أخبار ثانوية الوحدة

أخبار ثانوية الوحدة Contact information, map and directions, contact form, opening hours, services, ratings, photos, videos and announcements from أخبار ثانوية الوحدة, Middle School, Oued Amlil.

لطالما رويت لكم حكاياتٍ عشتها، وأخرى نسجتها من خيالي، ثم تركت فيها لأفكاري أن تتجول حيث تشاء... لم أخبركم يومًا أيها كان...
24/07/2026

لطالما رويت لكم حكاياتٍ عشتها، وأخرى نسجتها من خيالي، ثم تركت فيها لأفكاري أن تتجول حيث تشاء... لم أخبركم يومًا أيها كان الحقيقة وأيها كان محض خيال، لأن بعض الخيال يشبه الواقع إلى حدٍ مرعب، وبعض الواقع يبدو كذبًا من شدة قسوته….

أما اليوم… فلن أحكي لكم قصة سمعتها، بل قصة أراها كل صباح، تسير أمامي على قدمين، وتلقي عليّ التحية بابتسامة صغيرة لا تكفي لتخفي ما خلفها من خراب….

إنها زميلتي في العمل…. منذ سنوات وهي تعمل في الإدارة نفسها…. امرأة هادئة إلى درجة أنك تكاد تنساها وهي تجلس أمامك…. لا ترفع صوتها، لا تدخل في نقاشات، لا تشاركنا ضحكات الاستراحة، ولا تتحدث عن حياتها كما يفعل الآخرون…. كانت تدخل كل صباح في الموعد نفسه، تحمل حقيبة صغيرة، وعلبة طعام أعدتها بيديها، وتجلس خلف مكتبها وكأنها جزء من أثاث المكان….

كانت تؤدي عملها بإتقان نادر، ثم تجمع أوراقها عند نهاية الدوام، تمشي بخطوات ثابتة نحو سيارتها، وترحل بهدوء…

سنوات كاملة… ولم يخطر ببالي أن أسألها: كيف حالك ؟…

كنت أظن أن الصمت يعني السلام، وأن الإنسان الذي لا يشتكي لا يحمل همًا، وأن الوجه الذي لا يطلب شيئًا لا ينقصه شيء….

كم كنا أغبياء… في صباح الأمس، طرقت باب مكتبي… استأذنت في الدخول بصوت خافت، ثم قالت: (هل تسمح لي أن آخذ من وقتك بضع دقائق؟)…

استغربت قليلًا، فهي ليست من الموظفين الذين يطلبون لقاءً خاصًا بي …. رحبت بها، وأشرت إلى الكرسي المقابل…جلست…

ساد الصمت بيننا…. كنت أنتظر أن تبدأ بالحديث، لكنها بقيت تحدق في الأرض، ثم أخذت أصابعها ترتجف، وبعد ثوانٍ قليلة فقط… انفجرت بالبكاء…. لم يكن بكاءً عاديًا، بل بكاء إنسان ظل سنوات يحبس دمعه حتى صار الدمع أثقل من القلب نفسه….

ارتفع صوت شهقاتها داخل المكتب، حتى شعرت أن الجدران تضيق علينا…. قلت مرتبكًا: (ما الذي حدث؟ لماذا تبكين؟)…

رفعت رأسها نحوي، وعيناها غارقتان في الدموع، وقالت بصوت متقطع: (أنتم… لا تعرفون عني شيئًا …) ثم أضافت:

(كلكم تظنون أنني آلة... ترون حضوري وانصرافي، ساعات عملي، تقاريري، إنجازاتي… ولا أحد منكم سأل نفسه: كيف تعيش هذه المرأة حين تعود إلى بيتها؟..)…

كانت الكلمات تخرج منها ممزوجة بالبكاء….ثم نظرت إليّ مباشرة و قالت: ( وأنت بالذات… لا أطيق النظر إليك…)..

شعرت أن كلماتها صفعتني دون ان أتوقع ذلك… و قفت من مكاني، اقتربت منها، وربتُّ على كتفها برفق، وسألتها:

(هل هناك شيء لا أعرفه؟..)… ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت: ( بل هناك عمر كامل لا تعرفه…)…

ثم بدأت تحكي…قائلة :

(كان عمري ستة عشر عامًا عندما خرجت عائلتي إلى عرس ابنة خالتي )…. توقفت قليلًا، وكأنها تعيش اللحظة من جديد…. وفي الطريق… وقع الحادث … في يوم واحد… فقدت أمي، وخالاتي، وخالي، وأبناءهم …. في يوم واحد… صار البيت فارغًا…

ساد الصمت….. ثم أكملت: ( كنت أكبر إخوتي، فأصبحت أمًا لهم قبل أن أعرف معنى الأمومة…. وبعد أشهر قليلة… انهار أبي…. قال الأطباء إنه السرطان ينخر جسده الهزيل … و منذ ذلك اليوم، انقسمت حياتي بين المستشفى والبيت و الدراسة و العمل …

كنت أطعم إخوتي، أوقظهم للمدرسة، أذاكر معهم، أعمل نهارًا، وأسهر بجوار أبي ليلًا …. ثم نظرت إليّ وقالت: ( هل تعرف لماذا لم أتزوج؟ )… هززت رأسي بالنفي…. قالت:

لأنني كنت أخشى أن أترك أبي وحيدًا … و أخشى أن يشعر إخوتي أنهم صاروا بلا أم للمرة الثانية …. ضحيت بعمري كله… دون أن أشعر … و حين التفتُّ إلى المرآة بعد سنوات… لم أجد تلك الفتاة الجميلة و البريئة.. وجدت امرأة أنهكها التعب …

سكتت لحظة، ثم استأنفت الحديث : كبر إخوتي….تخرجوا …تزوجوا… أنجبت أخواتي أطفالًا…. و أصبح لكل واحد منهم بيت وحياة … أما أنا… فبقيت بجوار أبي… حتى مات ….

عندما قالت الجملة الأخيرة، خنقها البكاء…. ثم همست: تعرف ما الذي قتلني يوم وفاته؟…. لم يكن الموت … بل شعوري بأن آخر مهمة كلفتني بها الحياة قد انتهت…. استيقظت في اليوم التالي… ولم يعد أحد يحتاجني….

حنيت رأسي ….أما هي فأكملت: ظننت أن إخوتي سيملؤون هذا الفراغ الذي اصبحت اعيشه… لكنهم ابتعدوا… في البداية كانوا يتصلون…. ثم أصبحت الاتصالات أقل…. ثم صارت المناسبات… ثم صار الصمت…. و اليوم… قد تمر شهور كاملة، ولا يسأل أحدهم إن كنت ما زلت حية….

ثم قالت وهي تنظر إلى يديها المتعبتين: أتعرف ما أقسى شيء في التضحية..؟… أن الذين ضحيت من أجلهم… يعتادون تضحيتك حتى يظنوها واجبًا …. ينسون أنك كنت إنسانة…. ينسون أنك كنت تحلمين…. ينسون أنك كنت تستحقين حياة….

