24/07/2026
لطالما رويت لكم حكاياتٍ عشتها، وأخرى نسجتها من خيالي، ثم تركت فيها لأفكاري أن تتجول حيث تشاء... لم أخبركم يومًا أيها كان الحقيقة وأيها كان محض خيال، لأن بعض الخيال يشبه الواقع إلى حدٍ مرعب، وبعض الواقع يبدو كذبًا من شدة قسوته….
أما اليوم… فلن أحكي لكم قصة سمعتها، بل قصة أراها كل صباح، تسير أمامي على قدمين، وتلقي عليّ التحية بابتسامة صغيرة لا تكفي لتخفي ما خلفها من خراب….
إنها زميلتي في العمل…. منذ سنوات وهي تعمل في الإدارة نفسها…. امرأة هادئة إلى درجة أنك تكاد تنساها وهي تجلس أمامك…. لا ترفع صوتها، لا تدخل في نقاشات، لا تشاركنا ضحكات الاستراحة، ولا تتحدث عن حياتها كما يفعل الآخرون…. كانت تدخل كل صباح في الموعد نفسه، تحمل حقيبة صغيرة، وعلبة طعام أعدتها بيديها، وتجلس خلف مكتبها وكأنها جزء من أثاث المكان….
كانت تؤدي عملها بإتقان نادر، ثم تجمع أوراقها عند نهاية الدوام، تمشي بخطوات ثابتة نحو سيارتها، وترحل بهدوء…
سنوات كاملة… ولم يخطر ببالي أن أسألها: كيف حالك ؟…
كنت أظن أن الصمت يعني السلام، وأن الإنسان الذي لا يشتكي لا يحمل همًا، وأن الوجه الذي لا يطلب شيئًا لا ينقصه شيء….
كم كنا أغبياء… في صباح الأمس، طرقت باب مكتبي… استأذنت في الدخول بصوت خافت، ثم قالت: (هل تسمح لي أن آخذ من وقتك بضع دقائق؟)…
استغربت قليلًا، فهي ليست من الموظفين الذين يطلبون لقاءً خاصًا بي …. رحبت بها، وأشرت إلى الكرسي المقابل…جلست…
ساد الصمت بيننا…. كنت أنتظر أن تبدأ بالحديث، لكنها بقيت تحدق في الأرض، ثم أخذت أصابعها ترتجف، وبعد ثوانٍ قليلة فقط… انفجرت بالبكاء…. لم يكن بكاءً عاديًا، بل بكاء إنسان ظل سنوات يحبس دمعه حتى صار الدمع أثقل من القلب نفسه….
ارتفع صوت شهقاتها داخل المكتب، حتى شعرت أن الجدران تضيق علينا…. قلت مرتبكًا: (ما الذي حدث؟ لماذا تبكين؟)…
رفعت رأسها نحوي، وعيناها غارقتان في الدموع، وقالت بصوت متقطع: (أنتم… لا تعرفون عني شيئًا …) ثم أضافت:
(كلكم تظنون أنني آلة... ترون حضوري وانصرافي، ساعات عملي، تقاريري، إنجازاتي… ولا أحد منكم سأل نفسه: كيف تعيش هذه المرأة حين تعود إلى بيتها؟..)…
كانت الكلمات تخرج منها ممزوجة بالبكاء….ثم نظرت إليّ مباشرة و قالت: ( وأنت بالذات… لا أطيق النظر إليك…)..
