25/07/2026
يحدث أن تُلقي نظرة على سنينك الماضية، فيأخذكـ حنين غريب إلى أعماق وقائع طواها النسيان، ونثرها الزمان، وألقى بها إلى قاع الفناء والزوال. من ذلك مثلا أنكـ تشتاق لأيام كنتَ تحسبها مملة، لا تحمل جديدا، ولا هي تُعليكـ قدرا في عين نفسك ولا في بصيرة الآخرين. حين أفكر في هذه المسألة أجدني أُؤشكل أكثر مما أجيب، أدخل عالما لا أول له ولا آخر. هل تعلم ماذا أقول؟ أقول وكأني اكتشفت حقيقة مدمرة: هاه إنها خدعة الذاكرة والخيال، يزينان لنا ما مضى، ويتجاهلان السيء فيه والأسوأ. بدليل أنك لو عدت بهذه العقلية الحاضرة، وهذا الشوق العنيف إلى نفس الوقائع القديمة التي تحرككـ وتخدركـ، لقمتَ صائحا: يا له من وهم نعيش فيه جميعا. ستشعر بأنها وقائع ليست بذلك الحجم من الجمال الذي صوّرته المخيلة، وصنعه الوهم، وتأثر له الوجدان.
ها أنا الآن أمام القسم الداخلي، أو الداخلية. هنا أمضيت أربع سنوات، رأيت فيها تناقضات جيل كتب على نفسه الشقاء، وعاش كل ضروب المفارقات. أينما وليت خيالك وعقلك ستجد أنه فَعَله ومارسه. هذه الداخلية ليست مجرد جدران ونوافذ وأبواب وألوان... بل هي كتاب وقرطاس يؤرخ لتجارب إنسانية في منتهى العمق والصدق والحمق أيضا. تذكرت وقائع وأحداث دمعت لها العين وانفطر لها الفؤاد وانكمش لها الوجه حزنا. شعرت بالحنين والشوق إلى السفر والعودة بالزمان للخلف لأعيش كل ذلك، ولكن قانون الوجود له رأي آخر؛ بإمكاني أن أتخيل، أما الزمان فطاحونة لا تعير اهتماما لمشاعرنا وعواطفنا. مهمتها الطحن؛ طحن كل شيء، مهما كان هذا الـ«كل شيء».
آمنت ككل كائن بشري بجمال الحياة وجلالها، وطلبت بمنطق إبراهيمي، عليه السلام، أن أعرف كيف يمكن إحياء سوالف الأحداث وتذوق عبير الذكريات، درءا لضيق النفس والعقل، وليطمئن قلبي. والذي حصل أني فشلت في ذلك... لقد جعل ناموس التغير كل شيء يظهر كأنه ليس هو هو، حتى أصدقاؤنا أخذهم التغير الفتاكـ إلى شفير الشيخوخة المبكرة. لا أنكر تلك النشوة العابرة التي غمرتني بمجرد أن أبصرت أمكنة وأزمنة غابرة، ولكن ما أردته لم أنله إطلاقا. أردت اختبار ما خبرته في حداثة سني، وما لبثت أن ارتدت دون بلوغ المراد وتحقيق الوصال بما كان يبعث فيّ الامتلاء والكمال. إن شعور الصبا والطفولة و المراهقة سحاب يذهب مع الأيام، ولا يعود منه إلا قطرات لا تروي جفاف أرض الذات الحاضرة. لقد حاولت إحياء جثث الماضيات، بيد أني لم أُمنح الإمكان والاستطاعة والمدد الإلهي... وحده الله المحيي القادر على ذلك.
غادرت المكان كما غادرته منذ عِقد من الزمن، ولكن شبح الذكريات ظل يطاردني. لم أستسلم لرمادية شعوري، بل حاولت مجددا. لكني انتهيت في نهاية الأمر إلى أنه من الخرق أن أستعيد المستحيل، فلست إبراهيم، وإنما طفل كبير غلبه قلبه وهيمن عليه الخيال، فناضل في الأمكنة بذاكرته لعله يسترجع المعنى، ففقده... أرأيت كيف يجعلنا الفهم والتحليل نُحرم لذة عيش اللحظة؟ أن تعيش الحياة يعني أن تنظر إليها من داخلها؛ من عمق التجربة، لا من فوق. أعرفتَ الآن واستوعبتَ كيف أن النظرة العُلوية تفسد أحيانا كل شيء؟
يبدو أن طريق القلب أقل خطورة وأقرب إلى الأمان والطمأنينة. أما طريق العقل فطريق قد يضيّعك في متاهات لا نهاية لها... في الأدب النيجيري هناك قصة تحكي عن شخصين، أحدهما أعمى، والثاني مشلول. اشتعلت النيران في أكواخ القبيلة، ولكي ينجوا الاثنان، قال الأعمى للآخر: أنا أحملك وأما مهتمك أنت فهي أن توجهني... هكذا نجا معا. فهل يستطيع أن يعيش العقل والقلب على النحو ذاته؟ لا أدري... ولأن الإنسان كلمة الله، سيبقى الأمر من المشكلات المعضلات، ولو كان البحر مدادا لكلمات ربي، لنفذ البحر قبل أن تنفذ الكلمات عن الإنسان؛ ذلكـ المجهول واللغز الأبدي.
🖊️ الصديق رحو اليوسفي 👏