أخرجت من حقيبتها ورقة بيضاء، ووضعتها فوق مكتبي….وقالت بصوت منهك: أنا لم أعد قادرة على مواصلة العمل بالطريقة نفسها…. ليس لأن العمل أتعبني… بل لأنني تعبت من التظاهر بأنني بخير أمامكم …. غادرت المكتب… و تركت لي الورقة أمامي….

بقيت أحدق فيها طويلًا…لم تكن طلب إجازة…ولا طلب انتقال…. و لا شكوى…. كانت مجرد استقالة قصيرة، لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها بدت لي أثقل من آلاف الصفحات….

خرجت أبحث عنها….كان موقف السيارات خاليًا….رحلت….

في صباح اليوم التالي، كان مكتبها مرتبًا كما اعتادت أن تتركه دائمًا… الكوب الذي كانت تشرب فيه قهوتها اختفى…. القطة الصغيرة التي كانت تعتني بها أخذها عامل النظافة إلى مكان بعيد عن المكتب …

اسمها أُزيل من باب المكتب… و بعد أيام قليلة، جلس موظف جديد في مكانها…. بدأ يضع صوره العائلية فوق الطاولة، ويضحك مع الزملاء، ويشتكي من ضغط العمل….

أما هي… فلم يذكرها أحد… كأن سنواتها الطويلة كانت مجرد رقم في سجل الحضور والانصراف…. حينها فقط أدركت حقيقة موجعة… أن أكثر الناس ألمًا ليسوا الذين يبكون أمام الجميع…

منذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى الموظفين بالطريقة نفسها… لأنني أيقنت أن خلف كل وجه هادئ، قد تختبئ حياة كاملة من الألم، وأن بعض الناس لا يحتاجون إلى زيادة في الراتب… بل إلى إنسان واحد يتذكر أنهم بشر …

كان الشتاء قد استقر فوق واد أمليل منذ أيام…. لم تكن السماء تمطر بغزارة، بل كانت ترسل مطرًا خفيفًا يشبه دموعًا قديمة لا ت...
23/07/2026

كان الشتاء قد استقر فوق واد أمليل منذ أيام…. لم تكن السماء تمطر بغزارة، بل كانت ترسل مطرًا خفيفًا يشبه دموعًا قديمة لا تنتهي…. في المساء، كانت المدينة تنطفئ مبكرًا، وتتحول الأزقة الضيقة إلى ممرات يبتلعها الضباب، بينما تلمع مصابيح صفراء خافتة فوق إسفلت رطب يحمل آثار أقدام العائدين إلى بيوتهم….

في أحد تلك الأزقة، كان يعيش رجل عجوز يدعى (عبد السلام).. لم يكن يملك شيئًا سوى بيت صغير يكاد يسقط، وابنة في الثامنة عشرة من عمرها اسمها (حياة)…. كانت حياة أجمل ما بقي له في الحياة…؛ فتاة هادئة، لا تضع مساحيق التجميل، وتخفي شعرها تحت وشاح قديم، وت خرج كل صباح إلى المدرسة حاملة حقيبة رقعها والدها أكثر من مرة لأنه لم يكن قادرًا على شراء أخرى….

كان يقول لها دائمًا: (اصبري يا ابنتي… العلم وحده سيأخذك بعيدًا عن هذا الفقر …)..

فتبتسم، رغم أنها تعرف أن والدها لم يتذوق اللحم منذ أشهر…. في مساء بارد، بينما كانت المدينة تستعد للنوم، عاد (عبد السلام) إلى البيت وهو يحمل كيسًا صغيرًا من الخبز اليابس وبعض البطاطس….

فتح الباب… فنادى: (حياة…)… لم تجب…. كرر النداء…. لم تجب…. دخل غرفتها، فوجد كتبها مفتوحة، ونظارتها فوق الدفتر، ورسالة مطوية بعناية….

ارتجفت يداه وهو يفتحها…. كان فيها سطر واحد فقط: (سامحني يا أبي… لقد تعبت من رؤية الفقر يقتلك كل يوم بسببي…)… خرج يركض في شوارع واد أمليل كالمجنون….

كان المطر يزداد، والناس يغلقون نوافذهم، ولا أحد يعلم أن قلبًا يتحطم في الخارج… ظل يبحث عنها حتى الفجر….في محطة الحافلات… في السوق… قرب السكة الحديدية… و عند الوادي الذي يشق أطراف المدينة….

لكنها لم تكن هناك….بعد يومين… وجدها أحد الرعاة…. كانت قد ألقت بنفسها في مياه الوادي بعد أن تركت حقيبتها المدرسية على الضفة….

يوم الجنازة… لم يبك (عبد السلام)… كان يمشي خلف النعش صامتًا، يحمل بين يديه نظارتها الطبية التي نسي الجميع أنها بقيت فوق مكتبها….و منذ ذلك اليوم… كل مساء… كان يجلس أمام باب البيت…. يضع النظارة بجانبه… و يترك الباب مفتوحًا….

كان الجيران يسألونه: ( لمن تفتح الباب يا عبد السلام !!؟)…

فيجيب بصوت مكسور: قد تعود… ربما كانت الطريق طويلة فقط… مرت سنة… ثم خمس… ثم عشر….

كبر الأطفال الذين كانوا يواسونه، وتزوجوا، ورحل بعض الجيران، وتغيرت واجهات المحلات، وأعيد تزفيت الشوارع، لكن الرجل لم يغير مكان كرسيه… كل مساء… يفتح الباب….ويضع النظارة و ينتظر….

في شتاء قاسٍ، عثروا عليه ميتًا فوق ذلك الكرسي….كان جسده قد برد تمامًا….أما يداه… فكانتا تحتضنان حقيبة (حياة) المدرسية، وكأنها عادت أخيرًا…. و حين دخلوا البيت لإغلاقه للمرة الأخيرة…

وجدوا على الجدار، بخط مرتعش كتبه قبل موته بأيام:

(لا يخيفني الموت… ما يخيفني أن تدخل حياة يومًا، فلا تجد الباب مفتوحًا..)…

منذ ذلك اليوم، كلما مر أهل (واد أمليل) بذلك الزقاق في ليالي الشتاء، كانوا يقولون… إن أكثر البيوت حزنًا ليس ذاك الذي سقط سقفه…

بل ذاك الذي ظل بابه مفتوحًا… انتظارًا لابنةٍ لن تعود أبدًا….

تحياتنا الخالصة للأساتذة المتواجدين في الصورة ❤️❤️❤️

14 عاما كاملة لم أرَ فيها ذلك الصديق الذي كان يوماً أحد أفراد عصابتنا الصغيرة في ثانوية الوحدة…. كنا نتشاجر مع العالم ون...
22/07/2026

14 عاما كاملة لم أرَ فيها ذلك الصديق الذي كان يوماً أحد أفراد عصابتنا الصغيرة في ثانوية الوحدة…. كنا نتشاجر مع العالم ونضحك على العقوبات، ونعتقد أن الشوارع أوسع من أحلامنا…. ثم افترق الطريق بعد ذلك ….

