09/07/2024
مخيم الحسيمة ... قيادة شبابية ... محترفات إبداعية لذكريات أبدية.
نسعى للتميز ... نسعى لنسهم في التربية داخل المؤسسة التخييمة من خلال المساهمة في :
إعادة تشكيل وعي جديد
إعادة تشكيل عزم جديد
إعادة تشكيل سلوك جديد
إعادة تشكيل عقل جديد
واعتقد بهذا التشكيل الشمولي يمكن لنا ان نؤسس لجيل رسالتي رشيد صالح و مصلح محب للخير ومتعاون مع الغير.
المهم و صافي.
06/05/2024
على هامش المساهمة في تأطير تدريب الدرجة الثانية لنيل شهادة الكفاءة الأهلية المنظم من طرف منظمة الكشاف الافريقي ، بشراكة مع الهيئات الوصية على القطاع، براس الماء افران 🔥🔥 اقول :
الكشافة .. عطاء فتية في زمن لا يعرف أصحابه إلا الأخذ.
الكشافة .. رجولة قبل أوانها.
الكشافة .. أشبال تعد سيماهم بالنهضة المظفرة.
الكشافة .. ربطة يزين بها شبابنا جيد الوطن.
الكشافة .. عقدة يشد بها مجتمعنا رباط أواصره.
الكشافة .. واحة في بارد النسمات في حمم العصر اللاهبة.
الكشافة .. دفقة حب و منهل عذب يكثر رواده يوما بعد يوم.
الكشافة .. غراس خير ستظل افياؤه صحراؤنا و بيوتنا.
الكشافة .. خيمة جود يرتشف فيها الفتى فناجين الرجولة .. و يشم بخور الوفاء.
الكشافة .. حبل محبة لا يعرف الانقطاع.
الكشافة .. نمو لا يعرف الإعاقة . و امتداد لا يعرف النهاية . ومعين لا يعرف النضوب.
الكشافة .. نهر صداقة ... نبعه ليس في الأرض و إنما في الصدور.
الكشافة .. سارية عز شماء ... لا تعرف الانحناء.
الكشافة .. شمعة فرح تضيء الدرب للجيل و تهديه السبيل.
الكشافة .. ميدان تربوي شريف تتبارى فيه الجياد الأصلية خدمة للوطن و تنمية المجتمع.
الكشافة .. انبثاق فجر و شجاع أصيل.
الكشافة .. كمال شموخ و تنمية.
الكشافة .. أعمال الرجال صيغت بأسلوب يمارسه الصغار.
المهم وصافي.
05/04/2024
تنظم كشافة سفراء السلام محلية فاس _ المفوضية الجهوية للإغاثة و الانقاذ_ بشراكة وتأطير من المنظمة الإنسانية للطوارء و الانقاذ دورة تكوينية تطبيقية في الاسعافات الأولية و ذلك يومي السبت والاحد 13/14 ابريل 2024.
استمارة طلب التسجيل :
https://docs.google.com/forms/d/e/1FAIpQLSdfoWgCP7q8ALgT5fDbGpI8ShhDwvdvZ66KizAck2NzjHBY-Q/viewform
06/03/2024
وتبقى السياحة الاكتشافية الأصعب والأخطر،خصوصا بالمغرب،لقلة روادها، وعدم اهتمام الجهات بها...
12/10/2023
كان جدي أستاذا في زمن السبعينات، حكى لي أغرب حكاية سمعتها في حياتي.
حدثني عن الأستاذ الذي اتهم تلميذه بالتحرش الجنسي.
كان الأستاذ أستاذ فلسفة، لم يتجاوز الخمسين سنة، طويل القامة، يميل إلى النحافة، يعتمر قبعة.
كان يحرص على الأناقة، له شيء من الوسامة، كانت له القدرة على فرض الاحترام والانضباط.
كانت الثانويات في السبعينات فضاء للاختراق اليساري، حيث لعب رجال التعليم دورا محوريا في الاستقطاب والتأطير.
استطاعوا بناء حركة تلمذية قوية.
كان الصدام قويا بين اليسار و الإسلام السياسي عند ظهوره في بداية السبعينات، وأخذ الصراع أبعادا عقائديا، بأهداف سياسية.
كان الأستاذ ماركسيا، وكان يستغل دروس الفلسفة للترويج للتيار اليساري، كانت للأستاذ هيبة، كل الذين درسوا عنده، كانوا يشعرون بثقل حضوره السياسي والمعرفي.
لكن في بداية السبعينات، ظهر في قسمه تلميذ ألمعي، درسه الباكلوريا.
كان التلميذ إخوانيا، له ميول شديد نحو دروس الفسلفة، استطاع وهو في سن المراهقة، أن يلتهم المؤلفات الفلسفية المترجمة إلى اللغة العربية، لأنه يستفيد من مكتبة إحدى القيادات الإخوانية، التي تضم أشهر المؤلفات في كل المجالات المعرفية.
كان التلميذ الذكي يعقد جلسات مع أساتذة قادة في التنظيم الديني، لهم تخصصات فلسفية، وكانوا يوجهونه، لأسلوب مواجهة الأستاذ.
استطاع التلميذ أن يحفظ عن ظهر قلب كتب باقر الصدر: "فلسفتنا" و"اقتصادنا"، لأنها كتب نقضت الأطروحة الماركسية.
وجد الأستاذ نفسه في ورطة، كان التلميذ يصحح له بعض الأخطاء، ويستدرك عنه، امتاز التلميذ بالشجاعة، حرضه على ذلك، تذوقه لمتعة مواجهة الكبار أمام أقرانه، ليثبت لهم أنه يتوفق عليه.
استطاع التلميذ أن يخلق تيارا داخل القسم مناوئا للأستاذ، وزاد نشاط التلميذ، فبدأ يشكل تيارا إسلاميا واسعا في الثانوية التي كان يدرس فيها، في زمن كان من الصعب الإعلان عن التوجه الإسلامي.
اضطر الأستاذ للبحث عن خطة لمواجهة التلميذ، نسق اليساريون في ما بينهم، لتجنيد مجموعة من الفتيات الجميلات في الثانوية، لإسقاط التلميذ بدرس فلسفي يكتب على سبورة نهدين نافرين.
كان التلميذ وسيما، لم يكن متشددا، وإن كان إخوانيا، كان يحب إقناع التلميذات بالرؤية الإسلامية، واجتهد في دعوتهم إلى ارتداء الحجاب.
أسقطت الشهوة التلميذ بالضربة القاضية، فشل الأستاذ عزيز في مواجهة التلميذ، لكن قبلة ساخنة، أذابت كل العناد الفكري.
كانت الخطة تقتضي، تصوير التلميذ في وضع مخل.
نجحت الخطة بامتياز.
لم يكن يتخيل التلميذ مطلقا، أن نقاشاته داخل القسم، كان يعري مستوى الأستاذ، ويسحب منه مشروعية أن يكون أستاذا، يمكن أن تكون سببا في تدمير مصداقيته أمام جمهور التلاميذ.
جمعت مغامراته مع الفتيات.
وذات يوم، نودي عليه في مجلسة تأديبي، وعرضت عليه أدلة إدانته، فأنكر كل ما تم عرضه عليه، واعتبر ذلك مؤامرة ضده تريد إسكات الأصوات الحرة.
تم تخييره بين المجلس التأديبي والمؤسسة القضائية.
اختار الأول، فكان مصيره الطرد.
لم يكن يتوقع ما وقع له، عاش التلميذ معاناة صعبة، كاد أن يجن، اكتشف متأخرا، أنه كان ضحية صراع سياسي مدمر.
