26/04/2026
التلهُّفُ للجديد !
صارت الورقات التي يتقدم بها الأساتذة والمكونين والمفتشين في الندوات المعقودة "للدرس الفلسفي" بالثانوي، تساير المُوضة، الموضة المفروضة بالطبع، ومن أشهرها موضوع الذكاء الصناعي الذي «يتحدثون عن اقتحامه مجال التدريس»، معَبِّرين عن هذا «الذكاء» بلغة الانبهار، لابلغة الفهم والنّقد، وحاشدين كثيراً من الأخبار المختلفة عن «قدراته المذهلة المتفوقة أو على وشْكِ التفوق على القدرة الإنسانية.»
يفرغ هـذا التّعامل الجماهيري للمعلمين _مع أشـكـال الـمُـوضة_ العملية التعليمية من طابعها الإنساني، ومـن الـنّـظـرة الـمـعقولة لعملياته، كما أنّــها مُـحــاوَلــة اسْــتِـسْـلامٍ _مُـعْـلــن بصَـفـاقـة_ عن بَــوارِ العَـزْم، وَتَــراجُــع الجُــهُـود الـمَـنُـوطَـة بمُـعَـلّـم الـفـلسـفة. وهذا ماحصل بالفعل في عددٍ من المـداخـلات التي تمت في بعض الندوات المتأخرة، وفي عدد كبير من المقالات المنشورة في المجلات. وقد تفاعلنا مع خطورة الأمر، محاولين إيقاظ همم المشتغلين _على اختلافهم_ أن من الحماقة اعتبار منجزات IA «نصوصاً» قبل أن تسمّى «ترجمات» أو «نصوصاً فلسفية أو شعرية!»، بل هي مجرد رصْفٍ عشوائي بكلمات مُفرغة. إن الفيلسوف لايرصُف الكلمات، ولايكتب من أجل الكتابة، بل تُـحـيط بكتاباته مجموعة من الأمور التي تشتغل كخلفيات أو كواليس تُــبَـرّر وتَبْعَثُ على الكتابة، إنّـه الباعث على التأليف، إنه أجَــلُ المَكـتُـوب.
إنّ هذه الجماهيرية في التعامُل مـع مايطرأ من أمورٍ تُـقْــتَـرَحُ على عملية التدريسِ تَـنـقُـلُ مشهداً مريعـاً لواقـعه/واقعنا، مشهدٌ يُـدْفَـعُ فيه المشتغلون إلى التسويق الإجباري لما لم يُستَوْعَـب، كما تُـرْصَد إمكانات هائلة لترويج أمُـور غير مبهمة على أساس أنها واضـحة.
إن الطُّــرق التدريسية لاتتقادَم، وليس فيها جديد يريد تجاوز القديم، بل جميعها تبقى، ويتم مراكمتها، وما اعْتُقِد يوماً أنّـهُ وَلّى يعودُ بطُـرق أخرى، لهذا فإننا مهما اعتقدنا أننا تخلصنا من طرق تدريسية بتهمة البِلى والتقادم ... فإننا لانفتئ نعود إليها من جديد، ومدح الجديد هو أشبه بما أسْماهُ إيراسموس «مديحاً للحماقة» الذي وجّهَهُ للأساتذةِ دائموا الاعتقاد بأنّ الجديد دائماً جَيّد. ومسلسلُ مقارنة التعليم «قديم الطراز» بالتعليم « الجديد» تَخرجُ بالـنقاش عن مَـسـاره التربوي الصّحيح، وهُـو التمييز بين الطُّـرُق الجيّدَة والأسـالـيب السّـيئة، وفي ذلك الطريق المسدود _للأسف_ تُهدَر الأموال الطائلة في مقابلِ وعْدِ المدرسين والأسر بالإيمان بما لايمكن تقديمهُ أو صُنعُهُ لهُم. ولافكاك من هذا إلا عبر التخلصِ نِهائيـاً من الـنّـظـرة الثنائية بين «المـدرسـة الجـديدة المبتكرة» و«المدرسة القديمة». كــما لايـعني تراجُــع النظام التعليمي دائما الحاجة إلى مناهج تربوية «جديدة ومبتكرة»، لكنّ أساليب الدعاية المتنوعة لتضخيم هذا التراجع عُدّ دائماً الوسيلة الناجعة لتبرير هذا الجديد» .