هو قرر أن يحمل حقيبته ويواصل دراسته، أما أنا… فقد اكتفيت بأن أترك الحياة تحملني حيث تشاء، حتى وجدت نفسي أعيش خارج كل ما كنت أظنه يوماً مستقبلاً….

قبل أسبوع، رن هاتفي…. كان صوته كما هو، لم يغيّره الزمن، فقط أضاف إليه شيئاً من الوقار…. قال “كيف حالك يا صديقي ..؟”…

ضحكت ضحكة قصيرة، من تلك الضحكات التي تخفي أكثر مما تقول…. سألته عن أخباره…. أخبرني أنه حصل على إجازة عمل ، وأنه يفكر في قضاء بعض أيام الراحة…. لم أترك له فرصة ليتردد….

ألححت عليه أن يأتي إليّ، أن يترك مدينته بضعة أيام، وأن نقضي العطلة معاً كما لو أن السنوات السبع لم تمر…. حين وصل استقبلته عند باب المنزل بعناق طويل، ثم منحته سريري، وأعطيته غطائي، وتقاسمنا كل شيء يخصني… إلا فرشاة أسناني… فهناك أشياء لا يشاركها الإنسان حتى مع أقرب الناس إليه….

في صباح اليوم الأول، أخذته في جولة طويلة….عرّفته على المدينة التي صارت تحفظ خطواتي أكثر مما تحفظ اسمي…

مشينا في الأزقة القديمة، وعلى الأرصفة التي أنهكها المارة، وتناولنا الطعام من كل مكان... كنا نضحك على ذكريات المدرسة، ونسخر من وجوه الأساتذة، ونتذكر أسماء الذين اختفوا من حياتنا دون وداع..

كان يوماً جميلاً… جميلاً إلى درجة جعلتني أنسى، لساعات قليلة، أن في صدري غرفة لا يدخلها سوى الحزن… مع غروب الشمس، عدنا إلى المنزل… أخذت حماماً بارداً، وارتديت ملابس داكنة، ثم وقفت أمامه وقلت بصوت خافت:

(اليوم كله كان لك يا صديقي… أما الآن… فقد بدأ يومي..)…

نظر إليّ دون أن يسأل….ربما أدرك أن هناك حياة أخرى لا يراها الناس في وضح النهار… ركبنا السيارة…. ومنذ أن أغلقت الباب، لم أنطق بكلمة واحدة….

كانت المدينة قد أضاءت مصابيحها، بينما كنت أنا أطفئ آخر ما بقي داخلي…. توقفت السيارة أمام شارع طويل في قلب المدينة…. شارع يعرفه الليل أكثر مما يعرفه النهار….

سرنا حتى وصلنا إلى محل قديم، ثم إلى ركن بعيد داخل حانة لا يرتادها إلا الذين أنهكتهم الحياة، أو أولئك الذين صاروا يخشون العودة إلى بيوتهم أكثر من خشيتهم العودة إلى أنفسهم….

جلست في مكاني المعتاد…. لم أحتج إلى طلب القائمة….أشرت للنادل… فهم الإشارة….

وضع أمامي قنينة رخيصة… من تلك التي يسخر منها الجميع، ويطلق عليها الأصدقاء اسم “العتروس 🐏 ”….

سكبت الكأس الأول … ثم الثاني… ثم الثالث….

كنت أشرب بسرعة، كأنني أخشى أن تسبقني الذكريات إلى رأسي…. لم ألتفت إلى صديقي… كنت أعرف أنه لا يشرب…

لكن فجأة… رأيته يمد يده إلى القنينة، ويملأ كأسه بنفسه…

توقفت….حدقت فيه طويلاً…. و قلت باستغراب: “ماذا تفعل يا فلان؟”… رفع عينيه نحوي…. لم تكن تلك العينان اللتان عرفتهما في الثانوية…. كان فيهما تعب سنوات كاملة….

قال بهدوء: "ليس لعينيك الحزينتين وحدهما الحق في أن تنسيا.”…. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، سرعان ما انكسرت…. ثم أضاف: “كنت أراك تكتب دائماً عن تلك التي هجرتك محججة انها لم تعد ترى مستقبلا معك…
كنت أتساءل دائما : من أين يأتي بكل هذه الجرأة ليحكي للناس عن امرأة حطمت قلبه دون ان يشعر بالعار او الخجل …!؟..

صمت قليلاً… ثم نظر إلى الكأس….و قال : “أما الآن… وبعد أن رأيتك عن قرب… فهمت أن الإنسان لا يكتب لأنه قوي… بل لأنه لم يعد يحتمل الصمت…."…

كانت الكلمات تخرج منه ببطء، وكأن كل حرف يجرح حلقه….
مددت إليه كأساً أخرى…. واصطدمت حافتا الكأسين بهدوء….

ثم قلت له : "نخبك… أيها البطل.”…. ابتسم…ثم شرب… شرب كثيراً… و لأول مرة، رأيت البراءة وهي تبكي على وجه رجل…

ظل صامتاً دقائق طويلة… ثم قال: “أتذكر أول لقاء بيني وبينها؟”

هززت رأسي….ابتسم بحزن….ثم أكمل : كان سببه… كتاب.…. ثم ضحك من بين دموعه…. كنت أنسى كتابي في البيت عمداً …. ليس لأنني كنت أنساه… بل لأنني كنت أريد أن أطلب كتابها…

أصبح ذلك الكتاب… يسافر كل يوم بين يدي ويديها إلى أن عاد إليّ ذات صباح… و في داخله ورقة صغيرة…. فتحتها و كان مكتوباً فيها: “إني أحبك… لأنك مختلف عنهم"..

سكت….. ولم يعد يقول شيئاً…. أما عيناه… فكانتا تكملان الحكاية وحدهما…. في تلك اللحظة، اقترب مني المغني العجوز (عمي التوهامي)… ربت على كتفي و قال: (هيا… الجميع ينتظرك )….

كان رواد المكان قد اعتادوا أن أختم ليلهم بأغنية من صوتي الحزين … وقفت… ثم صعدت فوق الطاولة الخشبية القديمة…

كانت الطاولة تهتز تحت قدمي، كما لو أنها تحفظ خطوات الذين سبقوني إليها…. نظرت إلى الوجوه…. كل وجه كان يخفي هزيمة…. ثم وقع بصري على صديقي…. كان يمسح عينيه خفية، معتقداً أن أحداً لا يراه….

أغمضت عيني للحظة… ثم بدأت أغني بصوت خرج من مكان أعمق من الحنجرة:

ماتحكولهاش فيا شا راه صاري…
باللي راني نسوفري غيضتني عمري…
ونبكي على الايام…
باللي ضياق خاطري…
و طال صبري و شوفتها في المنام…
بلى الصحة طاحت و الضحكة راحت
و خبرها ما بان….
نسات الخير و الحنان
كلشي عليها هان كلي والو ما كان….

