12/01/2026
المجزوءة الثانية: المعرفة
النظرية والتجريب، العلوم الإنسانية، الحقيقة
ملخصات الفلسفة | المعرفة : النظرية والتجريب
تقديم عام
في مسرحية "حياة غاليلي" للمؤلف المسرحي "بريخت"، يصرح غاليلي لمحاوريه أن جهل الإنسان بالعالم ليس له نهاية، وأن الحقيقة بنت زمانها. إنها أمامه يكشفها بالعين واليد والعقل.
في هذه اللحظة، أي في القرن السادس عشر ميلادي، سعى الإنسان إلى فهم الطبيعة، وتحليل ظواهرها لأجل التحكم فيها والسيطرة عليها، لكن بالاعتماد على قدراته الفكرية وإمكاناته التقنية والمنهجية.
فمنذ "غاليلي" سعى العالم إلى إنتاج معرفة دقيقة ومنظمة تجريبية ورياضية، سواء تعلق الأمر بموضوعات العالم الطبيعي الفزيائي أو بالعالم الإنساني ذاته.
لكن يظل الإنسان يفكر دائما في حقيقة ما توصل إليه من معارف ونظريات وتقنيات، فلجوء المعرفة إلى العقلانية العلمية وإلى إبراز دور العقل والتجربة في بناء العلم، لا يعني إقصاء الخيال والتأويل في هذه المعرفة ذاتها.
فكيف يبني الإنسان معرفته بالواقع وبذاته؟
ما العلاقة بين مفاهيم العقل ومعطيات التجربة في بناء هذه المعرفة؟
وهل غاية المعرفة العلمية هي بلوغ الحقيقة؟ ما دلالة الحقيقة؟
النظرية والتجربة
تقديم المفهوم
إذا ما حاولنا أن نتأمل في العبارة المركبة التالية: النظرية والتجربة، فإن ما يتبادر إلى ذهننا هو حضور علاقة توتر وصراع بين المفهومين، كل مفهوم يواجه الآخر، فكلمة نظرية مشتقة من النظر؛ وتعني تأمل الموضوع تأملا عقليا، وقد ارتبطت الكلمة في دلالتها اللغوية الإغريقية بتأمل التجربة وتجاوز المعطى والابتعاد عن الواقع والتجربة.
بينما تعني كلمة تجربة في الحياة الواقعية والخبرة والارتباط بما هو موجود حسيا، هذا التمييز الأولي الظاهر بين دلالة الكلمتين يوحي لنا بحضور التفكير المجرد في لفظ النظرية، وشبه غياب ما هو عقلي في دلالة لفظ التجربة.
إن هذا التوتر الظاهر بين دلالة اللفظين يخفي الحوار الخفي بينهما، فالنظرية تعني "نسقا من المبادئ والقوانين التجريبية الذي ينظم معرفتنا بمجالات معرفية خاصة، ويتضمن هذا النسق بناء منطقيا له مكوناته يخضع لنظام فرضي استنباطي، يسمح للعالم بالانتقال من عنصر إلى آخر وفق تراتب صارم".
وتعني التجربة في مجال المعرفة العلمية "إعادة إحداث ظاهرة ما، تمت ملاحظتها في شروط نظرية وتقنية محددة"، بحيث تمثل التجربة، الوسيلة الضرورة، واللحظة الحاسمة، التي تمكن العالم من إثبات صدق أو كذب الفروض التي يضعها في دراسته للظواهر.
يبدو أن "النظرية" ليست تجريدا ذهنيا ومفاهيميا خالصا، كما أن التجربة ليست مجالا لحضور الملموس الواقعي فقط، إن الصراع بين المفهومين يخفي التداخل الكبير بينهما.
