Manhajiati

Manhajiati

Share

مدوّنة تعليميّة متخصّصة في السلك الثانوي التأهيلي.

12/01/2026

المجزوءة الثانية: المعرفة
النظرية والتجريب، العلوم الإنسانية، الحقيقة

ملخصات الفلسفة | المعرفة : النظرية والتجريب

تقديم عام

في مسرحية "حياة غاليلي" للمؤلف المسرحي "بريخت"، يصرح غاليلي لمحاوريه أن جهل الإنسان بالعالم ليس له نهاية، وأن الحقيقة بنت زمانها. إنها أمامه يكشفها بالعين واليد والعقل.

في هذه اللحظة، أي في القرن السادس عشر ميلادي، سعى الإنسان إلى فهم الطبيعة، وتحليل ظواهرها لأجل التحكم فيها والسيطرة عليها، لكن بالاعتماد على قدراته الفكرية وإمكاناته التقنية والمنهجية.

فمنذ "غاليلي" سعى العالم إلى إنتاج معرفة دقيقة ومنظمة تجريبية ورياضية، سواء تعلق الأمر بموضوعات العالم الطبيعي الفزيائي أو بالعالم الإنساني ذاته.

لكن يظل الإنسان يفكر دائما في حقيقة ما توصل إليه من معارف ونظريات وتقنيات، فلجوء المعرفة إلى العقلانية العلمية وإلى إبراز دور العقل والتجربة في بناء العلم، لا يعني إقصاء الخيال والتأويل في هذه المعرفة ذاتها.

فكيف يبني الإنسان معرفته بالواقع وبذاته؟
ما العلاقة بين مفاهيم العقل ومعطيات التجربة في بناء هذه المعرفة؟
وهل غاية المعرفة العلمية هي بلوغ الحقيقة؟ ما دلالة الحقيقة؟

النظرية والتجربة

تقديم المفهوم
إذا ما حاولنا أن نتأمل في العبارة المركبة التالية: النظرية والتجربة، فإن ما يتبادر إلى ذهننا هو حضور علاقة توتر وصراع بين المفهومين، كل مفهوم يواجه الآخر، فكلمة نظرية مشتقة من النظر؛ وتعني تأمل الموضوع تأملا عقليا، وقد ارتبطت الكلمة في دلالتها اللغوية الإغريقية بتأمل التجربة وتجاوز المعطى والابتعاد عن الواقع والتجربة.

بينما تعني كلمة تجربة في الحياة الواقعية والخبرة والارتباط بما هو موجود حسيا، هذا التمييز الأولي الظاهر بين دلالة الكلمتين يوحي لنا بحضور التفكير المجرد في لفظ النظرية، وشبه غياب ما هو عقلي في دلالة لفظ التجربة.

إن هذا التوتر الظاهر بين دلالة اللفظين يخفي الحوار الخفي بينهما، فالنظرية تعني "نسقا من المبادئ والقوانين التجريبية الذي ينظم معرفتنا بمجالات معرفية خاصة، ويتضمن هذا النسق بناء منطقيا له مكوناته يخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم بالانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم".

وتعني التجربة في مجال المعرفة العلمية "إعادة إحداث ظاهرة ما، تمت ملاحظتها في شروط نظرية وتقنية محددة"، بحيث تمثل التجربة، الوسيلة الضرورة، واللحظة الحاسمة، التي تمكن العالم من إثبات صدق أو كذب الفروض التي يضعها في دراسته للظواهر.

يبدو أن "النظرية" ليست تجريدا ذهنيا ومفاهيميا خالصا، كما أن التجربة ليست مجالا لحضور الملموس الواقعي فقط، إن الصراع بين المفهومين يخفي التداخل الكبير بينهما.

فهل القول بأهمية التجريب في المعرفة العلمية هو تهميش للعقل؟
ما مكانة العقل في العلم؟ ما المشكلات التي تطرحها علاقة النظرية مع التجربة؟

التجربة والتجريب

في مجال المعرفة العلمية تأخذ التجربة دلالة خاصة، إنها مجموعة من الإجراءات والخطوات النظرية والعلمية التي يقوم بها العالم بصفة مقصودة. فما الصورة التي يأخذها التجريب في العلم؟ ما الخطاطة المقترحة عند القيام بالتجربة؟

يقترح "كلود برنار" في كتابه "المدخل في دراسة الطب التجريبي" الصورة المثلى لعالم تجريبي يجمع بين الفكر النظري والممارسة التجريبية. في البداية على العالم أن تكون لديه فكرة يخضعها للفحص، والذي هو لحظة التأكد من الفكر؛ فعليه إذن أن يكون ملاحظا ومجربا. وتقتضي الملاحظة العلمية معاينة الظاهرة وتعريفها تعريفا صحيحا، ومن الشروط الموضوعية والدقة في المعاينة؛ فالعالم الموضوعي ينصت إلى الطبيعة وينقل ما هو موجود في الواقع، ثم بعد الملاحظة تأتي الفكرة أو الفرضية التي من خلالها يبحث العالم عن تفسير لأسباب حدوث الظاهرة، فيلتجئ إلى التأكد من الفرضية بواسطة التجربة التي هي لحظة التحقق من تخمينه ومشروعه الفكري.

هذه الخطاطة النظرية تعتمد على خطوات منهجية أساسية هي: الملاحظة، والفرضية، والتجربة، وقد قام العلم الكلاسيكي على أسس ومبادئ هذا المنهج.

لكن العالم لا يجب عليه أن يبقى سجين خطوات المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية، فالعالم يصوغ فروضه ضمن إشكالية علمية ونظرية توجه أسئلته، بل إنه يبدع "كيانات خيالية" لا يستطيع التأكد منها في الواقع.

لا يحتاج العالم دائما إلى إجراء تجاربه في المختبر، وهذا ما يؤكد عليه "روني توم" في عمله " فلسفة العلوم اليوم"، فالاعتقاد بأن استخدام التجريب يمنح وحده التحليل السببي لظاهرة من الظواهر هو اعتقاد خاطئ، ذلك أن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف أسباب الظاهرة، لذلك ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي، والخيال العلمي هو أساس تجربة ذهنية، ولا يمكن لأي تجربة أو جهاز أن يعوض هذه التجربة الذهنية.

إن الخيال، حسب "روني توم"، هو تجربة ذهنية أو تفكير ينفلت من كل رتابة أو منهج منظم بشكل صوري.

تركيب
يبني العالم التجريبي قوانينه تبعا لخطوات منهجية ونظرية، تجمع بين شروط الملاحظة العلمية ومبادئ التجربة عندما يخضع الفروض لمبدأ التحقق التجريبي. لكن التجريب بهذا المعنى لا يشكل مقوما وحيدا في تفسير الظواهر، إذ لابد من اعتبار عنصر الخيال وإدماجه في عملية التجريب. إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع العلمي غنى كبيرا. فكثير من التجارب اليوم تعتمد الصور بدل الواقع، الأثر بدل الشيء، وهذا ما تؤكد عليه الفيزياء المعاصرة، التي تجاوزت مبادئ وتقنية العلم الكلاسيكي.

العقلانية العلمية

يبدو أن المعرفة تتضمن مكونين أساسيين هما: معطيات التجربة من جهة، ومن جهة ثانية أحكام العقل ومفاهيمه ونشاطه. وإذا كان العقل نشاطا ذهنيا وقدرة على التفكير في موضوعات محددة، فإن مجال العلم تخلى تدريجيا عن بنيته التقليدية، التي كانت تقوم على مجموعة من المبادئ والقواعد الثابتة.

لم يعد العقل، بدءا من الفيلسوف "كانط"، منغلقا على ذاته ولا هو يشتغل بصورة معزولة عن الواقع، بل هو فعالية ونشاط يتطور بتطور عالم التجربة ذاته.

فما الأسس الفلسفية التي تستند إليها العقلانية العلمية؟ ما العلاقة التي يجب إقامتها بين العقل والتجربة؟

يؤكد "غاستون باشلار" في كتابه "العقلانية المطبقة" على أهمية الحوار الجدلي بين العالم العقلاني والعالم التجريبي، فعالم الفيزياء مثلا يحتاج إلى فكرتين أساسيتين تقودان عمله العلمي، إنه اليقين المزدوج، يقين أول يرى الواقع غير معزول عن تدخل العقل، ويقين ثان يرى أن الحجة العقلية من صميم التجربة.

فعلى العالم اليوم أن يكون في مركز يكون فيه العقل مشروطا بموضوع المعرفة. فالعقلانية العلمية الجديدة تتجاوز انعزال العقل، إنها عقلانية مطبقة أو جدلية، تتحقق في إطار فلسفة مفتوحة تقوم على حوار بين العقل والتجربة، هذا الحوار الذي يتجاوز الثنائية التقليدية بين العلماء التجريبيين والعلماء العقلانيين.

غير أن التجربة، مع التيارات التجريبية الاختبارية مازالت تتحكم في بناء النظرية العلمية، فالتجربة هي الأساس، ويتم حصر الوظيفة في النظر في تصنيف المعطيات وصياغة القوانين صياغة رياضية، يقول دوهيم "إن النظرية الصحيحة ليست تلك التي تعطي تفسيرا للظواهر الفيزيائية، بل هي التي تعبر بطريقة مرضية عن مجموعة من القوانين التجريبية".