ويلي ويل ويلي ويل…
مانيش نرقد الليل…
ويلي ويل ويلي ويل…
في عشقك شوفت الويل….

ساد الصمت….. حتى الكؤوس توقفت عن الاصطدام…الموسيقى بدت كأنها تبكي معنا….

في تلك الليلة… لم يكن أكثر رجلين حزناً داخل الحانة هما أنا و صديقي… بل كانا شابين تأخرا سبع سنوات، حتى اكتشف كل واحد منهما أن الآخر كان يخفي في قلبه حرباً كاملة و يبتسم…

كنت فقيراً إلى درجة أنني كنت أحسب ثمن كأس الشاي قبل أن أطلبه... كنت أجلس في المقاهي الشعبية أراقب أصحاب السيارات الفاخرة...
05/06/2026

كنت فقيراً إلى درجة أنني كنت أحسب ثمن كأس الشاي قبل أن أطلبه... كنت أجلس في المقاهي الشعبية أراقب أصحاب السيارات الفاخرة يمرون أمامي، وأتساءل كيف يمكن لإنسان أن ينتقل من الصفر إلى كل هذا الثراء… لم يكن لدي مال، ولا أرض، ولا إرث، ولا سند... كل ما كنت أملكه هو لساني، وذكاء كنت أعتقد أنه هبة لن تنقذني من الفقر فقط، بل ستجعلني سيداً على من كانوا ينظرون إلي من أعلى….

في ذلك الوقت كنت أظن أن الفقر هو أكبر مصيبة يمكن أن تصيب الإنسان….كنت مخطئاً…. بدأت رحلتي بخطوات صغيرة…. كنت أجيد الحديث، وأعرف كيف أكسب ثقة الناس بسرعة…. كنت أقرأ وجوههم كما يقرأ البعض الجرائد…. أعرف نقاط ضعفهم، وأعرف كيف أجعلهم يصدقون ما أريدهم أن يصدقوه…. شيئاً فشيئاً بدأت أدخل عالم العقارات والأراضي والسيارات والصفقات الكبيرة…. لم يكن هناك باب مغلق بالنسبة لي، ولم تكن هناك طاولة لا أستطيع الجلوس إليها….

مرت السنوات….و تحولت من شاب لا يملك ثمن وجبة محترمة، الى شاب يجلس مع رجال الأعمال وأصحاب الشركات…. كنت أرتدي بدلات باهظة الثمن وأتنقل بين الفنادق الفاخرة والمطاعم الراقية…. و ذات ليلة دخلت مطعماً يجتمع فيه أثرياء المدينة (مراكش) …. كانت الثريات تتدلى من السقف كأنها قطع من السماء، وكانت الطاولات ممتلئة برجال اعتادوا أن تُفتح لهم الأبواب قبل أن يطرقوها…

جلست وحدي لبعض الوقت….ثم نهضت فجأة… اتجهت نحو المنصة وأمسكت الميكروفون….ساد الصمت…. ثم قلت للحضور: أيها السادة… الليلة كلها على حسابي…

توقفت الملاعق في الهواء…. ثم بدأ التصفيق….

في ساعات قليلة أنفقت أكثر من عشرة ملايين سنتيم…. كان المبلغ ضخماً، لكنني لم أكن أشتري الطعام أو الشراب، بل كنت أشتري شيئاً أغلى…. كنت أشتري الانتباه…. و فعلاً، بدأ الجميع يقترب من طاولتي…. رجال أعمال، مستثمرون، أصحاب شركات ومدراء مؤسسات كبرى…. و هناك تعرفت على امرأة كانت تدير واحدة من أكبر شركات مواد البناء في المنطقة…. امرأة قوية وذكية وثرية…. جلسنا نتحدث لساعات…. حدثتها عن مشاريع ضخمة، وعن مستثمرين أجانب، وعن فرص استثنائية لا تتكرر…

كنت أتكلم بثقة جعلت الأكاذيب تبدو حقائق، وكانت تستمع بإعجاب واضح…لم تكن هي الوحيدة….كانت هناك عشرات الوجوه….عشرات الصفقات….عشرات القصص….و في كل مرة كنت أخرج بمبلغ أكبر من السابق….كبرت ثروتي بسرعة جنونية….

حتى جاء اليوم الذي فتحت فيه هاتفي ونظرت إلى حسابي البنكي…. ثلاثون مليون درهم…. ظللت أحدق في الرقم لدقائق طويلة….من صفر درهم… إلى ثلاثة ملايير سنتيم …

كنت أظن أن السعادة ستسقط علي من السماء في تلك اللحظة…لكن الغريب أن شيئاً لم يحدث… مرت الأيام…ثم الشهور….ثم السنوات…. و صرت أملك أكثر مما حلمت به يوماً….لكنني بدأت أخسر أشياء أخرى….رحلت المرأة التي أحببتها….ابتعد الأصدقاء….و مات أبي وأنا أوقع عقداً في مدينة أخرى….ثم ماتت أمي بينما كنت أبحث عن صفقة جديدة …و كلما ازداد المال، ازداد الصمت حولي….

لم أعد أنام جيداً….بدأت أسمع أصوات الماضي….وجوه الأشخاص الذين خدعتهم كانت تزورني في الليل….ضحكاتهم….خيباتهم….نظراتهم…. كنت أستيقظ مذعوراً….ثم أفتح هاتفي وأتأكد أن الملايين ما زالت هناك….كأنني أبحث عن مبرر لكل ما فعلته…لكن المال لم يعد يهدئني….

بدأت أفقد السيطرة على نفسي….أصبحت أكثر عصبية….أكثر شكاً….أكثر خوفاً….صرت أعتقد أن الجميع يريدون الانتقام مني….أن الجميع يراقبونني….أن الجميع يعرفون حقيقتي….

في يوم من الأيام استيقظت داخل غرفة بيضاء…لم أعرف أين أنا….كانت نافذة صغيرة في الجدار….و سرير معدني…و طبيب ينظر إلي من خلف نظاراته….حينها فقط عرفت أنني أقيم في مصحة نفسية منذ أسابيع…

قالوا إنني انهرت….قالوا إن عقلي لم يعد يحتمل….قالوا أشياء كثيرة لم أفهمها….كل ما فهمته هو أن العالم الذي بنيته انهار في غيابي….القضايا تراكمت….الشركاء اختفوا….الثروة تبخرت .. العقارات بيعت...الحسابات جُمدت… و الأموال التي كنت أظنها خالدة لم تعد ملكي…

خرجت بعد فترة طويلة…لم تعد هناك فيلا…ول ا سيارات….و لا حراس….و لا مطاعم فاخرة….و لا رجال أعمال ينتظرون مصافحتي….لم يبق معي سوى هاتف قديم….هاتف واحد فقط…

أجلس به اليوم في المقاهي أو على أرصفة المدن البعيدة، وأكتب قصصي للناس….أحكي لهم كيف انتقلت من الفقر إلى الثراء….و كيف انتقلت من الثراء إلى الجنون…. و كيف أنني كنت أملك الملايين يوماً، ثم أصبحت لا أملك سوى الذكريات….

