ليس من شك في أن العلم والتقنية أصبحا أملا واعدا للبشرية بالإزدهار ،والتقدم والرقي ،وهي نتيجة لتطبيق اكتشافات علمية كبرى ،والتقنية كمفهوم شمولي كما عرفها لالاند هي مجموعة من العمليات والإجراءات المحددة تحديدا دقيقا، والقابلة للنقل والتحويل والرامية إلى تحقيق بعض النتائج التي تعتبر نافعة.
فهل نتذكر تلك الخدمات التي قدمتها التقنية للإنسان مند القدم إلى العصر الحديث؟، لكن لعل الشيء الأكثر غرابة أنها أصبحت في الحقبة المعاصرة كائنا غير مراقب يتحرك كما يريد دون إذن من أحد حتى صارت هي التي تراقبنا ولسنا نحن، لقد صنع الإنسان إن صح التعبير فناءه بيده، لقد صارت التقنية عقلانية مغلوطة بتعبير ماركيوز. و أقامت لنفسها محكمة تحاكم كل من تجاوز حدود التعامل معها.
يحاور هايدغر عصره محاورة نقدية وذلك بالعودة إلى مشكلاته, فمن خصائص هذا العصر أنه عرف اكتمال الميتافيزيقا اكتمالا نهائيا في ظل هيمنة الخطاب التقني الذي تحكمه نزعة عقلانية تتمركز حول ذاتها,و تسعى إلى تسخير التقنية لفرض رؤية تدميرية كانت الخطر الأعظم على العالم.
فهل التقنية الحديثة نتيجة لتطبيق علوم الطبيعة على الواقع؟ وماهي المخلفات التي تركتها التقنية على الطبيعة وعلى الإنسانية حسب هايدغر؟ و ماهو السبيل لاستعادة سؤال الوجود في ظل معرفة ماهية التقنية؟ وهل كان للفيزياء دور فعال في تهميش طرح سؤال ماهية التقنية؟ وهل اقترب العقل التقني من لحظة الإنفجار الأعظم كما أسماه هايدغر؟ وهل تشكل التقنية تهديدا فعليا لمصير الإنسان؟
استطاع هايدغر بخلاف غيره من الفلاسفة تحويل عصره إلى مجموعة من الإشكالات ذات أهمية بالغة, كانت مهمة الفلسفة أن تقوض الثوابت الميتافيزيقية وتزعزع سلطة العقلانية الحديثة بكل أبعادها ومستوياتها.
إن النظر إلى التقنية بما أنها “قدر العصر” “das Schicksal des Zeitalteres” لم يكن فقط من قبيل الوصف المبالغ فيه، بقدر ما سيكون ضرباً من الاستشعار القبْلي والحدس الفلسفي السابق لأوانه، أو هو خلاصة نظر بعدي، إنبنى على جلال أثر العلم وجلاء وقع التقنية. حاصل ذلك، أمكن للعلم والتقنية أن تصير العنوان اللافت للعصر الراهن بما هو زمن تقني، بما له من دلالة مفصحة عن روح العصر(1)
تمظهرت الأزمة الحديثة في هيمنة الخطاب التقني, حيث إعتبرها هايدغر آخر وجه من وجوه الميتافيزيقا قبل نهايتها, فمارست بذلك التقنية الحديثة سلطة ميتافيزيقية على الوجود الإنساني, إذ أصبح الفيلسوف في
عصر التقنية الحديثة مسكونا بهاجس القلق على مصير العالم, وتحولت الأرض إلى موضوع استنزاف و استفراغ لمقدوراتها دون وعي بأهمية الحفاظ على الضمانات التي تحميها من الدمار.
يُبقي هايدغر مسألة مجاوزة الميتافيزيقا أمرا ضروريا لاستعادة حقيقة الوجود, فالعقل الحديث حسب هايدغر سقط في نمط من التفكير العلمي الرياضي, تجد العقلنة شكلها الخالص في الصياغة الرياضية للواقع التي عجلت بتوحيده مسهلة بذلك عملية إخضاعه لديكتاتورية الإرادة, يطالب هايدغر دائما بالإنفصال عن هذا العقل لأنه العدو اللدود للفكر.
يرفض هايدجر الفكرة الرائجة التي ترجع نشأة التقنية الحديثة إلى تطبيق علوم الطبيعة على الواقع. ليست العلوم الحديثة حسب هايدجر هي أساس التقنية، بل إن التقنية هي أساس العلوم الحديثة. صحيح أن ظهور العلوم الحديثة سبق من حيث "الحساب الزمني" سيطرة التقنية، إلا أن روح التقنية الحديثة تسيطر على هذه العلوم منذ نشأتها، ولولا ذلك لما أمكن تطبيق نتائجها تطبيقا تقنيا. إن النظرية العلمية ذاتها خاضعة لمتطلبات الروح التقنية. فهذه النظرية لا تقدم لنا الكائن كما يظهر ذاته من تلقاء ذاته (وهذا هو مدلول النظرية عند أرسطو)، بل تجبره مسبقا على أن يظهر كمورد للطاقة، وبذلك فهي لا ترى في الطبيعة سوى قوى يجب ملاحقتها وحسابها قصد صياغة العلاقات بينها في قوانين ومعلومات ليس لها من قيمة في نهاية الأمر إلا بمقدار ما تجعلنا قادرين على التحكم في الطبيعة وتوجيهها. إن المعلومات التي تقدمها العلوم الدقيقة ليست "وصفا" للطبيعة، بل أدوات لحسابها والتأثير فيها. على أن سيطرة الروح التقنية على النظرية العلمية بلغ أوجه في الوقت الحاضر، حيث فقدت النظريات العلمية كل دلالة أنطولوجية وأصبحت مجرد وسيلة لضبط الشروط الضرورية للتجريب أي لإنتاج الظواهر. ولهذا أصبح من المقبول أن يتم تغيير النظرية أو بعض أركانها، إذا تبين أنها لا تفيد في إنتاج الظواهر. ويتجلى أخيرا الطابع التقني للعلوم الحديثة في أن "التفكير" النظري ذاته اصبح يتعامل مع القوانين والمعلومات بأسلوب يعتمد على المهارة والتحايل من أجل الوصول إلى قوانين ومعلومات جديدة.
فيما يلي نتساءل حول موضوع التقنية. أن نتساءل هو أن نعمل على إعداد طريق وأن نشيده. لهذا فمن المناسب أن نفكر قبل كل شيء في الطريق وألا نرتبط باقتراحات أو تسميات خاصة. الطريق هو طريق الفكر. كل طرق الفكر تقود، بكيفية غير واضحة وبممرات غير معتادة، عبر اللغة. إننا نسأل في موضوع التقنية ونريد بذلك أن نقيم علاقة حرة معها. والعلاقة تكون حرة، عندما تفتح كينونتنا على ماهية التقنية. إذا قدمنا جوابا حول هذه الماهية نستطيع عندئذ أن نعي النزعة التقنية Technicité في حدودها.(2)
حينما نبحت في الفلسفة فنحن نبحت عن الجوهر أو الماهية وتفترض هذه الماهية الثبات ونحن ندرّس بأن ماهية الشيء هي ما هو هذا الشيء عليه. إلا أننا حين نتساءل حول التقنية نجد الفيلسوف هايدغر يميز بين التقنية وماهية التقنية ، فإذا كانت التقنية تشكل العنصر المادي الذي نستخدمه في استعمالاتنا اليومية كالآلات والأدوات ، فإن الماهية هي مجموع الخصائص والوظائف التي تقوم بها ، إذا كانت التقنية مثلا هي السكين ، فإن ماهية التقنية التي هي السكين تتمثل في القطع ، وإذا ما كانت المعول من حيث هو أداة مادية ، فإن الحفر يكون بالتالي ماهية لهذه التقنية.
إذن يمكن خرق تلك القاعة مع الفيلسوف مارتن هايدغر والقول بأن التقنية وماهية التقنية ليسا نفس الشيء. عندما نبحث في ماهية الشجرة علينا أن نفهم أن الذي يحكم كل شجرة باعتبارها شجرة، ليس هو ذاته شجرة يمكن أن نصادفها ضمن أشجار أخرى. وبالمثل فإن ماهية التقنية ليست مطلقا شيئا تقنيا.(3) وهكذا فإننا لن ندرك أبدا علاقتنا بماهية التقنية طالما اقتصرنا على تمثلها وممارستها، وعلى محاولة التلاؤم معها أو الهروب منها. ومهما فعلنا فسنبقى خاضعين للتقنية ومحرومين من الحرية سواء دافعنا عنها بانفعال أو أنكرناها. ومع ذلك فعندما نعتبر التقنية بمثابة شيء حيادي نكون عندئذ قد استسلمنا لها وبأسوأ الأشكال: لأن هذا التصور الذي حظي اليوم بحظوة خاصة يجعلنا عميانا تماما تجاه ماهية التقنية.
إن ماهية التقنية ليست شيئا محايدا كما تزعم التوجهات التقنوية ، من أن المسألة ترتبط بالاستعمال . إن التقنية تحمل في ماهيتها ما يجعلها خطرا ليس على الطبيعة وحسب وإنما على الإنسان . فقد تحولت التقنية من وسيلة لا مناص منها لحفظ بقاء الإنسان إلى أكبر خطر يتربص بوجوده . لذلك ينفي هيدجر حياد التقنية ضد ذلك التصور الذي يرى بأن التقنية إذا ما مزجت بالعلم سوف تحقق للإنسان تقدما هائلا قوامه المتعة والسعادة . إن هيدجر من خلال هذه المحاضرة يبدد هذا الوهم عندما يذهب إلى أن التقنية ليست شيئا محايدا.
نميز هنا أيضا بين التقنية كما استعملت في العصور القديمة كتعايش ،والتقنية الحديثة كاستفزاز provocation ،إذ تشكل التقنية ضرورة إنسانية ، إذ لولا التقنية لما استطاع الإنسان الحفاظ على بقائه لأن الإنسان هو الكائن الأكثر ضعفا بالمقارنة ببقية الكائنات وحينما أدرك عجزه اخترع الألة / التقنية . إن التقنية هي التي مكنت الإنسان " البدائي" من نحث الجبال كهوفا ، ومن أغصان الأشجار رماحا للدفاع عن نفسه . وهي التي دفعت عنه تهديدات الطبيعة ، فالتقنية كانت بالنسبة للإنسان الأول تشكل ضرورة أنطلوجية ، وإذا ماكانت التقنية القديمة مسالمة ، فإن التقنية الحديثة تتسم بكونها نزوعا نحو السيطرة بوصفها انكشاف.
يطرح هايدجر إشكال يتعلق بعلاقة ماهية التقنية بالإنكشاف؟ فهي تلتقي معه في كل شيء لأن كل انتاج يجد أساسه في الإنكشاف, غير أن هذا الأخير تتجمع فيه الأنماط الأربعة:
1.العلة المادية: مثلا المادة التي نصنع بها كأسا من الفضة.
2.العلة الصورية: الشكل الذي تدخل فيه المادة.
3.العلة الغائية:مثلا الغاية التي بها يتحدد كل من مادة وشكل الكأس التي نحن بحاجة إليه.
4.العلة الفاعلة: أي تلك التي تصنع النتيجة أي الكأس الواقعية المكتملة.
ويحكمها في مجال الإنكشاف تدخل الغايات والوسائل الأداتية أيضا, وهذه تعتبر البعد الأساسي للتقنية, فإذا تساءلنا عن التقنية المفهومة كوسيلة عندئذ نصل مباشرة إلى الإنكشاف وفيه تكمن كل عملية صنع. هكذا فإن التقنية ليست وسيلة فحسب بل هي نمط من الإنكشاف, وهكذا سينفتح لنا بالنسبة لماهية التقنية مجال الإنكشاف أي مجال الحقيقة.
هذا يدفعنا بحدة للتساؤل على ماذا تعني إذن كلمة "تقنية" فهي أكثر أهمية إلى حدود فترة أفلاطون إذ كانت كلمة "تقنية" مرتبطة دائما بالكلمة "أبيستينون" وهي تعني العلم أو المعرفة تعني القدرة على الإهتداء في شيء ما, والتعرف إليه فهي اسم للمعرفة بالمعنى الأوسع:تقدم المعرفة انفتاحات وبما هي كذلك فهي انكشاف.