وعلى النقيض من أطروحة دوهيم، نجد الموقف الإبستمولوجي "لألبرت أنشتاين" الذي يرى أن المبدأ الخلاق لنظرية علمية ما، لا يوجد في عالم التجربة بل في العقل الرياضي الذي يبدع المفاهيم والمبادئ إبداعا حرا.

تركيب
إن العقلانية العلمية عقلانية فلسفية مفتوحة تقوم على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي، كما تعتبر النظرية العلمية نظرية صحيحة عندما تعبر عن قوانين تجريبية من جهة، وعن مفاهيم العقل الرياضي الذي يبدع ويتخيل من جهة أخرى.

إن النموذج الرياضي هو نموذج فرضي استنباطي بيني التجربة التي لم تعد مرتبطة ارتباطا مباشرا بالواقع، ويساهم الحوار بين النظرية والتجربة في إعادة صياغة مفاهيم فلسفية وعلمية أساسية.
فلا وجود لنظرية علمية خالصة، كما لا توجد تجربة علمية مستقلة عن العقل.

معايير علمية النظريات العلمية

شكلت الأطروحة التجريبية نموذجا للعلمية إذ تم اعتبار التجربة العلمية منبعا للنظرية ولقيمتها العلمية، فهي المنطلق والمرجع لبناء المظرية.

ومع ذلك ظل النقاش مفتوحا حول معيار الحكم على صلاحية نظرية علمية ما.

فعلى ما تتأسس صلاحية علمية نظرية ما؟ هل على العقل أم التجربة؟ أم عليهما معا؟ ماهو معيار علمية نظرية ما؟

يميز "كارل بوبر" في "دفاع عن العلم والعقلانية" بين النظريات التجريبية والنظريات اللاتجريبية مستخدما أداة أو معيارا للتمييز يسميه "القابلية للتكذيب أو القابلية للتنفيذ". فالنظرية التجريبية هي النظرية التي تتضمن، بشكل مسبق، منطوقا قابلا لأن يكون كاذبا، وليس أن تكون منطوقاتها أو فروضها دائما صادقة أو صحيحة. إن العلم التجريبي، أو النظرية التجريبية، هي التي تنتظر أن تفند، في يوم ما، تجريبيا. إن القابلية للتكذيب أو التفنيد، هي القابلية للاختيار، والتي تفرض تبيين قصور وعيب النظرية، ويشبه "بوبر" هذا المعيار، باختيار جزء من آلة ميكانيكية، فكلما اكتشفنا خلل هذه الآلة، إلا وتقوت إمكانات هذه الآلة.

إن ما يضفي على نظرية ما طابعها العلمي، هو تماسكها أو الانسجام المنطقي بين مكوناتها، لذلك يلتجئ العالم في بناء نظريته إلى فروض إضافية واختبارات متكررة؛ هذا العمل التجريبي والمنطقي، هو الذي يخرج العلم من عزلته ويضمن له قوته ومشروعيته المعرفية. في هذا الاتجاه يرى بيير تولي في كتابه "اشتغال العلم ورهاناته"، أن النظرية العلمية تستمد قوتها وتماسكها من الفروض الإضافية والاختبارات المتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها وتربطها بفروض نظرية أخرى.

تركيب
إن النظرية العلمية التجريبية الأصلية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها وتبرز نقط ضعفها، فهي تخضع بصفة قبلية فروضها لمعيار القابلية للتكذيب.
كما أن الذي يضفي كذلك على نظرية علمية ما قوتها وتماسكها هو تلك الفروض الإضافية والاختبارات النتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها وتربطها بنظريات أخرى.

خلاصة عامة
إن المتأمل لاشتغال مفهومي النظرية والتجربة في المعرفة العلمية، يدرك، بالرغم من التوتر والصراع الظاهر بينهما، التكامل والتداخل الكبيرين بينهما، فهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية، ومن تم أمكن تجاوز الثنائية التقليدية بين الفلسفتين الاختبارية والعقلانية، إذ ساهم الحوار بين النظرية والتجربة في إعادة صياغة مفاهيم علمية وفلسفية أساسية: العقل والواقع؛ التجربة والخطأ واليقين والكذب..فبإمكاننا القول إنه لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة، كما أنه لا وجود لتجربة علمية مستقلة عن العقل. فانغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، وانغلاق العقل على ذاته هو عزلته ونهايته.

ملخصات الفلسفة | مجزوءة المعرفة : العلوم الإنسانية

المجزوءة الثانية: المعرفة
العلوم الإنسانية
ملخصات الفلسفة | مجزوءة المعرفة : العلوم الإنسانية

تقديم المفهوم

يبدو أن الميلاد المتأخر للعلوم الإنسانية، داخل حقل المعرفة البشرية بوجه عام، له دلالته المعرفية والتاريخية. فبعد أن تمت السيطرة على الطبيعة الفيزيائية وفق تصور رياضي عقلاني للكون، شجع نموذج العلمية، الذي تم بناؤه في النماذج العلمية التجريبية، علماء الإنسان في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فما عسى هذا العالم الحديث أن يقول عن الإنسان؟

يشير مصطلح العلوم الإنسانية إلى العلم الذي يدرس الإنسان. فالإنسان كائن واع وراغب ومريد، يتصور ويتخيل ويعيش داخل المجتمع. وقد جاءت هذه العلوم في بدايتها، تحمل انتصار التصور العلمي الوضعي في مناهجها وقوانينها للظاهرة الإنسانية في أبعادها النفسية والاجتماعية والتاريخية والتاريخية والثقافية.

غير أن انتصار نموذج التصور العلمي الوضعي أغفل عالم المعيش ومعنى الوجود الإنساني. فهل استطاعت هذه العلوم أن تنتج معرفة موضوعية علمية بالظواهر الإنسانية؟ وهل للمناهج التفسيرية والمناهج التفهمية نفس القيم الإبستيمولوجية والفلسفية في هذه العلوم الإنسانية؟ ماهو نموذج العلمية الذي تقترحه هذه العلوم؟

موضعة الظاهرة الإنسانية

هل الإنسان موضوع طبيعي يشبه باقي الموضوعات الطبيعية؟
هل تقبل ظواهره التحديد الدقيق والتكميم وتخضع لقوانين حتمية ضرورية؟

حاولت النزعات الاختبارية الوصفية موضعة الظاهرة الإنسانية والتعامل معها باعتبارها شيئا موضوعيا ومستقلا عن الذات. فقد أسس "أوغست كونت" الفيزيائية الاجتماعية التي ستعرف فيما بعد باسم علم الاجتماع، لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية ومادية تبعد الظواهر الإنسانية عن كل تناول لاهوتي وميتافزيقي. وهو نفس التوجه الذي اختاره عالم الاجتماع "إميل دوركايم" الذي طالب في "قواعد المنهج" بضرورة دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء.

هذا التوجه الوضعي الذي استلهم المنهج التجريبي، خصوصا في علم الاجتماع وعلم النفس الفيزيائي والسلوكي، سيواجه نقدا أساسيا في ضوء إثارة المشكلات الخاصة التي يولدها تداخل الذات بالموضوع في مجال العلوم الإنسانية.

وفي هذا السياق يقدم "جان بياجي" في كتابه "إبستمولوجيا العلوم الإنسانية" الوضعية الإبستمولوجية لهذه العلوم والصعوبات التي يواجهها، ومن أهم هذه الصعوبات الخاصة وضعية التداخل بين الذات والموضوع؛ فعملية "إزاحة تمركز الذات حول ذاتها"، والتي هي عملية ضرورية لتحقيق الموضوعية، تكون أكثر صعوبة في الحالة التي يكون فيها الموضوع هو الذات. فأنا الملاحظ، حسب "بياجي"، هي جزء من الظاهرة التي يدرسها العالم من الخارج، كما ان الذات تكون أكثر انخراطا في الظاهرة وأكثر ميلا للاعتقاد في معرفتها الحدسية بالواقع. إن الذات في العلوم الإنسانية هي ذات واعية ومتكاملة وقادرة على الترميز، وهذا ما يجعل الموضوعية، التي هي شرط أساسي لموضعة الظاهرة، مسألة صعبة جدا، فالعالم في مجال العلوم الإنسانية، ليس بذات معزولة، بل هو ملتزم بقضايا فلسفية وإيديولوجية تؤثر بشكل مباشر على نتائج عدة. وهذا المعطى يكون أقل حضورا في الأبحاث الرياضية والفيزيائية.

إن الباحث في مجال العلوم الإنسانية إذن، لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته، في حين يعتقد "فرانسوا باستيان" أن هذا الانفصال هو مبدأ كل جهد علمي. من هنا لا يمكن للباحث الابتعاد عن عالمه الاجتماعي ولو رغب في ذلك، إذ لابد من فهم التجربة الجماعية أو الفردية التي يعيشها الآن. فالمعرفة تحقق بالمشاركة والانخراط وليس بالابتعاد والانفصال.

وكل أبحاث العلوم الاجتماعية اليوم تذهب في اتجاه تحقيق تباعد الباحث عن جماعته والتحكم في انخراطه فيها، محترما في ذلك ما سماه "ماكس فيبر" بمبدأ الحياد العلمي.