لكن، كيف يولد هذا الجديد والمُبْتَكر؟ هل هو دائماً يُسَلُّ من فراغ؟ وفي هذا يقول Gregurio Luri «معروفٌ أنّ المجددين أو المبتكرين للطرق التدريسية يلوذون بالمصادر القديمة بحثًا عن الأفكار التي يقدّمونها لاحقًا على أنها جديدة، بل وربّمـا ثـورية». وإنه في الطريقة التي يروج بها هذا الجديد والتجديد والابتكار انه غير مسبوق نوع من الاحتيال، لأنه يحكم على التجربة التدريسية للمعلمين بالجمود، في حين أن واقع الحال يقول عكس ذلك، إذ يُبلوِرُ المدرس طرقـاً لاحَـدّ لـها عَـبْـر نِـقـاشِـه مع المُـتـوَفّـر والمستورد، كما يستطيع إقامة توليفاتٍ جديدة، وعليه فالتجربة التدريسية لم تكن يوماً تهادن طرقَـها، كما لاتشعر في لحظة من اللحظات أنها خارج التطورات أو المشاكل التي يلقيها الحاضر على كتفها. ومايقال عن التجربة الأستاذية يقال عن المؤسّسة التعليمية، إذ أنها مجرد أعراضٍ Symptômes الصراعات الإيديولوجية التي تتعاقَبُ عليها وتستهدِفُ أدوارها والغاية منها. لهذا فالمدرسة كما يقول Luri «لم تكُــن يومـاً راضـيـةً بشَـكْـلٍ كــامـلٍ عـن نفْسِـها، وربّـما لا ينبغي لها أن تَـكُـونَ كذلك، سواء اليوم أو غداً، لأنّ عليها واجبَـيْن [اثنين] لا غنى عنهما: الطموح ورفـضُ الاستسلام.»
وبالرجوع إلى ما بدأنا به، بشأن «التجديد في درس الفلسفة» الذي لم يشرع المشتغلين _على اختلافهم_ في الحديث عنه إلا مع موضـة الـذكـاء الصناعي، فهو محض لغو يشين بقدر أصحابه، ويضعهم في دائرة المتلهفين لترويج أمور لايؤمنون بها أصلاً، وكلها ضرب في تدريس المادة، وينخرطون في الأسئلة المغلوطة المتصدرة حدث الكتابة والندوات على هذا الطارئ المدعو بIA، وأشهرُها:
تدريس الفلسفة في عصر الذكاء الإصطناعي!!!
ومرادهم من خلال هذا التطبيع مع حقيقة هذا العصر، هو _كما أسلفت قوله_ إعلان الخيانة لهذا الدرس، إعلانها بطريقة أنيقة:
لقد أخذ الذكاء الاصناعي مكان المدرس، بله مكان الفلاسفة، حيث صار بفعل التعزيزات التي تقدم له قادر على توليد نصوص لايستطيع حتى الخبراء تمييزها عن النصوص الفلسفية الحقيقية!
وقد قيل هذا الكلام أمام عدد كبير من الأساتذة والـمُـكـونـين والـمفتشين، دون تحريك أي ساكن، لكن الأمر هو حقيقة يشَكّـلُ دغدغةً لمشاعر الـكَـسَـل والـخَـيـانة عنـد الـمُـعـطّـلـة من المشتغلين، أكثر من كونِـه تَـهْـريـجـاً يَـسْـتَـدعـي الـتّـدخُّـلَ الصارم لِـفَـضّ حَـمـاقـاتـه.
ما الذي يُبذل من أجل تدريس الفلسفة في الوطن؟
جمعيات مدرسي الفلسفة دورها الوحيد هو الترويج لفتح المكتب وتجديد أعضائه، وتعكس هذه الظاهرة حقيقة كارثية مفادها أن الأمر حينما يتعلق بالممارس الفعلي لتدريس الفلسفة (الأستاذ والمفتش) يضمحل العطاء، ولايكون ثمت ثورة أو مساهمات تجويدية للدرس، في حين تظل الندوات التي تقام في المراكز الجهوية للتربية والتعليم _ على تفاوت عدد أنشطتها وندواتها_ هي المكان الوحيد الذي يمكن لمس فيه وضْع تدريس المادة ومواكبته، على ماتتخلله من مداخلات لاترقــى لما يَـصْـبُـو إليْه الـوَضْـع وحــاجـة الـمـدرس، لـكـنّـها أكـثَر انتعاشة من حيث العدد مقارنة مع ماتـقوم به فروع جمعيات مدرسي الفلسفة التي اندثر معظمها. ومايبقى من المجهودات المتفردة في التأليف والكتابة في المجلات فـإنّ الأمر هزيل جداً، كما لايلبي حاجة مدرّس الفلسفة.