الإنكشاف الذي يسود التقنية الحديثة حسب هايدغر لا يتجلى في انتاج بمعنى انتاج شعري, بل الإنكشاف الذي يسود التقنية الحديثة هو عبارة عن تحريض عن طريقة تكون الطبيعة منظورة إلى تقديم طاقة يمكن من حيث كذلك أن تستخرج وتتراكم.
يقول هايدغر بهذا الصدد: "إن الإنكشاف الذي يحكم التقنية الحديثة يتخذ سمة مناداة أي استفزاز وتحريض, لقد حدثت هذه المناداة عندما تحررت الطاقة المختفية في الطبيعة, وما تم الحصول عليه بهذا الشكل ثم تحويله, وما تم تحويله تمت مراكمته واختزانه, وما تمت مراكمته تم توزيعه وما تم توزيعه تم خفضه واستهلاكه من جديد".(4)
إن الأفعال "حصل وحول و راكم و وزع و خفض.... هي أنماط للإنكشاف, إن هذا الإنكشاف يكشف لذاته طرقه الخاصة الملتوية بكيفيات متعددة وهو يكشفها من حيث أنه يوجهها و يتحكم فيها.
ومع ذلك فإن إنسان عصر التقنية يظل مدعو إلى الكشف بالطبيعة أولا من حيث أنها احتياطي لمستودع الطاقة, وبصورة مقابلة فإن السلوك "المسخر" للإنسان يتجلى أولا في ظهور علم الطبيعة الدقيق.
قامت التقنية الحديثة على علم الطبيعة, وعلى الرياضيات التي شكلت منظومة تسعى إلى مضاعفة الإنتاج و المردودية. يقف هايدغر على العلاقة التقنية بالعلم وعند الأخطار المدمرة للاستعمالات الخاطئة للتقنية, لم تبحث العلوم الحديثة في ماهية التقنية وفي نقد نواقصها, ما يهم العلم هو الإنتاج و الوفرة ومعرفة التقنية وبرمجتها والإعلان عن نتائجها ومنجزاتها دون أن تحدد ماهيتها. يقول هايدغر: "إننا نعلم اليوم دون أن نعي تماما أن التقنية الحديثة تدفعنا إلى اضفاء مزيد من الكمال على أجهزتنا ومنتوجنا.(5)
تستفز التقنية الطبيعة وتحرضها على إظهار طاقتها الخفية حيث يقول هايدغر: "أن تظهر الطبيعة في تلك الطاقات أو من خلالها يعني, تحولت الطبيعة إلى موضوع, هو موضوع النشاط الإدراكي الذي يظهر الأوليات الطبيعية بوصفها قاعدة للحساب".(6)
أجبرت التقنية الطبيعة على إظهار نفسها موضوعا للعد و للحساب الدقيق, لم تكن الفيزياء علما تجريبيا فحسب, إنما مثلت بالأساس علم يجبر الطبيعة على أن تظهر نفسها كمركب قابل للحساب و التنبؤ.(7)
لم تساهم الفيزياء الحديثة في بلورة علاقة التقنية بالطبيعة بل كان موضوعها الأساسي تهيئ جوهر التقنية الحديثة.
لم يرتق ما سنته الفيزياء الحديثة إلى كشف ماهيه التقنية وبواعثها الحقيقة داخل هذا التخفي الميتافيزيقي و الإنحجاب الكلي للوجود, مازالت ماهية التقنية مختفية وستبقى كذلك مدة طويلة, لم يكن الإختراع الإلكتروني كافيا والإنفتاح الذري ليس جوهريا طالما مازلنا نجهل ماهية التقنية؟
فالتقنية وماهية التقنية ليسا نفس الشيء, عندما نبحث في ماهية الشجرة علينا أن نفهم أن الذي يحكم كل شجرة بإعتبارها شجرة, ليس هو ذاته شجرة يمكن أن نصادفها ضمن أشجار أخرى.وكذلك فإننا لن ندرك أبدا علاقتنا بماهية التقنية طالما ربطناها مع الممارسة وعلى محاولة التلاؤم معها أو الهروب منها ومهما فعلنا فسنبقى خاضعين للتقنية ومحرومين من الحرية, ومع ذلك فعندما نعتبر التقنية بمثابة شيء حيادي نكون عندئذ قد إستسلمنا لها وبأسوأ الأشكال لأن هذا التصور الذي حظي اليوم بخطوة خاصة يجعلنا متناسيين تماما لماهية التقنية.(8)
يبحث هايدغر في الأشياء متابعا التراكم الذي أفرزه النظام التقني, لقد أحاط الموجودات بالإنسان وحاصرته مردودية الإنتاج إلى درجة أنه اندمج بسهولة في العملية الإنتاجية حتى بات صورة من صور
الإنتاج ومادته الأولية.(9) أصبحت حاجة الإنسان إلى الفكر أمرا ضروريا في ظل خطاب تقني
ميتافيزيقي يقوم على السيطرة و التطويع, وتحت هيمنة عقلانية علمية صارمة يقودها الحساب الدقيق إلى إنشاء برمجة تقطع بين الإنسان ووجوده.
يبقى السؤال حول العصر النووي من أخطر الأسئلة التي يطرحها هايدغر (ماذا يعني القول إن عصرا من التاريخ العالمي يتميز بالطاقة النووية؟).
إن استخدام هدم الطاقة في مجال الحرب مسألة ثانوية أمام المقارنة مع خطورة هذا السؤال ذاته إذ يطرح هذا السؤال غياب القيم الروحية وسيطرة القيم المادية, فتحت إمكان سيطرة التكنولوجيات وتغيير مواقع العلاقات يتضح أن هذه المادية هي نسق تقني من أشد الأنساق خطورة ذلك أن لا شيء يخدع بسهولة أكثر من سحر هذه المرايا الخارجية التي تغلف العنف و القيود.
ليس أخلاقيا أن يتحول الإنسان إلى مادة أولية للتقنية, وليس من المعقول أن يتساوى الإنسان و الطبيعة وتتماثل الروح و المادة, فرض الخطر التقني على الإنسان نسقا معينا من الحياة لم تكن متوافقة مع طبيعة الوجود الإنساني.
يشير هايدغر إلى خطورة تبريرات العلماء لنتائج العلم المدمرة, ولطغيان النسق التقني على الحياة البشرية و الطبيعية على حد السواء.
لم يأت عصر التقنية الغربية من فراغ, فقد سبقت هذه المرحلة تحولات علمية عظيمة في علم الفيزياء أدى إلى إحياء هذه الطاقة و استغلالها في غير موضعها الإنساني, حين تطورت العلوم مكنت الفيزياء الحديثة الغرب من السيطرة على الطبيعة وإملاء إرادته عليها و استنفد بذلك مقدراتها ومخزونها الطاقي,وأفقدت الفيزياء الحديثة بذلك فاعلية المساءلة حول مصير الوجود, وهمشت في الآن ذاته طرح سؤال ماهية التقنية بوصفه سؤال حدث قادر على مجاوزة الميتافيزيقا التقنية.
رفعت الفيزياء الحديثة تمثُلْ الموجودات إلى ممارسة فعلية حولت التفكير في ماهية التقنية إلى التفكير في التقنية, فجوهرها كما أشرت لا يتضمن الممارسة التقنية, فسقطت بذلك ماهيتها في النسيان وتأجل سؤالها بفعل الإهتمام بالموجود الأداتي, وتوجيه التقنية إلى السيطرة و إلى إرادة الهيمنة.
لا يقبل هايدغر بإستخدام التقنية ضد الوجود الإنساني وضد قيم العصر, فمهما بلغت التقنية من تطور ومهما حققت من سيطرة فإنها لم تحقق آمال الإنسان وتطلعاته, رغم إكتشاف الكواكب و تسليح الفضاء, واختراع القنبلة الذرية وكل مظاهر الهيمنة و السيطرة...
يدعو هايدغر إلى إدانة العقلانية الغربية التي تحولت بفعل التقنية إلى سلطة ميتافيزيقية وإحلال عقلانية بديلة متحررة من جنون التقنية, وذلك بتقويض بنية العقل الحسابي و الأداتي, إذ يظل هذا الإحتجاج رفضا للخطاب السياسي ولمراكز القرار.
بلغت الإنسانية في العصر الحديث في نظر هايدغر لحظة انسداد الأمل وضياع صكوك الخلاص, في عصر السيطرة النووية, واستنزاف الطاقات الطبيعية, والبحث عن كل إمكانية لإمتلاك الموجود في كليته, واختزال الواقع إلى مخزون _ يجعل الإنسان يقوم بمهمة تسخير الواقع كأساس وكمخزون _ فتتحول بذلك الهيمنة التقنية إلى رؤية ميتافيزيقية تجعل الإنسان الحديث موظفا للتقنية.
كان الأجدر تحقيق توافق بين الإنسان و الوجود لكونهما يتبادلان نقل تملكهما لبعضهما بعضا, أنهما ينتميان لبعضهما بعضا, حيث تحول الإنسان في العصور الحديثة إلى موضوع لموضوعاته, وانقطع عن استشكال وجوده انقطاعا عمق هاوية يصعب تخطيها في هيمنة فكر تمثلي _ فإن نتمثل شيئا ما معنى ذلك أن نحمله من حيث موضوع ماثل هناك على المجيء أمام ذاتك أي أن ترجعه إلى الذات التي تتمثله, فينعكس تفكيرها عليه في علاقته بها من حيث هي منطقة يصدر عنها كل قياس _.
يأمل هايدغر أن التصدي لميتافيزيقا التقنية قد يحقق مصالحة أنطولوجية تعيد الوجود إلى وضعه الطبيعي, الإنسان وحده من صنع مصيره, وحده من يتحمل الإخفاق في استذكار وجوده, والإستسلام لإرادة التقنية لدى أهملت هذه الأخيرة سؤال الوجود, وضاعفت من حجبه إلى درجة إستحالة الإنصات إلى ندائه في ظل الهيمنة وبفعل الإستفسار, وتسخير ما هو مخزون للسيطرة و للإستحواذ.
يشير هايدغر على أن ماركس لم يمنح التقنية موضعها الرسمي, وإن كان هو رائد التفكير التقني الحديث, لما حمل الرأسمالية مسؤولية الخطر و الدمار, ولم يكشف على أن سوء فهم ماهية التقنية هو الخطر الأعظم. أما إرادة الإقتدار فليست كما يدعي نيتشه مطرقة الهدم الحقيقية, وتقنية إنهاء الميتافيزيقا. لم تبلغ إرادة نيتشه تحديد ماهية التقنية, وكشف السطو المدمر للمخزون الطاقي للأرض, في حين مثلت إرادة الإقتدار وجها من وجوه الميتافيزيقا هي وجه الأكثر إكتمالا للسيطرة هي "إرادة الإرادة" أو الدرجة القصوى من التطويع و الإخضاع لا في مستوى التقنية الآلية فحسب, وإنما في مستوى أعمق من ذلك.
حلت التقنية الإعلامية و البرمجة الحاسوبية الوجه الخطير من التقنية, فهي الناطق بإسم أفكاره وإيديولوجياته, يتجسد الوجه الخطير للتقنية في الحقول الإعلامية الرقمية حيث أصبح الإنسان برنامجا رقميا يمكن رفع مردوديته حسب الحاجة, وحب البرمجة إلى درجة أن الحاسوب يصبح الناطق بإسم الإنسان, مجسدا قراراته و منافسا له حتى في خصوصياته الحميمية.
لم تعد الفلسفة قادرة على انقاذ الإنسانية من الدمار التقني ولا على حماية مصير الوجود, تحتاج الإنسانية اليوم إلى من ينقذها, يأخذ معنى الإنقاذ عند هايدغر التحرر من هيمنة نظام التقنية الحديثة والانقطاع عنها بوصفها اللحظة الأخيرة من البدء الأول للميتافيزيقا الغربية.
خضع الإنسان إلى مرجعية تقنية, تهيمن و تراقب إلى درجة أنه فقد السيطرة على الطبيعة, و على نفسه كذالك, هذا هو الخطر الأعظم إذن حين يفقد الإنسان الثوابت يضيعُ منه الحلْ.
لم تعد الفلسفة متحفزة على طرح سؤال مصير الوجود فهي كما يقول تحتضر في آخر رمق(10).