تركيب
هناك صعوبات أساسية تواجهها مسألة موضعة الظاهرة الإنسانية بالمقارنة مع الموضعة في علوم الطبيعة، فالإنسان هو الدارس، وهو موضوع الدراسة في نفس الوقت. وينتج عن ذلك صعوبة تحقيق الموضوعية. فالعالم في مجال العلوم الاجتماعية يعيش مفارقة كبرى، فهو جزء من الجماعة البشرية التي يدرسها، ومطالب بالتباعد عنها وموضعتها. إنه مطالب بأن يميز بين أحكام الواقع وأحكام القيمة.

التفسير والفهم في العلوم الإنسانية

إذا كانت عملية التفسير تحتل مكانة خاصة في العلوم الحقة، لأنها عملية عقلية تسمح باستنتاج اللاحق من السابق، والخضوع للضرورة المنطقية التي لا تسمح فقط بالتفسير بل أيضا بالتنبؤ، فهل يمكن القول بإمكانية التفسير في العلوم الإنسانية؟

يجيب "كلود ليفي ستروس" في كتابه "الأنتربولوجية البنيوية" عن هذا السؤال، بأن وضعية العلوم الإنسانية وضعية حرجة، فهي ليست بعلوم تفسيرية ولا بعلوم تنبؤية، إنها تقع بين التفسير والتنبؤ، فهي لا تفسر الظواهر تفسيرا نهائيا ولا تتنبأ بيقين تام؛ فبإمكان نتائجها أن تكون وسطا بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة.

وهنا لابد من أن تشتغل العلوم الإنسانية على نموذج العلمية الذي أثبت جدارته في مجال العلوم الحقة إذا أرادت أن تكون علوما لها فعالية وتأثير.

لكن الفيلسوف والعالم الألماني "فيلهايم دلتاي" يرفض استلهام نموذج العلوم الحقة وتطبيقه على العلوم الإنسانية، لأن هذه الأخيرة هي علوم روحية. فالظاهرة الإنسانية بالنسبة له ظاهرة تفهم وتؤول ولا تفسر. فالتجربة الإنسانية هي تجربة كلية وليست معطاة أو جزئية، يتداخل فيها ما هو نفسي وما هو اجتماعي. فالمناهج التجريبية الموضوعية التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية تأخذ شكل كل معيش. إن الفهم والتأويل هما اللذان يقودان إلى النفاذ داخل الحياة الممتلئة والدالة.

تركيب
إذا كانت العلوم الحقة قد حققت تقدما بفضل عمليتي التفسير والتنبؤ، فإن وضع العلوم الإنسانية لازال يتأرجح بين التفسير والتنبؤ. إنها علوم محكوم عليها بأن تظل في وسط الطريق، بين التفسير والتنبؤ.
هناك فرق بارز بين موضوع العلوم الطبيعية وموضوع العلوم الإنسانية يفرض على العلوم الإنسانية منهجا يلائم موضوع الإنسان، وهو المنهج القائم على الفهم والتأويل.

نموذجية العلوم التجريبية

يطرح نموذجية العلوم التجريبية بالنسبة للعلوم الإنسانية التفكير في الأسس التي تقوم عليها هذه العلمية. فإمكانية تبني نموذج المنهج التجريبي وتكييفه مع خصوصية الظاهرة الإنسانية، جعلت الباحثين "فيليب لابروت- طولرا" و"جون بيير وارنيي" يقدمان موقفا متميزا يعتبران فيه أنه "لا توجد قطيعة مع العلوم الطبيعية" على مستوى تدخل الذات، فهما يفترضان أن هناك شيئا من نموذجية العلوم التجريبية يحضر، غير أنه حضور مقنن ومشروط.

بينما الفيلسوف الفرنسي "ميرلو-بونتي" يشكك في إمكانية النفاذ إلى عمق الوجود الإنساني إذا ما تم استخدام مناهج المعرفة الموضوعية. إن النموذج التجريبي يميل أكثر إلى تجزيء الإنسان ونسيان تجربته الذاتية التي هي أساس وجوده الموضوعي.

يقوا "بونتي": "إن الرجوع إلى الأشياء ذاتها هو الرجوع إلى المعيش قبل أن يكون موضوع معرفة".
فنموذج علمية العلوم التجريبية، يجعل من معرفة الإنسان لذاته معرفة على نمط المعرفة الموضوعية، والعلم، بأدواته المنهجية التقنية، ينسى تجربة أساسية هي تجربة المعيش الكلي للإنسان.

تركيب
إن الوضع الإبستمولوجي الذي تعرفه العلوم الإنسانية، والناتج عن تداخل بين الذات والموضوع، وضع لا ينبغي اعتباره أمرا سلبيا، بل بالعكس هو مناسبة لتكييف المنهج التجريبي مع خصوصية الظاهرة الإنسانية، غير أن تطبيق نموذج العلوم التجريبية يقصي تجربة الذات في العالم، تلك التجربة الكلية المعيشة التي تشكل أساس المعرفة بذواتنا.

خلاصة عامة
لقد سمح لنا النقاش الإبستمولوجي، حول مسألة علمية العلوم الإنسانية، بالتعرف على خصوصية الظاهرة الإنسانية وما تعرفه من تعقد واضطراب، وأيضا ما تطرحه من إشكالات إبستمولوجية ترتبط بالمنهج وبنموذج العلوم الحقة.
وقد ساهم هذا النقاش في إعادة التفكير في نموذجية العلوم التجريبية، ليس باعتبارها النموذج الوحيد للعلمية، ولكنه النموذج الذي يجب استلهامه وتوظيفه في بناء نموذج العلمية الخاص بالعلوم الإنسانية.

مجزوءة المعرفة : الحقيقة
ملخصات الفلسفة | مجزوءة المعرفة : الحقيقة

تقديم المفهوم

قد لا يخلو أي حديث يومي من استعمال لفظ الحقيقة، وكل واحد منا عندما يبحث عنها سواء في الإعلام أو في الماضي أو في الحاضر، سيجدها ليست واحدة على الأقل في مظاهرها وأشكالها.
فهل يستطيع الإنسان أن يدعي العثور عليها وامتلاكها؟
ولماذا نرغب فيها؟

يحكى عن الفيلسوف اليوناني "ديوجين الكلبي" أنه خرج ذات يوم يحمل مصباحا في واضحة النهار قاصدا السوق حيث عامة الناس منشغلون بحياتهم اليومية، فكان يردد هذه العبارة الغريبة "أنا أبحث عن الحقيقة". فهل يحتاج المرء في البحث عن الحقيقة إلى مصباح في واضحة النهار؟ أليس كل شيء واضحا وجليا في النهار؟ عماذا كان يبحث فعلا "ديوجين الكلبي"؟

تستعمل هذه الكلمة في سياقات ودلالات مختلفة، قد نقول إن ما يكشفه العلم هو الحقيقي مقابل الوهم والخطأ والخداع، كما تستعمل الكلمة عند الحديث عن حقيقة المشاعر والأفكار والمواقف وهل هي صادقة أم لا. كما تطرح الكلمة عند البحث عن حقيقة ما جرى في التاريخ والماضي لكي يفيد بناء الذاكرة الفردية والجماعية.

لقد أدرك تاريخ الفلسفة أهمية الحقيقة في وجود الإنسان، في لغته ومعرفته بالعالم، فسعت كل فلسفة إلى تقديم خطابها، بوصفه خطابا يبحث عن الحقيقة. فهل الحقيقة معطاة أم يتم بناؤها؟ ما معاييرها؟ وما قيمتها؟

الرأي والحقيقة

كان "أفلاطون" الفيلسوف اليوناني، يرى أن ما نراه ونعتقده ونظنه لا يمكن أن نثق فيه، فمعارفنا مرتبطة بما تعلمناه وسمعناه، والبحث عن الحقية يتطلب انقلابا جذريا ضد العادات والتقاليد، فالرأي هو الاعتقاد الذي لم يخضع بعد إلى محك السؤال والنقد؛ وحسب "أفلاطون"، لابد من التحرر من وهم وزيف عالم الحس والذهاب نحو الحقيقة العقلية الثابتة الميتافزيقية.

لكن ليس الحقيقة هي ما ينتمي للعقل وحده، لذلك يعتقد "باسكال" في "خواطره" أن العقل لا يمكنه معرفة كل شيء ولا يمكنه احتكار الحقيقة، فهناك طرق أخرى تؤدي إلى الحقيقة منها القلب أو العواطف أو الوجدان؛ ذلك أن حقائق العقل، والتي هي حقائق الاستدلال والبرهنة، تستمد من حقائق القلب، التي هي حقائق نحدسها بشكل مباشر دون الاستعانة بالاستدلال العقلي والرياضي، من هنا يمكن أن نتساءل لماذا يتعارض العلم مع الرأي؟

هل معرفتنا العلمية هي استمرار لمعرفتنا الأولية الانطباعية حول الأشياء؟

يرى "باشلار" الإبستمولوجي والفيلسوف الفرنسي، في كتابه "تكون الفكر العلمي"، أن العلم يتعارض مع الرأي، والرأي هو نتاج الانطباعات والاعتقادات المرتبطة بالتفكير التلقائي، فهو لا يفكر أو يفكر بشكل سيء.

من هنا نظرته الخاصة إلى تكون المعرفة العلمية، فعلى العالم، إذا أراد أن يكون معرفة موضوعية علمية، أن يتخطى عائق الرأي؛ فالحقائق العلمية هي أجوبة عن أسئلة محددة "فلا شيء يحدث تلقائيا، لا شيء يعطى، وإن كل شيء يبنى".

