30/12/2025
ذات يوم سُئل العالم الراحل أحمد زويل عن الفرق بين العرب والغرب، فأجاب بجملة تختصر أزمة ذهنية كاملة:
«الغرب يساندون الفاشل حتى ينجح، أما نحن فنحارب الناجح حتى يفشل.»
هذه المقولة ليست حكماً أخلاقياً بقدر ما هي توصيف دقيق لسلوكٍ متكرر، يتجاوز السياسة والاقتصاد ليصل إلى الرياضة، وتحديداً كرة القدم.
في التجارب الأوروبية، سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات، نلاحظ إيماناً حقيقياً بـ الرؤية بعيدة المدى. لا تُشخصن الأمور، ولا يُختزل النجاح أو الفشل في فرد واحد، بل يُقاس الأداء بمدى خدمة المشروع الجماعي والمنظومة ككل. المدرب يُحاسَب ضمن سياق، ويُمنح الزمن، والدعم، والاستقرار.
في المغرب، استُخدم المبدأ الفرنسي «personne n’est indispensable» (لا أحد لا يُعوّض) بشكل مُشوَّه أحياناً، فتحوّل من فلسفة تنظيمية إلى أداة لنسف الاستمرارية.
وليد الركراكي ليس سوى الصورة الظاهرة لهذا النقاش. سواء نجح في كأس إفريقيا أم لا، فإن ما قام به رفقة طاقمه يندرج ضمن منظومة تطوير حقيقية لكرة القدم الوطنية، وهو ما يفسّر الدعم غير المسبوق الذي حظي به.
هذا الدعم لم يكن مجاملة، بل اعترافاً بالكفاءة. الركراكي أظهر تفوقه على عدد من المدربين الأجانب، وفرض شخصية واضحة وهوية لعب، حتى إن محيطنا الاجتماعي صار يضم أشخاصاً لم يتابعوا كرة القدم إلا بعد مونديال قطر، ولا يعرفون سابقاً أسماء أندية اللاعبين. وهذا في حد ذاته مؤشر على قوة الأثر.
كرة القدم، مثل كل المنظومات الناجحة، تقوم على نهج يُبنى ويتطوّر. هناك أوراق تُكشف في وقتها، وأخرى تُحتفظ بها للمرحلة المناسبة. الأهم هو الحفاظ على نسق تصاعدي، لا الوقوف عند نتيجة واحدة أو مباراة واحدة.
صحيح أن كثيرين ما زالوا يحملون مواقف سلبية تجاه الركراكي منذ تجربته مع الفتح أو الوداد، بسبب ردوده أو أسلوبه، لكن هذا لا يلغي حقيقة أساسية:
هو نموذج لخصلة ضرورية في النجاح، وهي الإيمان بالميدان، وروح الفريق، ومنح الفرصة للتصحيح دون المساس بالمجموعة. قراراته ليست عاطفية، بل مبنية على قراءة فنية ومسؤولية جماعية.
اليوم، يُصنَّف وليد الركراكي ضمن أفضل عشرة مدربي منتخبات في العالم، تلقّى تكويناً عالياً، ويشتغل داخل طاقم ومنظومة قوية. والأهم أنه يوجّه رسالة واضحة للجميع:
دعوه يعمل، ولنحكم بعد نهاية كل مرحلة.
أما النقد المتسرع، غير المبني على معرفة أو تحليل، فلا يُضعف المدرب فقط، بل يؤثر فعلياً على المنتخب ككل.
والسؤال الحقيقي ليس: هل ننتقد؟
بل: هل نعرف متى، وكيف، ولماذا ننتقد؟