فهم الغرب التقنية فهما مطلقا دون مراعاة لطبيعة الإنسان و لقدراته على مواجهة أخطارها يماثل هايدغر بين خطر التقنية وخطر التطور الذي شهدته فيزياء, حيث يقول: "عندما تثير فكرة الخطر الذي تمثلها القنبلة الذرية, والخطر الأكبر الذي تمثله التقنية, يخطر على بالي ما يتطور اليوم تحت اسم الفيزياء الإحيائية, وهو أننا , خلال فترة غير بعيدة, سنكون قادرين على صنع الإنسان, أي قادرين على تركيبه, في جوهره العضوي نفسه كما نحتاج إليه: رجال ماهرون,أذكياء وحمقى".(11)
لا يعلن هايدغر عداءه للتقنية بل يدعو إلى استثمارها في مجال إنقاذ مصير الإنسان حيث يؤكد: "إنني لست ضد التقنية.فأنا لم أتكلم على الإطلاق ضد التقنية, ولا ضد ما يسمى بالطابع "الشيطاني" للتقنية.ولكنني أسعى إلى فهم جوهر التقنية".(12)
المراجع
1- مجلة الفكر العربي المعاصر محنة العقل في أفق العلم : نحو استشكال الماهية والآثر في الفلسفة الألمانية المعاصرة. يوسف أشلحي.
2- مارتنهيدجر: التقنية الحقيقة. الوجود، ت: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، ط1، سنة 1995 ص43
3-مارتن هيدجر: التقنية الحقيقة. الوجود، ت: محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، ط1، سنة 1995 ص 44
4-مارتن هايدغر, الفن و الحقيقة, علي الحبيب الفريوي, دار الفرابي_بيروت_لبنان. ص186
5-المرجع نفسه ص 186
6-مارتن هايدغر, التقنية الحقيقة الوجود ،مرجع سابق ،ص 57
7-المرجع نفسه،ص 43
8-المرجع نفسه 46
9 - مارتن هايدغر, الفن و الحقيقة ، علي الحبيب الفريوي,دار الفرابي_بيروت_لبنان. ص 188
10-مارتن هايدغر, حوار أجري معه, مجلة العرب و الفكر العالمي, خريف 1988 بيروت_لبنان.
11-المرجع نفسه
12-المرجع نفسه
الفلسفة نور الإنسان
* نشر التفكير الفلسفي
* النقاش وتبادل المعارف الفلسفية
* التواصل,,,
08/07/2017
شهيد غسان كنفاني
#الحرية لكافة #المعتقلين #السياسيين.
11/06/2017
حراك الريف يعيد النبض للشارع المغربي
السعادة الشيء الأكثر تبجيلا في العالم
يذهب البعض من الفلاسفة إلى أن في السعادة شيئا من قوانين الحياة ومن الفعالية الإنسانية التي تؤثر فيها بقوة، والتي يمكن القبض عليها بالتأمل الفلسفي الكلاسيكي مثلما يتمّ بالمقاربات العلمية، كعلم النفس وعلم الاجتماع والبيولوجيا وعلوم المعرفة، كما يجزم الكثيرون أن مفارقة السعادة الكبرى تكمن في كونها ممكنة وعصية في آن معا، وأنها تنتمي إلى القدر أو الحظ بقدر ما تنتمي للعمل العقلي أو الإرادي.
العرب هيثم حسين [نُشر في 2016/06/29، العدد: 10321، ص(14)]
السعادة سر الحياة
يشير عالم الاجتماع الفرنسي فريدريك لونوار (54 عاما) في كتابه “في السعادة.. رحلة فلسفية” إلى أنّ البحث عن السعادة هو الشيء الذي يسعى إليه معظم الناس، إلا أنّه من العسير الكتابة في موضوعه، ويعرب أنه كالكثيرين يشعر بالانزعاج من الاستخدام العشوائي لهذه الكلمة، وعلى الأخص في الإعلانات كما في الأعمال التي تدعي تقديم وصفات جاهزة للسعادة.
ويلفت لونوار إلى أنه لكثرة ما يسمع المرء عن السعادة دون تمييز صار الحديث عنها غير مدرك، ويستدرك أنه خلف هذا الابتذال وبساطته الظاهرة تظل هذه المسألة مثيرة، وتحيل إلى عدة عوامل يصعب الفصل بينها. ويؤكد أن الأمر يتعلق بطبيعة السعادة نفسها التي يصعب الإمساك بها، إذ يشبهها بالماء والريح فما إن يشعر المرء أنه قبض عليها حتى تفلت منه.
تساؤل أبدي
يقول الكاتب في كتابه، الصادر عن دار التنوير، بترجمة خلدون اللبواني، إنه عاش التجربة شخصيا ووجد أن البحث عن السعادة ليس أمرا من دون معنى. وإنه يمكن للمرء أن يكون أكثر سعادة فعليا بتفكيره في حياته، أو بقيامه بالاشتغال على نفسه، أو بتعلمه لاتخاذ القرارات الأكثر حكمة، وكذلك من خلال تغيير أفكاره أو اعتقاداته أو التمثلات التي يكوّنها عن نفسه وعن العالم.
يقترح على القارئ رحلة فلسفية بالمعنى الواسع للكلمة، رحلة يسير فيها القارئ بصحبة عمالقة الفكر من أرسطو إلى أبيقور وإبكتيتوس وبوذا وجوانغ زي وشوبنهاور ومونتاني وإسبينوزا وغيرهم ممن أسهموا في هذا التساؤل الأبدي وفي ممارسة الحياة السعيدة. كما يستذكر لونوار مقولة أرسطو “من الصعب معرفة ما إذا كانت السعادة شيئا يمكن تعلمه، أو يمكن الحصول عليه بالعادة أو من خلال تمارين أخرى. وما إذا كانت السعادة تتأتى من خلال تشارك البعض من القيم السامية، أو حتى بالمصادفة”. ويشير إلى صعوبة تتعلق بالخاصية النسبية للسعادة، وتنوعها وفقا للثقافة، وللأفراد ولمراحل حياة كل واحد من الناس. يقول إنها تتنكر غالبا على هيئة ما ينقص المرء؛ مثلا تكون سعادة بالصحة، والعاطل عن العمل بإيجاد العمل، كما يضاف إلى هذه الاختلافات البعد الذاتي، فيكون الفنان سعيدا بممارسة عمله الفني، والمثقف بالتعامل مع المفاهيم، والعاطفي في علاقات الحب.
وفي فصل “لنحب الحياة التي نعيشها” يلفت لونوار إلى أنه من الأسهل على أي منا الإجابة عن سؤال “ما الذي يجعلك سعيدا؟”، عوضا عن ذلك التساؤل المحرج “ما السعادة؟”.
يكتب أنه يستطيع القول إنه سعيد عندما يجد نفسه بحضور أولئك الذين يحبهم، أو عند استماعه لموسيقى باخ أو موتسارت، أو بتقدمه في عمله، أو بتذوقه طبقا من ثمار البحر، أو بمساعدته أحدهم في الخروج من حزنه أو بؤسه، أو عندما يتأمل بصمت، أو عندما يمارس الحب.
فريدريك لونوار يعتقد أن السعادة ليست لحظة عابرة وإنما هي حالة يجب النظر إليها بشيء من العمومية وعلى امتداد زمن ما
يتساءل إن كانت السعادة تكمن في مضاعفة تلك اللحظات، ولماذا تمنحه هذه التجارب السعادة في حين أنها لا تجعل الجميع سعداء بالضرورة، ويجد أنه يمكن للمرء أن يحيا جيدا، بل وسعيدا إلى حدّ ما، من دون أن يطرح على نفسه مسألة السعادة، وما يمكن أن يحدثها أو يضمنها.
سلم الأولويات
يعتقد لونوار أن السعادة ليست لحظة عابرة، وإنما هي حالة يجب النظر إليها بشيء من العمومية وعلى امتداد زمن ما. كما يعتقد أنها إحساس إنساني مرتبط بوعي الذات. وليكون المرء سعيدا عليه أن يكون واعيا بهنائه وبتلك الميزة أو الهبة التي تمثلها لحظات الوجود الجميلة.
يذكر الباحث أن التعريف النفسي أو الاجتماعي للسعادة يحيل إلى سؤال بسيط؛ هل نحب الحياة التي نعيشها؟ ويعتقد أنه بهذه الطريقة تمت غالبا صياغة السؤال في الأبحاث حول “الهناء الذاتي” للأفراد. تراه يعود إلى آراء أرسطو بين الفصل والآخر ليستشهد بها، أو يناقشها، لكن يثبت مقولته “نحن لم نتفق على طبيعة السعادة نفسها، وشروحات الحكماء غير متوافقة مع أحكام العامة”.
في فصل “لنضف معنى على حياتنا” يتحدث لونوار عن فكرة أن نكون سعداء يعني أن نتعلم الاختيار، ليس فقط اختيار اللذات المناسبة، وإنما أيضا السبيل والحرفة والطريقة في الحياة والحب. اختيار الهوايات والأصدقاء والقيم التي على أساسها يشيّد المرء حياته. أن تعيش جيدا يعني أن تتعلم عدم الاستجابة لكل الإغراءات وأن تضع سلما لأولوياتك.
ويتوقف عند نقطة هامة وهي أنه ليس الأساسي أن يبلغ المرء أهدافه أم لا، فلا يمكن انتظار بلوغ كل الغايات ليبدأ إحساسه بالسعادة. وتراه يدقق على فكرة أن الطريق أكثر أهمية من الهدف، السعادة تأتي في المسير، لكن الرحلة تجعل المرء أكثر سعادة بقدر شعوره بلذة التقدم أو بكون المسافة التي يتوجه إليها محددة وتستجيب للآمال الأكثر عمقا لوجوده.
في فصل “هل يتمنى كل كائن بشري أن يكون سعيدا؟” يؤكد الباحث على أن الأمل في السعادة هو الشيء الأكثر كونية في الوجود. ويستشهد برأي للقديس أوغسطين يقول “الرغبة في السعادة جوهرية لدى الإنسان؛ وهي المحرك لكل أفعالنا. هي الشيء الأكثر تبجيلا في العالم والأكثر فهما والأكثر صفاء والأكثر دواما، ليس فقط أننا نريد أن نكون سعداء، ولكننا لا نريد أن نكون إلا كذلك”.
رغبة الإنسان في السعادة هي المحرك لكل أفعاله
ويؤكد لونوار على ضرورة أن يكون المرء نفسه مبتعدا عن التزييف والتزويق والتمثيل، حتى يحقق الرضا عن ذاته ويحصل ما يوفر له قسطا من السعادة، بعيدا عن التعدي على حقوق الآخرين، ويشير إلى أن السعادة تكون معدية، بحيث أن الشخص السعيد يضخ طاقة إيجابية حوله، ويساهم بدفع المحيطين به إلى عالم السعادة بصيغة ما.
كما يتساءل إن كان المال يصنع السعادة، وإن كان شرطا أساسيا لجعل المرء سعيدا؟ ويلفت إلى أن هناك الكثير من الأسباب الوجيهة التي تجعل المرء يرغب في المال ولكن ليس كغاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة تسهل عليه حياته وتساعده.
يثبت الكاتب رأيا للفيلسوف الرومانيّ سينيكا يقول فيه إنه “بينما ننتظر أن نحيا تمرّ الحياة”. ويعتبر أنّ وسواس السعادة يشكل غالبا عقبة أمام السعادة، ويذكر الكثير من الأسباب؛ منها أن المجتمع التجاري يجعل المرء ينساق وراء العديد من الوعود المزيفة بالسعادة المرتبطة باستهلاك الأشياء، وبالمظهر الجسدي، وبالنجاح الاجتماعي، وغالبا ما ينتقل أولئك الذين يستسلمون لها من لذات مشبعة إلى أخرى غير مشبعة، أي من حرمان إلى آخر.
ويستعين المؤلف بحكم صينية تشرح السعادة أنها على المرء أن يترك اهتمامه يمارس دوره من دون جهد، وألّا يواجه أبدا موقفه بتكسير رأسه، وأن يعرف كيف يتصرف. وأن يأمل في السعادة ويسعى وراءها بأن يكون مرنا وصبورا من دون توقعات مبالغ فيها ومن دون تشنج، وأن يفتح قلبه وعقله بشكل دائم.