أحياناً يقرأ الناس قصصي ويظنون أنها مجرد خيال….فأبتسم لأنهم لا يعرفون أن أكثر القصص حزناً هي تلك التي عاشها أصحابها بالفعل…. و لا يعرفون أن الرجل الذي يكتب هذه السطور من هاتفه المتواضع اليوم… كان ذات يوم يفتح الهاتف نفسه، فيرى ثلاثون مليون درهم أمام عينيه، ويظن أنه أصبح سيد العالم….

ثم اكتشف متأخراً أن أسهل شيء في الحياة هو جمع المال…أما أصعب شيء … فهو أن تخسر نفسك و أنت تجمعه ….

كان ذلك في مساء صيفي خانق سنة 2015 م …. خرجت من المنزل هاربا من الجدران التي تحفظ تفاصيل وحدتي أكثر مما أحفظها أنا... حم...
04/06/2026

كان ذلك في مساء صيفي خانق سنة 2015 م …. خرجت من المنزل هاربا من الجدران التي تحفظ تفاصيل وحدتي أكثر مما أحفظها أنا... حملت دفتري القديم و جلست رصيف متهالك قرب (جردة البلدية)… ، أراقب المارة وهم يعودون إلى بيوتهم….

كنت أكتب كثيراً في تلك الأيام…. أكتب لأن الكلام لم يعد يجد من يسمعه، ولأن الحزن عندما يبقى حبيس الصدر يتحول إلى حجر….

بينما كنت غارقاً في الكتابة، اقترب مني طفل صغير…. كان نحيلاً، يرتدي قميصاً باهت اللون أكبر من مقاسه بكثير…. جلس إلى جواري دون أن يسألني…. نظر إلى الدفتر و قال: هل تكتب رسالة؟… أجبته: أكتب أشياء لن يقرأها أحد…. ابتسم وقال: أنا أيضاً أتحدث أحياناً مع أمي وهي لا تسمعني … سألته: و أين أمك؟ … فأجاب وهو ينظر إلى الأرض: في المقبرة …

ساد الصمت بيننا…. بدأ يحدثني عن حياته…. عن منزل صغير من الطين في أحد الدواوير الفقيرة ( عين تودة )… ، و عن أب مريض لا يقوى على العمل، وعن أحلامه البسيطة التي لم يكن فيها شيء كبير … فقط حذاء جديد وحقيبة مدرسية لا تتمزق كل شهر … و قبل أن يغادر، أخرج من جيبه صورة قديمة مطوية بعناية…. قال: هذه أمي يا أخي ….

أخذت الصورة وتأملتها للحظات ثم أعدتها إليه…. ابتسم الطفل وقال: أخاف أن أنسى أمي إذا ضاعت مني الصورة … ثم ركض مبتعداً بين شوارع (سكنى و تعمير) حتى اختفى….

لم أكن أعلم أن تلك ستكون آخر مرة أراه فيها…. في اليوم التالي عدت إلى المكان نفسه…. انتظرته طويلاً لكنه لم يأت…. وفي المساء أخبرني أحد الباعة أن حريقاً اندلع في أحد البيوت الهامشية بالدوار أثناء الليل …. سألته: و هل أصيب أحد؟ …

تنهد الرجل وقال: مات طفل صغير كان يحاول إخراج صورة أمه من داخل المنزل … تجمدت في مكاني … لم أحتج إلى السؤال عن اسمه… عرفته فوراً….

عدت إلى البيت تلك الليلة و أنا أشعر أن المدينة أصبحت أكثر برودة من أي وقت مضى…. لم أكتب شيئاً في دفتري…. لأول مرة عجزت الكلمات عن مواساتي…. مرت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات….

كبرت أنا، وتغيرت وجوه كثيرة من حولي، واختفت أماكن كنت أعرفها، لكن ذلك الطفل ظل عالقاً في ذاكرتي كأنني التقيته بالأمس فقط…

في العام الماضي … دفعتني قدماي إلى المقبرة... و بعد بحث طويل وجدت قبره…. كان قبراً صغيراً وبسيطاً، يكاد يختفي بين الأعشاب اليابسة…. جلست أمامه بصمت…. لم أعرف ماذا أقول…. فأنا لم أكن قريباً منه، ولم يكن قريباً مني….

كل ما في الأمر أننا اقتسمنا ساعة واحدة من الحزن قبل عشر سنوات ….وأثناء مغادرتي اقترب مني رجل مسن يعمل فقيه بالمسجد المجاور للمقبرة … سألني: هل كنت تعرف صاحب هذا القبر؟… أجبته: التقيته مرة واحدة فقط … نظر إليّ باستغراب ثم قال: غريب… سألته: لماذا؟ … فأجاب: لأن هذا القبر لم يزره أحد منذ سنوات طويلة … ثم تنهد و أكمل: حتى والده توفي منذ أعوام…. لم يبق له أحد في الدنيا … شعرت وكأن شيئاً ثقيلاً استقر فوق صدري…. التفت نحو القبر مرة أخرى…. طفل عاش فقيراً…. و مات فقيراً…. و دُفن فقيراً… ثم نسيه الجميع….

الشارع الذي كان يلعب فيه نسيه….الجيران الذين كانوا يرونه كل يوم نسوه…. المدرسة التي كان يحلم بالعودة إليها نسيته…. و المدينة كلها أكملت حياتها كأن وجوده لم يكن….

وقفت أمام قبره للحظات طويلة….ثم أدركت شيئاً أرعبني أكثر من موته نفسه…. ذلك الطفل لم يكن يخاف الموت…. كان يخاف النسيان…. لهذا عاد إلى المنزل المحترق لينقذ صورة أمه…. كان يخشى أن تضيع الذكرى الأخيرة التي تربطه بمن أحب…. و في النهاية… ضاعت الصورة…. و مات الطفل…. و مات الأب بعده…. و لم يبق أحد يتذكرهما…. إلا رجل غريب جلس مع طفل وحيد ذات مساء صيفي عابر….

غادرت المقبرة ببطء….و عند الباب التفت إلى الخلف…. كانت الشمس تغيب خلف الأشجار، والظلال تتمدد فوق القبور كأنها ستبتلعها جميعاً…. حينها أدركت أن أكثر ما يؤلم في هذه الحياة ليس الموت…. بل أن يرحل الإنسان وكأنه لم يكن هنا أبداً….