تركيب
تحاول الفلسفة البحث عن الحقيقة وتجدها في عالم غير معطى تبحث عنها بتجاوز عالم الرأي. لكن هناك حقائق يدركها القلب ويعجز العقل عنها، فالعقل يحتاج القلب لأنه ينطلق منها. بينما في المعرفة العلمية يكون الرأي عائقا أمام تكون المعرفة العلمية، فهو لا يفكر، وإذن ينبغي هدمه وتخطيه.

معايير الحقيقة

إذا كانت الفلسفة تبحث عن الحقيقة وتجاوز عالم الرأي، وتحكم على الخطاب بأنه حقيقي أو غير حقيقي، فمن أين تستمد الحقيقة قوتها؟ ما معايير الحقيقة؟

لقد أعلن "ديكارت" في "مقال في المنهج" عن ضرورة صياغة قواعد منهجية لبلوغ الحقيقة. فالمنهج هو تفكير منظم يقوم على أربع قواعد، وهي: قاعدة الشك، والتحليل والتركيب والمراجعة. وأساس بلوغ الحقيقة، هي فكرة البداهة العقلية. فما هو حقيقي هو بديهي يتميز بالوضوح، فكانت أول حقيقة فلسفية توصل إليها ديكارت هي الكوجيطو: "أنا أفكر إذن أنا موجود".

في نفس الاتجاه يعتقد "سبينوزا" أن ماهو بديهي يفرض نفسه بوضوحه التام، والحقيقة معيار ذاتها، فهي تظهر بذاتها مثل النور ولا تحتاج إلى ما يكشفها أو يؤكدها، بل هي التي تكشف كل شيء؛ والبداهة ليست هي ما يتبادر توا إلى الذهن كما اعتقد "ديكارت"، بل هي الحقيقة المفروضة على الذهن.

يقول "سبينوزا" إنه "بانكشاف النور ينقشع الظلام، فالحقيقة هي معيار ذاتها ومعيار الخطأ".

لكن هل ترتبط هذه الحقيقة بالبداهة العقلية فقط؟

قد تكون الحقيقة مادية ومعيار صدقها هو التجربة، إنها تتطابق ليس مع العقل ذاته، ولكن أساسا مع ما يثبتها في الواقع. وهذا ما أرادت أن تؤكد عليه الاتجاهات الاختبارية والعلمية التجريبية.

كما أن الحقيقة أيضا هي خطاب يرتبط بما يجلب للإنسان من نفع ومصلحة. فمعيار الحقيقة حسب الاتجاه البراغماتي هو صدقه الذاتي وما يجلبه من منفعة للإنسان. فالإنسان يبحث دوما عن حلول لمشاكله اليومية، وخطابه حول الحقيقة يربطه بالنتائج العلمية لكل قول؛ فقد يكون العلم والتقنية نافعين للإنسان لأنهما يقدمان حلولا لمشاكله اليومية، من هنا ارتبطت الحقيقة كذلك بالخطاب العلمي والتقني في مواجهه الخطابات النظرية والميتافزيقية.

تركيب
ترتبط الحقيقة بمعايير عديدة، كمعيار البداهة العقلية، الذي يعني مطابقة العقل لذاته، فالحقيقي هنا هو الصادق والخطأ أو الوهم هو ضد الحقيقة. كما أن الحقيقة ترتبط بالواقع عندما يكون معيارها مدى مطابقتها للواقع. وقد تكون كذلك نفعية عملية وذاتية عندما يكون معيارها المنفعة، ومن هنا يأتي القول "لكل خطاب أو قول حقيقة".

الحقيقة بوصفها قيمة

لم يرغب الإنسان في الحقيقة؟ وهل الحقيقة منفصلة عن اللاحقيقة والعنف والحرية؟

إن قيمة الحقيقة لا تتحدد في ضوء ما تقدمه من صدق وصحة، بل أساسا فيما تكشفه من أوهام وأخطاء. فالحقيقة هي استعارات حسية تحولت إلى حقائق صلبة بفعل التحويل والاستعمال. "فما ينتمي إلى طبيعة الأشياء ليس هو المعرفة، بل الخطأ".

والحال أن هذه النظرة السلبية للحقيقة لا تقف عند هذا الحد، فإن الوجه الآخر للحقيقة هو العنف، كما يؤكد "إريك فايل" في كتابه "منطق الفلسفة" أن الفلسفة تريد أن تفهم، إنها تفكر بواسطة الخطاب العقلي المعقول، ومقابل الحقيقة ليس الخطأ أو الكذب أو الوهم، بل العنف. ويكون الإنسان متطابقا مع ذاته، أي مع الخطاب المتماسك الذي يفكر في العالم، لأنه عالم الشقاء والجوع والعنف.

ومع ذلك من الصعوبة الفصل النهائي بين الحقيقة واللاحقيقية، فلا يمكن تحديد ماهية الحقيقة إلا إذا أخذنا اللاحقيقة بعين الاعتبار.

وإذا كان التيه هو بنية داخلية للكينونة، وهو مجال مفتوح لكل ما هو مضاد للحقيقة، وخاصة عالم الخطأ، فإن التيه بهذا المعنى، يكون جزءا من حقيقة الإنسان وعلامة على إبداعه وغناه.

إن الحقيقة مع "هايدغر" هي إقامة علاقة وطيدة بما يحيط بنا، والاقتراب أكثر من لغة الوجود. ومن ثمة فماهية الحقيقة هي الحرية والتأويل والتيه.

خلاصة عامة
انتقل خطاب الحقيقة من مشكلة المعرفة إلى مشكلة الوجود والقيم عندما أصبحت الحقيقة تأويلا وحرية ومواجهة للعنف واللامعنى.
إن اللاحقيقة لا تقوم خارج الحقيقة بل تنتمي إليها، لا يمكن تحديد ماهي الحقيقة إلا إذا أخذنا اللاحقيقة والتيه بعين الاعتبار، وما يقابل الحقيقة ليس هو الخطأ وإنما هو العنف.
كل مجتمع يبني حقائقه ويرسخها ضدا على حقائق أخرى، فالحقيقة نسبية ومتعددة، لذلك تبدو الحقائق محكومة بالسياق أو الجهة التي تصدر عنها، وبالمقابل يمكن القول إن الحقائق القائمة على البناء المنهجي والمفاهيمي والنقدي أكثر صلابة اليوم، كالحقيقة الفلسفية والعلمية.

تركيب مفاهيم مجزوءة المعرفة
ملخصات الفلسفة | تركيب مفاهيم مجزوءة المعرفة

أسئلة المجزوءة
يتميز الوجود الإنساني بأنه وجود معرفي إبستولوجي منتج للأفكار والمعارف والنظريات. ويتأسس هذا الوجود على نشاط عقلي يربط الإنسان بذاته وبالعالم، ويهدف إلى تفسير الواقع المحيط به، وإضفاء معان وقيم على هذا الواقع. وهو واقع يخضع الإنسان إلى تنظيم معرفته به وفق موضوعات ومناهج غايتها بلوغ الحقيقة.

كيف يبني الإنسان معرفته بالواقع؟ وما دور كل من العقل والتجربة في بناء هذه المعرفة؟

ما الذي يميز معرفته بذاته؟ وهل بالإمكان قيام معرفة علمية بالإنسان؟

هل غاية المعرفة بالواقع وبالذات هي بلوغ الحقيقة؟ وما دلالة الحقيقة هنا؟

المعرفة البشرية بين الموضوعية والذاتية

المعرفة البشرية باعتبارها معرفة موضوعية:

تتحدد المعرفة الإنسانية، من حيث هي معرفة علمية تجريبية بالواقع، بطابع الموضوعية عندما تتعامل مع الواقع بمناهج اختبارية تتأسس على التجريب، والصياغة الرياضية؛ إذا لا مكان في العلم للآراء الشخصية والأذواق وتأملات الذات.

كما تتحدد المعرفة الإنسانية، من حيث هي معرفة علمية بالإنسان، بطابع الموضوعية عندما يتم إخضاع الظاهرة الإنسانية لمناهج اختبارية تفسيرية من مناهج علوم الطبيعة.

وتأخذ الحقيقة طابعها الموضوعي عندما تكون العلوم نفسها موضوعية أو تعمل لأجل تحقيق ذلك.

فالحقيقة الموضوعية هي الحقيقة العلمية الرياضية والتجريبية التي تعبر عن الواقع في استقلال عن تدخل الذات.

المعرفة البشرية باعتبارها معرفة ذاتية:

على الرغم من الطابع الموضوعي الذي يميز المعرفة العلمية بالواقع، إلا أنه مع ذلك تحضر الذات بأشكال مختلفة في بناء المعرفة عقليا وعلميا. فالعالم لا ينصت إلى الطبيعة، بل يتوجه إليها ويستنطقها بوصفه ذاتا مشرعة، بل ويتجاوز موضوعية الواقع باستعماله لفروض وكيانات خيالية من إنتاج الذات.

أما في العلوم الإنسانية، فإن مشكلة الذاتية تطرح بوضوح أكبر. فالعالم الإنساني هو عالم يدرس ذاته وهو عضو في جماعة بشرية، مما يجعل هذه العلوم تبدع مناهج ذات خصوصية ترتكز على الفهم والدلالة والقيم. وهنا أيضا تأخذ الحقيقة طابعها الذاتي من خلال الرأي والمعرفة الوجدانية المتمثلة في التعاطف والتفهم.

