09/08/2026
قضيت سنوات طويلة في قطاع التعليم، متنقلا بين مدن مختلفة من وطننا الحبيب. كنت دائما أنظر إلى التعليم بعين متفائلة، وأؤمن أن الأستاذ ليس مجرد شخص يشرح الدروس داخل القسم، بل هو صانع للأمل، وباعث للحياة داخل المؤسسة. لذلك لم أكتف بعملي اليومي، بل انخرطت بكل حماس في مختلف الأنشطة التربوية، من المسرح، والمسابقات الثقافية، والمعارض، والأفلام التربوية، والبودكاست، والخرجات المدرسية، والأنشطة الرياضية، والمسابقات في الهواء الطلق، وكل ما كنت أعتقد أنه يضيف قيمة حقيقية للمتعلمين.
كنت أظن أن الاجتهاد سيقابل بالتقدير، وأن التضحية ستقابل بالاعتراف، وأن من يعمل أكثر سيحظى بمكانة أفضل. لكن بعد ما يقارب سبعة عشر عاما من العمل المتواصل، وصلت إلى سنة 2026 وأنا أراجع تجربتي بكل صدق، فاكتشفت أنني استنزفت وقتي، وصحتي، ومالي، وجهدي، مقابل مكاسب تكاد تكون منعدمة.
كنت أقضي أسابيع، وأحيانا أشهرا، في التحضير لنشاط واحد. معرض ثقافي، أو احتفال، أو مسرحية، أو مشروع تربوي يحتاج إلى تنسيق، واجتماعات، واتصالات، وشراء مستلزمات، وإعداد بطاقات، وتصميم ملصقات، وكتابة فقرات، وتدريب التلاميذ، والسهر حتى ساعات متأخرة من الليل. وفي الوقت نفسه كنت مطالبا بإنجاز الجذاذات، وتحضير الدروس، وتصحيح الفروض، ومراقبة الدفاتر، وإنجاز نقط المراقبة المستمرة، والاستعداد للامتحانات الإشهادية، والقيام بكل المهام الرسمية التي يفرضها عملي كأستاذ.
ورغم كل هذا العطاء، لم أتلق طوال هذه السنوات دعما ماليا حقيقيا، ولا تعويضا عن الساعات الإضافية، ولا امتيازا يشعرني بأن جهدي كان محل تقدير. أقصى ما كنت أحصل عليه هو شهادة تقديرية أو كلمة شكر تنتهي قيمتها بمجرد انتهاء الحفل. أما الجهد الحقيقي الذي بذلته، والمال الذي أنفقته، والساعات التي ضاعت من عمري، فلم يكن لها أي مقابل.
كنت ألاحظ كيف يحضر المسؤولون مختلف الأنشطة والمعارض واللقاءات، يلتقطون الصور، ويتحدثون عن نجاح المؤسسة، وعن إشعاع المديرية أو الإقليم، ثم تنشر الصور على صفحات التواصل الاجتماعي وكأن الإنجاز تحقق من تلقاء نفسه. أما الذين سهروا الليالي، وتحملوا الضغوط، وواجهوا المشاكل، وأنفقوا من جيوبهم، فلا يكاد أحد يلتفت إليهم بعد انتهاء المناسبة.
المؤلم أكثر أنني كنت أرى زملائي، وأحييهم على حسن تقديرهم للأمور، ينجزون عملهم الرسمي بكل إخلاص، من الثامنة إلى الواحدة أو من الثانية إلى السادسة، ثم يعود كل واحد منهم إلى حياته. هذا يخرج للصيد، وذاك يجلس مع أسرته، وآخر يمارس هوايته، وآخر يشرب قهوته بهدوء، بينما كنت أنا أعيش داخل دوامة لا تنتهي من الاجتماعات، والأنشطة، والتحضيرات، والالتزامات.
كنت أعتقد أنني أبني مستقبلا مهنيا متميزا، لكنني في الحقيقة كنت أخسر أغلى ما أملك، وهو الوقت.
وأقسى لحظة عشتها لم تكن داخل المؤسسة، بل داخل بيتي. حين اكتشفت فجأة أن ابني كبر أمام عيني دون أن أعيش معه تفاصيل طفولته كما ينبغي. انشغلت بالمعارض والأنشطة والمهرجانات والتظاهرات، حتى وجدت نفسي أمام طفل أصبح في الثانية عشرة من عمره، وكأن السنوات مرت في لحظة واحدة. عندها سألت نفسي سؤالا مؤلما: لمن كنت أضحي بكل هذا الوقت؟
حتى التلاميذ الذين كنت أعتبرهم جزءا من هذه الرحلة، والذين كانوا يحيطونني بالمحبة والحماس بفضل التحفيز المستمر، المادي والمعنوي، مر كثير منهم بعد سنوات بجانبي في الشارع، أو في المقهى، أو في المحطة، وكأنهم لم يعرفوني يوما. لم ألومهم، فالحياة تمضي، لكنني أدركت أن الأستاذ لا ينبغي أن يبني حياته على انتظار الوفاء أو الاعتراف من الآخرين.