بكى يوم رأى على سبورة الإخبار، إعلان طرده من المؤسسة بتهمة جنسية، لم يصدق التلاميذ التهمة، واعتبروها خطة كيدية ضده.
ظل التلميذ رمزا لقول الحقيقة.
قرر التلميذ الهجرة إلى فرنسا، واختار مسارا مغايرا، كان ينتظر أن ينتفض من كان يدافع عنه، ويناضل من أجل قضيتهم.
لكنه صدم بالحقيقة، كان يردد بألم:
"إياك أن تصدق تصفيقات الجمهور، يوم تسقط، لن يقف مع وقفة رجل شامخ، سيتضامن معك، وينساك إلى الأبد، وكأنك لم تكن".
المهم وصافي
08/05/2023
ثلاث أزمات تفسر إخفاقات الماضي، وتعمق جراحات الحاضر، وتحاصر آمال المستقبل: أزمة القيادة، وأزمة الاستراتيجية، وأزمة التنظيم.
ثلاث أزمات تعاني منها الإدارات العامة والشركات الخاصة والجمعيات والمنظمات عندنا ولا تزال.
والأزمة الأولى أعوص من الثانية والثالثة؛ فلنا من ترهل القيادات وضعف أدائها ما يكفي لتأليف موسوعة في العود الأبدي لتجارب الفشل.
لكن لدينا أيضا من نماذج القيادة الناجحة والفعالة ما يدعو للفخر والاعتزاز، ويوفر نماذج حية للدراسة والتحليل.
ما احوجنا لقيادات ناجحة تقود الأعمال تحقق الأهداف وتبني الأجيال بمنطق :
" القيادة قدرة وليست رغبة "
المهم وصافي
30/04/2023
لم نأت من العدم.
على بركة الله نعلن عن انطلاق التداريب الوزارية.
.
30/04/2023
لقاء المكونين بالحوزية.
.
29/04/2023
هنا والآن :
للمشاركة في الملتقى الوطني لمكوني الأطر التربوية بالمركز الوطني للتخييم الحوزية، المنظم من طرف الرابطة الكشفية المغربية، والمقام أيام 30/29/28 أبريل 2023.
02/04/2023
من أين سأبدا وكيف أنسج مقدمة تجذبكم نحو خربشاتي ، أريد حقا التلاعب بمشاعركم من أجل أن تنصتوا لحروفي ، ولكن ربما لا أملك هاته الملكة ولكن سنرى ما سيسدي لي هذا القلم من خدمة.
عادة القصص والحكايا يتلاعب كتابها بتمهديها من أجل إفتراش أرضية تصلح لمداعبة الحروف ومغازلة الكلمات ولكن لنتفق على أمر ، دعونا نتخبط الآن بعشوائية وبعدها نبحث عنها إن وجدت.
لنتمرد قليلا على هاته العادات الرتيبة ، لنكسر هذا الإيقاع ، ولننحرف ولو قليلا عن المسار المزعوم.
اليوم سنبحر رفقة صديق لنا تخالجه أحاسيس جمة ، يريد البوح بمجملها إن لم نقل معظمها ، لنستمع له ولنرى بما سيفضي لنا.
هذا الصديق قرر التحدث بعد سنوات من الصمت المؤلم ، بعد معارك كبرى خاضها مع أحاسيسه وأناته.
اليوم قرر إيقاف كل شيء لأجل البوح ، ولن يمضي قدما إلا بعد أن نستمع لمكنونات فؤاده قائلا :
سنة 1960 انطلقت أولى صرخاتي في الحياة، يقولون أنهم ذبحوا خروفا صغيرا وأسموني محمدا، مثل اسم جدي الراحل.
كنت الإبن البكر الذي ارتشف من كل شيء مره، لا أعلم إن كانوا حينها سعداء بمجيئي لهذه الحياة، كل ما أدركه أنني لم أكن سببا في مجيئي ومع ذلك حرمت من أشياء كثيرة وتعرضت للحرمان من تذوق لذات الأشياء من حولي.
أمي امرأة ريفية بسيطة، تتقن الكتابة والقراءة لكن الظروف لم تسعفها لاكمال دراستها فخرجت من المدرسة في سن مبكرة، لا أعلم شيئا عن قصتها مع أبي وكيف تزوجا.
كان ذلك برضاها طبعا، لأنها كانت متمسكة به وتطيعه في كل شيء رغم قساوته معها وقساوة حماتها معها أيضا، حينما تلعب الهموم بها تتذكر الماضي، كانت تفرغ قلبها في حضرتي وكنت أنصت لها دائما.
اخبرتني أنها كانت تتكلف بشؤون المنزل كلها وكانت تطهو لإخوة أبي وتغسل ثيابهم و تنظف أفرشتهم وأنها كانت تحمل كل الأثقال على كتفها أيضا وهي حبلى بي.
لكي لا أوجعها كنت أكتفي بالاستماع وعدم التعقيب، وهذا ساهم في تآكل أشياء كثيرة بداخلي، أنا أعلم أنها كانت راضية ولم تكن تعترض على أي شيء.
كانت تحب دور "الكنة" والعروسة المطيعة، تظن والدتي أن ذلك سيساهم في حب أبي وعائلة زوجها لها.
كان بإمكانها أن تفعل كل شيء في سبيل ذلك حتى لو عنف أولادها أمامها كانت تلتزم الصمت لأنها كانت تقدس الرجل لا الإبن!
تنصاغ وراء لقب الزوجة لا الأم، مثلها مثل معظم النساء العربيات والمغربيات على وجه التحديد.
لا شيء يقدس ماعدا الإله، والظلم لا يسكت عنه بل يواجه بالانتفاض والاعتراض حتى يظل الحق حقا والباطل باطلا، لكن لا أحد منهن يفهم هذا، الجهل أعمى لا يرى، وهن يروق لهن التخبط وسط أحشاء وقذارة الجهل حتى الرمق الأخير في سبيل الاحتفاظ برجل لم يمنحهن سوى لقب "متزوجة".
كان أبي رجلا قاسيا صارما معي ومع إخوتي اللذين توالوا في المجيء بعدي، فأمي لم تكتفي بضحية واحدة لعلاقة شرعية فاسدة محكوم عليها بالفشل!
تظن المرأة الجاهلة أنه كلما زاد عدد أبنائها سيزداد تعلق زوجها بهاتحت شعار "غرق بوه بالولاد"، وأن السبيل الوحيد للإحتفاظ به هو إنجابها الواحد تلو الآخر، حتى لا ينظر لأخرى وحتى تقسم ظهره فلا يفكر بالزواج من امرأة ثانية أو يقرر تركها، فالمرااااا بلا ولاد كي الخيمة بلا وتاد.
هذا التفكير كان سببا في تشرد وضياع طفولة الكثيرين، كنا ضحايا لنساء يفكرن بالحمل حتى ولو كان ذلك من وحش بشري! حتى ولو لم توفر لهن الظروف الأشياء اللازمة للإعتناء بهذا المولود الجديد.
هن يعلمن ذلك جيدا لكنهن يهربن من المواجهة ويتمسكن بجملة قذرة لا أعرف من قائلها "دري يتولد برزقو"، هكذا يبررن جريمتهن في حق أطفالهن وأمي كانت واحدة منهن.
مرت الأيام بسرعة، أصبحت أخا لبنتين تصغرني الأولى بسنة واحدة، وأكبر الثانية بخمس سنوات.
مجيء أختي الأولى مبكرا وعمري لا يتجاوز السنتين كان سببا في حرماني من الاستمتاع بلحظات الطفولة.
لم أعد أنام بجوار أمي ولم أعد أتلقى الإهتمام البسيط الذي كانت تحيطني به والدتي.