التركيب
في مجال المعرفة الإنسانية، يصعب وضع خط فاصل بين ما هو موضوعي فيها وبين ما هو ذاتي بصفة مطلقة، بل يمكن التركيب بين مفاهيم الذات والموضوع، بين مبادئ الموضوعية ومبادئ الذاتية، باستحضار مفاهيم وقضايا مثل: الواقع المبني، والعقلانية المفتوحة، وعالم المعنى والدلالة، والنظريات المتغيرة والخاضعة للتكذيب، والحقائق النسبية، ومفاهيم الصيرورة، والتغير وعالم المعيش.

خلاصة
تفترض المعرفة البشرية مقاربة مفتوحة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، العقلي بالواقعي، الحقيقي باللاحقيقي. لذلك تبدو مفاهيم النظرية والتجربة، علوم الإنسان والحقيقة، مفاهيم مترابطة فيما بينها، يؤدي كل واحد منها إلى الآخر. ولهذا، يتطلب تحليل ومناقشة أحد المفاهيم استحضار المفهومين الآخرين بشكل مناسب.

12/01/2026

ملخّصات الفلسفة
للسنة الثانية من سلك الباكالوريا / المسالك العلمية والتقنية؛ مسلكا الآداب والعلوم الإنسانية

ملخّصات الفلسفة | المجزوءة الأولى : الوضع البشري

تقديم عام
قد تجتاح الواحد منا، في لحظة ما من حياته، رغبة كتابة سيرته الذاتية، ليحكي بتناسق وترتيب زمانيين ومنطقيين، سلسلة الوقائع التي حصلت في مسار حياته. وقد يلجأ يوميا إلى تدوين هذه الأحداث على شكل مذكرات. ولكل طريقته في السرد، بأسلوبه الخاص وباللغة التي يفضلها؛ لكن هناك دوما نقط مشتركة: تجربة الوعي بما يقع للذات في هذا العالم، وأهمية حضور الغير (آباء، أصدقاء، جيران، أقارب، مدرسون...) وأهمية الزمن وتطوره، إذ الكتابة في حد ذاتها، سرد لتاريخ الشخص وتجاربه الماضية في علاقتها بالحاضر والمستقبل المأمول. لذلك، يكتشف كاتب سيرته الذاتية، كما هو الأمر بالنسبة للأستاذ "محمد عابد الجابري"، أن تجربته الذاتية في الحياة أو الوجود ليست معزولة عن الذوات والتجارب الإنسانية الأخرى؛ فأناه الفردية تنتمي إلى أنا "جماعية"، والتجربة الجماعية هي تجربة تاريخية وزمنية مشتركة. وداخل هذه التجربة المشتركة يدرك الإنسان أنه يعيش وضعا بشريا له محددات وأبعاد موضوعية مثل: الزمن، المرض، الموت، التاريخ، الشغل، الوعي... (البعد الموضوعي للوضع البشري)، إلا أنها مع ذلك لا تجعل منه موضوعا أو شيئا كباقي أشياء العالم التي تخضع خضوعا سلبيا لحتميات وقوانين الطبيعة. فهو كائن يقاوم، ويعدل، ويغير، يضع لنفسه مشروعا يسعى إلى تحقيقه، وفق أهداف نابعة من العقل، والوعي والإرادة، إنه كائن وهو أيضا شخص عاقل، واع بذاته وبتاريخه وعالمه، وهو أيضا مسؤول، يحمل في ذاته كل القيم التي يرسخها في تفاعله مع الأغيار. ( البعد الذاتي للوضع البشري).

ما محددات الوضع البشري؟

هل وجود الإنسان في هذا العالم محكوم بالضرورة أم مفتوح على الحرية؟

مفهوم الشخص
تقديم المفهوم
عندما يسعى أحدنا للتعبير عما يكنه للمرء من حب وود خالصين، فإنه غالبا ما يصرح بأن مشاعره لا تأخذ بعين الاعتبار لا الجاه ولا المال، ولا حتى الصفات الجسدية أو النفسية والفكرية. إنه يتعامل معه كما هو في ذاته. وكأنه بهذا القول، يميز بين مظاهر ثانوية وصفات زائدة، وبين ما هو حقيقي وثابت وأصيل. وقد يضيف بأنه يتعامل معه بوصفه شخصا. والمفارقة أن الشخص ماهو إلا هذا الكل: جسد، وصفات نفسية وفكرية.

فمن الشخص؟

وهل الشخص هو من يتجاوز كل المظاهر الخارجية وحتى النفسية؟

ما هو هذا الثابت والجوهري الذي يشكل أساس الشخص، وأساس التعامل معه؟

أية قيمة يحملها الشخص في ذاته؟

الهوية الشخصية
إذا كان لفظ الهوية يدل على الخاصية التي بموجبها: إما تطابق الذات ذاتها فتكون هي هي رغم ما يلحقها من تغير وتحول، وإما من حيث إنها خاصية تميز الذات عن غيرها؛ فإن الهوية الشخصية تدل على وعي الشخص بذاته بشكل مستمر وغير منقطع، رغم اعترافه بما يلحقه من تغير، إذ يصرح، في لحظات عديدة، قائلا : "لقد تغيرت وتحولت".

إن الأنا الواعية بذاتها هي التي تغيرت وهي التي تقر بذلك، كما أن رؤيتها لصورتها القديمة والتعرف عليها رغم تغير الملامح والشكل هو التعرف على ذاتها التي حافظت على وحدتها بالتعالي عن الزمان والمكان. فكيف لهذا الشخص، بما هو ذات عارفة وأنا واعية، أن يتعرف ذاته ويحافظ على وحدة الشعور بها؟

إن هذه الأسئلة تتمحور حول إشكال إدراك الذات لهويتها الخاصة، وتطابقها لذاتها داخل وحدة الأنا. وهو إشكال تبلور بشكل فلسفي واضح ومتكامل مع الفيلسوف الإنجليزي"جون لوك" في كتابة "مقالة في الفهم البشري"، الذي اعتمد مقاربة ميتافيزيقية في تفسير الأساس أو المبدإ الذي يحافظ على وحدة الهوية الشخصية ودوامها، وهو مبدأ يحدده "ج.لوك" في الشعور الذي يكون للشخص عن أفعاله الخاصة وتجاربه الحسية. وعندما يكون هذا الشعور مصاحبا للفكر، فإنه ينتج وعيا يستمر في الزمن بفعل الذاكرة، التي هي ذاتها امتداد لهذا الوعي في الزمان والمكان.

فإذا كان "مارسيل بروست" قد شبه الذاكرة بذلك الحبل الذي يتدلى من السماء لينقذه من اللاوجود ومن الشتات، فإن الذاكرة مع "لوك" هي الخيط الرفيع الذي يحفظ هوية الشخص من الانزلاق إلى الانشطار. وهو ما عبر عنه "ليبنتز"، في قولة يلخص فيها موقف "لوك": "من فقد ذاكرته أصبح شخصا آخر". هكذا يبقى الوعي، المحفوظ في الذاكرة، على وحدة الهوية واستمراريتها في الزمان والمكان، مما يعني أن الوحدة والاستمرارية مفهومان يعبران بقوة عن دلالة الهوية الشخصية التي أتعرف عليها في ذاتي دون ما حاجة إلى الجسد أو الغير.

ولقد شكلت أطروحة "ج.لوك" حول الهوية الشخصية، لحظة حاسمة في تناول هذا الإشكال، إذ سيعمل الفلاسفة، فيما بعد، إما على تأكيدها أو على نقدها وتفنيدها، كما هو الأمر مع "شوبنهاور" الذي انطلق في كتابه "العالم بوصفه إرادة وتمثلا"، من الجسد الذي أهمله "ج. لوك"، ليؤكد أن الشخص هو أولا جسد، وأن لكل شخص تجربة حميمية مع جسده، وسابقة على الوعي والتعقل، بل هي التي ستسمح له لاحقا باكتشاف أن ما يشكل حقيقته وماهيته، وبالتالي هويته الشخصية، هو إرادة الحياة، وليس الوعي/الذاكرة، فهذه الأخيرة قد يصيبها التلف بفعل الشيخوخة أو المرض، لكن ما يظل ثابتا وجوهريا هو إرادة الحياة. ولا تعني الإرادة عند "شوبنهاور" تلك القدرة على الفعل والاختيار، وإنما هي نواة الوجود الإنساني المتمثلة في رغباته. إن إرادة الحياة إذن هي تلك القوة العمياء واللاشعورية للحياة، والتي تجعل الإنسان في بحث دائم عن إشباع رغباته.

تركيب
يمتلك الشخص هوية شخصية تجعل منه ذاتا تعي ذاتها باستمرار داخل وحدة، كما تعي تميزها عن الأغيار؛ وقد يكون أساس ومبدأ هذه الهوية الشخصية إما الوعي أو الذاكرة، وإما إرادة الحياة التي تتجلى في الرغبات. وتشكل المقاربة الميتافيزيقية التي تناولت إشكال الهوية الشخصية أساس كل مقاربة يمكن أن تعالج مفهوم الشخص، إذ إن التساؤل حول وحدة الأنا واستمراريتها عبر هويتها الشخصية هو الذي يجعلنا نعتبر الشخص هو هو دائما وبالتالي مسؤولاً عن أفعاله وتصرفاته.