ويخلص إلى أن السعادة تعني حب الحياة بكل ما فيها، وأنها كالتعاسة تقيم في داخل المرء، وأن الشخص التعس سيكون تعيسا في كل مكان، بينما سيكون الشخص الذي وجد السعادة في داخله سعيدا في كل مكان مهما كان محيطه.
في مُتعة المستحيل*
قراءة في "ميتافيزيقا السعادة الحقيقيّة"
ألان باديو
تقديم:
حينما تتحوّل السعادة إلى وصفات مطبخيّة وتجميليّة جاهزة، وسط ركام من السلع والإستهلاك المسعور وعلاقات السوق الجشعة، بوسع الفيلسوف أن يتدخّل مرّة أخرى من أجل التمييز بين السعادة الحقيقيّة وسعادة الإشباع والمترفين. وحينما يستسلم الجميع إلى منطق عالم لم يعد قادرا على منح سكّانه غير المسكّنات لأشكال التعاسات والفظاعات، بوسع الفيلسوف أن يتدخّل أيضا من أجل أن يمنح العالم مفهوما جديدا للبهجة: بهجة الحبّ ومتعة الفنّ وغبطة العلم وحماسة السياسية.
هوذا مقصد الفيلسوف الفرنسيّ المعاصر ألان باديو[1] من كتاب له صدر أخيرا تحت عنوان "ميتافيزيقا السعادة الحقيقيّة"[2]. لكن لماذا يحتاج فيلسوف مثل باديو إلى أن يعنون كتابه حول السعادة تحت راية "الميتافيزيقا"؟ أيّ معنى للميتافيزيقا بعد الإعلان المصرّ على موتها من طرف معظم فلاسفة القرن العشرين؟ ولماذا "السعادة الحقيقيّة"؟ هل ثمّة سعادة حقيقيّة وأخرى زائفة؟ من أجل الإجابة عن هذه الأسئلة يجد الفيلسوف الفرنسيّ باديو نفسه مختفيا تحت نفوذ فيلسوفين كبيرين في قامة أفلاطون وسبينوزا. الأوّل أفلاطون الذي جعل في محاورة الجمهورية من التدريب على علم الرياضيّات شرطا للفلسفة أي شرطا لتحصيل الحقيقة التي هي السعادة عينها لديه. والثاني هو سبينوزا في كتاب الأخلاق الذي يعتبر الرياضيّات الطريق الوحيد لتحصيل الفكر وهو عين السعادة بما هو الفضيلة عينها.
يقول باديو: "وعلى الجملة، فإنّ كلّ فلسفة، وحتى وإن كانت مدعومة بمعارف علميّة معقّدة، وبآثار فنّية مجدِّدة، بسياسات ثوريّة، وبحالات حبّ كثيفة، إنّما هي ميتافيزيقا للسعادة، وإلاّ فهي لا تستحقّ أيّة لحظة عناء"[3]. وهو بهكذا قول إنّما يعلن إنتمائه إلى تقليد فلسفي عريق في إستشكال مسألة السعادة بوصفها موضوعة فلسفيّة أساسيّة وعلّها تكون هي السؤال الجوهريّ لكل فلسفة حقيقيّة.
إنّ الإشتغال على مسألة السعادة هو إذا إشتغال فلسفي عميق يمتدّ عمقا إلى أرسطو ويقع إستئنافه مع فلاسفة العرب ثمّ يلتقطه فلاسفة الغرب منذ سبينوزا إلى حدود كيركغارد وباديو نفسه. وضمن هذا التقليد الفلسفي علينا أن نميّز بين ثلاث مفاهيم للسعادة:
أوّلا: المفهوم الأرسطيّ الذي نجده بخاصّة في كتابه إتيقا نيقوماخيا[4] (الكتابين الأوّل والعاشر)، حيث يعرّف أرسطو السعادة بما هي "الخير الأسمى للفلسفة نفسها". وهو في ذلك يعترض على التعريف الأفلاطونيّ للسعادة حيث لا ينبغي البحث عنها حسب أرسطو في عالم مفارق، إنّما يمكن للبشر أن يدركوا مقام السعادة بأعمالهم تلك التي غايتها الخير. وذلك إنّما يتمّ إدراكه بالفضيلة التي تقودنا إلى السعادة عبر اللذّة والخير. وتكمن الفضيلة في ما يسمّيه أرسطو بالاعتدال في الأفعال. غير أنّ أفعالنا لا تقود جميعها إلى السعادة. وحدها الأفعال التي نأتيها ونحن في لذّة دائمة هي التي نحصّل فيها مقام السعادة. كلّ الأفعال التي نقوم بها عن واجب أو أوامر قسريّة وحيث تكون النفس في حالة ألم هي أفعال دون مقام السعادة. وعليه وحده النشاط العقلي هو الدرب نحو تحصيل السعادة لأنّه مصحوب على الدوام بلذّة عقلية. فكلّ سعادة ترتبط ببهجة النفس وغبطتها لذلك تكون مصحوبة بلذّة لا تنتهي.
ثانيا: التعريف الفلسفي العربيّ نجده بخاصّة في كتاب الفارابي تحصيل السعادة[5] وفي كتاب التنبيه على سبيل السعادة.
وهو تعريف يعتبر وفق عبارات الفارابي أنّ "السعادة هي أعظم الخيرات" وذلك ضمن تصوّر للمدينة الفاضلة التي "تحتاج إلى الفضائل النظريّة والأخلاقيّة". وهذا التعريف يستأنف بشكل مغاير التعريف الأرسطي القديم بوصفه قائما على علاقة ضروريّة بين السعادة وتحصيل الحكمة. وهو ما يجعل لدى الفارابي: "حصول المعقولات الأولى للإنسان هو استكماله الأوّل. وهذه المعقولات إنّما جُعِلت له ليستعملها في أن يصير إلى استكماله الأخير. وذلك هو السعادة".
ثالثا: التعريف الحديث ونجده بخاصّة في كتاب الأخلاق لسبينوزا (1632-1677) الذي يعتبر أنّ السعادة هي الغبطة التي ندركها حينما نتحرّر من عبوديّة الأهواء ومن الخرافات والأحكام المسبقة. وينطلق سبينوزا من تعريف للإنسان بوصفه "رغبة في ماهيته" لذلك فإنّ قدره الوحيد هو الفرحة بالوجود، وإنّ الإنسان عنده قادر على أن يكون سيّدا على رغباته عبر التفكير ولذلك يمكنه إدراك البهجة التي دونما تضحية بالرغبة بوسعها أن تصير إلى غبطة أي إلى فرح تامّ ودائم.
وفي الحقيقة إنّ السؤال الفلسفي عن السعادة إنّما ظلّ يعاني من نقيضة عميقة اكتشفها كانط في كتاب نقد العقل العمليّ بين الذين يعتقدون بأنّ السعادة تكمن في اللذّات كما يذهب إلى ذلك إبيقور والذين يعتقدون بأنّ السعادة تكمن في الفضيلة أي الفضيلة العقليّة تحديدا أي كلّ التقليد الأفلاطوني والأرسطي الذي يجعل من الفيلسوف هو أكثر الناس قدرة على تحصيل السعادة وهو تقليد استأنفه عن اليونان الفارابي وابن سينا لكن بأشكال مغايرة وفي أفق ثقافة مختلفة. هذه النقيضة جعلت كانط يميّز بين أن يكون المرء سعيدا وأن يكون جديرا بالسعادة. وعند كانط وحده القادر على إتيان أفعاله وفق الواجب الخلقيّ الذي هو قانون كونيّ ملزم هو القادر على أن يكون جديرا بالسعادة. لكن السعادة ليست غاية للفعل الخلقي عند كانط. ولكنّ هذه النقيضة كان سبينوزا قد اجتنبها قبل كانط بأن صالح بين الإنسان ورغباته وقدرته على سيادة نفسه وتحريرها من الأهواء وهو شرط السير نحو غبطة النفس وبهجتها أي سعادتها. لكن لباديو أطروحة أخرى في السعادة: السعادة عنده قيمة نضاليّة تجد في طلب المستحيل متعتها القصوى وفي اللقاء بالحدث انبثاقها ومسارها وفي إتيقا الحقيقة أفقها الكبير.
كيف نستعيد السؤال الفلسفي عن السعادة مرّة أخرى بعد أن شحبت لوحة الفلسفة وإنحسرت شمسها؟ ذاك هو السؤال العامّ الذي يحتضن السؤال عن السعادة ضمن ضرب من إتيقا الحقيقة. وهو ما يجعلنا ننزّل حتما مسألة السعادة كما يطرحها باديو في هذا الكتاب ضمن ضرب من السؤال الإتيقي العامّ يضمّ لدى باديو إشتغالا على ّ مسألة الشرّ ضمن كتاب الإتيقا منذ 2003 ثمّ على مسألة الحبّ في كتابه في مدح الحبّ لسنة 2009 أيضا وصولا إلى الكتاب حول السعادة الحقيقيّة سنة 2015.
تلك مهمّة الفلسفة مرّة أخرى رغم كلّ الإعلانات الكلبيّة عن هشاشة الفلسفة وعن موتها القريب ورغم كلّ ضروب إبتذال مفهوم السعادة في عالم إرتدّ فيه البشر إلى أرقام إستهلاكيّة في مكنة الرأسماليّة المتوحّشة. في عالم البضائع المثيرة للغثيان، عالم المسوخ التي تعبر هذه السوق الكبيرة، يستعيد الفيلسوف صحّته ويأخذ الكلمة مرّة أخرى كي يقول لنا: ما هي السعادة؟ وهل ثمّة سعادة حقيقية وسعادة مغلوطة؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تقودنا ثانية إلى تحصيل السعادة؟ يتعلّق الأمر في هذا الكتاب بإعادة تنضيد للسؤال الفلسفي عن السعادة في أفق فلسفة نضاليّة رافضة لنظام العالم الحالي القائم على عولمة السوق وقيم الإمبرياليّة المتوحّشة.
