات التي اتُّخذت؟ ومن استفاد منها؟ ومن تحمّل كلفتها؟ وماذا تغيّر فعلاً في حياة المواطن وفي العدالة بين الجهات؟
ثم، وهذا هو الأهم باسم من سيطلب منّا أن نحاسبه؟ هذه ليست أسئلة ضد الوزير إنها الأسئلة التي تصنع منه سياسياً. لان السياسة تبدأ تحديداً حين يتوقف الناس عن التصفيق لك بسبب ما يعتقدون أنك قادر عليه، ويطلبون منك أن تقول ماذا فعلت، وماذا ستفعل، وبأي وسائل، ثم يمنحون أنفسهم الحق في أن يقولوا لك: نعم أو لا.
أما أن يُعلن أولاً أن الرجل هو الحل، ثم يُصنع حوله طابور، ثم يُعاد ترتيب الحزب، ثم يُكتب سيناريو رئاسة الحكومة، ثم نذهب أخيراً إلى الانتخابات، فذلك ترتيب مقلوب لكل شيء.
وعندها يعود السؤال الذي بدأتُ منه، بصيغة أكثر إزعاجاً:
إذا كان «الديب» قد أتم ُحضاره قبل الاقتراع، فما الذي بقي للمغاربة أن يقرروه يوم التصويت؟
د. حميد النهري
أستاذ المالية العامة بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي — رئيس الجمعية المغربية للمالية العمومية
22/08/2026
بعد نشر قانون المحاماة… ما العمل؟
الجزء الثاني : في المكسب الحقيقي والمعركة المقبلة
د. حميد النهري
أستاذ التعليم العالي – جامعة عبد المالك السعدي بطنجة
في الجزء الأول من هذا المقال حاولتُ أن أبيّن كيف تحوّل قانون المحاماة إلى مرآة كشفت أعطاباً في العلاقة بين مؤسساتنا الدستورية: منطق شخصنة يُفرغ المؤسسة من استقلالها الرمزي فيجعل نقدها نقداً لأشخاص، وتحفظاً على وظيفة الرقابة، وتشريعاً يُحسم بالعدد بدل التوافق، وإحالة على القضاء الدستوري لا تكتمل، ثم قانوناً نافذاً لا يمكن مساءلة دستوريته نحو سنتين.
وخلصتُ إلى أن السؤال الذي يخرج من هذا كله ليس: كيف نُصلح قانون المحاماة؟ بل: كيف نُصلح الطريقة التي نصنع بها القوانين؟ ويبقى السؤال العملي المطروح على المهنة اليوم، وهو موضوع هذا الجزء: ما العمل؟
ما العمل؟ سؤال يُطرح اليوم بصيغة خاطئة
هذا هو التشخيص. فماذا عن الجواب؟
تتوالى منذ يومين ردود الفعل داخل المهنة، واعتقد انها تكاد تنقسم إلى ثلاثة اتجاهات: من يرى أن النشر كان متوقعاً وأن الوحدة صمدت وأن هذه المعركة كشفت حقيقة المؤسسات؛ ومن يرى أن الاحتجاج يكون على مشاريع القوانين لا على القوانين النافذة، وأن المرحلة انتقلت إلى النقد العلمي والمطالبة بالتعديل؛ ومن يمارس نقداً ذاتياً قاسياً ويقول إننا لم نحقق شيئاً. وهذه كلها مواقف مشروعة، وأفهم دوافع كل واحد منها.
لكنني أعتقد أن السؤال الذي يوحّدها جميعاً — هل ربحت المحاماة أم خسرت؟ — سؤال مطروح بصيغة خاطئة في هذه اللحظة. لأنه يقيس المكسب بما استقر في النص، بينما المكسب الحقيقي في هذه المعركة لم يكن قط في النص.