الشخص بين الضرورة والحرية
إن الشخص يعيش داخل مجتمع له سلطة، مجتمع ذي منظومة من القيم والعلاقات التي تفرض نفسها على كل الأشخاص. وقد تقوم هذه المنظومة بتحديد الأدوار، كما قد تجعل الشخص فريسة الاستلاب والتشيؤ. فهل معنى ذلك أنه لا مكان للحرية في حياة الشخص؟

لقد ركزت الفلسفات المعاصرة (الوجودية والشخصانية بالخصوص) على وضع الشخص وحريته مع الأخذ بعين الاعتبار ما يواجه هذه الحرية من عوائق وضرورات. إن حرية الشخص، حسب "مونيي" ("الشخصانية")، ليست ماهية مجردة ومطلقة، وإنما هي خاصية وقيمة تكشف عن قدرة الإنسان على مواجهة وضعه الوجودي المعقد والمركب. إن الشخص موجود في ذاته وموجود في العالم وأمام قيم المجتمع، وهو وضع يحتم على الأنا أن تنخرط بشكل واع في تعديل ومواجهة هذا الوضع المركب عبر الشغل الذي يجعل الشخص يتحرر تدريجيا من الإكراهات داخل ما يواجهه من وضعيات ومواقف. إنها لحظة أساسية في حياة الشخص الذي ينتقل من وضع الكائن إلى وضع الشخص (كما يقول محمد عزيز الحبابي)، ومن الحرية إلى التحرر، إلا أن هذا التحرر الذي يمارسه الشخص ويتمظهر في أنشطته، يظل دوما مشروطا بوضعه المركب، أي إن حرية الشخص هي دوما حرية بشروط.

وقد اعتمد "سارتر"، في كتابه "نقد العقل الجدلي"، على مفهوم المشروع ليفسر به فعل التحول من وضع الضرورة إلى وضع التحرر، أي التحرر من وضعية محددة قبليا إلى التعالي عليها عبر الفعل والممارسة أو من الوجود في ذاته إلى الوجود من أجل ذاته. إن عمل الشخص أو ممارسة هي التي تسمح له بتلك الوثبة والحركة نحو عالم الممكنات، وثبة يعمل من خلالها على تجاوز ذاته والانفتاح على المستقبل ("الشخص يحيا في المستقبل" كما يقول الحبابي: من الكائن إلى الشخص)، بواسطة الوعي والمسؤولية والالتزام. إن هذه الوثبة والخروج والإقلاع هي التجليات للحرية والاختيار.

وينتج عما سبق، أن لا حرية إلا داخل الضرورة، ولا وجود لضرورة عمياء ومطلقة يمكن أن تحول الشخص إلى مجرد شيء. ففي وضعية ما، يمكن أن أختار بين أن أكون شخصا فاشلا، كما يمكن أن أختار بواسطة الشغل أن أحول ظروفي الصعبة إلى مجال لتحقيق ذاتي. وقد يحد المرض من قدراتي ويشل حركتي، فأجعل منه إما مبررا لسلبيتي، وإما حافزا لبروز مواهب جديدة لم يكن لتتبدى لي فيما سبق. "إن الصخرة، كما يقول سارتر، التي تبدي عن مقاومة شديدة حين أريد أن أنقلها، ستكون، على العكس من ذلك، مساعدة ثمينة لي إذا أردت الصعود عليها لتأمل المنظر". (من كتاب الوجود والعدم، ترجمة عبد الرحمان بدوي).

تركيب
إن الشخص مشروع حر ومفتوح على إمكانات لا نهائية. إنه ذات تجاوز البنيات التي تسعى إلى الهيمنة عليه: بنيات اجتماعية ونفسية وثقافية...، وذلك عبر الشغل الذي يجعله يتعالى على كل عمليات التشييئ والاستلاب، ليحقق وجوده بوصفه شخصاً عاقلاً ومريدا ومسؤولا عن أفعاله.

يكشف إشكال الشخص بين الضرورة والحرية عن الوضع المركب والمعقد للوضع البشري، كما يكشف عن تميز الشخص عن باقي الكائنات الخاضعة بشكل مطلق لحتمية الطبيعة وإكراهاتها، مما يعطي للشخص وضعا متميزا من جهة، ومن جهة ثانية، قيمة خاصة. فأية قيمة يحملها الشخص في ذاته؟ وكيف تجب معاملته؟

قيمة الشخص
يعتبر الفيلسوف الألماني "إمانويل كانط" أهم فيلسوف وضع مفهوم الشخص داخل مقاربة أخلاقية، معتبرا إياه ذاتا عاقلة وواعية وحاملة لكل القيم التي يجب احترامها، ومعبرا عن ذلك داخل أمر أخلاقي مطلق: "تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك، كما في شخص غيرك، كغاية دائما وأبدا، وليس مجرد وسيلة البتة". إنه أمر أخلاقي مطلق لأنه يقصي الميولات والأهواء والمصالح في التعامل مع الشخص، كما أنه أمر مطلق لأنه صالح لكل الأشخاص ولكل الأزمنة والأمكنة. وهو أمر صيغ داخل تضاد بين الغاية والوسيلة (مع استعمال برهان الخلف الذي بواسطته يبرز "كانط" ما يترتب عن اعتبار الشخص وسيلة من نتائج خاطئة وخطيرة): إما أن نخضع للأهواء ومنطق المصلحة، بدل الخضوع الحر للواجب الأخلاقي، فنجعل من الشخص مجرد وسيلة لتحقيق أهدافنا، لنحوله إلى مجرد شيء، وبضاعة تقوم بسعر؛ وإما أن نعامل الشخص، بوصفه كائنا عاقلا له إرادة وكرامة وقيمة مطلقة (غير مشروطة بالميول)، فنعتبره غاية في حد ذاته ويستمد قيمته من ذاته ومن كونه شخصا.

إلا أن الشخص كما حددته أطروحة "كانط"، في كتاب: "أسس ميتافيزيقا الأخلاق"، رغم قيمتها الأخلاقية، يظل شخصا سجين تصور مجرد، تعبر عنه تلك الأوامر القطعية المطلقة التي صاغها "كانط"؛ وهي أوامر لم تأخذ بعين الاعتبار الوضعيات الواقعية التي يحياها الشخص، ولا تلك الإحراجات الوجودية الناتجة عن تناقض الواجبات التي يواجهها الشخص داخل علاقاته مع الأغيار. فالشخص لا يعيش معزولا، وإنما مفروض عليه العيش داخل جماعة، وهو في ذلك مطالب، حسب "جورج غوسدورف" في كتابه "مقالة في الوجود الأخلاقي"، بأن يحقق ذاك الانتقال من الاستقلالية الشخصية والفردية إلى ممارسة الأخلاق الملموسة التي تجسدها كل مظاهر التضامن والمشاركة مع الجماعة، وإن هذه المشاركة الجماعية هي التي يمكن للشخص عبرها أن يحقق ذاته بوصفه شخصا أخلاقيا. فليست حقيقة الشخص في تجرده وعزلته، وإنما في مشاركته وانفتاحه على الغير. "إن الغني الحقيقي، كما يقول "غوسدروف"، لا يوجد في التحيز والتملك المنغلق، كما لو كان بإزاء كنز خفي، ولكن بالأحرى في وجود يكتمل ويتلقى، بقدر ما يعطي ويمنح."

تركيب
إن الشخص، بوصفه ذاتا واعية وعاقلة، هو شخص يشكل مصدر كل القيم الأخلاقية، وهو بذلك يستحق كل الاحترام والتقدير، وهو ما يتطلب دوما، حفظا لكرامته، أن نعامله دائما وأبدا باعتباره غاية في ذاته، وما عداه وسيلة. غير أن هذا الشخص الأخلاقي لا يحقق ذاته بالعزلة والانغلاق، بل عليه الانخراط في جماعته ومشاركتها في تجسيد القيم الأخلاقية العليا. إنّ عليه أن يمنح بقدر ما يأخذ، وأن ينفتح على الغير.

خلاصة عامة
يكشف الاشتغال الفلسفي على مفهوم الشخص صعوبة إعطاء تعريف ماهوي للمفهوم، وذلك نظرا للبس المفهوم وتعدد أشكال مقاربته. ومع ذلك، فالمفهوم يدل على كائن إنساني عاقل وواع ذي هوية شخصية، حر ومسؤول، ومتعال على الوضعيات القبلية والبنيات التي تعمل على استلابه وتشييئه، ليحفظ قيمته وحقوقه الكونية التي تميزه عن عالم الأشياء والوسائل. فهو شخص يشكل غاية الغايات، وقيمته ليست في عزلته، وإنما في انفتاحه على الغير، ومشاركته في تحقيق الأهداف الإنسانية المشتركة.

المجزوءة الأولى : الوضع البشري : مفهوم الغير
للسنة الثانية من سلك الباكالوريا / المسالك العلمية والتقنية؛ مسلكا الآداب والعلوم الإنسانية


مفهوم الغير

تقديم المفهوم

إن قيمة الشخص لا تكمن في عزلته، بل في انفتاحه على الغير. فليس الشخص ذرة معزولة، ولا هو كيان مستكف بذاته، بقدر ما هو وجود مشروط قبليا وموضوعيا بالتواجد مع الآخرين.