فهل القول بأهمية التجريب في المعرفة العلمية هو تهميش للعقل؟
ما مكانة العقل في العلم؟ ما المشكلات التي تطرحها علاقة النظرية مع التجربة؟
التجربة والتجريب
في مجال المعرفة العلمية تأخذ التجربة دلالة خاصة، إنها مجموعة من الإجراءات والخطوات النظرية والعلمية التي يقوم بها العالم بصفة مقصودة. فما الصورة التي يأخذها التجريب في العلم؟ ما الخطاطة المقترحة عند القيام بالتجربة؟
يقترح "كلود برنار" في كتابه "المدخل في دراسة الطب التجريبي" الصورة المثلى لعالم تجريبي يجمع بين الفكر النظري والممارسة التجريبية. في البداية على العالم أن تكون لديه فكرة يخضعها للفحص، والذي هو لحظة التأكد من الفكر؛ فعليه إذن أن يكون ملاحظا ومجربا. وتقتضي الملاحظة العلمية معاينة الظاهرة وتعريفها تعريفا صحيحا، ومن الشروط الموضوعية والدقة في المعاينة؛ فالعالم الموضوعي ينصت إلى الطبيعة وينقل ما هو موجود في الواقع، ثم بعد الملاحظة تأتي الفكرة أو الفرضية التي من خلالها يبحث العالم عن تفسير لأسباب حدوث الظاهرة، فيلتجئ إلى التأكد من الفرضية بواسطة التجربة التي هي لحظة التحقق من تخمينه ومشروعه الفكري.
هذه الخطاطة النظرية تعتمد على خطوات منهجية أساسية هي: الملاحظة، والفرضية، والتجربة، وقد قام العلم الكلاسيكي على أسس ومبادئ هذا المنهج.
لكن العالم لا يجب عليه أن يبقى سجين خطوات المنهج التجريبي في صورته الكلاسيكية، فالعالم يصوغ فروضه ضمن إشكالية علمية ونظرية توجه أسئلته، بل إنه يبدع "كيانات خيالية" لا يستطيع التأكد منها في الواقع.
لا يحتاج العالم دائما إلى إجراء تجاربه في المختبر، وهذا ما يؤكد عليه "روني توم" في عمله " فلسفة العلوم اليوم"، فالاعتقاد بأن استخدام التجريب يمنح وحده التحليل السببي لظاهرة من الظواهر هو اعتقاد خاطئ، ذلك أن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف أسباب الظاهرة، لذلك ينبغي إكمال الواقعي بالخيالي، والخيال العلمي هو أساس تجربة ذهنية، ولا يمكن لأي تجربة أو جهاز أن يعوض هذه التجربة الذهنية.
إن الخيال، حسب "روني توم"، هو تجربة ذهنية أو تفكير ينفلت من كل رتابة أو منهج منظم بشكل صوري.
تركيب
يبني العالم التجريبي قوانينه تبعا لخطوات منهجية ونظرية، تجمع بين شروط الملاحظة العلمية ومبادئ التجربة عندما يخضع الفروض لمبدأ التحقق التجريبي. لكن التجريب بهذا المعنى لا يشكل مقوما وحيدا في تفسير الظواهر، إذ لابد من اعتبار عنصر الخيال وإدماجه في عملية التجريب. إن الخيال هو تجربة ذهنية تمنح للواقع العلمي غنى كبيرا. فكثير من التجارب اليوم تعتمد الصور بدل الواقع، الأثر بدل الشيء، وهذا ما تؤكد عليه الفيزياء المعاصرة، التي تجاوزت مبادئ وتقنية العلم الكلاسيكي.
العقلانية العلمية
يبدو أن المعرفة تتضمن مكونين أساسيين هما: معطيات التجربة من جهة، ومن جهة ثانية أحكام العقل ومفاهيمه ونشاطه. وإذا كان العقل نشاطا ذهنيا وقدرة على التفكير في موضوعات محددة، فإن مجال العلم تخلى تدريجيا عن بنيته التقليدية، التي كانت تقوم على مجموعة من المبادئ والقواعد الثابتة.
لم يعد العقل، بدءا من الفيلسوف "كانط"، منغلقا على ذاته ولا هو يشتغل بصورة معزولة عن الواقع، بل هو فعالية ونشاط يتطور بتطور عالم التجربة ذاته.