أحسست أنني شخت فجأة وأنا في عمر صغير، حينما أتذكر طفولتي الصعبة ألوم أمي في قرارة نفسي لأنها كانت سببا في الجراح الكثيرة التي لم يكتب لها أن تشفى.
في المدرسة الابتدائية، كنت طفلا يتعلم بشغف و كانت علاماتي جيدة رغم فقر الإمكانيات وقلة الحيلة.
أبي لم يكن يساعدني بل كان هو والزمن ضدي، حينما يأتي من عمله ليلا تسرع أمي في إعداد مائدة العشاء الخشبية المستديرة.
يتناول طعامه بنهم ثم يشاهد نشرة الأخبار التي تبت على الساعة الثامنة ليلا، بعدها يذهب لينام، فيطفئ النور ويصرخ علي لأترك كتبي وأذهب للنوم.
في كثير من الأحيان كان يضربني إن أتى من عمله ووجدني أكتب، كان يقول أنني يجب أن أنجز واجباتي باكرا.
لم أكن أستطيع ذلك لأنني حينما أعود من المدرسة، أتوجه للعب قليلا كباقي الأطفال ثم أذهب برفقة عدد من أبناء الحي للبحث عن أسلاك الكهرباء التالفة والمستهلكة، أو "مواطير" الثلاجات المعطلة، نقوم بحرقها لفصل البلاستيك عن المعدن الذي نقوم ببيعه لاحقا.
في أحد الليالي، نامت أمي باكرا أو ربما تظاهرت بذلك كي أفعل مثلها أيضا، لكنني لم أستطع النوم، لقد اعتدت على مشاهدة الرسوم برفقتها ليلا.
حينما كان أبي يذهب للنوم، كنا نشاهد الصورة فقط بدون صوت كانت أمي تنقصه إلى آخر حده، كي لا يسمع أبي صوت التلفاز فيقوم بإطفائه وشتمنا، حتى أننا كنا نقوم بوضع غطاء ثقيل في الفتحة السفلية للباب كي نمنع تسرب الضوء للخارج، الضوء الذي قد يراه أبي في حالة إذا ما استيقظ للذهاب إلى المرحاض.
هذه الذكريات المرة تؤلمني كلما تذكرت، كلما حاولت عبثا عقد هدنة مع الذاكرة من أجل النسيان.
نامت أمي باكرا هذه الليلة، جو كئيب في بيتنا، أشياء ترغمني على الاستسلام والنوم، وعقلي يرفض ذلك، يغرق في أفكار لا حدود لها تؤلمني الأصوات الكثيرة بداخله وما من مسكن للألم.
أستسلم و أغمض عيني بشدة حتى أتمكن من السفر إلى العالم الآخر حيث الأحلام فقط.
مرت نصف ساعة وأنا أتقلب في فراشي، نهضت أمي من مكانها متسللة واختفت في الظلام، في بادئ الأمر ظننت أنها ذهبت للمرحاض، لكن حينما تأخرت في العودة قمت من مكاني وذهبت لتفقدها، لم أجدها في الحمام، سمعت صوتا غريبا في غرفة أبي، فعلمت أنها هناك، لم يكن للغرفة بابا.
كانت أمي قد دقت مسمارين في الحائط وربطت بينها بخيط و علقت عليه أحد الأثواب كي يحجب الرؤيا على كل ما يوجد في الداخل.
أزحت الثوب قليلا بحذر شديد حتى لا يراني أبي، فوجدته، جالسا وبجانبه زجاجة خمر، بينما أمي تتلوى أمامه، ترقص له كامرأة لا يمكن أن يقال عنها أنها مبتدئة.
خفت حينما شاهدت هذا المنظر، كنت صغيرا وكانت تلك أول مرة أرى فيها شيئا مقززا كالذي رأيته تلك الليلة.
عدت إلى فراشي، كانت أختاي نائمتين، تمنيت لو كنت مكانهما، لو أنني أغرق في نوم ثقيل ينسيني أشياء كثيرة تحتفظ بها ذاكرة طفل لا يزال يعيش بداخلي، والذي لن تفارقني لعنته حتى آخر يوم في حياتي.
أحيانا أشفق عليه وأحيانا أتوجع لنفسي لأن الواقع يقول أننا شخص واحد، هو ماضيي وحقيقتي التي لا يمكن أن أتخلص منها أبدا مهما فعلت.
بعد مرور ساعة من الزمن عادت والدتي متسللة كما ذهبت، انغمست في فراشها ثم نامت، أدركت حينها لماذا تتظاهر بالنوم باكرا وتقوم بمنعي من مشاهدة التلفاز.
في تلك الليلة أيقنت أنها تفعل ذلك لكي أنام، ليتسنى لها الذهاب دون أن ألاحظها فتبدأ ليلتها الغرامية مع زوجها الذي ينتظر مجيئها في الغرفة الأخرى.
حينما كانت تنام باكرا كنت أعلم أن الليلة ستكون ماجنة فأنام قبل أن أراها تذهب خلسة، أنا كنت أعلم كل شيء، لكن ما كان يخفى على والدتي ليومنا هذا، أنني كنت مستيقظا حينما كانت تظن أنني غارق في نوم لذيذ.
يقولون أنها علاقة قد حللها الشرع، لم يكن هذا ما يزعجني، كنت أتألم حينما كان أبي يضربني ويعنفني وأحيانا يجعلني أنام في سطح المنزل دون لحاف.
بينما أمي لا تبدي أي اعتراض بل تجدها على استعداد لليلة رومانسية معه في اليوم التالي، منحت أبي حقه الشرعي و لا أحد التفت لحقوقي.
لا أنكر أن أمي كانت تحبني و تحن علي، لكن عدم مواجهتها لأبي وهو يعنفني واكتفاءها بالصمت فقط، يجعل كل الأشياء الأخرى التي تقوم بها من أجلي لا معنى لها.
نهضت على الساعة العاشرة صباحا، كنت منزعجا ربما بسبب ما رأيته البارحة و ما فكرت به.
أمي نهضت لتحضير وجبة الفطور، لم أكن جائعا لم أتناول حصتي من الخبز وزيت الزيتون.
ذهبت هي لتقوم بأشغال البيت الأخرى، بينما أنا شققت طريقي نحو المدرسة.
كان يوم الإثنين وكنت على موعد مع حصة الاجتماعيات، كان الأستاذ الذي يدرسنا هذه المادة يثير في نفسي نوعا من الكره لكل شيء.
كان يأتي وهو محمل بهمومه ومشاكله الشخصية فيسلط كل غضبه علينا وفي كثير من الأحيان كان يضحك على أحدنا إن هو أخطأ في شيء أو لأسباب أخرى غالبا ما كان لها علاقة بالمظهر الخارجي، لطالما أخدنا كمادة دسمة ينفث فيها حقده وعنصريته وعقده النفسية الأخرى.
كنت أكره حصته رغم ولعي بالتاريخ، هذا الصباح نسيت أن أضع كتاب مادته في محفظتي الصغيرة وحينما سألني عن المقرر الدراسي أجبت أنني نسيته، فصفعني بقوة و انفجر رفقائي ضحكا.
لم أرضى لنفسي مثل تلك الإهانة وذاك التصرف الذي عنوانه الظلم فقط، لأن صديقي الذي يجلس معي على نفس الطاولة قام بوضع كتابه بيني وبينه مما يتسنى لنا نحن الإثنان متابعة الأستاذ، لكنه ضربني عمدا و ظلما فقمت بشتمه وهربت من القسم و من المدرسة أيضا.