شعرت أن كلماتها صفعتني دون ان أتوقع ذلك… و قفت من مكاني، اقتربت منها، وربتُّ على كتفها برفق، وسألتها:
(هل هناك شيء لا أعرفه؟..)… ابتسمت ابتسامة مكسورة وقالت: ( بل هناك عمر كامل لا تعرفه…)…
ثم بدأت تحكي…قائلة :
(كان عمري ستة عشر عامًا عندما خرجت عائلتي إلى عرس ابنة خالتي )…. توقفت قليلًا، وكأنها تعيش اللحظة من جديد…. وفي الطريق… وقع الحادث … في يوم واحد… فقدت أمي، وخالاتي، وخالي، وأبناءهم …. في يوم واحد… صار البيت فارغًا…
ساد الصمت….. ثم أكملت: ( كنت أكبر إخوتي، فأصبحت أمًا لهم قبل أن أعرف معنى الأمومة…. وبعد أشهر قليلة… انهار أبي…. قال الأطباء إنه السرطان ينخر جسده الهزيل … و منذ ذلك اليوم، انقسمت حياتي بين المستشفى والبيت و الدراسة و العمل …
كنت أطعم إخوتي، أوقظهم للمدرسة، أذاكر معهم، أعمل نهارًا، وأسهر بجوار أبي ليلًا …. ثم نظرت إليّ وقالت: ( هل تعرف لماذا لم أتزوج؟ )… هززت رأسي بالنفي…. قالت:
لأنني كنت أخشى أن أترك أبي وحيدًا … و أخشى أن يشعر إخوتي أنهم صاروا بلا أم للمرة الثانية …. ضحيت بعمري كله… دون أن أشعر … و حين التفتُّ إلى المرآة بعد سنوات… لم أجد تلك الفتاة الجميلة و البريئة.. وجدت امرأة أنهكها التعب …
سكتت لحظة، ثم استأنفت الحديث : كبر إخوتي….تخرجوا …تزوجوا… أنجبت أخواتي أطفالًا…. و أصبح لكل واحد منهم بيت وحياة … أما أنا… فبقيت بجوار أبي… حتى مات ….
عندما قالت الجملة الأخيرة، خنقها البكاء…. ثم همست: تعرف ما الذي قتلني يوم وفاته؟…. لم يكن الموت … بل شعوري بأن آخر مهمة كلفتني بها الحياة قد انتهت…. استيقظت في اليوم التالي… ولم يعد أحد يحتاجني….
حنيت رأسي ….أما هي فأكملت: ظننت أن إخوتي سيملؤون هذا الفراغ الذي اصبحت اعيشه… لكنهم ابتعدوا… في البداية كانوا يتصلون…. ثم أصبحت الاتصالات أقل…. ثم صارت المناسبات… ثم صار الصمت…. و اليوم… قد تمر شهور كاملة، ولا يسأل أحدهم إن كنت ما زلت حية….
ثم قالت وهي تنظر إلى يديها المتعبتين: أتعرف ما أقسى شيء في التضحية..؟… أن الذين ضحيت من أجلهم… يعتادون تضحيتك حتى يظنوها واجبًا …. ينسون أنك كنت إنسانة…. ينسون أنك كنت تحلمين…. ينسون أنك كنت تستحقين حياة….
أخرجت من حقيبتها ورقة بيضاء، ووضعتها فوق مكتبي….وقالت بصوت منهك: أنا لم أعد قادرة على مواصلة العمل بالطريقة نفسها…. ليس لأن العمل أتعبني… بل لأنني تعبت من التظاهر بأنني بخير أمامكم …. غادرت المكتب… و تركت لي الورقة أمامي….
بقيت أحدق فيها طويلًا…لم تكن طلب إجازة…ولا طلب انتقال…. و لا شكوى…. كانت مجرد استقالة قصيرة، لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها بدت لي أثقل من آلاف الصفحات….
خرجت أبحث عنها….كان موقف السيارات خاليًا….رحلت….
في صباح اليوم التالي، كان مكتبها مرتبًا كما اعتادت أن تتركه دائمًا… الكوب الذي كانت تشرب فيه قهوتها اختفى…. القطة الصغيرة التي كانت تعتني بها أخذها عامل النظافة إلى مكان بعيد عن المكتب …
اسمها أُزيل من باب المكتب… و بعد أيام قليلة، جلس موظف جديد في مكانها…. بدأ يضع صوره العائلية فوق الطاولة، ويضحك مع الزملاء، ويشتكي من ضغط العمل….
أما هي… فلم يذكرها أحد… كأن سنواتها الطويلة كانت مجرد رقم في سجل الحضور والانصراف…. حينها فقط أدركت حقيقة موجعة… أن أكثر الناس ألمًا ليسوا الذين يبكون أمام الجميع…
منذ ذلك اليوم، لم أعد أنظر إلى الموظفين بالطريقة نفسها… لأنني أيقنت أن خلف كل وجه هادئ، قد تختبئ حياة كاملة من الألم، وأن بعض الناس لا يحتاجون إلى زيادة في الراتب… بل إلى إنسان واحد يتذكر أنهم بشر …