ثم اكتشفت حقيقة أخرى لا تقل قسوة. عندما تمرض، لن يتوقف النظام من أجلك. عندما تتأخر، لن يجد لك أحد الأعذار. عندما يتم تدبير الفائض، لن تشفع لك سنوات الأنشطة. وإذا وقع خلل بسيط في نشاط، أو انتهى النشاط بعد السادسة والنصف مساء خارج توقيت العمل الرسمي، فلن يتذكر أحد أنك ضحيت بوقتك الشخصي. ستتحمل المسؤولية وحدك.
وهنا وصلت إلى قناعة لم أصل إليها بسهولة، بل دفعت ثمنها سنوات من عمري.
الأنشطة التربوية في حد ذاتها ليست سيئة، بل قد تكون مفيدة وممتعة إذا كانت اختيارا حرا، وتتم في إطار يحترم الأستاذ ويضمن حقوقه. لكن أن تتحول إلى عبء دائم، وأن تصبح وسيلة لاستنزاف الأستاذ دون أي تعويض أو حماية أو اعتراف حقيقي، فذلك أمر يحتاج إلى إعادة التفكير.
رسالتي اليوم إلى كل أستاذ جديد، وإلى كل أستاذ ما زال يعيش الحماس نفسه الذي كنت أعيشه، هي أن تحافظ أولا على نفسك. لا تجعل عملك يلتهم حياتك الخاصة. لا تمنح المؤسسة كل وقتك، ثم تكتشف بعد سنوات أنك حرمت أسرتك من وجودك، وحرمت نفسك من صحتك وراحتك.
تذكر دائما أن أحدا لم يجبرك على تنظيم معرض، أو إخراج مسرحية، أو إعداد فيلم، أو تنظيم خرجة، أو تنشيط احتفال. لم يضع أحد سكينا على رقبتك لتقوم بكل ذلك. إذا اخترت القيام بهذه الأنشطة، فليكن ذلك في حدود المعقول، وبما لا يضرك ولا يستهلك حياتك.
اجتهد داخل قسمك، وأد واجبك المهني بكل أمانة وإخلاص، فهذا هو الأصل الذي تتقاضى عليه أجرك. احترم أبناء الشعب، وقدم لهم أفضل ما لديك داخل الحصة الدراسية، وساعد من يحتاج إلى المساعدة، لكن لا تجعل حماسك يتحول إلى باب مفتوح للاستغلال.
خصص وقتا لعائلتك، واجلس مع أبنائك، واهتم بصحتك، ومارس هواياتك، وسافر، واقرأ، واستثمر في نفسك، وطور مهاراتك، وابن مشروعا خاصا بك، لأن هذه الأمور هي التي ستبقى معك على المدى الطويل.
لا تنتظر أن يكافئك أحد على تضحياتك. ولا تراهن على الوعود التي تتكرر كل سنة بأن القادم سيكون أفضل. لقد قلت هذه العبارة لنفسي سنوات طويلة، لكن الواقع علمني أن المؤسسات تستمر بالأشخاص أو بدونهم، وأن عجلة العمل لا تتوقف عند أحد.
عندما يتقاعد الأستاذ، أو يغادر، أو حتى يرحل عن الدنيا، ستستمر الحياة، وسيأتي من يشغل مكانه في اليوم التالي. لذلك لا تجعل كل حياتك تدور حول المؤسسة وحدها، لأن المؤسسة لن تعيش حياتك بدلا منك.
هذه ليست دعوة إلى الكسل، ولا إلى التقصير، ولا إلى الهروب من المسؤولية، وإنما هي دعوة إلى التوازن. أن تؤدي واجبك بإتقان، وأن تعرف في الوقت نفسه أين تنتهي حدود واجبك، وأين تبدأ حقوقك، وحياتك، وأسرتك، ومستقبلك.
هذا الدرس لم أتعلمه من الكتب، بل تعلمته بعد سنوات طويلة من التجربة. ولو عاد بي الزمن إلى الوراء، لاخترت أن أكون أستاذا مخلصا داخل القسم، محافظا على كرامتي، ووقتي، وصحتي، وعائلتي، بدلا من أن أستهلك نفسي في سباق لا نهاية له، ولا يعود علي في النهاية إلا بالتعب والاستنزاف.
إذا كان لا بد أن تضحي، فلتكن تضحيتك فيما يعود بالنفع الحقيقي عليك وعلى أسرتك، لا فيما يمنح الآخرين صورا جميلة ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تبقى أنت وحدك من يدفع الثمن.
*منقول
07/08/2026
18/07/2026
17/07/2026
08/07/2026
12/06/2026
06/01/2026
04/12/2025
22/11/2025