بل ظهور هذا الاختلاف في التقدير بعد صدور القانون أمر صحي في ذاته. فقد انتهت مرحلة كانت تقتضي قدراً كبيراً من وحدة الموقف والانضباط لقرارات المؤسسات المهنية، وبدأت مرحلة أخرى ينبغي أن يكون فيها التقييم ممكناً: ماذا حقق الاحتجاج؟ ماذا لم يحقق؟ وهل كانت أدواته قابلة للاستمرار إلى ما لا نهاية؟ وهل كان ينبغي، منذ البداية، التفكير في مخرج مؤسساتي للحظة التي يصبح فيها المشروع قانوناً نافذاً؟
طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من التضحيات التي قدمها المحامون، ولا يعني البحث عن مسؤول أو تحميل القيادة المهنية وحدها نتيجة مسار شارك فيه الجسم المهني بكامله. لكنه يعني شيئاً أبسط: أن المؤسسة القوية ليست التي تستطيع التعبئة فقط، وإنما التي تستطيع أيضاً تقييم تعبئتها، وتصحيح أدواتها، واستخلاص الدروس من نتائجها.
فالوحدة التي لا تسمح بالنقد قد تتحول إلى اصطفاف، والنقد الذي يهدم الوحدة قد يتحول إلى تفكيك. وما تحتاجه المحاماة اليوم هو الجمع بين وحدة المؤسسة وحرية التقييم.
ومن هذه الزاوية، يمكن قول أمرين في الوقت نفسه دون تناقض: لم تحقق المهنة كل ما كانت تطالب به في النص، لكنها حققت شيئاً آخر لا ينبغي التقليل منه؛ أثبتت أن لها مؤسسات قادرة على جمع أعضائها والصمود تحت الضغط. والاعتراف بالأول لا يلغي الثاني، مثلما أن الاحتفاء بالثاني لا ينبغي أن يحجب ضرورة تقييم الأول.
المكسب الحقيقي: ما لا يُقاس بمواد القانون
ولكي نرى المكسب حيث يوجد فعلاً، ينبغي أن نعود إلى نقطة البداية. فحين انطلق هذا الملف، كان جزء من النقاش ينصبّ على موقع الجمعية والنقباء وحدود قوتهم، وعلى ما إذا كانت المؤسسات المهنية تملك من التمثيلية والانضباط الداخلي ما يجعلها طرفاً في نقاش وطني.
وقد جاءت الشهور اللاحقة بالجواب. فبدل أن يؤدي التعامل مع المهنة إلى تقزيم هذه القوة، أنتج عكسها. ازدادت الجمعية حضوراً، وازداد النقباء موقعاً، وانضبط المحامون خلف مؤسساتهم انضباطاً لافتاً: ينتظرون اجتماعات الجمعية، ويتقيدون بمقرراتها، ويجعلون منها المرجع الوحيد في تحديد المواقف. ولم تنشأ مراكز قرار موازية، ولم يتحول الاحتجاج إلى أصوات متفرقة تتنازع تمثيل المهنة. والأصوات الفردية المخالفة، على قلتها، لم تكن هي ما طبع الموقف العام.
هذا ليس تفصيلاً. إنه رأسمال مؤسساتي لا يُقاس بمقتضى مكسوب أو مفقود في نص، لكنه يُقاس بما سيمكّن المهنة من فعله غداً. فالمنظمات المهنية لا تُختبر في أوقات الرخاء، وإنما حين تُوضع تحت الضغط. وقد اختُبرت المحاماة المغربية طوال أشهر، وخرجت بمؤسسات أقوى مما دخلت بها.
وقد ظل خطابها، رغم لغة التبخيس التي واجهتها، خطاباً مؤسساتياً في مجمله: محصوراً في مضمون النص ومنهجية إعداده، متمسكاً بمرجعية القانون والدستور، بعيداً عن التشكيك في المؤسسات ذاتها. بل إن الجمعية، حين صدر قرار المحكمة الدستورية، بادرت إلى التأكيد على احترامها الكامل للمحكمة ولقراراتها، وميّزت بوضوح بين المؤسسة القضائية وبين المسار الذي سلكته الإحالة إليها. وهو تمييز دقيق لا يقدر عليه إلا من يعرف ما يقول. أما الانزلاقات الفردية، على قلتها، فلم تكن هي ما طبع الموقف العام.
لقد ظهرت المهنة، طوال هذه المدة، بمستوى عالٍ ومسؤول. تعاملت بحكمة، وانتظرت أن تُقابَل بمثلها.
لكن الحكمة تعثّرت عند الطرف الآخر. فحضرت بدلها مواقف وإجراءات أعادتنا إلى زمن آخر ومنطق آخر: منطق يرى في المؤسسة المهنية المستقلة خصماً يُدار لا شريكاً يُحاوَر، وفي التوافق تنازلاً لا منهجاً، وفي الوقت أداةً لاستهلاك الاحتجاج بدل حسمه.