وعليه إن المجهودات المبذولة لاتنطلق من السؤال التالي: مالــذي يحتـاجُـه أستاذ الفلسفة هنا والآن؟ وما الذي يواجِـهُـه مُـدرّس الفلسفة اليوم؟
الـجَـواب باخـتـصـار : الــيبـاب.
يُـنْـبَـذُ مدرس الفلسفة فور تعيينه في العراء المَـنـهَـجي، فـلا مــاعُــلّــمَ بـكـافٍ كَـيْ ينطلق انطلاقَـةً صحيحة، ولا مايحــاول تطبيقَـهُ بمتوافق مع تَصَوُّرات المفتش التدريسية، لهذا فهو يصادف منذ البداية أزمنة مختلفة:
زمان التكوين
زمان التفتيش
زمان المدرسة
زمان الأسرة
زمان المتعلم
من هو مدرس الفلسفة اليوم الذي يُطـلِـعُ مفَـتّـشَـه على الطريقة التدريسية التي تعَـلّـمـهـا في التكوين؟ هذا إن فرضنا أن جدار الصمت بينهما مكسور، من هو المفتش اليوم الذي يسأل الأساتذة الذين يشرف عليهم عن جديد التدريس والبضاعة التي أتـوا بها للتّو من معسكر تدريبهم في مراكز التكوين؟ يقبل المعلم فوْر تعيينه على علاقة جديدة، لامع مكَـوّنٍ بــل مـع مفتش، وعليه يلزم الاشتغال على كثير من الأمور، أولها خلق حوارٍ لايتوقّفُ بيْن المشتغلين إما عبْـر الـنّــدَوات أو أنـشِـطَـة الجمعيات، وجَعلِـها مَـنـذُورةً لتَـحقـيق هـذا التّـوليـف كَـمُحاولَـة للـنّـقاش الصّـحّي، والنتيجة واحدة: تجويدُ الــدّرس = تجويد الإشراف = تجويد التكوين.
إنني مولعٌ بالإطلاع المستمر على مايتم تدريسه في مراكز التكوينات، وأطلب باستمرار من الأساتذة المتدربين تزويدي بالأنشطة التي يتم القيام بها، وإمدادي بأجوبة على كل الأسئلة المرتبطة بالكيفية التي تُدرس بها الإشكالات، وتقنيات التحليل، وكذا المراجع التي يستعملونها والنصوص التي يتخذونها تبريراً لتوجهاتهم، أحــاول تقييم مستوى التكوين الذي توفّـرُهُ المراكز عبر هذه المعلومات، والاستفادة من أيضاً.
وعلى العموم، فإنّ التجديد ينبع من تأسيس تقليد Tradition تدريسيّ، يُمكَّنُ منه المتدربون، ويَسِمُ اشتغالهم، مهما نَوّعُوا طُرُقهم، وهذا ما تفتقدُهُ المراكز، إنه التقليد التدريسي الخاص بها، ولايمكن بلوغ مستوى التقليد في ظل واقع التنافر الذي يطبع اشتغال المكونين، حتى أن الأمر يصل إلى التناقض في أشكال الفهم، مما يُـشَوّشُ على الرؤية التكوينية للمتدربين، وقد واكبت هذا الأمر في سنة تدرُّبي_ومسارنا كله تدريب لايتوقف_ ، إذ أن الكلام في الحجاج بين مُـكَـوّنٍ ومُـكـوِّن غير متوافق، بل هناك من يشدّد حتّى على رسم هيكل الجدادة وملئها بطريقة تخالف المكون الذي يجاوره! ويبعث هذا ضجراً وسأماً دفعني إلى عدمِ الحُضُور لبعض الحِصَص.
26/04/2026
إعداد أحمد ناشط
الثانوية التأهيلية ابن المعتز
مديرية اليوسفية
سيدي شيكر