فما الأسس الفلسفية التي تستند إليها العقلانية العلمية؟ ما العلاقة التي يجب إقامتها بين العقل والتجربة؟
يؤكد "غاستون باشلار" في كتابه "العقلانية المطبقة" على أهمية الحوار الجدلي بين العالم العقلاني والعالم التجريبي، فعالم الفيزياء مثلا يحتاج إلى فكرتين أساسيتين تقودان عمله العلمي، إنه اليقين المزدوج، يقين أول يرى الواقع غير معزول عن تدخل العقل، ويقين ثان يرى أن الحجة العقلية من صميم التجربة.
فعلى العالم اليوم أن يكون في مركز يكون فيه العقل مشروطا بموضوع المعرفة. فالعقلانية العلمية الجديدة تتجاوز انعزال العقل، إنها عقلانية مطبقة أو جدلية، تتحقق في إطار فلسفة مفتوحة تقوم على حوار بين العقل والتجربة، هذا الحوار الذي يتجاوز الثنائية التقليدية بين العلماء التجريبيين والعلماء العقلانيين.
غير أن التجربة، مع التيارات التجريبية الاختبارية مازالت تتحكم في بناء النظرية العلمية، فالتجربة هي الأساس، ويتم حصر الوظيفة في النظر في تصنيف المعطيات وصياغة القوانين صياغة رياضية، يقول دوهيم "إن النظرية الصحيحة ليست تلك التي تعطي تفسيرا للظواهر الفيزيائية، بل هي التي تعبر بطريقة مرضية عن مجموعة من القوانين التجريبية".
وعلى النقيض من أطروحة دوهيم، نجد الموقف الإبستمولوجي "لألبرت أنشتاين" الذي يرى أن المبدأ الخلاق لنظرية علمية ما، لا يوجد في عالم التجربة بل في العقل الرياضي الذي يبدع المفاهيم والمبادئ إبداعا حرا.
تركيب
إن العقلانية العلمية عقلانية فلسفية مفتوحة تقوم على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي، كما تعتبر النظرية العلمية نظرية صحيحة عندما تعبر عن قوانين تجريبية من جهة، وعن مفاهيم العقل الرياضي الذي يبدع ويتخيل من جهة أخرى.
إن النموذج الرياضي هو نموذج فرضي استنباطي بيني التجربة التي لم تعد مرتبطة ارتباطا مباشرا بالواقع، ويساهم الحوار بين النظرية والتجربة في إعادة صياغة مفاهيم فلسفية وعلمية أساسية.
فلا وجود لنظرية علمية خالصة، كما لا توجد تجربة علمية مستقلة عن العقل.
معايير علمية النظريات العلمية
شكلت الأطروحة التجريبية نموذجا للعلمية إذ تم اعتبار التجربة العلمية منبعا للنظرية ولقيمتها العلمية، فهي المنطلق والمرجع لبناء المظرية.
ومع ذلك ظل النقاش مفتوحا حول معيار الحكم على صلاحية نظرية علمية ما.
فعلى ما تتأسس صلاحية علمية نظرية ما؟ هل على العقل أم التجربة؟ أم عليهما معا؟ ماهو معيار علمية نظرية ما؟
يميز "كارل بوبر" في "دفاع عن العلم والعقلانية" بين النظريات التجريبية والنظريات اللاتجريبية مستخدما أداة أو معيارا للتمييز يسميه "القابلية للتكذيب أو القابلية للتنفيذ". فالنظرية التجريبية هي النظرية التي تتضمن، بشكل مسبق، منطوقا قابلا لأن يكون كاذبا، وليس أن تكون منطوقاتها أو فروضها دائما صادقة أو صحيحة. إن العلم التجريبي، أو النظرية التجريبية، هي التي تنتظر أن تفند، في يوم ما، تجريبيا. إن القابلية للتكذيب أو التفنيد، هي القابلية للاختيار، والتي تفرض تبيين قصور وعيب النظرية، ويشبه "بوبر" هذا المعيار، باختيار جزء من آلة ميكانيكية، فكلما اكتشفنا خلل هذه الآلة، إلا وتقوت إمكانات هذه الآلة.