لا أعرف كيف وصل الخبر لوالدي الذي قام بانتظاري حتى عدت إلى المنزل فقام بادخالي إلى غرفته ثم توجه إلى المطبخ لأخد أنبوب أزرق من الجلد، يستعمل لتوصيل قنينة الغاز الكبيرة بالفرن، عاد إلي الوحش وبدأ يضربني بقوة و عنف حتى ظهرت كدمات خضراء على أجزاء متفرقة من جسمي.
كنت أصرخ من شدة الألم، أتت أمي محاولة لأول مرة منعه من ضربي، فأمرها بأن لا تتدخل وحينما أصرت شتمها ب "الكلبة" فظلت تحاول الإمساك بيده لكنه دفعها ثم بصق في وجهي وتوجه نحوها قائلا :
في المرة القادمة إن لم تتركيني أربيه سأهجركم إلى الأبد.
بعد تهديده غادر البيت وحينما رجع ليلا، عاد وهو سكران فساعدته أمي في الدخول للمنزل لأنه كان يمشي بضع أمتار ويسقط، خطواته لم تكن متزنة بسبب ثقل الشراب.
بكيت ذلك اليوم كثيرا، أمي قامت بمسح دموعي و أصرت علي لأتناول الخبز وقطعا من المورتديلا (الكاشير)، تعلم أني أحبه لكنني لم آكل شيئا منه، شهيتي كانت مقفلة تماما ولا رغبة لي في تناول أو شرب أي شيء حتى لو كان ماءا.
نمت تلك الليلة بسهولة لأنني بكيت بحرقة، وحينما نبكي نحن الأطفال نرتاح وننام بسرعة، لم أفتح عيني إلا على صوت أختي وهي تحاول ايقاظي كانت تحاول تسليتي وإضحاكي.
لقد أشفقت علي حينما رأت عيناي المتورمتان، ورأت تلك الكدمات الظاهرة على يدي، حينما نهضت لأفطر مع أمي وأختاي تذكرت ما حدث لي يوم أمس فنزلت دمعة حارة على خدي.
انتبهت لها أختي ثم قالت تلك الجملة الشهيرة التي يعزي بها الأخوة بعضهم حينما يتعرضون لشيء أو حادث سيء " باركة خويا من لبكا دابا تكبر وتنساها".
كف عن البكاء أخي حينما تكبر ستنسى، لكن لا شيء ينتسى هكذا بسهولة كخربشة صغيرة على ورق تمحى بجرة ممحاة، لا شيء ينتسى كل الأشياء تظل عالقة بالذاكرة.
مر يومان لم أذهب فيهما إلى المدرسة، أبي لم يأتي ليراني أو يصالحني، و هذا ليس بالشيء الغريب عني.
اعتدت معاملته القاسية لي وضربه المبرح الذي يلحق الأذى بروحي أكثر مما يلحقه بجسدي.
خلال هذان اليومين كانت أمي تأتي لي بصينية صغيرة عليها نصيبي من الأكل أثناء كل وجبة، لكي لا أتقابل مع والدي وجها لوجه، كأنني شخص محكوم عليه بالإقصاء والنفي الذي لم تحدد مدته وما عليه سوى انتظار موعد الإفراج عنه ليستعيد حريته في الحياة حتى وإن كانت طرقاته مقفلة ملعونة.
هنا الذي يعاقب يظن أنه يقسو على الذي تعاقب لكن الذي لا يدركه هو أن المعاقب ماعاد ينتظر الإفراج، ما عاد مهتما لأن كل الأشياء غدت بلون و طعم واحد عنوانه المرارة فقط.
بعد تفكير طويل، قررت الهروب من المنزل، ظننت أنني سأتخلص من الهموم وأنني سأبدأ حياة جديدة حيث أنسى كل ما مررت به.
في أول الأمر حاولت التخلص من هذه الفكرة، لم أكن أريد أن أترك أمي وإخوتي في قبضة من سلبنا فرحتنا وضحكتنا، لكن الرغبة في الرحيل كانت أقوى مني فأخدت القرار الأخير بصعوبة.
حينما أتت أمي مرفقة بصينية العشاء، تمعنت فيها طويلا قبلت رأسها فابتسمت ثم ذهبت، لم يتسنى لي توديع إخوتي الفتيات لأن والدي منعهم من رؤيتي و التحدث إلي رغم أننا في المنزل ذاته، فكان يقمن بذلك خلسة منه حينما تتسنى لهن الفرصة للعب معي ورؤيتي.
العين تبكي، العقل ممتلئ بالهموم والقلب متعب، كنت أودع الأشياء البسيطة التي من حولي والتي تأثت منزلنا الصغير.
ظننت أنني لن أراها بعد هذه الليلة، توقعت أنني سأنجح في خطة الهروب لكن للحياة رأي آخر.
لنا القررات الأولى وللقدر أحكامه الأخيرة هكذا قال لي أحد التعساء يوما.
في صباح الغد، ارتديت ثيابا جديدة، قلت لأمي أنني سأذهب للمدرسة فرضت عني و أوصتني كثيرا بأن أتجنب المشاكل مع أستاذ مادة الإجتماعيات فوعدتها بذلك و رحلت.
كنت أريد معانقتها وتقبيل رأسها لكنني خفت من أن تحس بي فتمنعني من المغادرة، لذا تصرفت بشكل عادي كما سائر الأيام.
المدينة صغيرة جدا، لا أدري إلى أين سأذهب رجلاي تقودانني من زقاق إلى زقاق ، وكلما تقدمت في المشي كلما بعدت أكثر عن حينا.
تعبت من السير فجلست بجوار أحد الأفران الشعبية، لا أعرف أين أنا الآن، شعور بالندم يجتاحني و صورة والدتي و إخوتي لا تفارقني، ما من سبيل للعودة الآن لأنني ببساطة لا أعرف طريق الرجوع، ابتعدت كثيرا حيث ظننت أن أبي لن يصل إلي.
حل الظلام انتهى بي المطاف قرب أحد المساجد، رأيت المصلين يغادرون بيت الله بعد انتهاء صلاة العشاء.
انتظرت حتى يبقى فقيه المسجد لوحده ثم ذهبت إليه وقبلت يده و رجوته أن يتركني أنام هذه الليلة في المسجد، لكنه رفض و أخدني إلى منزله، أرغمني على تناول وجبة العشاء معه.
لقد كانت له زوجة طيبة و ولدين لطيفين، بعد انتهائنا من الأكل سألني عن والداي فأخبرته بكل شيء، كذبت عليه في أمر واحد فقط، فأنا لم أخبره بأنني أعنف من طرف أبي، لقد قلت له أن والدي توفي وزوج أمي هو الذي يعاملني بقسوة.
لا أعلم لماذا لم أقل له الحقيقة كاملة، ربما لأنني حينها كنت خجولا بأن أنتسب إلى رجل مثل أبي.
كذبت لأنني كنت سأحس بالضعف إن أنا أخبرته أن والدي البيولوجي والحقيقي هو الذي يعاملني بوحشية وليس شخصا آخر.
الفقيه صدق كلامي، سألني عن تفاصيل أخرى ثم طلب من زوجته أن تجهز لي مكانا أنام فيه، ففعلت ذلك وتعاملت معي وكأنني ابنها.
أحببت هذه الأسرة الصغيرة تمنيت لو كنت واحدا منهم، لو كنت ابنهم، تمنيت للحظة بأن تكون هذه الأسرة هي عائلتي الحقيقية، لكن التمني لا يفيد مادامت تعلم جيدا كيف هو واقعك، الذي لن يتغير لا بالتمني ولا بأي شيء آخر.