وقبل أن نتوقّف عند المفهوم الفلسفيّ الدقيق الذي يقترحه علينا باديو للسعادة في هذا الكتاب، سوف نجمّع في لحظة أولى الملامح الأساسيّة لفلسفة باديو كما بسطها في أهمّ كتاباته. حيث أنّ من يتصفّح مسيرته الفلسفيّة يقف عند ثلاثة مفاهيم كبرى هي الناظمة لنسيجه الفلسفي العامّ وهي الحدث والحقيقة والذات. فالحقيقة إنّما هي شيء ما يحدث وليست مسألة نظريّة نتأمّلها أو نؤوّلها أو نبرهن عليها أو نثبتها. ليس ثمّة من حقائق جاهزة ولا من حقائق هي نور أو تنوير. وعليه فإنّ باديو إنّما يستحدث مفهوما جديدا للحقيقة تنبثق دوما صلب حدث ما. وهو بذلك يناقض التصوّر التقليدي للحقيقة بما هي تطابق بين المفهوم والموضوع. وهو أيضا في نفس الوقت يدافع عن مفهوم للحقيقة ضدّ كلّ البكائيّات الفلسفيّة المعاصرة التي إنتهت بأن تخلّت عن الحقيقة تحت تعلّة إنهزام أفق الكونيّة بتحوّله إلى حاضنة للفاشيات. فألان باديو لا تستهويه إغراءات اللغويين ولا الجمالويّين ولا دعاوى الديمقراطية الليبيرالية. إنّ الحقيقة هي على الوجه التحديد إستثناء حدثي وليس مبدأ نجاعة أو منفعة. إنّها ضرب من الوفاء لكنّه وفاء لإستمرار نضال ما ضدّ كلّ أشكال تحويل الشعوب إلى مكنات إستهلاكيّة وإلى أسواق كبيرة لنظام الرأسماليّة المعاصرة. إنّ الحقيقة لا توجد بالنسبة إلى المتفرّجين إنّما هي دوما كذلك بالنسبة إلى الفاعلين وإلى من صنعها: الفنّان والسياسيّ والعالم والمُحبُّ. في هذا السياق يصرّ باديو على جعل الحقيقة طلبا لما هو غير موجود. إنّها تحدث صُلب ضرب من "البريق لظاهر لم يكن وجوده ظاهرا للعيان- في السياسة: العبيد القدامى أو العمّال المعاصرون. وفي الفنّ ما لم يكن ذا شكل ويقع تحويله فجأة ..وفي الحبّ ضرب من الشرخ في صلابة الذات الفرد عبر إثنين..."[6]. أمّا عن مفهوم الذات الذي يستحدثه باديو فليست ذاتا سيكولوجيّة ولا ذاتا تأمّليّة (على طريقة ديكارت) ولا هي بالذات المتعالية (على طريقة كانط). إنّها ذات ناجمة عن لقاء حبّ بما هي ذات تفيض عن المُحبَّين. وذات المسار الفنّي ليست ذات الفنّان أو العبقريّة بحيث تكون وفق عبارة لباديو ضمن كتابه الإتيقا "النقاط –الذوات هي الآثار الفنّية"[7]
ووفقا لذلك يرسم باديو أفقا فلسفيّا جديدا لإختراع مفاهيم وأحداثا وحقائق جديدة. بحيث تكون الفلسفة قائمة على جملة من القواعد الفلسفيّة الطريفة من قبيل: "فلتبصر ما سوف يحدث، وليس فقط ما هو موجود" أو "إجعل من الكثرة التي هي أنت، جسدا في جسد، مادّة لا تُمحى للحقيقة" أو أيضا "إنّ الحقيقة هي ما لامتوقّع الأجساد"[8]
كلّ ذلك في أفق كبير هو أفق فلسفة مناضلة ضدّ حتميّة السوق، والتوافق التواصليّ، وخطابة الإنصاف، وإستبداد الرأي والإستسلام للفكر مابعد الحديث. هكذا تكون الفلسفة عنده ضرب من النضال السياسيّ حيث تكون السياسة ضرب من الوفاء للحدث الذي يعبّر فيه شعب ما عن نفسه. من أجل ذلك يخترع باديو ما يسمّيه "الماديّة الديمقراطيّة" ويجعل لها بروتوكولا خاصّا هو: "ليس ثمّة غير الأجساد واللغات وإن لم يكن فثمّة الحقائق"[9]. وهو بروتوكول يجد في المبدأ الكبير للفلسفة الذي وضعه باديو في البيان الثاني من أجل الفلسفة تعبيرته: "من أجل أن تفكّر عليك أن تنطلق دائما من الإستثناء القسريّ للحقائق، ولا من حريّة الآراء".[10]
من أجل عرض فكرة السعادة كما أرادها ألان باديو كآخر فلاسفة العالم الحاليّ وأكثرهم قربا منّا - نحن الساكنين قلب تاريخ زلالزله أكثر من نهاراته الهادئة وتعاسات شعوبه أكثر من لحظات سعادتهم- سنكتفي بقطاف أربعة أطروحات نراها كافية لترجمة عمق السؤال الفلسفي الجديد عن السعادة:
أوّلا: علينا أن نتمسّك بالرغبة في الفلسفة من أجل تمييز السعادة الحقيقية عن سعادة الإشباع.
ثانيا: في أنّ السؤال عن السعادة يقتضي من الفلسفة عدم التخلّي عن مطلب الحقيقة.
ثالثا: أن تكون سعيدا هو أن ترغب في تغيير العالم.
رابعا: إنّ كل سعادة حقيقيّة إنّما هي ضرب من الوفاء.
1) علينا أن نتمسّك بالرغبة في الفلسفة من أجل تمييز السعادة الحقيقيّة عن سعادة الإشباع:
ينطلق باديو من تعريف للفلسفة يرتضيه حقلا نظريّا لإحتضان السؤال الفلسفي عن السعادة. أنّ الفلسفة هي ضرب من "التمرّد المنطقي" وهو تعريف التقطه لدى رنسيار الذي إستلفه بدوره من عبارة للشاعر الفرنسي "الملعون" ريمبو[11] الذي يتحدّث عن "تمرّدات منطقية". وهنا علينا أن نفهم هذه العبارة في معنى دقيق: هو أنّ الفلسفة تمرّد عقلاني في معنى رهان كونيّ لمواجهة هذا العالم المعاصر القائم على الشظايا والشذرات والإختصاصات. وهو يقصد بذلك أنّ الفلسفة مسكونة في عمقها برغبة جامحة في الثورة على ما هو سائد من بديهيات ومعتقدات وسياسات. وعليه فإنّ الرغبة في الفلسفة إنّما هي منذ أفلاطون رغبة في ثورة الفكر ضدّ التصورات السائدة حول السعادة الحقيقة وسعادة إشباع الرغبات. وفي الحقيقة يجمّع باديو أربعة عناصر لتعريف الفلسفة: الأوّل أنّها تمرّد أو رغبة في تمرّد. والثاني هو أنّ الفلسفة قائمة على المنطق وهي بذلك لا يمكن أن تكون إلاّ كونيّة في عمقها وذاك هو العنصر الثالث ورابعا إنّ الفلسفة إنّما هي مغامرة ومخاطرة من أجل البحث عن حقيقة ما وسط هذا العالم المسكون بالزيف والكذب والمغالطات. لكن هل أنّ الفلسفة ممكنة في هذا العالم المعولم القائم على قيم الإستهلاك وتبادل السلع؟ يجيب باديو قائلا: "إنّي أعتقد أنّ العالم المعاصر، عالمنا، المسمّى أحيانا "العالم الغربيّ" إنّما يمارس ضغطا سلبيّا حيّا على الأبعاد الأربعة لمثل هذه الرغبة".[12]
وذلك يعني أنّ العالم الغربي المعاصر غير ملائم أبدا للفلسفة بما هي تمرّد وبما هي منطق وبما هي كونيّة وبما هي مخاطرة. في عالم يزعم فيه القائمون على إدارة أسواقه وعلى تدبير إنفعالات سكّانه، أنّ هذا العالم هو العالم الحرّ الذي بوسعه صناعة سعادة أفراده بقدر صناعته لركامات البضائع، يبدو أن لا حاجة لثورات تحرّر مادمنا نحسب أنفسنا في "أحسن العوالم الممكنة". إنّ عالما من هذا القبيل غير مناسب تماما للرغبة في الفلسفة بما هي رغبة في التمرّد. وعليه فإنّ العالم المعاصر غير مناسب لفكرة الثورة فهو يلفظها سلفا وهو أيضا غير مناسب لفكرة "استعمال حرّ للحريّة". وهو ما يكتبه باديو قائلا عن العالم المعاصر أنّه "في جوهره عالم غير مناسب لا لفكرة التمرّد من أجل أن نكون أحرارا، ...ولا هو بالمناسب أبدا لما يمكننا أن نسمّيه إستعمالا حرّا لهذه الحريّة، مادامت الحريّة إنّما هي مسجّلة أو وقع تسجيلها سلفا صُلب البريق اللامتناهي لإنتاج السلع وصُلب ما ينجزه إنطلاقا من هذه الحريّة التجريد الماليّ"[13]. هذا العالم هو عالم للسلع وليس عالما للحريّة، أي هو عالم للإستهلاك وليس عالما للفلسفة أو للسعادة. إنّه عالم غير جاهز لا لفكرة الثورة ولا لفكرة السعادة. وذلك لأنّ عالما من البضائع لا يمكنه أن يمنحنا غير سعادة الإشباع: إشباع رغباتنا اللامتناهية. إذن ليس بوسع ركام من السلع أن يمنحنا السعادة الحقيقيّة. فهو عالم لا يمكنه أن ينتج غير سعادة مغلوطة. ومن ثمّة معنى عنوان كتاب باديو "ميتافيزيقا السعادة الحقيقيّة". وهنا نتوقّف إذن عند أهمّ أطروحات الكتاب: لأنّ العالم المعاصر لا يمنحنا غير سعادة مغلوطة هي إشباع الرغبات الفرديّة، فإنّ الفيلسوف مطالب بالكشف عن زيف هذه السعادة وتوجيهنا نحو مفهوم مغاير من السعادة هي السعادة الحقيقيّة. ولأنّك أيضا من أجل أن تكون سعيدا، ينبغي أن ترفض مجرّد الإكتفاء بما لديك. إنّ السعادة قائمة في جوهرها على عدم الرضا وعدم القناعة بنظام العالم كما هو. وهنا يعترض باديو على التصوّر الرواقيّ للسعادة الذي يفترض ضربا من "التعاطف الكوني" والتصالح مع أقدارنا والرضا بما نحن عليه. ليست السعادة "محبّة القدر" كما قال نيتشه ولا هي آداء الواجب الخلقي كما يتصوّر كانط. بيد إنّ باديو لا يعترض فقط على التصوّرات الفلسفية القديمة لدى الرواقيين مثلا والكلاسيكية الحديثة لدى كانط ونيتشه مثلا هؤلاء الذين لا يؤمنون بأنّ الفلسفة يمكنها أن تمنحنا السعادة بل هو يعترض أيضا على التصوّر الليبيرالي للسعادة بما هي إشباع. فالسعادة عنده كونيّة في حين أنّ الإشباع فرديّ وأنانيّ. السعادة يمكنها أن تؤسس من جديد الرغبة [14] في الفلسفة والرغبة في الحياة الحقيقية في حين أنّ الإشباع لا يشبع غير حاجات فرديّة ضيّقة تحوّل الإنسان إلى وسيلة في مكنة الإستهلاك الكبيرة للعالم الرأسمالي المتوحّش.
وعلاوة على ذلك فإنّ مثل هذا العالم غير مناسب أيضا للعنصر الثاني من عناصر تعريف الفلسفة بما هي منطق. هذا عالم لا منطق له غير التواصل. غير أنّ وسائل التواصل إنّما هي أيضا متواطئة مع النظام الحاليّ للعالم فهو تواصل من أجل البيع والشراء وتبادل السلع وهو تواصل لا يمنحنا "غير مشهد بلا ذاكرة".[15] إنّ هذا العالم الرأسماليّ القائم على نموّ رأس المال وإنتشار قيمه في كلّ مكان من العالم، قيم تجارة المعادن والحروب، لا منطق له ولا إنسجام عقليّ فيه. وهو ما يعبّر عنه باديو قائلا: "إنّ هذا العالم غير مناسب للمنطق، وذلك لأنّه أساسا يخضع للبعد اللامنطقي للتواصل. إنّ التواصل وتنظيمه المادّي إنّما ينقل إلينا صورا، وبيانات، كلمات وشروحات، يكون مبدئها المقوّم لها هو عدم الإنسجام"[16].
وبالإضافة إلى كون هذا العالم المعاصر في تشخيص باديو هو عالم معاد للفلسفة بوصفه غير ملائم لا لروح التمرّد فيها ولا للمنطق الذي تنبني عليه، فإنّه أيضا عالم غير مناسب لقيم الكونيّة التي تقوم عليها كل فلسفة. ذلك أنّ شكل الكونيّة الوحيد في عالم قوامه إشباع رغبات الأفراد الأنانيّة، إنّما هي كونيّة المال والتجارة العالميّة وأجندات الحروب والنفط. وحده المال هو القيمة العالمية الوحيدة. وأخيرا إنّ عالمنا هو عالم يخلو من الرغبة في المغامرة. فكلّ شيء فيه قائم على الحساب والأمن. إنّه لعمري عالم لا يصلح لأيّة مراهنة ولا لأيّة مجازفة لأنّه لا أحد فيه مستعدّ أن يترك وجوده رهين الصدف واللقاءات العابرة والفجئيّة.
لقد فقد هذا العالم براءته وقدرته على المجازفة وصار فيه البشر مجرّد كائنات هشّة تطلب الأمن والحياة الهادئة التي تخلو من كلّ رغبة في المستحيل أو في اللامتوقّع. هكذا إذن تواجه الرغبة في الفلسفة أربعة تحديّات: سيادة السلع التي لا تلائم الرغبة في الثورة ولا تمنح غير إشباع لا ينتهي لرغبات الأفراد كما لو كان سعادة. هيمنة وسائل التواصل بطابعها اللامنطقي، كونيّة المال بدلا عن كونية القيم والحساب والأمن بدلا عن الرغبة في المخاطرة. كيف يمكن للفلسفة أن تواجه العالم المعاصر الذي لا يصلح نظامه لدعم أيّة رغبة في الفلسفة أي في الحقيقة أي في السعادة نفسها؟ ذاك هو السؤال الذي يؤرق باديو كما يقول أحد المهتمّين بفلسفته: "إنّ الأمر العاجل الوحيد - بالنسبة إلى باديو - الآن هو ترميم الفكر الفلسفيّ للحدث والدفاع عنه ضدّ المغتصِبين المعاصرين"[17].