إن ما يضفي على نظرية ما طابعها العلمي، هو تماسكها أو الانسجام المنطقي بين مكوناتها، لذلك يلتجئ العالم في بناء نظريته إلى فروض إضافية واختبارات متكررة؛ هذا العمل التجريبي والمنطقي، هو الذي يخرج العلم من عزلته ويضمن له قوته ومشروعيته المعرفية. في هذا الاتجاه يرى بيير تولي في كتابه "اشتغال العلم ورهاناته"، أن النظرية العلمية تستمد قوتها وتماسكها من الفروض الإضافية والاختبارات المتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها وتربطها بفروض نظرية أخرى.
تركيب
إن النظرية العلمية التجريبية الأصلية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها وتبرز نقط ضعفها، فهي تخضع بصفة قبلية فروضها لمعيار القابلية للتكذيب.
كما أن الذي يضفي كذلك على نظرية علمية ما قوتها وتماسكها هو تلك الفروض الإضافية والاختبارات النتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها وتربطها بنظريات أخرى.
خلاصة عامة
إن المتأمل لاشتغال مفهومي النظرية والتجربة في المعرفة العلمية، يدرك، بالرغم من التوتر والصراع الظاهر بينهما، التكامل والتداخل الكبيرين بينهما، فهما يكونان معا النظرية العلمية التجريبية، ومن تم أمكن تجاوز الثنائية التقليدية بين الفلسفتين الاختبارية والعقلانية، إذ ساهم الحوار بين النظرية والتجربة في إعادة صياغة مفاهيم علمية وفلسفية أساسية: العقل والواقع؛ التجربة والخطأ واليقين والكذب..فبإمكاننا القول إنه لا وجود لنظرية علمية عقلية خالصة، كما أنه لا وجود لتجربة علمية مستقلة عن العقل. فانغلاق النظرية على ذاتها هو فناؤها، وانغلاق العقل على ذاته هو عزلته ونهايته.
ملخصات الفلسفة | مجزوءة المعرفة : العلوم الإنسانية
المجزوءة الثانية: المعرفة
العلوم الإنسانية
ملخصات الفلسفة | مجزوءة المعرفة : العلوم الإنسانية
تقديم المفهوم
يبدو أن الميلاد المتأخر للعلوم الإنسانية، داخل حقل المعرفة البشرية بوجه عام، له دلالته المعرفية والتاريخية. فبعد أن تمت السيطرة على الطبيعة الفيزيائية وفق تصور رياضي عقلاني للكون، شجع نموذج العلمية، الذي تم بناؤه في النماذج العلمية التجريبية، علماء الإنسان في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فما عسى هذا العالم الحديث أن يقول عن الإنسان؟
يشير مصطلح العلوم الإنسانية إلى العلم الذي يدرس الإنسان. فالإنسان كائن واع وراغب ومريد، يتصور ويتخيل ويعيش داخل المجتمع. وقد جاءت هذه العلوم في بدايتها، تحمل انتصار التصور العلمي الوضعي في مناهجها وقوانينها للظاهرة الإنسانية في أبعادها النفسية والاجتماعية والتاريخية والتاريخية والثقافية.
غير أن انتصار نموذج التصور العلمي الوضعي أغفل عالم المعيش ومعنى الوجود الإنساني. فهل استطاعت هذه العلوم أن تنتج معرفة موضوعية علمية بالظواهر الإنسانية؟ وهل للمناهج التفسيرية والمناهج التفهمية نفس القيم الإبستيمولوجية والفلسفية في هذه العلوم الإنسانية؟ ماهو نموذج العلمية الذي تقترحه هذه العلوم؟
موضعة الظاهرة الإنسانية
هل الإنسان موضوع طبيعي يشبه باقي الموضوعات الطبيعية؟
هل تقبل ظواهره التحديد الدقيق والتكميم وتخضع لقوانين حتمية ضرورية؟
حاولت النزعات الاختبارية الوصفية موضعة الظاهرة الإنسانية والتعامل معها باعتبارها شيئا موضوعيا ومستقلا عن الذات. فقد أسس "أوغست كونت" الفيزيائية الاجتماعية التي ستعرف فيما بعد باسم علم الاجتماع، لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية ومادية تبعد الظواهر الإنسانية عن كل تناول لاهوتي وميتافزيقي. وهو نفس التوجه الذي اختاره عالم الاجتماع "إميل دوركايم" الذي طالب في "قواعد المنهج" بضرورة دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء.