لا يمكنني أن أختار أبا جديدا كيفما أريد، نحن نولد وغير مخيرين لا في أسمائنا ولا في من يلدنا، وهذا يحتم علينا التأقلم مع أي وسط أرغمنا القدر على العيش فيه.
يجب علينا التأقلم والتعايش مع ذلك فور اشتغال ملكة الإدراك، لأن قبل هذا نكون مجرد أطفال كل شيء يبدو جميل حتى الحزن! لأن لا قدرة لنا على رؤية الواقع واستيعابه كما هو.
يمكن للأم أن تخدعنا بابتسامة و يمكن للأب أن يخدعنا بوعود كاذبة ما دمنا لا قدرة لنا بعد على رؤية العوالم الأخرى المظلمة للحياة والتي لا نراها إلا فور وصولنا سن البلوغ و أحيانا قبل ذلك.
أتذكر يوم قلت لأختي الصغيرة نحن لدينا الكثير من الأموال، لم تسألني أسئلة منطقية ك لماذا نحن إذن في منزل صغير؟ أو لماذا لا نملك ثيابا جديدة أو لماذا ليس لدينا أكل كافي.
بل هي صدقتني على الفور وبدأت تسرد علي طلباتها التي هي كلها عبارة عن "أريد الكثير من الحلوى ومن الشكولاتة ومن البطاطس المقلية التي تباع في الدكاكين".
فتظاهرت بأنني أجري مكالمة أطلب فيها من أحدهم أن يشتري لنا كل ما ذكرته أختي، تحمست كثيرا لم تشك للحظة في صدقي فذهبت تجلس أمام باب المنزل تنتظر وصول الذي سيمدها بطلباتها الصغيرة.
الآن وهي فتاة بالغة تدرك جيدا أنه لا أموال لنا وأن أبانا سكير و أن هناك من هو أسعد منا ويفوقنا مالا ومن يمتلك أسرة سعيدة وأن هناك من له قدر جميل مختلف عن قدرنا.
الآن لن تنطلي عليها أي خدعة و لن تصدق الوعود والأحلام الوردية لأن عقلها استوعب وأدرك و فهم حقيقة كل شيء.
استيقظت باكرا صباح هذا اليوم، وجدت زوجة الفقيه تحضر لنا الفطور، حيتني بتحية الصباح ثم طلبت مني الجلوس و ذهبت لتوقظ ابنيها اللذان كان يعاملنني بلطف أيضا.
تناولنا الفطور سويا وكنت لا آكل إلا القليل لأنني كنت مستحيا، فأنا لم أتعود عليهم كما أنني كنت أحس وكأنني شكلت عبئا عليهم، وأنهم يضيفونني لإنسانيتهم فقط وليس كواجب عليهم.
لأول مرة أحسست أنني محظوظ لأنني تقابلت مع أشخاص بسطاء ورحماء تعاملوا معي برفق وألفة.
بعد الفطور ذهب الأولاد لمدرستهم، بينما طلب مني الفقيه الخروج برفقته، لم أسأله إلى أين وجدته يمسك بيدي ويتوجه بي إلى سوق صغير.
ظننت في أول الأمر أنه يريد أن يشتري أغراضا منزلية لزوجته، لكنه حينما قصد دكانا لبيع ملابس الأطفال في سني فهمت كل شيء.
اعترضت في البداية متحججا بأنني أمتلك ملابس كثيرة في منزلنا الذي هربت منه، ولا حاجة لي بثياب أخرى، لكنه ابتسم وقال لي أنه سيغضب إن تعاملت معه كغريب مرة أخرى.
حينما قال لي ذلك اخترعت في عقلي الصغير كذبة أنه أبي وصدقت هذه الكذبة وآمنت بها فأحسست بسعادة كبيرة.
إنه شعور جميل، ربما يكون للحزن قيمة أيضا فلولاه لما عرفت هذا الإحساس ولما شعرت بحلاوته.
اشترى لي الرجل الطيب ملابس جميلة وأنيقة لم أحلم بأن يلمسها جسمي حتى لو خيالا.
بعدها صحبني إلى متجر صغير لبيع الساعات واشترى لي واحدة، شكرته كثيرا وقررت أن لا تفارق هذه الساعة معصمي أبدا.
حينما عدنا للمنزل، قام باشعال التلفاز قائلا لي "هذا منزلك تصرف كما يحلو لك وان احتجت لشيء أخبر أمك".
كم كانت اللحظات جميلة وهادئة وأنا في حضن عائلة تعتبرني ابنها ولا تفرق بيني وبين أولادها الشرعيين.
تمنيت لو توقف الزمن هنا لا مطامع أخرى لي، لا أريد ثراءا أو عقارا أو أموالا طائلة كل ما أريده سوى أب وأم يغرقاني بحنانهما ويشعراني بحبهما.
لكنني لم أكن سوى طفل لأب سكير يعنفني كلما تسنت له الفرصة، ويهمش أمي واخوتي ويهددنا بالرحيل وتركنا نموت جوعا دون رحمة! حينما كان يقول ذلك كنت أتمنى لو أنه يقوم بتركنا للأبد،
كنت سأخرج من المدرسة و أعمل في أي شيء لكسب المال وإطعام اخوتي، لكن حينما كنت أحاول إقناع أمي بترك أبي، كانت تنهرني وتحتج بأن لا أحد سيرحمنا و أننا سنموت جوعا وسيتم استغلالنا من طرف الذئاب البشرية.
وإن هي ذهبت لمنزل أباها لن يقبل بها وبرفقتها تلاث أولاد يحتاجون لأكل ولباس و غيرها من المستلزمات الضرورية.
كانت هذه الأشياء هي العوائق التي بسببها تغض أمي النظر عن امكانية طلبها الطلاق أو السماح بهجران أبي لنا.
مرت ثلاث أيام وأنا أمكث في منزل الفقيه الطيب، صحيح أنني كنت سعيدا، لكنني كنت مشتاقا لأمي و إخوتي أيضا، لم أخبر أحدا بذلك، لا أريد أن أحرم نفسي من هذه الراحة التي أشعر بها بين أحضان هذه العائلة.
كنت أعتقد أنني سأكبر بينهم و حينما أصبح شابا سأبحث عن والداتي لأعوضها عن كل شيء حرمها منه أبي، لكن الأمور لم تأخد المنحنى الذي توقعت لها، في اليوم الرابع جاء الفقيه يسألني عن حينا واسمه واسم والدتي وبعض المعلومات الأخرى.
كنت أجيبه تباعا وحينما صمت، تمكن مني الخوف فسألته إن كان يريد أن يرجعني لزوج والدتي، لكنه أجاب بالنفي وقال أن أمي ستكون اشتاقت لي وقد تكون حزينة لفقداني.
حينها لم أصدق كلامه ظننت أنه رأى مني خطأ فقرر إرجاعي، لكنه نفى ذلك أيضا و وعدني بأن يذهب معي حتى تراني أمي و إن هي سمحت له بأخدي سأرجع و أعيش معه كواحد من أبنائه.
وعده هذا أزاح بعض الخوف من قلبي، لكنني فكرت أنه سيكتشف الحقيقة كلها حينما نذهب لبيتنا.
كانت هذه أول مرة أتوجه فيها إلى الله وأدعوه بحرقة بالغة أن يساعدني و يحميني و لا يحرمني من هذه السعادة التي لم أعشها في حضن أبي.
بعدها نمت وسلمت أمري لله دون أن أعترض على قرار الفقيه أو أحكيه جزءا من الحقيقة التي أخفيتها عنه.
في صباح اليوم التالي، نهضت باكرا، الإحساس بالخوف أفقدني شهية الأكل، لكن زوجة الفقيه ألحت علي كي أتناول فطوري ففعلت وأنا كلي قلق و حيرة.