2- ينبغي على الفلسفة عدم التخلّي عن مطلب الحقيقة:
وهنا يرسم ألان باديو خريطة للفلسفة المعاصرة مميّزا فيها بين ثلاث تيّارات: الفلسفة التأويليّة ممثّلة في فلسفتي هيدغر وغادامار بخاصّة، والفلسفة التحليليّة ممثّلة في فيتغنشتاين وكارناب وفلسفة ما بعد الحداثة أو التيّار التفكيكيّ ممثّلة في فلسفة ليوتار ودريدا بخاصّة. أمّا عن السؤال الذي يطرحه باديو على هذه الفلسفات الثلاث فيمكن صياغته كما يلي: كيف يمكن لهذه الفلسفة أن تعيد إلى العالم المعاصر الرغبة في الفلسفة وما هي المفاعيل الإبداعية التي يمكن للفلسفة أن تقدّمها لهذا العالم؟ كيف تعرّف كل فلسفة الحياة الحقيقيّة ومن ثمّة السعادة الحقيقية التي هي شعورها الأصليّ؟ وأيّ معنى يمكن قطافه للرغبة الثوريّة في كلّ فلسفة من هذه الفلسفات؟
أمّا عن الفلسفة التأويليّة فهي بحسب تشخيص ألان باديو إنّما هي تمنح الفلسفة مهمّة فهم معنى الوجود والفكر معتبرة أنّ وسيلة الفلسفة هي التأويل. إنّه تأويل لمعنى ما غامض ومتخفّي ومحجوب عنّا في أفعالنا وأقوالنا وأقدارنا التاريخيّة. وإنّ التأويل ههنا إنّما هو إنفتاح على المعنى من أجل منع الفكر من الإنغلاق على الغموض والحجب المتردّمة. وعليه فإنّ هذه الفلسفة تقرّ ضمنيّا بحسب تأويل باديو لها بأنّ "الرغبة الثوريّة، في الفكر، إنّما هي رغبة في إنقشاع الغيوم، وإنّ السعادة لهي شكل ذاتيّ من الإنفتاح".[18]
أمّا عن الفلسفة التحليليّة فهي تستعمل التحليل النحوي والمنطقي من أجل الفصل بين المعنى واللامعنى وبين ما يحقّ لنا قوله وما ينبغي علينا إسكاته. وإنّ المطلوب الفلسفي ههنا إنّما هو العثور على القاعدة التي تسمح بالتطابق مع المعنى. وهكذا فالفلسفة التحليلية لا تقيم مثل الفلسفة التأويلية تناقضا بين المغلق والمنفتح، إنّما يقع التناقض بين ما هو وفق القاعدة وما هو خارج عن القاعدة. فالفلسفة هنا لها وظيفة تطهيرية عيادية نقديّة. نحن لا نؤوّل المعاني بل نطهّر المعنى من اللامعنى ونمنع ما يخرج عن قاعدة المعنى المنطقية من الدخول دائرة الفلسفة نفسها. ووفقا لهذه الفلسفة تصبح "الرغبة الثوريّة، في الفكر، هي الرغبة في تقاسم ديمقراطيّ للمعنى. وإنّ السعادة الحقيقيّة هي الشعور بالديمقراطيّة"[19].
أمّا عن فلسفة ما بعد الحداثة فإنّ الهدف من الفلسفة صُلب خطّتها العميقة إنّما هو تفكيك البديهيّات الجاهزة للحداثة. حيث لم يعد الأمر يتعلّق في هكذا فلسفة لا بقطاف معنى ما متردّم تحت الحجب، ولا بالفصل بين منطقة المعنى ومنطقة اللامعنى. ذلك أنّ مسألة المعنى نفسها إنّما ينبغي بحسب فلاسفة ما بعد الحداثة أن تُطرح بشكل مغاير. أو بالأحرى ينبغي على الفلسفة تحديدا أن تضطلع بتفكيك المعنى وليس ببنائه أو الكشف عنه أو مراقبة قواعده. والمقصود بالتفكيك هاهنا إنّما هو زعزعة أشكال المعنى التقليديّة من قبيل فكرة التقدّم، وفكرة الإنسانيّة، فكرة التاريخ وفكرة الثورة. وذلك لأنّ المعنى ليس واحدا في أيّ قول ولا في أيّ فعل من أفعالنا. ثمّة دوما تعدّد لا متناه في السجلاّت واللغات، وفي الفكر وفي العمل بحيث لا يمكن الحديث أبدا عن معنى كلّي. وهنا يعرّف باديو في هذه الفلسفة "الرغبة الثوريّة بما هي الرغبة في إختراع أشكال جديدة من الحياة. وإنّ السعادة الحقيقيّة ليست سوى التمتّع بهذه الأشكال."[20]
هكذا يصوغ باديو الخريطة العامة للفلسفة المعاصرة بإعادة ترتيب أوراقها العميقة إنطلاقا من السؤال الفلسفي في السعادة بوصفه سؤالا خاصّا بطبيعة الرغبة الثوريّة أي الرغبة في الفلسفة نفسها بما هي ثورة على نظام العالم وطلب لحياة حقيقية أي لسعادة حقيقيّة. والسؤال الذي يهمّ باديو هاهنا إنّما هو التالي: ما هي العلامات المشتركة بين هذه الفلسفات الثلاث؟ وذلك من أجل أن يسائل أقطاب الفلسفة المعاصرة: ماذا فعلتم من أجل التمسّك بالرغبة في الفلسفة؟ هل رسمتم وجها للفلسفة قادرا على رفض نظام هذا العالم البائس؟ أم فشلتم في جعل الفلسفة مرّة أخرى كفيلة بإعادة السعادة إلى العالم؟ ومن المؤسف جدّا أنّ ما يجمع هذه الفلسفات هو تحديدا الفشل في التمسّك بمطلب الحقيقة كقوام لكل رغبة ثوريّة في تغيير العالم.
إنّها فلسفات تشترك بحسب باديو في خاصيّة سلبيّة هي إتّفاقها جميعا على غلق تاريخ الميتافيزيقا، وبالتالي غلق تاريخ الحقيقة. إنّ ماحدث في روح الفلسفة المعاصرة من تغيير من الفلسفة التقليدية إلى الفلسفة المعاصرة إنّما حدث تحت راية المرور من فلسفة الحقيقة إلى فلسفات المعنى: هو معنى نؤوّله تارة ونحلّله تارة ونفكّكه طورا آخر. إنّ ما وقع إذن في صُلب هذا التحوّل هو التخلّي عن مفهوم الحقيقة لأنّها مقولة ميتافيزيقية لا جدوى منها بعد الإعلان الفلسفي الكبير تحت راية هيدغر عن نهاية الميتافيزيقا. ما وقع تحديدا هو إذن التخلّي عن الحقيقة من أجل تأويل المعاني عند التأويليّين ومن أجل تحليل الألعاب اللغوية لدى التحليليّين ومن أجل تفكيك القوام التقليديّ للحقائق لدى التفكيكيّين.
وعلاوة على ذلك إنّ ما يجمع هذه الفلسفات إلى جانب تحوّلها عن مطلب الحقيقة هو التأكيد على القيمة الأساسيّة للغة. ويلخّص باديو وفقا لذلك كل الفلسفة المعاصرة في مسلّمتين: الأولى تقول "أنّ ميتافيزيقا الحقيقة قد أضحت مستحيلة". والثانية تقول "أنّ اللغة هي الموضع الحاسم للتفكير لأنّ مسألة المعنى إنّما تجد رهانها صُلبها"[21].
وتبعا لذلك فإنّ ما يقوم به باديو من أجل تجاوز هذه الفلسفات إنّما هو تحديدا إعادة تنضيد علاقة الفلسفة بالحقيقة. إنّه يستعيد مطلب الحقيقة أو هو يعيد إلى الفلسفة قدرتها على الحقيقة من أجل مقاومة عالما يقوم على الزيف والمغالطات. ثمّة خسارة كبرى للفلسفة حينما تتخلّى عن مطلب الحقيقة. سوف لن يكون بمقدورها مواجهة العالم المعاصر. فالفلسفة حينما تخسر قدرتها على طلب الحقيقة إنّما ستخسر رغبتها في الثورة وستتخلّى بذلك عن مطلب الحياة الحقيقيّة وبالتالي عن السعادة نفسها. وعليه ستكون هذه الفلسفات سواء كانت تأويليّة أو تحليليّة أو تفكيكية فلسفات إشباع وليست فلسفات سعادة.
كيف نفهم هذا الأمر؟ بالنسبة إلى باديو نحن نحتاج إلى نقطة توقّف لامشروطة من أجل كسر هذه السلسلة اللامتناهية لمجتمع تبادل السلع. لا شيء بوسعه إيقاف هذا البريق اللامتناهي لتدفّق السلع ودوّامة الرغبات الإستهلاكيّة غير مطلب جذريّ أو فكرة استراتيجية مناقضة تماما لمنطق العالم الإستهلاكيّ القائم على الإشباع والبضائع الأنانيّة والجاهلة معا. إنّنا في حاجة ماسّة إلى فكرة ما أو قيمة ما نسمّيها الحقيقة بها يمكن أن نخاطر من أجل إيقاف هذه السرعة المجنونة لحضارة البضاعة المطلقة. وهذا يعني أنّه علينا التمسّك بفكرة جديدة عن الحقيقة وعن الكونيّة معا وذلك من أجل المراهنة على شكل جديد من الكونيّة ضدّ "كونيّة الرعب التي لم تنتج غير الفاشيّات.
من أجل ذلك ينبغي العثور على أسلوب أو درب فلسفي مغاير للتأويل وللتحليل وللتفكيك معا، لا علاقة له ببكائيّات آخر القرن العشرين قرن الإكتئاب على نهايات حزينة للتاريخ وللفلسفة وللذات وللعالم نفسه. نحن الآن إنّما نحتاج إلى أسلوب فلسفي يستعيد الرغبة في الحقيقة كرادع مناقض لمنطق تعدّد السلع وتعدّد المعاني والكينونة المتشظّية التي تغري ببريقها بعض المعاصرين الذين لا يؤمنون بالحقيقة ولا بالرغبة في السعادة. وهو ما يعبّر عنه باديو قائلا: "إنّ إقتراحي يتمثّل إذن في القطع مع هذه الأطر في التفكير، في العثور أو في بناء ضمن تشكّلات وقع تجديدُها أسلوبا، أو دربا فلسفيّا، ليس هو بدرب التأويل ولا هو بدرب التحليل اللغويّ ولا هو بالتضييقات والمواربات والتفكيك. يتعلّق الأمر بالعثور على أسلوب فلسفيّ مُؤسِّس، وحاسم، في مدرسة ما كان يمثّله الأسلوب الفلسفي والكلاسيكيّ لديكارت مثلا"[22].