هذا التوجه الوضعي الذي استلهم المنهج التجريبي، خصوصا في علم الاجتماع وعلم النفس الفيزيائي والسلوكي، سيواجه نقدا أساسيا في ضوء إثارة المشكلات الخاصة التي يولدها تداخل الذات بالموضوع في مجال العلوم الإنسانية.
وفي هذا السياق يقدم "جان بياجي" في كتابه "إبستمولوجيا العلوم الإنسانية" الوضعية الإبستمولوجية لهذه العلوم والصعوبات التي يواجهها، ومن أهم هذه الصعوبات الخاصة وضعية التداخل بين الذات والموضوع؛ فعملية "إزاحة تمركز الذات حول ذاتها"، والتي هي عملية ضرورية لتحقيق الموضوعية، تكون أكثر صعوبة في الحالة التي يكون فيها الموضوع هو الذات. فأنا الملاحظ، حسب "بياجي"، هي جزء من الظاهرة التي يدرسها العالم من الخارج، كما ان الذات تكون أكثر انخراطا في الظاهرة وأكثر ميلا للاعتقاد في معرفتها الحدسية بالواقع. إن الذات في العلوم الإنسانية هي ذات واعية ومتكاملة وقادرة على الترميز، وهذا ما يجعل الموضوعية، التي هي شرط أساسي لموضعة الظاهرة، مسألة صعبة جدا، فالعالم في مجال العلوم الإنسانية، ليس بذات معزولة، بل هو ملتزم بقضايا فلسفية وإيديولوجية تؤثر بشكل مباشر على نتائج عدة. وهذا المعطى يكون أقل حضورا في الأبحاث الرياضية والفيزيائية.
إن الباحث في مجال العلوم الإنسانية إذن، لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته، في حين يعتقد "فرانسوا باستيان" أن هذا الانفصال هو مبدأ كل جهد علمي. من هنا لا يمكن للباحث الابتعاد عن عالمه الاجتماعي ولو رغب في ذلك، إذ لابد من فهم التجربة الجماعية أو الفردية التي يعيشها الآن. فالمعرفة تحقق بالمشاركة والانخراط وليس بالابتعاد والانفصال.
وكل أبحاث العلوم الاجتماعية اليوم تذهب في اتجاه تحقيق تباعد الباحث عن جماعته والتحكم في انخراطه فيها، محترما في ذلك ما سماه "ماكس فيبر" بمبدأ الحياد العلمي.
تركيب
هناك صعوبات أساسية تواجهها مسألة موضعة الظاهرة الإنسانية بالمقارنة مع الموضعة في علوم الطبيعة، فالإنسان هو الدارس، وهو موضوع الدراسة في نفس الوقت. وينتج عن ذلك صعوبة تحقيق الموضوعية. فالعالم في مجال العلوم الاجتماعية يعيش مفارقة كبرى، فهو جزء من الجماعة البشرية التي يدرسها، ومطالب بالتباعد عنها وموضعتها. إنه مطالب بأن يميز بين أحكام الواقع وأحكام القيمة.
التفسير والفهم في العلوم الإنسانية
إذا كانت عملية التفسير تحتل مكانة خاصة في العلوم الحقة، لأنها عملية عقلية تسمح باستنتاج اللاحق من السابق، والخضوع للضرورة المنطقية التي لا تسمح فقط بالتفسير بل أيضا بالتنبؤ، فهل يمكن القول بإمكانية التفسير في العلوم الإنسانية؟
يجيب "كلود ليفي ستروس" في كتابه "الأنتربولوجية البنيوية" عن هذا السؤال، بأن وضعية العلوم الإنسانية وضعية حرجة، فهي ليست بعلوم تفسيرية ولا بعلوم تنبؤية، إنها تقع بين التفسير والتنبؤ، فهي لا تفسر الظواهر تفسيرا نهائيا ولا تتنبأ بيقين تام؛ فبإمكان نتائجها أن تكون وسطا بين المعرفة الخالصة والمعرفة النافعة.