أحست بتوتري فوعدتني بأن زوجها سيأخدني فقط لكي تطمئن علي أمي وسيقوم بإرجاعي حالما تعلم أنني على قيد الحياة وأنني بصحة جيدة تفاديا للوقوع في مشاكل كبيرة مستقبلا.
ابتسمت لها وأحسست بالطمأنينة، ومع ذلك قمت بتوديعها وكأنني أراها لآخر مرة وهذا ما حصل فعلا.
حينما ذهبت مع الفقيه للبحث عن منزلي في حينا الذي أخبرته بإسمه، تعرف علي جارنا أحمد فقام بإرشاد الفقيه نحو بيت والداي، في تلك اللحظة كرهته و تمنيت لو أنه بلع لسانه واكتفى بالمرور من جانبنا دون أن يستوقف طريقنا.
حينما وصلنا، سألني الفقيه إن كان العنوان صحيح أجبته بالتأكيد، طرق الباب فاختبأت من خلفه، فتحت لنا أمي، أمسك بيدي ثم حياها بتحية الإسلام، فور رؤيتها لي قامت بمعانقتي وتقبيلي.
أثناء هذه اللحظات الجميلة جاء أبي فارتعشت كثيرا، ولأنه رأى الرجل بجانبي تعامل معي بلطف و كأنه ملاك.
طلب أبي من الرجل الدخول، ففعل وبعدها علم الحقيقة التي أخفيتها عنه وأن ذلك الرجل الذي يتظاهر باللطافة هو والدي وليس زوج أمي، نظر إلي الفقيه وابتسم ولم يغضب مني أبدا بل تفهمني و أحس بي.
كان أبي يقول له أنني فتى شقي وأنه لا يضربني إلا نادرا، أبي كان يكذب وأمي لا تنبس بحرف وجدت نفسي مجبورا على الصمت.
مرت ساعة والرجل الطيب يستمع لأبي بعدها رحل وتركني بعدما شكره والدي و قال له أن كل ما سمعه مني هو كذب فقط.
اضطر الفقيه على تركي وقال لي ما دمت تملك أبا لا يحق لي انتزاعك من والديك، في الغالب صدق أبي وهذا أحزنني.
حينما كان يهم بالرحيل بكيت أمامه فوعدني بأنه سيأتي لزيارتي من حين لآخر ثم قبلت يده وودعته وأنا أبكي بحرقة لأنني سأودع أيامي الجميلة معه ومع أسرته المباركة، ودعته وأنا أرتجف لعلمي بما ينتظرني حينما يرحل الفقيه ويتركني.
أغلقت أمي الباب بينما أبي جرني بشدة من قميصي و لطمني مع الحائط شاتما إياي " الكلب تاع بوك، فضحتني، كبرت و تعلمت كيفاش تفتري على والدك أنا غانربيك".
قام بصفعي بعدها رماني في سطح المنزل، وقال لأمي " خليه، يتعفن باش يعرف كيفاش يتعلم يهرب من الدار مرة أخرى" مضيفا " لا ترحميه ولو بشربة ماء وإلا فل تلحقيه أنت وأبناءك أيضا يا ولاد الكلاب".
قفل علي باب السطح من الخارج و تركني هناك ثم رحل ولم يغادر المنزل مساءا كعادته كي لا يمنح أمي فرصة إطعامي أو منحي لحافا أصارع به برد هذه الليلة.
استلقيت على ظهري و وجهي يقابل السماء، تذكرت الفقيه لقد كنت في حضنه كطائر خرج للتو من بيضته و انطلق ببهجة مقبلا على الحياة يرتشف من كل شيء حلوه.
أما الآن وقد عدت لنقطة البداية ما أنا إلا طائر مكسور الجناحين ينزف بشدة وهو داخل قفص حديدي لا هواء فيه لينعش رئتيه، لا سماء ليحلق فيها، لا حياة يقبل عليها، و لا سرب ينتظره، لا أحد يضمد جراحه فيموت وحيدا.
ظللت أنظر للسماء حتى أظلمت، الضوء الذي يتسرب من سقف المنزل "الضواية" يؤنس وحدتي لكنه سرعان ما انطفأ فعلمت أنهم قاد ناموا.
أحس بالجوع وبالبرد ولكن الألم الذي ظل حبيس صدري يتغلب على أي احساس آخر، الأحداث التي أمر منها تفوق قدرتي على الصبر و كثرة التفكير تؤلم رأسي.
صوت داخل عقلي يحبب لي فكرة الإنتحار والخلاص، ولكي لا أنصت له أضرب رأسي مع الحائط فتتوقف كل الأصوات فجأة!
الأحداث التي أمر منها تفوق قدرتي على الصبر و كثرة التفكير تؤلم رأسي، صوت داخل عقلي يحبب لي فكرة الإنتحار والخلاص، ولكي لا أنصت له أضرب رأسي مع الحائط فتتوقف كل الأصوات فجأة!
الليل طويل وأنا وحيد، يلفت انتباهي وجود "كرتون" بجانبي قمت بافتراشه لأنام عليه.
استلقيت على الأرض دون غطاء دون أمنيات ودون أحلام، حتى أفقت على خيوط الشمس الذهبية وهي تداعب وجهي.
انتظرت أن يأتي أبي أن يرحمني من هذا العذاب ويحن قلبه تجاهي، لكن لا أحد أتى حتى مرت ساعتين.
فتحت أمي الباب فعلمت أن أبي قد ذهب لعمله، تناولت الفطور بسرعة لأنني كنت جائعا، أمي رأت الحزن البادي على قسمات وجهي فأوصتني بالصبر قائلة " غير صبر أ ولدي و متديهاش فداك ليهودي ديال باك ذابا تكبر وتهنى منو".
أنا لا أعاتب والدتي و لا أحملها سبب وجعي، ولكني أغضب منها لأنها تتفوه بما لا يوجد في قلبها.
أعلم أنها تحب والدي و لا تتجرأ على تركه وأنها تتكلم من وراء ظهره فقط كي تظهر في صورة الأم المغلوب على أمرها، لكن تصرفاتها معه تفضح حبها اللعين له.
أيحب الإنسان ما يؤذيه؟
هل يعقل أن أحب بدوري امرأة تشتمني و توبخني و تقوم بخيانتي و تهددني بالهجران.
إن كان هذا حبا فأنا أفضل أن أغرز بقلبي مائة ضربة بالسكين على أن أجعله ينبض بإحساس كهذا لمن لا يستحق، والدتي جعلتني أكره النساء.
جعلتني أظن أن كل نساء العالم يحببن أزواجهن ومن أجل هذا العشق المريض قد يتخلين عن أولادهن و يرضين بتعاستهن مقابل التواجد قرب رجل لا يعرف الحب إلا في السرير.
والدتي جعلتني أكره النساء التعيسات المهانات، العاشقات الساذجات المتخلين عن كرامتهن عن قناعة و رضى تحت مسمى "حب".
أبي جعلني أعاني عقدة الخوف من الإنجاب كي لا أعذب أبنائي مثلما عذبنا هو واغتصب طفولتنا.
تقول أمي أن المجتمع لا يرحم المطلقة، لا تعلم هي أن المجتمع لا يرحم أحدا، سواءا المطلقة أو المتزوجة أو العازبة وحتى الأرملة.
المجتمع غير معني بالفضائل هو يركز على اختلاق الفضائح والأكاذيب فقط و نشرها عمدا كي يحترق المعني بها، فسواء تطلقت أمي أم لا كانوا سيتحدثون لأن تلك عادة لن تتلاشى أبدا مع مرور الزمن ما دمنا شعبا يحب الأقاويل ويروج للأسوء ويترك الجيد.