ضدّ هذه التيّارات الفلسفيّة المعاصرة التي أدّت إلى خسران الفلسفة لفكرة الحقيقة، يقترح إذن ألان باديو الرغبة في السعادة بما هي رغبة في الحياة الحقيقيّة. وذلك لأنّ ما حدث صٌلب الفلسفة اليوم على ركح المعنى سواء أوّلناه أو حلّلناه أو فكّكناه هو ضرب من مجاراة العالم المعاصر في منطقه القائم على بريق التعدّد والتفكيك والتشظّي اللامتناهي. نحن إزاء مشهد كبير بلا ذاكرة، وبلا نقطة أرخميدس التي كانت يوما ما تشدّ العالم إلى حقيقة ما بدلا من هذا السقوط الحرّ في سوق السلع الملهوفة على إشباع رغبات الأفراد التي لا تنتهي. لقد فشلت الفلسفات المعاصرة في منحنا إمكانيّة التفكير بمفهوم جديد للسعادة. لذلك يقترح باديو تجديد مفهوم الفلسفة نفسها مقترحا وجهتين. الأولى سالبة وهي تقول للمنعرج اللغوي الكبير للفلسفة المعاصرة أنّ "اللغة ليست هي الأفق المطلق للفكر". أمّا الثانية فموجبة وتقترح على الفلسفة رغبة جديدة في إستعادة قضيّة أو فكرة يختار باديو أن يسمّيها بالإسم القديم "الحقيقة": "سوف نقرّ أنّ الدورالخاصّ، والذي لا يقبل الإختزال، الدور الفريد للفلسفة، إنّما هو التأسيس لنقطة ثابتة صُلب القول، أي العثور أو إقتراح إسما أو مقولة لمثل هذه النقطة الثابتة. وإنّه ضمن مشروعي الخاصّ إنّما قد استعدت الإسم القديم "للحقيقة"، لكن ما همّنا والأسماء، ما يهمّنا، هو القدرة على إقتراح فلسفيّ ما من أجل إقامة أمر لامشروط من هذا القبيل".[23]
ههنا ينبغي أن نؤكّد على الدور الإستراتيجيّ الكبير لمفهوم الحقيقة الذي يقترحه باديو متخفّيا في الظاهر وراء إسم عجوز وهو في الواقع إنّما يقطع تماما مع المفهوم التقليدي للحقيقة بحيث لا يبقي إلاّ على الإسم في عبقه ونفوذه الفلسفيّ. مثلما قام بذلك كانط في نقد العقل المحض حينما أراد إستعادة قدرة مفهوم "الفكرة" على توجيهنا مرّة أخرى على الدروب الآمنة للعلم فإستعاد إسم "الفكرة" لما لديها من بريق وإقتدار فلسفيّ منذ أفلاطون. إنّ ألان باديو مثل كانط الذي يمنح الفكرة دورا إستكشافيّا جدليّا، يمنح الحقيقة قيمة إستراتيجيّة من أجل مواجهة منطق العالم المعاصر القائم على الزيف والمغالطات. فالحقيقة عند باديو ليست موضوعة للتعريف ولا للبرهنة ولا للإثبات. إنّها تكتفي دوما بوضع شروط إمكانها صُلب حدث ما. يكتب باديو حول إستعاداته لمفاهيم قديمة رغم منحها لمضامين جديدة في كتاب الإتيقا (2003)، ما يلي: "إنّها مهمّة ثقيلة على الفيلسوف، أن يقتلع الأسماء من اللذين يفسدون إستعمالها. لقد تحمّل أفلاطون كلّ مشقّات العالم من أجل أن يتمسّك بكلمة العدالة وذلك ضدّ الإستعمال التافه والمتقلّب الذين يقوم به السفسطائيّون لها.."[24]
في عالم يتّسم بالسرعة وعدم الإنسجام، على الفلسفة إذن أن تمكنّنا في الوقت المناسب دوما، في شكل من القطيعة أو من الشرخ لهذا الإيقاع السريع والمسعور، أن نقول أنّ هذا خير وهذا ليس بخير. تلك هي مهمّة الفلسفة بعامّة لكنّ مهمّتها الأكثر خطورة اليوم هي قدرتها على منح البطء. بطء الفكر وزمانه الخاصّ. وأن تقول لكلّ منّا هذه المرّة: تمهّل يا صاح لا تسرع الخطو. ههنا إنزلاق وههنا منحدر. فسرعة العالم المعاصر سرعة عمياء لذلك هو عالم ينحدر. ماذا يمكن للفلسفة أن تقدّمه إلى هذا العالم غير إيقاف سرعة إنحداره؟ يمكن لها أن تفعل شيئا آخر: أن تطلب الحقيقة والحياة الحقيقية والسعادة الحقيقيّة. لذلك عليها أن تستعيد الرغبة في الفلسفة أوّلا. بوسع الفلسفة أن تمنح للسعادة مفهوما جديدا. بوسعها أن تقول للعالم: ثمّة إمكانيّة للبهجة مرّة أخرى. لكن بهجة العالم لا ننتظرها وهي ليست وعدا طوباويّا أو إسكاتولوجيّا بل هي حقيقة محايثة في شكل حدث جديد في كل مرّة.
ولكن لأنّ الفلسفة مريضة بعد أن ضيّعت مطلب الحقيقة، وهذا أمر لا ريب فيه في أيّامنا هذه، فالمطلوب بشكل من المفارقة الغريبة إنّما هو دعم رغبة المريض في أن يحيا مرّة أخرى بدلا من الإعلان الملحّ بشكل كلبيّ كما يفعل فلاسفة هذا العصرعلى موته. وإذا كان كلّ نظام العالم القائم على التواصل وتبادل السلع وقيم الأمن وسعادة الإشباع إنّما هو نظام موجّه لإضعاف الرغبة في الفلسفة، فإنّ هذا العالم نفسه إنّما بحسب عبارات ألان باديو: "يخلق وينظّم على نحو مفارق ومن داخل نظامه الخاصّ، مطلبا يتوجّه بشكل مبهم كما إلى فراغ نحو إمكانيّة الفلسفة نفسها"[25]
لماذا الحاجة إلى الفلسفة؟ ثمّة أربعة عناصر للإجابة عن هكذا سؤال: الأولى: لأنّ العالم مقتنع اليوم أنّ العلوم الإنسانيّة التي إرتدّت إلى مجرّد إحصائيّات باهتة لا يمكنها بأيّ شكل أن تقوم مقام الفلسفة. أمّا الثانية: فتتمثّل في إنهزام أشكال الذات الجمعيّة من قبيل مفهوم الطبقة وتحوّل مقولاتنا التقليدية للتفكير في مثل هذه الأشكال من الوجود المشترك إلى مقولات منهكة. ثالثا: إنّنا نشهد على غزوات شرسة للإنفعالات الجماعويّة الخطيرة الدينية والعرقيّة والقوميّة. وهي لعمري إنفعالات هادمة للتشكّلات العقلانيّة الكبرى للذات الجماعيّة. ولأنّه ثمّة إرتداد للأشكال العقلانيّة السابقة للمصير التاريخي لما هو جماعيّ، ولأنّه لم يعد لدينا غير مقولات متعبة للتفكير في أشكال عقلانيّة من الوجود الجماعيّ تكون الفلسفة مطالبة بإقتراح شكل عقلاني عليها أن تدافع عنه. رابعا: نحن في عالم يعاني من مفارقة فظيعة. فهو من جهة يقترح نفسه بوصفه "أحسن العوالم الممكنة" لكنّه من جهة أخرى إنّما هو عالم هشّ وقابل للضرر وفي حالة إنحدار. ذلك أنّ الحروب التي تدمّر الحياة في أكثر بلاد اليوم إنّما تمثّل علامة صاخبة على هشاشة هذا العالم القصوى بل وعلى ما يسمّيه باديو بالحرف الواحد "الأنانيّة الغربيّة"[26].
وعليه، إزاء هذه الهشاشة الخطيرة لعالم يقترح علينا في كل لحظة، إضافة إلى ركامات البضائع والوعود المخيّبة للآمال بالسعادة، أشكالا من الفظاعة بحيث بوسعه أن يسقط في أيّة لحظة في العنف والقمع والحرب، فإنّه على الفلسفة أن تكون قادرة على مواجهة الحدث وملاقاته وجها لوجه بوصفه حدثا، أي بوصفه مفاجأة وإستيلاء وعارضا، يمكنها التفكير فيه صُلب تشكّل عقلانيّ قائم على مطلب الحقيقة. وهو ما يصرّح به باديو قائلا: "لذلك فإنّي أعتقد، وعلى حساب ضرب من القطيعة مع التأويلية والتحليلية وفلسفة ما بعد الحداثة، أنّ ما هو مطلوب من الفلسفة، ومن داخل هشاشة العالم اللامتناهية، هو أن نراهن على فلسفة حاسمة، ومؤسِّسة تكون فلسفة الفرادة، فلسفة الحقيقة، فلسفة عقلانيّة وفلسفة الحدث".[27]
يبدو إذن أنّ الفلسفات السائدة اليوم إنّما هي فلسفات ملائمة جدّا لقوانين هذا العالم لأنّها قد فشلت في أن ّتحدّد لنا ما يمكن للحياة الحقيقية أن تكون. لذلك بالضبط يصرّح باديو بأنّ "عالمنا يحتاج إلى الفلسفة أكثر ممّ تتصوّر الفلسفة نفسها"[28]. لذلك لقد آن الأوان أن ننهي فلسفة النهايات. تلك التي ما انفكّت منذ قرنين من الزمن عن الإعلان عن نهاية التاريخ ونهاية الفلسفة ونهاية الذات ونهاية الميتافيزيقا ونهاية الحقيقة. نعم، مهمّة الفلسفة اليوم هي تحديدا "أن تنهي النهايات"[29]. فلغة النهايات هي لغة مدسوسة باللاهوت والمضامين الإسكاتولوجيّة. ضدّ كهنة الفلسفة الجُدُد يحزم باديو أمر الفلسفة ذلك أنّ النهاية لا تنتهي لوحدها إنّما نحتاج إلى قرار حاسم لإنهائها، فكلّ "نهاية إنّما هي لامتناهية". فإن كانت الفلسفة نفسها هي بصدد النهاية والإعلان عن موتها القريب، فالمطلوب هو إستعادتها وإستنهاض همّتها ومناداتها: أن إنهضي وسيري بنا ثانية على درب الحياة. إنهضي فليس خبر موتك غير إشاعة مغرضة، أو كذبة في خضمّ سوق الأكاذيب التي حلّت محلّ الحقائق، تلك التي تخلّيت عنها أو فشلت في إختراعها. نعم ثمّة إمكانيّة للحقيقة مرّة أخرى لأنّ حقيقة ما هي فقط تجعلنا نتمسّك بالرغبة في الفلسفة أي بالرغبة في تغيير العالم وتلك هي السعادة الحقيقيّة نفسها.
3) أن تكون سعيدا هو أن ترغب في تغيير العالم:
يميّز ألان باديو في مقاربته للعلاقة بين الفلسفة والسعادة بين ضربين من الفلسفة: فلسفة الفلاسفة من قبيل التأويليين والتحليين والتفكيكيين وفلسفة المضادّين للفلسفة من قبيل باسكال وروسو ونيتشه وفيتغنشتاين. هؤلاء الذين تتعالى أصواتهم ضدّ الفلاسفة، -بحيث يضحي ديكارت في عينيّ باسكال "غير نافع وغير ذي يقين" ويصير فولتار وديدرو وهيوم لدى روسو "فاسدين ومتآمرين" ويصير الفيلسوف نفسه لدى نيتشه "مجرم المجرمين"، وتصير الميتافيزيقا نفسها لدى فيتغنشتاين "مجرّد ضروب من اللامعنى"، - هؤلاء مضادّين للفلسفة من داخل الفلسفة، والمقصود للفلسفة الكلاسيكيّة القائمة على "البحث عن الحقيقة" وعلى الإيمان بأنّه ثمّة حياة حقيقيّة وسعادة حقيقيّة على الفلسفة أن تضطلع ببناء مفهوم كبير لها. إنّ هؤلاء المضادّين للفلسفة هم في إعتبار باديو، كتّاب كبار، إن لم يكونوا فلاسفة، وهو أقلّ ما يُقال فيهم. لكنّ فيلسوفنا ألان باديو هذا المحبّ للمفهوم والشغوف بالحقيقة والنسق، لا تستهويه هذي "الأناشيد المذهلة والمغويات اللاحمة "[30]. بيد أنّه ثمّة فعلا ما يستهويه لدى هؤلاء المضادّين للفلسفة هو تمسّكهم بأن تبقى الذات في أعالي المطلق الذي تلتقي به في نفسها (الضمير لدى روسو والإختيار لدى كيركغارد). اللّقاء هو مفهوم أساسيّ هاهنا. وقد إستعاده باديو من نصّ لكيركغارد مفاده أنّ "الذات لا يمكنها أن تجد حياتها الحقيقيّة ضمن الحياة اليوميّة، إنّما تستدلّ عليها فيم يمكنها أن تلتقي به صُلب الحياة نفسها"[31]
إنّ السعادة إذن هي وليدة لقاءات. لقاء حبّ مثلا. وليست نتاجا لإشباعات. ذلك لأنّ الذات لا يمكنها أن تجد سعادتها أي حياتها الحقيقيّة في الحياة السائدة، إنّما عليها أن تلتقي بها في خضمّ الحياة وفي عمقها. اللقاء بحقيقة حبّ أو بحقيقة سياسيّة أو فنّية أو علميّة: تلك هي السعادة.