منذ ذلك اليوم، كلما سألني أحدهم لماذا يبدو الحزن في عيني دائماً، كنت أبتسم فقط… كيف أشرح لهم أنني ما زلت أحمل في قلبي جنازة طفل لم يحضرها أحد…

تحية للاستاذ احمد العاتي ..❤️❤️

قبل الامتحان الوطني بأسابيع طويلة، لم أكن أعرف طعماً للنوم. ..كانت الكتب مكدسة فوق طاولتي، والأوراق متناثرة في كل زاوية ...
03/06/2026

قبل الامتحان الوطني بأسابيع طويلة، لم أكن أعرف طعماً للنوم. ..كانت الكتب مكدسة فوق طاولتي، والأوراق متناثرة في كل زاوية من الغرفة... كنت أعيش على أمل واحد فقط.. أن أنجح…

كانت أمي تستيقظ قبلي كل صباح، توقظني برفق، تضع أمامي كأس الشاي وتقول.. “انهض يا ولدي، مستقبلك ينتظرك”… كنت أرى التعب في عينيها، لكنها كانت تؤمن بي أكثر مما أؤمن بنفسي أحياناً…

قضيت ليالي طويلة أراجع الدروس بينما كان الجميع نياماً... كنت أحفظ القوانين، وأكتب الملخصات، وأتخيل اليوم الذي سأخرج فيه من قاعة الامتحان مبتسماً، أحمل معي أول خطوة نحو أحلامي الكبيرة…. سنوات من الدراسة والاجتهاد، وسنوات من انتظار تلك اللحظة…

جاء يوم الامتحان أخيراً…. استيقظت قبل الفجر…. كان قلبي يخفق بسرعة... ارتديت ملابسي بعناية، وحملت أدواتي، وودعت أمي التي أوصتني بالدعاء والتركيز…. عندما وصلت إلى الثانوية كان التلاميذ يتجمعون أمام الباب، بعضهم يراجع الدروس للمرة الأخيرة، وبعضهم يحاول إخفاء خوفه خلف ابتسامة متوترة….

دخلت القاعة وأنا أحمل أحلام سنوات كاملة فوق كتفي..جلست في مكاني، أنتظر توزيع الأوراق…. لم أكن أعلم أن كارثة صغيرة نسيتها دون قصد ستغير مجرى حياتي….كان هاتفي المحمول في جيبي… لم أكن قد استعملته، ولم يكن مشغلاً أصلاً… لقد نسيته فقط وسط التوتر والارتباك... لم أفكر فيه لحظة واحدة...

بدأ الامتحان، وكنت أجيب بثقة…. شعرت أن تعبي لم يذهب سدى…. كانت الأسئلة في متناولي، وكنت أكتب وأنا أتخيل فرحة أمي عندما أخبرها أن الامتحان مر بخير….

و فجأة دخل المراقبون بأجهزة كشف إلكترونية... كان الصمت يملأ القاعة إلا من أصوات الأقلام فوق الأوراق... بدأوا يمرون بين الصفوف، إلى أن توقفوا عندي….

صدر صوت الجهاز…. طلبوا مني الوقوف….أخرجوا الهاتف من جيبي…. حاولت أن أشرح لهم أنه غير مشغل، وأنني نسيته فقط، وأنني لم أستعمله، ولم أنظر إليه، ولم أغش…. كنت أتحدث بسرعة بينما يرتجف صوتي من الخوف…. لكن الكلمات كانت ترتطم بجدران باردة…. كتبوا تقريرا عن حالة الغش …

في تلك اللحظة شعرت وكأن شيئاً انكسر داخلي….لم يكن مجرد هاتف…. كان مستقبلاً كاملاً ينهار أمام عيني…

خرجت من القاعة وأنا لا أفهم ما حدث... كانت الشمس مشرقة في الخارج، لكن الدنيا بدت مظلمة... رأيت التلاميذ يتحدثون عن الأسئلة والإجابات، بينما كنت عاجزاً عن التفكير في أي شيء سوى ذلك التقرير….

عدت إلى البيت بقدمين ثقيلتين…. كانت أمي تنتظرني عند الباب…. سألتني كيف كان الامتحان…. و لأول مرة في حياتي لم أعرف ماذا أجيب…. رأيت الحزن يتسلل إلى عينيها عندما أخبرتها بما حدث… لم تكن تبكي، لكنني كنت أعرف أن قلبها ينزف مثلي….

بعد ذلك اليوم تغير كل شيء…. لم يعد يؤلمني التقرير بقدر ما تؤلمني الأحلام التي دفنت معه…. أحلام الليالي التي سهرتها، وأحلام الصباحات التي أيقظتني فيها أمي، وأحلام الطفل الذي كان يظن أن الاجتهاد وحده يكفي للوصول….

مرت السنوات، لكن الجرح لم يلتئم… و كلما اقترب موعد الامتحانات، و كلما رأيت التلاميذ يحملون محافظهم ويتجهون نحو مراكز الامتحان، يعود ذلك اليوم كاملاً إلى ذاكرتي….

أتذكر القاعة…. أتذكر الجهاز….أتذكر التقرير…. و أتذكر ذلك الشعور القاسي عندما أدركت أن سنوات من العمل يمكن أن تسقط بسبب لحظة نسيان واحدة….

حتى اليوم… عندما أسمع كلمة “الباك”..، لا أتذكر الأسئلة و لا المواد التي امتحنت فيها، بل أتذكر ذلك الشاب الذي دخل القاعة مملوءاً بالأحلام، وخرج منها حاملاً حسرة سترافقه طويلاً….

حسرة لا سببها الفشل في الامتحان، بل الشعور بأن أحلاماً كبيرة هُزمت بسبب هاتف كان صامتاً، مطفأً، ومنسياً في جيب تلميذ لم يكن يريد سوى أن ينجح….

إلى الأساتذة والمراقبين وكل من يسهر على نزاهة الامتحانات…

أعلم أن الغش آفة خطيرة، وأن واجبكم هو حماية قيمة الشهادات وتكافؤ الفرص بين التلاميذ…. وأعلم أيضاً أن القوانين وُضعت لتُحترم، وأنكم تؤدون مهمة ليست سهلة….

لكنني أتمنى أن تتذكروا دائماً أن وراء كل ورقة امتحان إنساناً، ووراء كل مترشح قصة، ووراء كل مقعد أحلاماً كبرت لسنوات….

أنا لم أكن تلميذاً مثالياً في كل شيء، لكنني كنت مجتهداً... سهرت الليالي من أجل ذلك الامتحان، وحفظت الدروس صفحة صفحة، وكانت أمي توقظني كل صباح وهي تؤمن أن النجاح ينتظرني في نهاية الطريق…

لم أطلب امتيازاً، ولم أبحث عن طريق مختصر، ولم أحاول أن أسرق مجهود غيري... كل ما حدث أنني نسيت هاتفاً مطفأً في جيبي وسط توتر يوم مصيري… قد يكون القانون قد اعتبرني حالة غش، لكن الله وحده يعلم أنني لم أغش….

رسالتي ليست اعتراضاً على القانون، بل دعوة إلى أن يبقى للإنسان مكان إلى جانب القانون، وأن يبقى للتقدير والإنصاف مساحة إلى جانب النصوص الجامدة….