سيظل المجتمع مجتمعا يقذف هذا ويسب ذاك ويفضح الآخر مادامنا شعبا لا شغل له سوى التدخل في خصوصيات الآخرين ونسج قصص وهمية لا تمت للواقع بصلة.
هكذا نحن ولا يمكننا إنكار صورتنا المنعكسة على المرآة، لذا يا أمي لا تتحججي بأقاويل الناس أو أحاديثهم ما دمت تعلمين جيدا من أنت، هكذا كنت أحاصرها و كانت تكتفي بالصمت هربا من المواجهة وخوفا من اكتشافي لحبها.
جاء أبي، هربت بسرعة نحو السطح كي لا يوبخ أمي لأنها فتحت لي الباب وأطعمتني، وهي بدورها تظاهرت بأنها لم ترني، وبأنها لم تكسر كلمته.
فتح الباب، جرني من أذني و أنزلني إلى المنزل قائلا " المرة جاية غنبيتك فالزنقة يا ولد الكلبة"، بمعنى في المرة القادمة سأطردك لتبيث في الشارع يا ابن الكلبة، لم تؤلمني جملته تعودت على شتائمه، لكن أوجعتني الكلمة في آخر جملته.
كيف ينعتني بابن الكلبة وأنا ابن انسانة ضحت وتقبلت مزاجه و انحرافه و تقلباته، كيف يشتمني ببساطة هكذا دون احترام مشاعرها.
هي تصمت هذا كل ما تفعله أمامه حتى لو سبها مباشرة، هل قلبها يحترق أم أنه مات منذ زمن؟ لا أظن ذلك فهو حي مدام ينبض بالحب لرجل يستمتع بتعذيبنا لا غير.
في أحيان كثيرة كنت أتمنى أن أرد له شتيمته حتى يحترق بها هو، تمنيت أن أقول له أنه كلب بما أنني أنا ابن كلبة.
فالكلاب لا تتزوج من البشر، لكن الخوف والتردد منعاني من قول هذا كي لا تتألم أمي، كي لا ينهال بالضرب على أختاي متوقعا في عقله المريض أنهن سيفعلان مثلي.
بعد الزوال ذهبت للمدرسة، سألني أستاذ اللغة العربية عن سبب غيباتي المتكررة مؤخرا فأجبته بشيء لا يشبه الحقيقة.
تظاهر أنه اقتنع و قام ببدء الدرس، كانت حصة اليوم تخص التعبير الكتابي، لم يكن هناك موضوع محدد طلب منا الأستاذ الكتابة عن أي شيء نوده، كانت مقالتي موجعة متعبة بائسة وهذا بعض مما جاء فيها:
《يقولون أن الأب هو السند، منذ متى فقدت سندي! هل يمكن لنا ارتشاء القدر ليرجع لنا أشياء قد رحلت مبكرا، دونما عودة دون وداع! لا أحد يعرف إلى أين تحملنا الأيام، النساء اللواتي يتحدثن مع أمي أمام عتبة المنزل يقرأن كؤوسهن، يردن أن يطلعن على حظهن، مهووسات بمعرفة وقرءاة مستقبلهن، لا أدري هل أشفق عليهن أو أشفقي على نفسي، من فينا يستحق الشفقة؟ من يقبل على الحياة و هو يريد معرفة ماذا تخبئ له أم الذي لا ينتظر شيئا وليس معنيا بأحد مثلي.
ما عدت أريد معرفة ما قد تحمله لي السنوات، اكتفيت بما عشته، رأيت كل شيء مر في سن صغير، فهل يوجد ألم آخر أفظع تخزنه لي الأيام ليكون الضربة القاضية! حتى هذا لم يعد مهما الآن لقد فقدت بهجتي فعلا! أنا أموت ببطء، يقولون أن الأب هو السند، منذ متى فقدت سندي! 》
لا أدري لماذا خطت يدي شيئا كهذا، كل ما أعلمه أنني لم أكن موفقا في ما كتبت مادام الأستاذ قد جاء لتعزيتي في موت أبي بعدما قرأ الورقة!!
عدت للمنزل، أمي كانت تحضر "المسمن المغربي"، سألتني عن سبب مجيئي باكرا فأخبرتها أنني لم أحضر حصة الاجتماعيات لأنني أكره مدرسها، فنهترني قائلة " يجب أن تحضر دروسك وحصصك إن علم أباك بالأمر سيضربك مرة أخرى، أنا تعبت بينكما ولم أعد أحتمل المزيد من الصراخ والمشاكل".
لم أجيبها اكتفيت بالصمت بينما تسمرت عيناها في شيء ورائي، استدرت فإذا بي أجد والدي يقف ورائي، لم يسألني عن أي شيء لأن لا علم له بمواقيتي الدراسية لكنه سمع ما دار بيني وبين أمي فتوجه إلى الحائط الذي أعلق عليه توقيت الزمن وأوزع عليه الساعات الدراسية وما يقابلها من مواد.
توقف اصبعه على يوم الخميس ذهب جهة المساء توضح له أنني تغيبت عن حصة الإجتماعيات، فالتفت نحوي يسألني عن سبب وجودي في المنزل في هذا الوقت؟.
في تلك اللحظة كان بامكاني الكذب عليه والتظاهر بأن الأستاذ قد تغيب أو أنه انخرط مع باقي الأساتذة في إضراب عام، لكن هناك شيء منعني من الكذب كنت أحب مواجهته وتحديه حتى لو عاد علي الأمر بالضرب والشتم.
كنت أصر على قول الحقيقة كما هي في وجهه، أما بخصوص الألم الناتج عن ركلاته لي فلم أعد أحس به اعتاد جسمي على ذلك، كل ما كان يهمني هو تجاوز الخوف بداخلي، و تجاوزه هو و قوانينه الظالمة و أوامره اللعينة.
قلت له أنني أكره الأستاذ لأنه لا يعاملني بشكل جيد، وأنني قررت ألا أدخل حصته هذا المساء، لم أكمل جملتي حتى و جدته يركلني و يضربني قائلا " مبغيتيش تقرا يا ولد الكلبة ، بغيتي تبع التشمكير فالزناقي".
أختي الصغيرة رأته وهو ينهال علي بالضرب والشتم فخافت واختبأت وراء الباب، تلك النظرات التي كانت ترمقني بها لم أنساها أبدا طوال حياتي.
أحسست أنني مسؤول عن الحزن البادي على وجه إخوتي و والدتي، اختلطت علي مشاعر الألم والإنتفاض والحزن والإنتقام ، انتظرته حتى ينتهي من ركلاته وشتائمه ثم نهضت للغرفة ونمت دون أن أوجع نفسي هذه المرة بالأسئلة والمقارنة و التمني.
نمت وكأن لا مشاكل ولا هموم لي، بينما خرج والدي من المنزل وهو يلعننا ويلعن حياته كالعادة.
وضعت الغطاء على رأسي، لم تنزل الدموع هذه المرة، شيء بداخلي يتحجر ويتصلب، شيء بداخلي يتغير.
أصبحت أقسو كثيرا على نفسي ولا أرحمها وأمنعها من البكاء و إن هي فعلت أعاقبها بترك أصبعي في النار لدقائق.
كان الأمر يؤلمني لكنني كنت أصر على فعله كمعاقبة لنفسي إن هي استسلمت لمشاعر معينه، كنت قويا في مواجهة نفسي فقط، لكن المواقف الإنسانية التي كنت أراها في الشوارع والأحياء الفقيرة كانت كفيلة بأن تجعل قلبي يعتصر و دموعي تنهمر، حينها لم أكن أعاقب نفسي لأنها تبكي على الآخرين لا علي.