فهنيئاً للمحامين، لا بالقانون الذي صدر، وإنما بالطريقة التي دافعوا بها عن موقفهم، وبالمؤسسات التي خرجت من هذه المعركة أقوى مما دخلتها.
بل إن المفارقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح هي أن الطرف الذي التزم أكثر بمنطق المؤسسات في هذا الملف لم يكن دائماً هو الطرف الذي يملك السلطة فيه.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: ماذا ربحت المحاماة؟ بل: ما الذي يبدأ الآن؟
20 غشت : لم ينته الخلاف… تغيرت طبيعته
ان قوة المؤسسة تُقاس أيضاً بقدرتها على إدراك اللحظة التي تتغير فيها طبيعة المعركة. وهذا ما حدث يوم 20 غشت 2026. فقبل نشر القانون في الجريدة الرسمية، كان الخلاف يدور حول مشروع قانون ما يزال في طور التشريع، وكانت المطالب تتجه إلى سحبه أو تعديله أو إعادة النظر في منهج إعداده. أما بعد صدور الأمر بتنفيذه ونشره ودخوله حيز التنفيذ، فقد أصبحنا أمام قانون قائم وملزم. أي ان تاريخ 20 غشت لم ينه الخلاف حول قانون المحاماة؛ لقد غيّر طبيعته القانونية.
وهذا التمييز أساسي. فاحترام القانون النافذ لا يعني الاقتناع بمضمونه، مثلما أن استمرار نقده لا يعني التمرد عليه. دولة القانون تقوم تحديداً على إمكان الجمع بين الأمرين: تطبيق القانون ما دام نافذاً، واستعمال الوسائل القانونية والمؤسساتية المتاحة من أجل تعديله أو الطعن فيما يمكن الطعن فيه.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: كيف نمنع صدور هذا القانون؟ فقد صدر. وإنما أصبح: كيف نتعامل مع قانون نختلف مع عدد من مقتضياته بعد أن أصبح جزءاً من النظام القانوني؟
وهنا بالضبط ينبغي أن تتغير الأدوات. فما كان مناسباً في مواجهة مشروع قانون ليس بالضرورة هو الأداة الأكثر فعالية في التعامل مع قانون نافذ. والاستمرار في الوسيلة نفسها بعد تغير الوضع القانوني قد يحول الوسيلة، شيئاً فشيئاً، من أداة ضغط إلى عبء على الغاية التي أنشئت من أجلها.
باب لم يُغلق: معطى غاب عن النقاش
وقبل أن نجيب عن سؤال ما الذي يبدأ الآن، ينبغي تصحيح انطباع سائد مفاده أن كل الأبواب أُغلقت.
صحيح أن الرقابة السابقة سقطت بالنشر، وأن آلية الدفع بعدم الدستورية لن تكون متاحة قبل صيف 2028. لكن ثمة معطى مهماً لم ينتبه إليه النقاش الجاري.
فالمادة 9 من القانون التنظيمي 35.24 تشترط لقبول الدفع ألا يكون قد سبق البت بمطابقة المقتضى التشريعي محل الدفع للدستور، ما لم تتغير الأسس التي بنيت عليها تلك المطابقة. أي أن كل مقتضى صرّحت المحكمة بمطابقته في الرقابة السابقة يصبح محصَّناً من الدفع لاحقاً.
لو أن الإحالة كانت سليمة، ولو أن المحكمة نظرت في القانون وصرحت بمطابقة مقتضياته للدستور، لأصبحت المقتضيات التي شملها تصريح المطابقة، من حيث المبدأ، غير قابلة لأن تكون محلاً للدفع بعدم الدستورية، ما لم تتغير الأسس التي بُني عليها ذلك التصريح.
أما وقد تعذر عليها البت، فلم يصدر أي تصريح بالمطابقة. ومن ثم يبقى هذا القانون قابلاً للدفع بعدم دستوريته حين تصبح الآلية نافذة.
ومن مفارقات هذا الملف إذن أن الخلل الذي بدا في حينه خسارة، هو نفسه ما أبقى الطريق سالكاً نحو الرقابة اللاحقة. وهذا حق محفوظ، لا ينبغي التفريط فيه ولا نسيانه.