فبعض القرارات تنتهي بانتهاء المحضر، لكن آثارها تبقى سنوات طويلة في حياة أصحابها….

وتذكروا دائماً أن بين المترشحين من يحمل في قلبه حلماً أكبر من مجرد نقطة، وأن بعض الأحلام عندما تنكسر لا يسمع أحد صوت تحطمها إلا أصحابها….

أتذكر أمي جيدًا… و جهها الشاحب، و سعالها الطويل الذي كان يملأ البيت كل ليلة، وعينيها المتعبتين اللتين كانتا تخفيان خوفًا...
29/05/2026

أتذكر أمي جيدًا… و جهها الشاحب، و سعالها الطويل الذي كان يملأ البيت كل ليلة، وعينيها المتعبتين اللتين كانتا تخفيان خوفًا أكبر من المرض نفسه…. كانت تعرف أن أبي يخونها، ورغم ذلك كانت تصمت…. أحيانًا كنت أراها تحدق طويلًا في باب المنزل بعد منتصف الليل، تنتظر عودته، ثم تمسح دموعها بسرعة حين تراني واقفًا خلفها…

كنت يومها ما أزال تلميذًا في ثانوية الوحدة ، أحاول أن أعيش مثل باقي التلاميذ، لكنني كنت أكبر منهم جميعًا من الداخل…. كنت أستيقظ قبل الفجر لأعد الفطور لإخوتي الصغار، أساعدهم في ارتداء ملابسهم، ثم أوصلهم إلى المدرسة قبل أن أركض نحو الثانوية متأخرًا كعادتي… أصل إلى القسم مرهقًا، بعينين حمراوين من السهر، وأجلس في آخر الطاولة محاولًا أن أخفي تعبي عن الجميع….

كان الأساتذة يظنون أنني مهمل، والتلاميذ يسخرون مني لأن ملابسي قديمة وحذائي ممزق... أتذكر جيدًا ضحكاتهم حين كنت أنام فوق الدفتر من شدة الإرهاق، ولم يكن أحد يعلم أنني كنت أقضي الليل بجانب أمي المريضة، أضع الماء فوق جبينها وأحاول تهدئتها حين يشتد عليها الألم…

في إحدى ليالي الشتاء، ماتت أمي….. ماتت بهدوء مخيف، دون صراخ، دون وداع طويل، فقط توقفت عن السعال فجأة… ثم عمّ الصمت البيت كله... أتذكر أن أختي الصغيرة ظلت تهز يدها وهي تبكي وتقول إنها نائمة فقط، أما أنا فكنت واقفًا قرب الحائط غير قادر حتى على البكاء... شعرت يومها أن البيت كله انهار فوق صدري….

أما أبي… فلم يبكِ…. وقف أمام قبرها بوجه بارد وكأنه يدفن شخصًا غريبًا عنه، ثم عاد بعد أيام قليلة فقط إلى حياته القديمة، إلى الخمر والسهر و الصراخ و العنف... وبعد أشهر قصيرة تزوج تلك المرأة التي كانت تعمل نادلة في حانة بمدينة تازة… ، المرأة نفسها التي كانت أمي تبكي بسببها ليلًا حين تكتشف خيانته….

دخلت تلك المرأة بيتنا وكأنها جاءت لتكمل خرابًا قديمًا… كانت تضع عطرًا قويًا يملأ المكان، وتضحك بصوت مرتفع بينما صور أمي ما تزال معلقة على الجدار…. شيئًا فشيئًا تحول البيت إلى حانة صغيرة... كنت أعود من الثانوية فأجد الباب مغلقًا، وأجد إخوتي الصغار جالسين خارج المنزل فوق التراب، خائفين وجائعين، بينما أصوات الموسيقى والضحكات ورائحة الخمر تخرج من الداخل…

أتذكر جيدًا تلك الليلة التي عدت فيها تحت المطر، فوجدت أخي الصغير نائمًا قرب الباب من شدة البرد، وأختي الصغيرة تبكي لأنها جائعة... أما في الداخل، فكان أبي يرقص سكرانًا مع زوجته الجديدة …، وكأننا لم نكن أبناءه أصلًا…

في تلك الليلة بالذات، شعرت أنني فقدت أبي أيضًا، رغم أنه ما زال حيًا… جمعت بعض الملابس القديمة داخل حقيبة مدرسية، أيقظت إخوتي الصغار، وخرجنا من دوار (سيدي عبد الله) قبل الفجر... لم يوقفنا أحد، ولم يسأل عنا أحد... حتى أبي لم ينتبه أننا رحلنا…

مشينا طويلًا وسط الظلام و البرد، و أنا أحمل أختي الصغيرة فوق ظهري بينما أخي يمسك بطرف معطفي بصمت... كنت ما أزال تلميذًا، لكنني شعرت يومها أنني أصبحت أبًا فجأة….

مرت السنوات بسرعة وقسوة... أختي الصغيرة التي كانت تبكي خوفًا من الظلام أصبحت تعمل اليوم في تنظيف البيوت بمدينة أكادير، تعود كل مساء بيدين متعبتين ورائحة مواد التنظيف عالقة في ثيابها... أما أخي الصغير، الذي كان يحلم أن يصبح لاعب كرة قدم، فأصبح يبيع المناديل أمام إشارات المرور تحت شمس أكادير الحارقة..، يركض بين السيارات بينما الناس يغلقون نوافذهم في وجهه…

أما أنا… فها أنا الآن أجلس وحدي داخل حانة “الدوفيني” القديمة قرب محطة الطاكسيات، أراقب الدخان يصعد نحو السقف الأصفر المتشقق، وأستمع إلى ضحكات الغرباء من حولي…. أحيانًا أمرر يدي فوق وجهي وأتساءل كيف انتهى بنا الأمر إلى هذا الخراب كله….

أخرج صورة قديمة لأمي من محفظتي البالية، أنظر إليها طويلًا، ثم أبتسم بحزن…. كانت تظن دائمًا أنني سأصبح رجلًا مهمًا حين أكبر، لكنها لم تكن تعلم أن بعض الأطفال لا يكبرون بشكل طبيعي… بل يتحولون مع الوقت إلى رجال متعبين جدًا، يحملون عائلات كاملة فوق ظهورهم، ثم يجلسون آخر الليل وحدهم داخل حانة قديمة، يحاولون فقط ألا ينهاروا…

الآن… أمشي وحدي في شوارع وادي أمليل، و المدينة كلها تعيش فرحة عيد الأضحى… إلا أنا….الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل...
28/05/2026

الآن… أمشي وحدي في شوارع وادي أمليل، و المدينة كلها تعيش فرحة عيد الأضحى… إلا أنا….

الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، لكن الأزقة ما زالت مليئة بالحياة…
رائحة الشواء تخرج من البيوت، والدخان يتصاعد فوق الأسطح، وأصوات الضحك تصلني من كل مكان….
الأطفال يركضون في الشارع بملابس العيد، والشباب مجتمعون قرب المقاهي يتحدثون بصوت عالٍ عن الأضاحي والسهرات والعيد و ( الشناقة )…

أما أنا فأمشي كأنني غريب عن كل هذا…. أضع يدي فوق رأسي و أتحسس القبعة الحمراء التي نسجتها لي بيديها الشتاء الماضي... ما زلت أرتديها رغم حرارة الصيف… الجميع استغرب الأمر، حتى أمي قالت لي هذا الصباح:
( هاد السخانة كاملة وعاد لابس هادي؟..)..

لكنها لا تعلم أن تلك القبعة آخر شيء بقي منها…
آخر شيء لم يرحل… أتذكر كيف كانت تضحك مني عندما أتوتر، وكيف كانت تشد القبعة فوق رأسي بيديها وتقول:
(ديما ضايع بلا بيا..).. أخفض رأسي بسرعة وأواصل المشي قبل أن تخونني دموعي…

في أحد الأزقة، أرى عائلة مجتمعة فوق سطح منزل…اللحم يُشوى، والضحكات تعلو، ورجل يشغل أغاني العيد القديمة بصوت مرتفع…. أتوقف للحظة فقط لأراقبهم…

أشعر بالجوع… ليس للطعام، بل لذلك الدفء الذي يملكه الناس حين يكون لديهم شخص يحبهم فعلًا… أخرج سيجارة من النوع الرديئ … ثم أشعلها قرب دكان صغير…. صاحب الدكان ينظر إليّ طويلًا ثم يقول: (العيد ما باينش عليك آصاحبي…)…

أبتسم بصعوبة و أغادر دون جواب…. أواصل السير نحو أطراف وادي أمليل، حيث تخفت الأضواء ويبدأ الصمت…. الحرارة ما زالت عالقة في الهواء، والكلاب الضالة تنبح بعيدًا قرب السكة الحديدية…

أجلس فوق حجر وأخرج هاتفي…. أفتح محادثتها القديمة كالعادة… أقرأ رسائلها القديمة واحدة واحدة، وأتوقف طويلًا عند صورة أرسلتها لي يوم انتهت من نسج القبعة الحمراء …

( عرفت بلي كيعجبك لحمر لبسها و خبي عليا ديك شعكوكة.. )..

حينها ضحكت قليلا .. ثم تلمستها من جديد … حيث انني أرتديها حتى في عز الصيف، وكأنني أحاول إبقاءها حيّة فوق رأسي….

فجأة يصلني إشعار جديد…. رسالة منها…. يتسارع قلبي بشكل مخيف…. أفتحها بسرعة ويدي ترتجف….

(العيد مبارك… وسمح ليا، راهم خطبوني اليوم )…

أشعر و كأن العالم توقف فجأة …. أعيد قراءة الرسالة مرات كثيرة، كأن عقلي يرفض فهمها… حولي ما زالت أصوات العيد بعيدة… ضحكات… موسيقى… رائحة شواء… حياة كاملة تستمر بشكل طبيعي… إلا حياتي أنا…

أنزع القبعة الحمراء ببطء وأنظر إليها طويلًا تحت ضوء القمر الخافت… ألمس خيوطها بأصابعي المرتجفة، وأتخيلها وهي تنسجها ليلة كاملة فقط لتسعدني… ثم أضمها إلى صدري وأغمض عيني….

بعيدًا… تظهر أضواء القطار القادمة بسرعة عبر الظلام، وصوته يقترب أكثر فأكثر… الرياح الساخنة تضرب وجهي، والسكة تهتز تحت قدمي….

أضع هاتفي فوق الحجر، وما زالت رسالتها مضيئة على الشاشة…
ثم أرتدي القبعة الحمراء مرة أخيرة… و أقف….

في صباح أول أيام العيد، ينتشر الخبر بسرعة في وادي أمليل….
الناس يخرجون من البيوت بملابس العيد و ملامح الصدمة على وجوههم، يتجمعون قرب السكة الحديدية بصمت ثقيل….

أما أمي…
فكانت تبكي وهي تحتضن القبعة الحمراء الملطخة بالغبار… وتردد بصوت مكسور …
( فين مشيتي أولدي )…

رأيت صور الأمسية الرياضية داخل الثانوية… ضحكات التلاميذ، أصوات الميكروفون،… الملعب الصغير الذي كان يبدو لنا قديمًا وتافه...
22/05/2026

رأيت صور الأمسية الرياضية داخل الثانوية… ضحكات التلاميذ، أصوات الميكروفون،… الملعب الصغير الذي كان يبدو لنا قديمًا وتافهًا أيام الدراسة… لكنه اليوم بدا في الصور كأنه قطعة من عمرٍ ضاع منا…

تأملت الوجوه طويلًا… و حاولت أن أبحث بين الحاضرين عن شيء يشبهني، …عن ذكرى قديمة تركتها هناك ذات يوم،.. عن مقعد جلست عليه،.. عن جدار أسندت ظهري إليه وأنا أهرب من ضجيج الحياة….

لا أخفيكم… كنت أتمنى دعوة فقط…. دعوة بسيطة جدًا،… ليست من أجل صورة،… و لا من أجل تصفيق،… و لا حتى لأشعر أنني مهم…. كنت فقط أريد أن أدخل من باب الثانوية مرة أخرى… لكن هذه المرة دون خوف الامتحانات،… و دون ذلك التلميذ المرهق الذي تحملته….

كنت أتمنى أن أجلس بين التلاميذ لدقائق،… أن أرى الملعب الذي كنا نركض فيه ونحن نحمل أحلامًا أكبر من أعمارنا،
أن أسمع صافرة البداية،… و أضحك في داخلي لأن الحياة لعبت معنا مباريات أصعب بكثير من كرة القدم….

من حق الإدارة والأساتذة طبعًا ألا يدعونني… فأنا مجرد تلميذ قديم بلا صفة رسمية….لكن ربما… لو حاول أحدهم فقط أن يتذكر،… كان سيعرف أن بعض التلاميذ يغادرون المؤسسة بأجسادهم فقط… أما أرواحهم فتبقى عالقة هناك، بين الأقسام و الساحة و صوت الجرس الأخير….

وربما لو تم استدعائي… لكنت أمسكت الميكروفون للحظة،
لا لأتحدث عن النجاح،… بل عن السقوط الذي سبق كل شيء…

كنت سأقول للتلاميذ إن الحياة خارج أسوار الثانوية ليست سهلة كما تظنون ،… و أن كثيرًا منا خرج وهو يظن أنه قوي… ثم اكتشف لاحقًا أنه كان مجرد طفل يحاول النجاة ….

ورغم ذلك… يبقى لهذا المكان حنين غريب لا يُفسَّر…. حنين يجعلنا نحزن أحيانًا لأننا كبرنا… و لأن الأبواب التي كنا ندخلها يوميًا،… أصبحت اليوم لغيرنا فقط…

Address

Oued Amlil
55000

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when أخبار ثانوية الوحدة posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category