لذلك أكدت أطروحة "ج.غوسدورف" على الترابط الوجودي بين قيمة الشخص ومدى انخراطه مع جماعة الأغيار في تحقيق القيم الإنسانية العليا والمشتركة التي عبرها يمكن للشخص أن يصبح شخصا أخلاقيا.

إن هذا الغير يسكن داخلي حتى لحظة استبطاني لذاتي، إذ بدونه لا يمكن الوعي حتى بتلك المشاعر والانفعالات البسيطة، مثل الخجل والغيرة. علاقتي مع ذاتي تمر عبر حضوره الفعلي أو الرمزي، سواء أكان ذلك الغير قريبا أو بعيدا. مما يطرح في الأخير إشكالات فلسفية تخص نمط وجود الغير وإمكان معرفته وطبيعة العلاقة الأخلاقية الممكنة معه.

فهل وجود الغير وجود ضروري للشخص وللأنا؟
وهل يمكن معرفة هذا الغير؟ وأية علاقة ممكنة معه؟

وجود الغير

لقد دشنت فلسفة ديكارت "تأملات ميتافيزيقية"، في تاريخ الفلسفة، بداية لفلسفة الوعي، بوصفه تجربة الأنا المفكرة و القدرة على إدراك ماهيتها ووجودها. إلا أن هذه الأنا المفكرة، عندما تعي ذاتها ووجودها باعتبارها أنا مفكرة عبر تجربتها الفردية، فهي تدرك موجودات مشابهة لها. فهل هذه الموجودات لها خاصية الوعي بذاتها؟ وهل يمكن أن يتحقق تواصل بين وعيي ووعيها؟ إن الجواب الذي يقدمه ديكارت عن هذه الأسئلة، جواب يظل وفيا ومنسجما مع منطلقاته الأولية : فالأنا المفكرة لا تعي إلا ذاتها، ووعيها هذا هو أساس كل معرفة، ومن ثم لا يمكن معرفة ذلك الشبيه (الغير) إلا عبر معرفة الأنا، وبواسطة استدلال المماثلة، إلا أنه استدلال لا يمكن أن يبلغ درجة اليقين الذي تملكه الأنا حول ذاتها، وهو ما جعل فلسفته تنعت بالوحدانية والانغلاقية.

ويمكن اعتبار الفلسفة التي سيصبح معها الغير وجودا ليس معترفا به باعتباره وجودا واعيا، بل أكثر من ذلك وعيا ضروريا لكي تحقق الأنا وعيها بذاتها. لقد قدم "هيغل" في كتابه "فينومينولوجيا الروح"، لحظات ثلاث يصبح فيها الوعي وعيا بالذات، عبر صراع الرغبة وجدلها بين وعيين متضادين (جدل العبد والسيد)، وهو صراع لابد أن ينتهي إلى إخضاع الوعي الآخر وانتزاع اعتراف منه، وهو شرط ضروري لتحقق الأنا وعيها الفعلي.

لقد أصبح وجود الغير، بدء مع فلسفة "هيغل"، ضرورة وجودية، وإشكالا فلسفيا، ستهتم به أغلب الفلسفات اللاحقة على "هيغل"، فهل وجود الغير تهديد للأنا (الشخص)، أم شرط وجوده وإغناء له؟

لقد اعتبر الفيلسوف الألماني "مارتن هايدغر"، في كتاب "الوجود والزمن"، وجود الشخص داخل الحياة المشتركة مع الآخرين وجودا يفقد الشخص هويته، وينزع منه إمكاناته وتفرده، فيغدو ذاتا تشبه الآخرين كأنه لا أحد. وبعبارة "هايدغر"، يذوب الوجود مع الآخرين، حيث الهيمنة التامة للمشترك في كل المجالات العمومية، وهي هيمنة تنتهي بتحويل الذوات المختلفة إلى ذات مشتركة، حيث نفس نمط التفكير والفعل.

ويبلغ هذا التهديد، مع "سارتر"، حد التشييئ، إذ يعمل الغير، عبر التعالي والنظرة، على شل عفويتي وحريتي وتحويلي إلى موضوع خارجي هو موضوع لأحكامه القيمية، مما يفترض، لتجاوز هذا الوضع، العمل على أن أتعالى عليه باعتباره شرطا للحفاظ على حريتي. إن التعالي، بوصفه تلك الحركة التي تميز الشخص عن الأشياء، وهو السبيل الذي يسمح للأنا بتجاوز وضعية التشييئ التي يفرضها علي وجود الغير. لكن ومع ذلك يظل وجوده، كوعي، ضروريا لوعيي بذاتي؛ إنه ذاك الوسيط الضروري بيني وبين ذاتي، مادمت لا أستطيع أن أكشف أبسط عواطفي وانفعالاتي النفسية (مثل الخجل)، إلا داخل حضوره الفعلي أو الرمزي.

تركيب
يكشف حضور الغير في تجربة الأنا الواعية، من جهة، عن هذا الغير بوصفه ضرورة وجودية، ما دام الشخص محكوما عليه بالعيش داخل الجماعة ومع الأغيار والأشباه، ومن جهة أخرى، عما يشكله هذا الحضور من تهديد لهوية الشخص وتفرده، وأيضا من تشييئ. إلا أن وجود الغير شرط ضروري لإمكان معرفة الشخص لذاته بوصفه وعيا. فهل يمكن معرفة ذلك الغير باعتباره وعيا بذاته؟

معرفة الغير

لقد أصبح وجود الغير مع "هيغل" ضرورة وجودية، وحقيقة فلسفية حاضرة بقوة في كل فلسفات الوعي، غير أن معرفة هذا الغير ظلت إشكالا فلسفيا: كيف أتعرف على الغير؟ هل أعرفه كما أعرف الأشياء، علما بأن نمط وجوده يختلف عن نمط وجود الأشياء، لأنه شخص وأنا آخر يعي ذاته ويعي العالم؟

يرى "إدموند هوسرل"، في كتابه "تأملات ديكارتية"، أن وجود الغير حاضر في الكوجيطو والوعي، على اعتبار أن الوعي تجربة تستحضر دوما الآخرين (نحن)، وباعتباره أيضا تجربة قصدية، ما دام الوعي هو دوما وعيا بموضوع ما. وفي قصدية الوعي، وبنياته، وتخارجه لا تدرك الأنا الآخرين بوصفهم مجرد تمثلات داخلية لأناي أو وحدات تركيبية لسيرورات تقع في دواخلي، بل تدركهم بما هم موضوعات العالم وذوات واقعية، وهو إدراك يتم عبر سلسلة من التجارب التي تعيشها الأنا.
يوجد الغير إذن مع الأنا في العالم، لكن ليس على غرار الأشياء، بل بوصفه ذاتا تشبهني وتختلف عني؛ وعن طريق التوحد الحدسي به، انطلاقا من وحدة العالم المشتركة والمدرك بيني وبين الغير، يصبح هو أنا وأنا هو، الأمر الذي يسمح ببناء عالم بينذاتية الذي يؤسس العالم الموضوعي، وذلك على أساس أن العالم الذي أدركه وأدرك فيه الآخرين الذين يبدون لي كذوات فاعلة في هذا العالم، ومن ثم فهي ذوات لها نفس تجربة الأنا في هذا العالم، كما أنني أملك تجربة العالم وفي داخله تجربة "الآخرين". إننا بهذا التحليل يمكن، حسب "هوسرل"، أن نجيب عن السؤال الجوهري وهو: كيف يمكن لأناي، داخل وجوده الخاص، أن يبني "الغير" بوصفه موجودا غريبا؟

ولا يخالف "سارتر" القول بقصدية الوعي، ولا وجود الغير في العالم، إلا أن وجود الأنا ووجود الغير يفصل بينهما عدم لا يمكن تجاوزه، عدم ينبثق من طبيعة العلاقة المكانية التي تجمعني بالغير، والشبيهة بتلك العلاقة التي تجمع بين الأشياء التي ليس بينها وشائج ما. وهو عدم يتمظهر في تلك التجربة التي تتوخى معرفة الغير، وهي معرفة تنتهي دوما إلى تحويله إلى مجرد شيء من أشياء العالم. كما أن سعيه إلى معرفتي سعي يحولني إلى شيء. إن وجود الغير وسيط ضروري لوعيي بذاتي، لكن معرفته أمر غير ممكن. لذلك اعتبر "بيرجي" كل رغبة صادقة في معرفة الغير والتعاطف معه رغبة مآلها الفشل، كما اعتبر عزلة الأنا، وانغلاق عالمها مثل انغلاق عالم الغير أمام الأنا: "هكذا هو الإنسان، سجين في آلامه، ومنعزل في ذاته ووحيد في موته... ومحكوم عليه بأنه لا يشبع أبدا رغبته في التواصل، والتي لن يتخلى عنها أبدا."

إن المواقف الفلسفية القائلة بفكرة التشييئ (سارتر مثلا) والتي تعتبر معرفة الغير أمرا غير ممكنا، هي حسب "ميرلوبونتي" مواقف تتجاهل أهمية التواصل الإنساني، بوصفه العامل الإيجابي، في تحقيق المعرفة المتبادلة بين الأنا والغير. فلا تحولني نظرة الغير إلى موضوع، ولا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا عند الانغلاق على الذات ورفض التواصل. وقد يتوقف التواصل لكنه لا ينقطع، ما دام الغير يحضر، في المجال الإدراكي المشترك، باعتباره جسدا مثل جسدي، حاملا للدلالات والمعاني. إن معرفة الغير ممكنة، لأنها أصلا معرفة لذاتي المشروطة بحضور الغير، كأفق إنساني لحضوري الذي لا ينفصل عن العالم.