على أن الأمانة العلمية تقتضي ألا نبالغ. فما بقي احتمال مؤجَّل ومشروط: يحتاج إلى دعوى قائمة، وإلى مقتضى يُراد تطبيقه فيها، وإلى مذكرة مستقلة موقعة من محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، وإلى اجتياز تصفية مزدوجة قبل أن يصل الملف إلى المحكمة الدستورية. ثم إن المادة 27 من القانون التنظيمي نفسه تنص على أن التصريح بعدم دستورية مقتضى ونسخه لا يرتب مسؤولية الدولة عن تطبيقه قبل نسخه.
ومع ذلك يبقى الباب مفتوحاً. والفرق بين باب مفتوح وباب مغلق فرق جوهري.
من الاحتجاج على القانون إلى حكامة تطبيقه
وإذا كان الباب باقياً مفتوحاً، فالسؤال هو كيف نستعد لليوم الذي يُفتح فيه. وهنا يوجد، في نظري، جواب سؤال ما العمل، وهو يتلخص في نقلة واحدة: أن تنتقل المهنة من موقع المحتجّ على نص، إلى موقع الفاعل في تتبع تطبيقه.
فالقانون النافذ ليس نهاية النقاش؛ إنه بدايته من موقع مختلف. والمحامون هم أول من سيكتشف عيوب هذا النص في الممارسة اليومية، قبل أي جهة أخرى، وقبل أي دراسة نظرية: عند التسجيل، وعند التمرين، وأمام المجالس التأديبية، وفي علاقة المكتب بالموكل، وفي المساطر أمام المحاكم. وهذه ميزة معرفية لا يملكها لا المشرّع ولا الإدارة.
ولذلك أقترح أن تُترجم هذه النقلة إلى مبادرة عملية محددة: إحداث مرصد دائم لتتبع تطبيق قانون المحاماة، بشراكة بين الجمعية والهيئات وبعض فقهاء القانون.
وقد يكون هذا، في تقديري، أحد أفضل المخارج من المأزق الحالي؛ لأنه لا يطلب من المهنة أن تتخلى عن اعتراضاتها، وإنما أن تغيّر طريقة التعبير عنها. فبدل أن يبقى الخلاف في مستوى الشعارات والمواقف، ينتقل إلى مستوى الوقائع والملفات والاجتهادات والآثار الملموسة لتطبيق القانون.
وهنا تستطيع المحاماة أن تحول رأسمالها الاحتجاجي إلى رأسمال معرفي ومؤسساتي: كل إشكال في التطبيق يُوثق، وكل تعارض محتمل مع حق أو حرية يُدرس، وكل صعوبة مهنية تُقاس آثارها، وكل نص تنظيمي يصدر يُفحص قانونياً. وعندها يصبح طلب تعديل القانون، بعد أشهر أو سنوات، مبنياً على حصيلة تطبيق لا على مجرد استمرار الخلاف الذي سبق صدوره.
مهمة المرصد أن يوثّق، ملفاً ملفاً وقراراً قراراً، الإشكالات العملية والدستورية التي يثيرها تطبيق النص، وأن يصدر تقريراً سنوياً مؤسَّساً لا بياناً ظرفياً.
وقد يُقال إن انتظار سنتين قبل أن تُفتح آلية الدفع بعدم الدستورية يجعل هذا العمل سابقاً لأوانه. والحقيقة عكس ذلك تماماً. فالتجربة المقارنة تُظهر أن الثقافة الدستورية لا تسبق الآلية وإنما تنشأ من ممارستها: المحامون في فرنسا لم يتعلموا بناء الحجج الدستورية قبل أن تكون لديهم قضايا يترافعون فيها، بل نشأت ثقافة مسألة الدستورية بعد إقرارها سنة 2010 لا قبلها. ومعنى ذلك أن الخطر الحقيقي ليس في طول الأجل، وإنما في أن يحلّ أجله فنكتشف أن أحداً لم يستعد لاستعماله.
فالسنتان المقبلتان ليستا فراغاً إذن؛ إنهما مهلة إعداد. وهي الفرصة لتكوين المحامين على صياغة الدفوع الدستورية، ولتوثيق المقتضيات المرشحة للطعن، ولبناء الاجتهاد المهني الذي سيجعل الآلية، حين تُفتح، مستعمَلة لا معطَّلة بحكم الواقع.
