13/09/2025
اللغة كساحة ح رب. بين الكلام المزدوج والتفكير المزدوج
لقد حذّرنا جورج أورويل منذ زمن من أن أخطر ساحة ح رب ليست الأرض ولا البحر ولا السماء… بل اللغة نفسها. في روايته 1984 وصف كيف تبقى السلطة قائمة حين تُلوى الكلمات حتى يصبح الحق باطلاً والباطل حقاً. عبر الكلام المزدوج تُفرَّغ الكلمات من معناها وتُلبَس عكسه، وعبر التفكير المزدوج يُطلب من الناس أن يصدقوا التناقضات في وقت واحد.
انظروا حولكم اليوم، ستجدون أن هذا لم يعد خيالاً.
حين تضرب إس رائيل الدوحة بالصواريخ ويُقال لنا إن ذلك “فرصة للسلام”، فهذا كلام مزدوج. الح رب تُقدَّم بوجه السلام، والدمار يُسمى دبلوماسية. يُطلب منا ألّا نرى الخراب، بل أن نسمع الأمل في صوت الانفجارات.
وحين تصف وزارة الخارجية الإسبانية أفعال إس رائيل بأنها جرائم ح رب، فيرد نتنياهو بأن ذلك “تهديد بالإبادة ضد إسرائيل”، فهذا تفكير مزدوج. يصبح المُتَّهِم مُتَّهَماً، والناقد مجرماً. مجرد تسمية الجريمة تتحول إلى جريمة بحد ذاتها. الحقيقة والكذب يُفرَضان معاً، ويُطلب من الناس تصديقهما معاً.
وليس هذا سوى جزء من صورة أكبر. في كل مكان تُستخدم الأساليب ذاتها: يُسمى قتل المدنيين “أضراراً جانبية”، وتُسمى القنابل “عمليات أمنية”، وتُسمى العقوبات التي تُجوّع الشعوب “أدوات استقرار”، ويُسمى اللاجئون الهاربون من الح رب “تهديداً”. الكلمات تنحني حتى تنكسر الحقيقة.
وهذا ما رآه أورويل: حين تُفصل الكلمات عن الواقع يصبح الواقع نفسه قابلاً للمساومة. إذا أصبح القصف “فرصة سلام”، والنقد “إبادة”، فبإمكان كل شيء أن يُعاد تعريفه. وحين تُحتَل اللغة، يُستعبَد التفكير.
ومن هنا نسمع شعارات تُعيد نفسها بأشكال جديدة:
الح-رب هي السلام: القنابل فرص سلام.
الحرية هي العبودية: قول الحقيقة يُقدَّم كجريمة.
الجهل هو القوة: كلما قلّ السؤال، اشتدّت الكذبة.
العدالة هي الإبادة: من يفضح الجريمة يُتَّهَم أنه مجرم.
الدمار هو الأمن: تدمير المدن يُسوَّق كحماية للاستقرار.
قد تبدو هذه الشعارات سخيفة، لكنها لا تُقال لإقناعنا، بل لإرهاقنا وتشويشنا وإسكاتنا.
والعبرة واضحة: إذا سُرقت الكلمات، لن نفقد الحقيقة فقط… بل سنفقد القدرة على المقاومة. فالمعركة من أجل العدالة تبدأ من المعركة من أجل اللغة: أن نرى ما أمام أعيننا، وأن نسميه باسمه.
م،ش