ذلك أنّ "الوجود قادر على ما هو أكثر من مجرّد استمراره". تلك هي القاعدة الذهبيّة التي يخرج بها الفيلسوف ألان باديو من مروره عبر ركح من أسماهم بالمضادّين للفلسفة. لقد تعلّم من هؤلاء أنّ السعادة تكمن في فرحة المحبّين بلقاء الحبّ، وفي غبطة العلماء بلقاء الحقيقة العلميّة وبحماسة المناضلين حين يلتقون بلحظة الثورة، ومتعة الفنّانين لحظة إبداع آثارهم الفنّانين. نحتاج إذن من أجل الرغبة في الفلسفة والرغبة في الحقيقة والرغبة في السعادة إلى "فكرة ما عن الإبداع. وما الإبداع غير رغبة في تغيير العالم.
نعم، نحتاج إلى تغيير العالم من أجل أن نكون سعداء. تلك هي أهمّ أطروحة يقترحها علينا ألان باديو هذا الكتاب. لكن من أجل إنشاء فلسفة في السعادة لا تقوم على مفهوم كسول يجعل منها مجرّد تعاطف مع نظام العالم أو مجرّد قناعة بما تمنحك الأقدار، يقترح علينا باديو مفهوما طريفا وغير مسبوق للسعادة. هو مفهوم يمكننا وصفه بالمفهوم النضالي للسعادة. إنّ السعادة هاهنا تكفّ عن أن تكون سعادة "استكمال المعارف" كما في التصوّر التقليديّ من أرسطو إلى إبن سينا، ولا هي تكمن في غبطة النفس بتصالحها مع رغباتها وتحرّرها من الأهواء (سبينوزا) إنّما السعادة ههنا سعادة ثوريّة لا في المعنى الماركسيّ التاريخي للثورة، لأنّ باديو يعلم جيّدا أنّ ذاك المعنى لم يعد ممكنا، بل في معنى مغاير. ههنا يقترح باديو أن تكون الفلسفة في حجم هذا العالم الذي تطرح على نفسها تغييره. إنّ عالما قائما على أشكال من السعادة الصغيرة والأليفة وعلى قيم الإستهلاك الكسولة والجشعة معا، وعلى إخضاع الجميع إلى منطق رأس المال كما لو كان قدرهم الوحيد، يحتاج إلى مفهوم حقيقي للسعادة. السعادة هي إذن الرغبة في تغيير العالم لأنّ عالمنا الحاليّ لا يمنحنا غير سعادة مغلوطة أو غير أشكال مسمومة ومفخّخة من التعاسة.
لكن أيّ عالم ينبغي تغييره؟ وما معنى أن "نغيّر العالم"؟ هنا يذكّر باديو بالتعاريف المتعدّدة لمفهوم العالم. فالعالم هو العالم الباطني، عالم التمثّلات والمشاعر والأهواء والآراء والذكريات. هو عالم الأفراد بأرواحهم وأجسادهم. وثمّة أيضا العالم الجماعي والمشترك وهو عالم العائلة والمهنة واللغة والدين والثقافة والأمّة. وثمّة أيضا العالم التاريخي الكوني للإنسانيّة بعامّة. وعالم الطبيعة أيضا بأشجارها وبحارها وجبالها هي عالم. وثمّة الكون الكبير بمجرّاته وشموسه ونجومه وكواكبه هو أيضا عالم.
وفي الحقيقة علينا أن نشير هاهنا إلى أنّ باديو إنّما يقترح تصوّرا جديدا "لتغيير العالم" هذا الشعار الماركسيّ الذي إلتقطه الماركسيّون من الأطروحة الحادية عشر ضدّ فيورباخ، يمكن فهمه من خلال حوار أجراه معه دانيال بن سعيد[32] سنة بتاريخ 2001. حيث يقول: "كلّ المسألة تكمن عندي في أنّ تغييرا حقيقيّا معيّنا، ليس "للعالم"، إنّما لعالم ما، إنّما هو نتاج مسار حقيقة". والحقيقة هي ضرب من الوفاء للحدث والحدث هو ما ليس وجودا. كيف ينبثق حدث ما فيصير تغييرا أي حقيقة ما؟ يميّز باديو هاهنا بين أربعة معان للتغيير نفسه. فهو أوّلا "تبديل" أو تحوير لا يكون في الحقيقة سوى مطابقة لقوانين العالم؛ وهو ثانيا ضرب من "الحراك" المحلّي لكنّه لم يكتسب تغييرا عامّا للقوانين؛ وهو ثالثا، ضرب من "الفرادة الضعيفة" التي رغم كونها تتجلّى بقوّة تبقى دوما وفق قوانين، وهو رابعا وأخيرا ضرب من "الفرادة القويّة" أو "الحدث" الذي يغيّر نظام مظهر الكثرات في العالم بإقتداره الخاصّ وبقوّته العاصفة لنتائجه معا.ويضيف باديو في نفس النصّ أي الحوار راسما علاقة حميمة بين الفلسفة وتغيير العالم عبر المفهوم الجديد للحقيقة: "وإذا إعتبرنا أنّ الفلسفة هي خادمة للحقائق، بالتعرّف على شكلها وبفحص معاصرتها، فإنّه من الواضح إذن أنّها خادمة للحقائق السياسيّة. وهي بهذا المعنى إنّما هي تُساهم في تغيير العالم. إنّها لعمري حقيقة مناضلة".
ما معنى أن نغيّر العالم حينئذ؟ يجيب باديو بأنّ كلّ تعاريفنا غير دقيقة ولذلك ربّما يكون من الأنجع الجمع بين شعارين: "كونوا واقعيّين وإطلبوا المستحيل" مع جملة عجيبة لجاك لاكان: "إنّ الواقع هو المستحيل". أن نغيّر العالم هو إذن أن نطلب المستحيل بما هو الواقع عينه، الواقع الحقيقيّ كي نواجه الواقع الزائف. هكذا إذن يكون تعريف السعادة الحقيقيّة كما يتصوّرها باديو: "إنّ السعادة إنّما هي دوما متعة المستحيل"[33].
4) إنّ السعادة هي ضرب من الوفاء لفكرة المستحيل:
إنّ مفهوم السعادة بما هي طلب للمستحيل في عالم تستحيل فيه السعادة الحقيقيّة إنّما يقتضي منّا تنشيط قيمة الوفاء. لكن أيّ معنى للوفاء يقصده هاهنا باديو؟ هل هو وفاء المحبّين الذي لا يقبل أيّ شكل من الخيانة؟ ما معنى الوفاء للمستحيل؟ ما يقصده باديو هو ما يسمّيه "الوفاء للحدث". لكن أيّ معنى للوفاء هاهنا؟ هل يتعلّق الأمر بضرب من الإستعادة للوفاء بوصفه قيمة أخلاقيّة محافظة؟ أم هو ضرب جديد من الوفاء بما هو قيمة سياسيّة نضاليّة؟ ما يقصده باديو هو ضرب جديد من الوفاء. الوفاء ههنا إنّما هو دوما "وفاء ما للأحداث التي قالت فيها الضحايا كلمتها". والوفاء هو عدم خيانتك للرغبة في تغيير العالم، أي في تجريب ما ليس موجودا. إنّ مفهوم الوفاء إنّما يشتغل لدى باديو دائما تحت راية قاعدة فلسفيّة جديدة هي: "واصل …لا تتخلّى"[34] عن رغبتك في طلب المستحيل تتوقّف عن رغبتك في المستحيل. وذلك ضدّ كلّ المذاهب القائمة على الإنتظار وعلى القيم السلبيّة التشاؤميّة والحزينة والتي لا تصلح إلاّ لإنتاج العبيد أكثر فأكثر. لذلك بالضبط يكون الوفاء بدلا عن وعود الساسة الزائفة وبدلا عن آمال الطوباويين وأوهامهم وبدلا عن بكائيّات المتشائمين وصنّاع الإكتئاب. هو وفاء للحدث حيث يكون الحدث هو جملة "الأفعال والإبداعات والمنظّمات والأفكار التي تقبل الإمكانيّة الجذريّة الجديدة التي تجعل من المستحيل قانونا للعالم"[35].
ومن أجل ذلك ينبغي أن يكون ثمّة ذات لإبداع السعادة وللإستمتاع بها. ومن أجل التعريف بهذا الشكل الجديد من الذات ينبغي التمييز بين ثلاث ميزات تتصّف بها الذات التي بوسعها أن ترغب في السعادة: أوّلا: هي ذات تتمثّل حريّتها في إبداع شيء ما داخل العالم لكن بوصفها استثناء. لكن ينبغي التنبيه على أنّ الحريّة الحقيقيّة لا تكمن في أن يفعل المرء ما يحلو له، لأنّ ما يحلو إنّما هو دوما ملائم لنظام العالم. بل إنّ الحريّة الحقّة هي بالتحديد إبداع ما يعيّنه الواقع بما هو استثناء أي مواجهة لنظام العالم. ذلك أنّ الواقع الذي تبدعه ذات-السعادة إنّما يتناقض ضرورة مع ضغوطات العالم.
ثانيا: إنّ ذات-السعادة لا يمكنها أن تنغلق على هُويّة ما. ذلك أنّ مسار الحريّة هو دوما مسار مفتوح ولامتناهي. وطبقا لذلك يكون أثر فنّي ما أو ثورة سياسيّة أو حقيقة علميّة أو لحظة حبّ شأنا يهمّ الإنسانيّة قاطبة وليس هو بالخاصّ بشخص أو بعرق أو بملّة أو بهويّة مهما كانت. إنّ ذات-السعادة بما هي إستثناء محايث، هي "ذات بلا وطن".[36] لذلك فإنّ السعادة إنّما هي مناقضة لكلّ عائق هوويّ.
ثالثا: إنّ ذات-السعادة إنّما تكمن كينونتها في إكتشافها صلب نفسها، لقدرتها على إبداع شيء ما لم تكن نعلم أنّها قادرة على إبداعه. فالسعادة بهذا المعنى هي انتصار على تناهي الإنسان. وهي بالتالي مناقضة تماما لكلّ أشكال الرضا بما يحدث لنا وبما يمنحه لنا العالم المعاصر من أشكال السعادة المغلوطة. أن تكون سعيدا إذن هو أن تكون في حالة عدم رضا بما يحدث في حياتك وأن تطلب حياة حقيقية يقع فيها توزيع جديد للحقيقة وللسعادة وللحياة في آن معا.
إنّ العلاقة بين مفاهيم الذات والسعادة والحقيقة هي علاقة وثيقة في تصوّر باديو لأنّه من أجل تغيير العالم ينبغي إقتراح مفهوم جديد للذات ليس هو المفهوم التقليدي لها حيث تكون قوام للحقيقة وضامنا أنطولوجيّا لها. الذات هنا هي ذات السعادة أي ذات التغيير. وهو ما يقوله باديو ضمن الحوار المذكور أعلاه الذي أجراه معه دانيال سعيد: "إنّ الذات تتغيّر، لا لأنّها ترى ما لا يوجد، إنّما لأنّها تجرّبُ أنّه ثمّة شيء آخر. إنّ ما ليس هو المهمّ. ذلك أنّ ظهور ما ليس إنّما هو أصل كلّ إقتدار ذاتيّ حقيقيّ!". بل وأكثر من ذلك "لأنّا نحن لاشيء، لنكن كلّ شيء إذن"[37].
خاتمة:
يبقى إذن الفيلسوف هو أسعد الناس في هذا العالم. وذلك لأنّه يؤمن أنّ السعادة هي دوما ممكنة مرّة أخرى. ههنا لا تكمن السعادة في سعادة المترفين وذوي البطون المشبعة بل تكمن في بهجة الحياة حينما نحبّ وحينما نبدع فنّا وحينما نبتهج بولادة حقيقة ما. نحن نسعد بكلّ تغيير بهيج لما يحدث لنا. لا ينبغي أن نتأمّل الوجود وأن ننعم بدفء أحضان الكينونة النائمة، إنّما علينا الذهاب دوما لملاقاة الحدث. حدث ما هو ذاك الذ
Click here to claim your Sponsored Listing.
Location
Category
Telephone
Website
Address
Rabat