ولمثل هذا المرصد إذن ثلاث وظائف تتحقق تباعاً. فهو يبني الملف الموثق الذي سيُقدَّم للأغلبية المقبلة لطلب التعديل، فلا يكون الطلب مجرد مطلب سياسي بل حصيلة تطبيق. وهو يهيئ الحجج القانونية لليوم الذي تُفتح فيه آلية الدفع بعدم الدستورية. وهو، وهذا أهمها، يعيد المهنة إلى موقعها الطبيعي في الرأي العام، إذ ينتقل خطابها من الاحتجاج إلى الخبرة، ومن الدفاع عن نفسها إلى إنتاج المعرفة حول العدالة.
ثلاثة مسارات موازية
وإلى جانب هذا المسار المعرفي، ثمة ثلاثة مسارات موازية ينبغي ألا تُهمل.
أولها: الاستحقاقات التشريعية المقبلة. فبعدها ستتشكل أغلبية جديدة وحكومة جديدة، ويصبح التعديل التشريعي ممكناً. وهذه لحظة مناسبة لانتزاع التزامات مكتوبة من الأحزاب قبل الاقتراع لا وعود بعده، لأن الأحزاب اليوم في لحظة حاجة لا في لحظة تمكين.
وثانيها: النصوص التنظيمية التي علّق القانون عليها تنفيذ بعض مقتضياته، وهي النافذة القانونية الوحيدة المفتوحة الآن. وإن لم يكن التشاور بشأنها مضموناً، فينبغي التذكير بأن النص التنظيمي، بخلاف القانون، قابل للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري فور صدوره. أي أن هناك قاضياً متاحاً اليوم، لا بعد سنتين. ومن يرفض النقاش قبل الإصدار سيجده بعده أمام القاضي الإداري؛ والفرق بين الطريقين ليس في النتيجة وحدها، بل في الوقت وفي الثقة.
وثالثها: وهو المسار الذي يتجاوز المحاماة إلى المغاربة جميعاً: المطالبة بتقصير أجل الأربعة والعشرين شهراً المنصوص عليه في المادة 31 من القانون التنظيمي 35.24.
فقد كتب الأستاذ عبد اللطيف المنوني، وهو أحد أكبر فقهاء القانون الدستوري في المغرب أن الدستور ليس وثيقة حِكراً على الفقهاء والسياسيين وأنه ملك كل مواطن مغربي وأنه لن يؤدي دوره بوصفه القاعدة الأساسية إلا إذا عرفه كل مواطن وفهمه واحتجّ به حين تُنتهك حقوقه، وأن الفصل 133 هو الآلية المؤسسية القادرة على تحقيق هذا التعميم للدستور.
ومن هنا فإن ما يُطلب اليوم ليس امتيازاً للمحامين ولا مطلباً فئوياً. إنه أن يُمكَّن المواطن المغربي، بعد خمسة عشر عاماً من انتظار حق أقرّه له دستوره، من الاحتجاج به فعلاً أمام قاضيه. وكل شهر إضافي من التأجيل هو شهر يبقى فيه الدستور، في هذا الجانب بالذات، نصاً يُدرَّس لا حقاً يُمارَس. وهذا مطلب وطني قابل للتحقق بتعديل تشريعي واحد.
وهكذا تتغير خريطة العمل بالكامل: من الإضراب إلى التوثيق، ومن رفض المشروع إلى تقييم القانون، ومن الضغط من أجل عدم صدوره إلى الضغط من أجل تعديله، ومن انتظار الرقابة الدستورية السابقة إلى الإعداد الجدي للرقابة اللاحقة، ومن مخاطبة الحكومة وحدها إلى مخاطبة الأحزاب والبرلمان والقضاء والرأي العام
ليست هذه عودة إلى الوراء، وإنما إعادة انتشار مؤسساتية تفرضها مرحلة جديدة.
كلمة لا بد منها: لم تكن معركة ضد الدولة
ويبقى قبل الختام أن تُقال كلمة بوضوح، لأن ما رُوّج خلال هذه الأشهر يحتاج إلى تصحيح.