وهنا لابد من أن تشتغل العلوم الإنسانية على نموذج العلمية الذي أثبت جدارته في مجال العلوم الحقة إذا أرادت أن تكون علوما لها فعالية وتأثير.
لكن الفيلسوف والعالم الألماني "فيلهايم دلتاي" يرفض استلهام نموذج العلوم الحقة وتطبيقه على العلوم الإنسانية، لأن هذه الأخيرة هي علوم روحية. فالظاهرة الإنسانية بالنسبة له ظاهرة تفهم وتؤول ولا تفسر. فالتجربة الإنسانية هي تجربة كلية وليست معطاة أو جزئية، يتداخل فيها ما هو نفسي وما هو اجتماعي. فالمناهج التجريبية الموضوعية التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية تأخذ شكل كل معيش. إن الفهم والتأويل هما اللذان يقودان إلى النفاذ داخل الحياة الممتلئة والدالة.
تركيب
إذا كانت العلوم الحقة قد حققت تقدما بفضل عمليتي التفسير والتنبؤ، فإن وضع العلوم الإنسانية لازال يتأرجح بين التفسير والتنبؤ. إنها علوم محكوم عليها بأن تظل في وسط الطريق، بين التفسير والتنبؤ.
هناك فرق بارز بين موضوع العلوم الطبيعية وموضوع العلوم الإنسانية يفرض على العلوم الإنسانية منهجا يلائم موضوع الإنسان، وهو المنهج القائم على الفهم والتأويل.
نموذجية العلوم التجريبية
يطرح نموذجية العلوم التجريبية بالنسبة للعلوم الإنسانية التفكير في الأسس التي تقوم عليها هذه العلمية. فإمكانية تبني نموذج المنهج التجريبي وتكييفه مع خصوصية الظاهرة الإنسانية، جعلت الباحثين "فيليب لابروت- طولرا" و"جون بيير وارنيي" يقدمان موقفا متميزا يعتبران فيه أنه "لا توجد قطيعة مع العلوم الطبيعية" على مستوى تدخل الذات، فهما يفترضان أن هناك شيئا من نموذجية العلوم التجريبية يحضر، غير أنه حضور مقنن ومشروط.
بينما الفيلسوف الفرنسي "ميرلو-بونتي" يشكك في إمكانية النفاذ إلى عمق الوجود الإنساني إذا ما تم استخدام مناهج المعرفة الموضوعية. إن النموذج التجريبي يميل أكثر إلى تجزيء الإنسان ونسيان تجربته الذاتية التي هي أساس وجوده الموضوعي.
يقوا "بونتي": "إن الرجوع إلى الأشياء ذاتها هو الرجوع إلى المعيش قبل أن يكون موضوع معرفة".
فنموذج علمية العلوم التجريبية، يجعل من معرفة الإنسان لذاته معرفة على نمط المعرفة الموضوعية، والعلم، بأدواته المنهجية التقنية، ينسى تجربة أساسية هي تجربة المعيش الكلي للإنسان.
تركيب
إن الوضع الإبستمولوجي الذي تعرفه العلوم الإنسانية، والناتج عن تداخل بين الذات والموضوع، وضع لا ينبغي اعتباره أمرا سلبيا، بل بالعكس هو مناسبة لتكييف المنهج التجريبي مع خصوصية الظاهرة الإنسانية، غير أن تطبيق نموذج العلوم التجريبية يقصي تجربة الذات في العالم، تلك التجربة الكلية المعيشة التي تشكل أساس المعرفة بذواتنا.
خلاصة عامة
لقد سمح لنا النقاش الإبستمولوجي، حول مسألة علمية العلوم الإنسانية، بالتعرف على خصوصية الظاهرة الإنسانية وما تعرفه من تعقد واضطراب، وأيضا ما تطرحه من إشكالات إبستمولوجية ترتبط بالمنهج وبنموذج العلوم الحقة.