الساعة التاسعة صباحا، قام أبي بركلي فنهضت من النوم، أمرني بارتداء ملابسي والالتحاق به، لبست بسرعة وحملت حقيبتي الدراسية، و جدته ينتظرني أمام باب المنزل، قال أنه سيذهب معي عند أستاذ الاجتماعيات أجبته بأن لا حصة لي عنده اليوم، و مع ذلك أصر على الذهاب.
صمتت فاستيقظت الأسئلة داخل عقلي الذي لا يكف عن التفكير.
وصلنا إلى باب المدرسة سألني عن قاعة الأستاذ، فتوجهنا إليها معا، كان يجلس على الكرسي المقابل لمكتبه رآنا فقام من مكانه، ألقى عليه أبي تحية الإسلام فرد الآخر بمثلها.
أدخلني والدي للقسم وأمرني بخلع قميصي استغربت أولا ثم استسلمت لطلبه لكي لا يضربني أمام المعلم الذي أكرهه فيشمت بي، حينما خلعت قميصي قام أبي بجري نحو الأستاذ مشيرا للكدمات على ظهري وكتفي قائلا له "انظر ماذا فعلت به لقد ضربته حتى لا يقلل احترامه عليك مرة أخرى يا أستاذ، وإن فعل مجددا ما عليك سوى إخباري لأعيد تربيته من جديد".
نزلت دمعة على خدي كانت ساخنة جدا و كأن بشرتي احترقت بها حينما نزلت، تمنيت لو أن الأرض انشقت وبلعتني، لو أنني هربت قبل أن أخلع قميصي، لكن الآن بعدما أهانني أبي لا فائدة لي من الهروب او الإختباء، الذي صفعني بالأمس ظلما، يبتسم و هو ينظر في وجهي وكأنه يقول لي "سيستمر الظلم مادام لا أب لك ليدافع عنك".
نظراته مستفزة أريد أن أنقض عليه و أبرحه ضربا و أفرغ فيه كل ما اختزنته داخلي بسبب أبي، لكنني لم أفعل أنا عاجز.
أنا تائه ولا يد تمسك بي لتحميني من الوحوش البشرية.
أنا وحيد كنبتة كتب لها أن تنمو وحدها في الصحراء قدرها أن تموت عطشا! ما من أحد يسقيها كي تعود للحياة فتستسلم ثم تموت ببطء.
لا أحد معني بها كلهم يتأسفون عليها بعد فوات الآون بعد أن ماتت، يتأسفون لها حينما لا ينفع أسفهم في شيء، لأنه لن يعيدها للحياة أبدا.
حينما قال أبي كلامه للأستاذ، رجاه الأخير كي لا يضربني مرة أخرى لأنني مراهق و قد أخطئ في هذه الفترة الصعبة كما يقول.
دخل التلاميذ للقسم فجأة انتبه معظمهم للكدمات على ظهري ارتديت قميصي على عجل كي لا أصبح قصة تتداول على الألسن، بطلها أبي الوحش وضحيتها أنا.
شكر والدي المعلم ثم غادرنا معا، ذهبت أن لقسمي بينما عاد هو للمنزل.
جلست على الطاولة، كان أستاذ الفرنسية يلقي الدرس، و كنت أنا شاردا، أراه بعيني فقط و لا أستطيع التركيز فيما يقول، كانت لي رغبة قوية في البكاء، قمت بصدها و تغلبت عليها، لكن تلك الرغبة التي كبحتها عذبتني كثيرا فيما بعد، كان لا بد من البكاء ذلك اليوم، يا ليتني فعلت!
رن الجرس، رجعت للمنزل سألتني أمي بعض الأسئلة، لم أخبرها بكل ما حصل، لم تكن لي رغبة في الكلام خاصة وأنه لا شيء سيتغير.
ستظل أمي تلك المرأة البسيطة التي تخاف زوجها و تسعى لرضاه، ستظل المرأة التي تصبر على الإهانات و الشتائم وتتحمل رؤية أبناءها يتعذبون.
المرأة التعيسة التي تتحمل كل شيء في سبيل الإحتفاظ بلقب "متزوجة" و كأن هذا اكبر امتيازات الحياة.
كرهي للنساء اللواتي يصبرن على أفظع الأشياء من أجل رجل واحد مختل و مريض يجعلني أحترم المرأة المطلقة التي تجاوزت الأحكام المسبقة، وتفوقت على نفسها و على المجتمع و فضلت حريتها على البقاء بجنب رجل قذر مزق شرايين قلبها دون رحمة.
امرأة لم ترضخ للعنف النفسي والجسدي، امرأة لم تيأس بل واجهت بقوة قدرها الذي رماها في حضن رجل غير سوي.
امرأة تعرف جيدا أن الزواج له أحكامه التي إن تجاوزها أحد الطرفين، ستكون النهاية لا محال.
أمي و نساء كثيرات يعتبرن الزواج هو نوع من العبودية و بناءا على هذا يجب تقديس المعبود كيفما كان وربط مصيرك معه حتى لو كان مصيرا مظلما مبهما تعيسا.
أن تحظي برجل كيفما كان و تستمري بعلاقتك معه تحت مؤسسة الزواج كيفما كان طقسها وطقوسها هو أعظم انجازات المرأة المتخلفة في مجتمع الجهل.
مرت الأيام بسرعة، أصبحت شخصا انطوائيا منعزلا، لا أهتم بأكثر الأشياء التي تستوقف نظر من هم في مثل سني.
أصبحت شخصا آخر غير الذي كنته لقد فقدت رغبتي في الحياة، أبي قتل شيئا جميلا كان بداخلي، أيعد هذا إجراما!؟
هل بإمكان القانون أن يحاسب من سرق منا بهجة الحياة و جعل منا مجرد أجسام تعيسة تكافح من أجل استرجاع الروح التي ذهبت وسترجع، والتي ذهبت ولن ترجع أبدا.
حلقت دونما عودة !
يوجد الكثير من المجرمين لازالو يشاركوننا الحياة، دونما عقوبة، ضحاياهم عبارة عن جثت مازالت تتنفس ببطء تخاف عقاب الآخرة إن هي انتحرت! لذا ترضى بجحيم الدنيا حتى ينتهي العذاب أو ينتهي مصيرها هي في هذه الحياة، القانون لا يعترف بهكذا جريمة.
الله وحده سيعاقبهم، نحن خلق الله و إليه راجعون، و تحت حكمه العادل سينصف الضحايا و يعاقب المجرمون، مهما طال بنا الإنتظار فلا مفر من العدالة الإلهية و في هذا عزاء للكثيرين من أمثالي، و ممن يعيشون ظروفا أخرى مختلفة عني لكن لها العنوان نفسه.
حلت العطلة الصيفية، سنسافر بينما سيبقى والدي لوحده في المنزل حتى يأذن له صاحب العمل بعطلة ثم سيلتحق بنا.
سأرتاح من قساوته لأيام معدودة، جهزت أمي الحقيبة السوداء الكبيرة التي تجمع فيها أغراضنا نحن الأربعة، منحها والدي بعض النقود كي تعطيها لجدتي كنفقة تصرفها علينا خلال مكوثنا عندها، اشترى لها أيضا بعض المستلزمات كي تعطيها لها.
جدتي لا تحتاج لكنها تأخد كل ما يأتيها، نحن لا نسافر عندها سوى مرة كل سنة و مع ذلك تأخد النقود، تبا لهذه العائلة!
المهم وصافي.