لم تكن هذه معركة ضد الدولة. المحامون داخل الدولة لا خارجها، وقد أقسموا على احترام القانون، ودافعوا عن موقفهم بلغة الدستور لا بلغة التخوين، وأعلنوا احترامهم للمحكمة الدستورية حتى حين لم يأت قرارها في اتجاه ما كانوا ينتظرونه، وميّزوا بوضوح بين المؤسسة القضائية وبين المسار الذي سلكته الإحالة إليها. وهو تمييز دقيق لا يقدر عليه إلا من يعرف ما يقول.
ومن يقدّم هذه المعركة بوصفها مواجهة مع المؤسسات، فإنه يخطئ في التوصيف أو يتعمّده.
وحين يصدر القانون ويصبح نافذاً، فالانضباط له ليس تراجعاً ولا هزيمة. إنه بالضبط ما تعنيه دولة القانون: أن تحترم النص، وتواصل السعي إلى تعديله بالوسائل المشروعة. فالقوانين تُعدَّل وتُنسخ، وليس في تاريخ التشريع نص أُنزل منزّهاً عن المراجعة.
ومن هنا فإن إنهاء شكل احتجاجي أو تغييره، إذا قررت المؤسسات المهنية ذلك، لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق الانتصار والهزيمة. فالوسائل ليست مقدسة، ولا تصبح غاية في ذاتها. معيار نجاحها هو قدرتها على خدمة الهدف الذي وُضعت من أجله. وحين تتغير المرحلة، تكون الشجاعة أحياناً في الاستمرار، وتكون أحياناً أخرى في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها تغيير الأداة مع الحفاظ على المطلب.
وربما كان هذا هو الاختبار الأصعب للمؤسسات المهنية بعد أشهر من الوحدة: أن تثبت أن قوتها لا تظهر فقط عندما تقول لأعضائها «نستمر»، وإنما أيضاً عندما تستطيع، إذا اقتضى تقديرها ذلك، أن تقول لهم «نغير الوسيلة» وتحافظ مع ذلك على وحدتهم وثقتهم.
وإذا كنا قد وجّهنا نقداً واضحاً إلى الحكومة والبرلمان وطريقة تدبير المسار التشريعي، فإن الإنصاف يقتضي ألا تُعفى المهنة نفسها من استخلاص الدرس. فالتشاركية التي نطالب بها الدولة ينبغي أن تقابلها داخل المؤسسات المهنية ثقافة في النقاش والتقييم؛ والوحدة الضرورية في لحظة المواجهة ينبغي ألا تمنع التعدد في قراءة النتائج بعد انتهائها.
قوة المحاماة التي كشفتها هذه الأزمة تستحق الحفاظ عليها. لكن الحفاظ عليها لا يكون بتحويل كل مراجعة إلى تراجع، ولا كل نقد داخلي إلى انقسام. فقد تكون أكبر ثمرة لهذه التجربة أن تخرج المهنة منها أكثر وحدة، وأكثر قدرة في الوقت نفسه على نقد ذاتها.
خلاصة: ما الذي يُختبر حقاً؟
نعود في النهاية إلى المرآة التي بدأنا منها. فهي لم تُظهر خللاً في مهنة المحاماة؛ لقد أظهرت خللاً في العلاقة بين المؤسسات ذاتها.
ولهذا فإن أخطر ما في هذا الملف ليس القانون. إن أخطر ما فيه أن يتحول التبخيس إلى أسلوب في الحكامة: أن تبقى المؤسسات قائمة في النصوص وتُفرَّغ من وظيفتها في الممارسة، وأن يُستعاض عن التوافق بالعدد، وعن الحوار بالإخبار، وعن المساءلة بالصمت.
فالدولة القوية لا تُبنى بإضعاف مؤسساتها، ولا بالمراهنة على أن الوقت سيستهلك الاحتجاج. ودولة تُبخّس مؤسساتها لا تربح قوة؛ إنها تخسر أدوات تصحيح نفسها.
وقد كتبتُ سابقاً أن العدد يستطيع أن يمرّر القانون، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع تشريعاً جيداً. وأضيف اليوم: كما أن النشر في الجريدة الرسمية يستطيع أن يجعل القانون نافذاً، لكنه لا يستطيع وحده أن يجعله مقبولاً في نظر من يخاطبهم.
ولذلك يبقى السؤال الذي ينبغي أن نخرج به من هذا كله: لا كيف نُصلح قانون المحاماة، بل كيف نُصلح الطريقة التي نصنع بها القوانين.