21/09/2024
إن هذا السؤال المطروح على بساط الاجتهاد القانوني بجامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، بتاريخ الحادي والعشرين من شتنبر 2024، هو في جوهره دعوة لفتح أبواب التأمل على مصراعيها، إذ يحمل بين طياته إشكالية قانونية وفلسفية من أعقد ما يشغل العقل القانوني المعاصر: "حدود تدخل القاضي المدني في العقد" .
هذا السؤال ليس مجرد تساؤل أكاديمي عابر، بل هو استدعاء للعقل المتعمق ليستنطق القوانين، ويستكشف مدى تداخل السلطة القضائية مع الإرادة التعاقدية التي تُعدّ إحدى أقدس المبادئ في القانون المدني. ففي عالم تسوده القواعد القانونية والتنظيمات المتشابكة، يبقى العقد سيد الإرادات، لكنّ السؤال الذي يبرز في هذا السياق هو: هل يبقى العقد بمنأى عن رقابة القاضي وتدخله؟ وهل تمثل السلطة القضائية حداً فاصلاً بين حماية العدالة وضمان استقرار المعاملات، أم أنها قد تتحول إلى يد تقوض إرادة الأطراف وتعيد تشكيلها وفق منظور قضائي بحت؟
تحت هذا السؤال الجوهري، ينبسط فضاء التفكير بين حديْن: من جهة، حرية التعاقد كأساس ثابت في المعاملات المدنية، ومن جهة أخرى، دور القاضي في تصحيح مسار هذه الإرادة حين تنحرف عن مقاصد العدالة. وفي هذا المقام، يُختبر الفقه القانوني للطالب؛ هل يستطيع أن يُلمّ بحدود هذا التداخل المعقد؟ هل يفهم حيثيات تدخل القاضي دون أن يخل بالتوازن بين العدالة والحرية التعاقدية؟
إن هذا السؤال ليس مجرد امتحان للقدرات التحليلية القانونية، بل هو امتحان للقدرة على استيعاب الفلسفة الكامنة خلف التشريع، ومدى قدرة الطالب على أن يقدم رؤية عميقة، تأخذ بعين الاعتبار تعقيدات الواقع القانوني والاجتماعي، وحتمية التطور المستمر في مفاهيم العدالة المدنية.
هكذا، تقف هذه الإشكالية كميزان حساس بين الاجتهاد القانوني النظري والممارسة القضائية الواقعية، وتعد بحق أفقا واسعا للتفكير في عمق ما وراء النصوص القانونية، واستيعاب ما يتجاوز حدود الكتابة الجامدة، ليبلغ آفاق العدالة الحقّة.
فكل التقدير والشكر لمقترح هذا السؤال العميق الدكتور عبد الرحمن الشرقاوي المنسق البيداغوجي لماستر القانون المدني الاقتصادي، الذي لا يختبر حدود الفهم القانوني فحسب، بل يثري عقول الطلبة ويدفعهم نحو التأمل في أعمق قضايا العدالة الاجتماعية. إنه سؤال يستحق أن يحتفى به كعلامة فارقة في مسار التعليم القانوني، وإسهام مشرف في تكوين نخبة من المفكرين القانونيين القادرين على مواجهة تحديات العصر بكل ما تقتضيه من وعي ومسؤولية.
أسامة كاسير، خريج جامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي، ماستر القانون المدني الاقتصادي.