وإذا كان "ميرلوبونتي" قد اعتبر معرفة الغير ممكنة عبر التواصل، فإن "ماكس شيلر" في كتابه "طبيعة التعاطف وشكله"، سيؤكد نفس القول، بالتركيز على أهمية "التعاطف الوجداني"، وضرورة "إدراك الغير بوصفه كلا متكاملا". فالغير جسد وانفعالات، ومشاركتي له وتعاطفي معه يسمحان بمعرفة دلالة ما يقوم به أو ما يشعر به.

تركيب
تشكل معرفة الغير إشكالا فلسفيا مفتوحا، رغم إسهامات كثير من الفلاسفة، لأنها تطرح في العمق ما يحدد إنسانية الإنسان وتفرده. فقد تشكل معرفتي للغير تشييئا له، وقد يسمح العالم المشترك، وما يحمله من دلالات، من إدراك هذا الغير داخل وحدة التجربة الإنسانية.

العلاقة مع الغير

إن العلاقة مع الغير معقدة وملتبسة، فهو يحضر بأسماء متعددة وأشكال متنوعة: قد يكون غريبا وبعيدا لحد الشيئية والغرابة والصراع، وقد يكون قريبا منا لحد التماهي معه. قد يعترف بنا، وقد يتجاهلنا، قد يدافع عن حقنا في الحياة وقد يعمل على حرماننا من هذا الحق. قد يفتح أمامنا أبواب الجحيم أو قد يغلقها. فالعلاقة معه تظل مفتوحة على كل الاحتمالات والإمكانات.

ولعل الصداقة من أهم أنواع العلاقات الوجودية الممكنة مع الغير، وفضيلة من الفضائل الأخلاقية التي ركز عليها الفلاسفة. ففي الصداقة تختار الأنا الانفتاح على الغير، بشكل إرادي وحر، بدون إكراهات القرابة أو غيرها. لذا فالصداقة، حسب "كانط"، هي اتحاد بين شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام، إنها ذلك "المثال" الأعلى للتعاطف والتواصل بين الناس والذي غايته خير الصديقين. وما دامت الصداقة صادرة عن إرادة طيبة محكومة بالمبادئ العقلية الكونية، فهي واجب عقلي يفرض علينا الخضوع والاحترام. ولا تتحقق الصداقة، حسب "كانط"، إلا داخل توازن ضروري بين الحب والاحترام.

وهي من جهة كونها واجبا عقليا، فهي غير مشروطة بالميولات والمنافع المتبادلة. قد لا تؤدي الصداقة بالضرورة إلى السعادة، لكن مع ذلك، تجعل الشخص مؤهلا للبحث عنها، مادامت تجربة الصداقة تعلم الشخص الإنصات للواجب العقلي بدل الخضوع للأهواء والمصالح الشخصية التي تجعل من الغير، بما هو شخص، مجرد وسيلة ومطية لتحقيق غايات ذاتية. لذلك يعتقد "أوغست كونت"، في كتاب "مواعظ وضعية"، أن المطلوب من الشخص هو الابتعاد عن الأنانية الهمجية، وتأسيس انسجام أخلاقي قوامه الغيرية. ولا تعني الغيرية عنده سوى الاعتراف بفضائل الإنسانية على الشخص، فضائل لا يمكن لأي واحد منا أن يرد ولو النزر القليل منها إلى الإنسانية، لكن بالمقابل يمكن أن يجعل وجوده في خدمة الغير والإنسانية جمعاء، وأن يجعل من واجبه العيش من أجل الغير، لأن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لتطوير كل الوجود البشري.

خلاصة عامة
يسمح إشكال العلاقة مع الغير، بالانتقال بالمفهوم من مجال الوجود والمعرفة إلى مجال الممارسة. فقد يشكل وجود الغير تهديدا للأنا أو إغناء لها، وقد تكون معرفته ممكنة، مثلما تكون صعبة ومستحيلة.

غير أن المهم هو حضور الغير وبقوة داخل عالم مشترك، والأهم هو جعل هذا العالم المشترك مجالا لتحقيق القيم الإنسانية العليا، قيم الصداقة والغيرية والتعايش، والتضامن، والاحترام والحب.

المجزوءة الأولى : الوضع البشري : مفهوم التاريخ

للسنة الثانية من سلك الباكالوريا / المسالك العلمية والتقنية؛ مسلكا الآداب والعلوم الإنسانية

ملخّصات الفلسفة | الوضع البشري : مفهوم التاريخ

مفهوم التاريخ

تقديم المفهوم

إذا كان مبدأ الهوية الشخصية، حسب "لوك"، هو الوعي المحفوظ في الذاكرة، فإن وعي الشخص ليس وعيا معزولا عن وعي جماعة الأغيار التي يعيش داخلها، وبالتالي فإن الذاكرة الفردية هي امتداد للذاكرة الجماعية، وهذه الأخيرة ليست إلا تاريخ الجماعة الذي يشكل هويتها، وأساس حاضرها ومصدر استشراف مستقبلها، وكما يمكن أن يكون التاريخ حافزا للانفتاح على هويات مختلفة، مثلما يمكن أن يكون عائقا أمام هذا الانفتاح، بحيث يتحول إلى ذلك الملاذ "السعيد" الذي تحتمي به الجماعة خوفا على هويتها وحضارتها. وفي جميع الحالات تلجأ كل جماعة إلى تدوين تاريخها لحفظه من الضياع، لأن في ضياعه ضياعا لهويتها وكينونتها، وفي حفظه ترسيخ لكل مقومات الجماعة، التي تجعل من السرد التاريخي آلية من آليات محاربة آفة النسيان، لكن وفي الوقت نفسه، يصبح سرد أحداث الماضي، وكما يقول "عبد الله العروي"، ينم عن وعي بالتاريخ وعن رغبة ملحة في محوه والتغلب عليه. وبين رغبة امتلاك الماضي وتجاوزه يتمظهر الكائن الإنساني بوصفه كائنا تاريخيا، إلى جانب كونه كائنا عاقلا، ولغويا، واجتماعيا وسياسيا.
فكيف تكتب الجماعة تاريخها؟ وكيف يتم بناء الواقعة التاريخية رغم كونها موغلة في القدم؟ وأية وظيفة تقوم بها هذه المعرفة التاريخية: فهم ما جرى؟ الكشف عن منطق التاريخ وصيرورته؟ وهل يمكن القول إن الإنسان فاعل تاريخي وصانع له، أم إنه خاضع له؟

المعرفة التاريخية

عرف "هنري مارو"، في كتابه "حول المعرفة التاريخية"، التاريخ بكونه "معرفة بماضي الإنسان". وهو تعريف يؤكد على قضية أساسية وهي أن التاريخ هو معرفة وليس مجرد سرد للأحداث. إلا أن المعرفة التاريخية، مثلها مثل المعرفة الفيزيائية، ليست معطى جاهزا، وإنما معرفة تبنى. وتعتبر مساهمة المفكر الألماني "ماكس فيبر"، في تحليل طبيعة المعرفة التاريخية، مساهمة أساسية لأنه استطاع أن يظهر طابعها الإشكالي والمحدود. إن الواقع التاريخي الذي يسعى المؤرخ إلى فهمه وبناء معرفة بصدده، واقع كثيف وغير منته من حيث الدلالة، ولا يمكن لأية عدة منهجية أن تدعي القدرة على الإحاطة به، مادام واقعا متفردا يند عن كل تعميم. وعليه فإن الأسباب المفسرة لهذا الواقع التاريخي، لا يمكنها أن تكون موحدة ومحايدة، بقدر ما تكون منتقاة انطلاقا من علاقة محددة للمؤرخ بالقيم التي تجعله يرجح كفة عامل مفسر على عامل آخر، محددا ما هو رئيسي وما هو ثانوي في هذه العوامل. إن المؤرخ لا يفهم الماضي بصفة نهائية، والسببية التاريخية هي أساسا سببية تحليلية، متفردة وجزئية احتمالية.

وعليه يبقى العمل المنهجي للمؤرخ محددا لهذه المعرفة. لذلك يرى "ريمون آرون"، في كتابه "دروس في التاريخ"، أن عمل المؤرخ في مجال المعرفة التاريخية عمل لا يؤمن بوجود ماض خالص، إذ إن كل ماض هو ماض مستحضر، وكل معرفة تاريخية هي إعادة بناء ما كان موجودا ولم يعد الآن كذلك. كما أن المعرفة التاريخية لا يمكن أن تكون إلا معرفة مبنية عبر بحث وتنقيب وتحقيق، وإن معنى الماضي لا يتولد إلا في إطار علاقة نقدية تباعدية تحاول ما أمكن الاقتراب من الماضي.

وفي سياق نفس الإشكال، تناول "بول ريكور"، في كتابه "التاريخ والحقيقة"، طبيعة هذه المعرفة وكيفية تكوينها؛ فأظهر كيف أنها معرفة يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي، والتفسير مع الفهم، والملاحظة مع الافتراض، والماضي مع الحاضر والأنا مع الآخر. منتهيا في تحليله إلى أن المعرفة التاريخية لا يمكن أن تكون كاملة الموضوعية، لأنه

Want your school to be the top-listed School/college in Casablanca?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Address


Casablanca