وقد ساهم هذا النقاش في إعادة التفكير في نموذجية العلوم التجريبية، ليس باعتبارها النموذج الوحيد للعلمية، ولكنه النموذج الذي يجب استلهامه وتوظيفه في بناء نموذج العلمية الخاص بالعلوم الإنسانية.
مجزوءة المعرفة : الحقيقة
ملخصات الفلسفة | مجزوءة المعرفة : الحقيقة
تقديم المفهوم
قد لا يخلو أي حديث يومي من استعمال لفظ الحقيقة، وكل واحد منا عندما يبحث عنها سواء في الإعلام أو في الماضي أو في الحاضر، سيجدها ليست واحدة على الأقل في مظاهرها وأشكالها.
فهل يستطيع الإنسان أن يدعي العثور عليها وامتلاكها؟
ولماذا نرغب فيها؟
يحكى عن الفيلسوف اليوناني "ديوجين الكلبي" أنه خرج ذات يوم يحمل مصباحا في واضحة النهار قاصدا السوق حيث عامة الناس منشغلون بحياتهم اليومية، فكان يردد هذه العبارة الغريبة "أنا أبحث عن الحقيقة". فهل يحتاج المرء في البحث عن الحقيقة إلى مصباح في واضحة النهار؟ أليس كل شيء واضحا وجليا في النهار؟ عماذا كان يبحث فعلا "ديوجين الكلبي"؟
تستعمل هذه الكلمة في سياقات ودلالات مختلفة، قد نقول إن ما يكشفه العلم هو الحقيقي مقابل الوهم والخطأ والخداع، كما تستعمل الكلمة عند الحديث عن حقيقة المشاعر والأفكار والمواقف وهل هي صادقة أم لا. كما تطرح الكلمة عند البحث عن حقيقة ما جرى في التاريخ والماضي لكي يفيد بناء الذاكرة الفردية والجماعية.
لقد أدرك تاريخ الفلسفة أهمية الحقيقة في وجود الإنسان، في لغته ومعرفته بالعالم، فسعت كل فلسفة إلى تقديم خطابها، بوصفه خطابا يبحث عن الحقيقة. فهل الحقيقة معطاة أم يتم بناؤها؟ ما معاييرها؟ وما قيمتها؟
الرأي والحقيقة
كان "أفلاطون" الفيلسوف اليوناني، يرى أن ما نراه ونعتقده ونظنه لا يمكن أن نثق فيه، فمعارفنا مرتبطة بما تعلمناه وسمعناه، والبحث عن الحقية يتطلب انقلابا جذريا ضد العادات والتقاليد، فالرأي هو الاعتقاد الذي لم يخضع بعد إلى محك السؤال والنقد؛ وحسب "أفلاطون"، لابد من التحرر من وهم وزيف عالم الحس والذهاب نحو الحقيقة العقلية الثابتة الميتافزيقية.
لكن ليس الحقيقة هي ما ينتمي للعقل وحده، لذلك يعتقد "باسكال" في "خواطره" أن العقل لا يمكنه معرفة كل شيء ولا يمكنه احتكار الحقيقة، فهناك طرق أخرى تؤدي إلى الحقيقة منها القلب أو العواطف أو الوجدان؛ ذلك أن حقائق العقل، والتي هي حقائق الاستدلال والبرهنة، تستمد من حقائق القلب، التي هي حقائق نحدسها بشكل مباشر دون الاستعانة بالاستدلال العقلي والرياضي، من هنا يمكن أن نتساءل لماذا يتعارض العلم مع الرأي؟
هل معرفتنا العلمية هي استمرار لمعرفتنا الأولية الانطباعية حول الأشياء؟
يرى "باشلار" الإبستمولوجي والفيلسوف الفرنسي، في كتابه "تكون الفكر العلمي"، أن العلم يتعارض مع الرأي، والرأي هو نتاج الانطباعات والاعتقادات المرتبطة بالتفكير التلقائي، فهو لا يفكر أو يفكر بشكل سيء.
من هنا نظرته الخاصة إلى تكون المعرفة العلمية، فعلى العالم، إذا أراد أن يكون معرفة موضوعية علمية، أن يتخطى عائق الرأي؛ فالحقائق العلمية هي أجوبة عن أسئلة محددة "فلا شيء يحدث تلقائيا، لا شيء يعطى، وإن كل شيء يبنى".
تركيب
تحاول الفلسفة البحث عن الحقيقة وتجدها في عالم غير معطى تبحث عنها بتجاوز عالم الرأي. لكن هناك حقائق يدركها القلب ويعجز العقل عنها، فالعقل يحتاج القلب لأنه ينطلق منها. بينما في المعرفة العلمية يكون الرأي عائقا أمام تكون المعرفة العلمية، فهو لا يفكر، وإذن ينبغي هدمه وتخطيه.
معايير الحقيقة
إذا كانت الفلسفة تبحث عن الحقيقة وتجاوز عالم الرأي، وتحكم على الخطاب بأنه حقيقي أو غير حقيقي، فمن أين تستمد الحقيقة قوتها؟ ما معايير الحقيقة؟
لقد أعلن "ديكارت" في "مقال في المنهج" عن ضرورة صياغة قواعد منهجية لبلوغ الحقيقة. فالمنهج هو تفكير منظم يقوم على أربع قواعد، وهي: قاعدة الشك، والتحليل والتركيب والمراجعة. وأساس بلوغ الحقيقة، هي فكرة البداهة العقلية. فما هو حقيقي هو بديهي يتميز بالوضوح، فكانت أول حقيقة فلسفية توصل إليها ديكارت هي الكوجيطو: "أنا أفكر إذن أنا موجود".
في نفس الاتجاه يعتقد "سبينوزا" أن ماهو بديهي يفرض نفسه بوضوحه التام، والحقيقة معيار ذاتها، فهي تظهر بذاتها مثل النور ولا تحتاج إلى ما يكشفها أو يؤكدها، بل هي التي تكشف كل شيء؛ والبداهة ليست هي ما يتبادر توا إلى الذهن كما اعتقد "ديكارت"، بل هي الحقيقة المفروضة على الذهن.
يقول "سبينوزا" إنه "بانكشاف النور ينقشع الظلام، فالحقيقة هي معيار ذاتها ومعيار الخطأ".
لكن هل ترتبط هذه الحقيقة بالبداهة العقلية فقط؟
قد تكون الحقيقة مادية ومعيار صدقها هو التجربة، إنها تتطابق ليس مع العقل ذاته، ولكن أساسا مع ما يثبتها في الواقع. وهذا ما أرادت أن تؤكد عليه الاتجاهات الاختبارية والعلمية التجريبية.
كما أن الحقيقة أيضا هي خطاب يرتبط بما يجلب للإنسان من نفع ومصلحة. فمعيار الحقيقة حسب الاتجاه البراغماتي هو صدقه الذاتي وما يجلبه من منفعة للإنسان. فالإنسان يبحث دوما عن حلول لمشاكله اليومية، وخطابه حول الحقيقة يربطه بالنتائج العلمية لكل قول؛ فقد يكون العلم والتقنية نافعين للإنسان لأنهما يقدمان حلولا لمشاكله اليومية، من هنا ارتبطت الحقيقة كذلك بالخطاب العلمي والتقني في مواجهه الخطابات النظرية والميتافزيقية.
تركيب
ترتبط الحقيقة بمعايير عديدة، كمعيار البداهة العقلية، الذي يعني مطابقة العقل لذاته، فالحقيقي هنا هو الصادق والخطأ أو الوهم هو ضد الحقيقة. كما أن الحقيقة ترتبط بالواقع عندما يكون معيارها مدى مطابقتها للواقع. وقد تكون كذلك نفعية عملية وذاتية عندما يكون معيارها المنفعة، ومن هنا يأتي القول "لكل خطاب أو قول حقيقة".
الحقيقة بوصفها قيمة
لم يرغب الإنسان في الحقيقة؟ وهل الحقيقة منفصلة عن اللاحقيقة والعنف والحرية؟
إن قيمة الحقيقة لا تتحدد في ضوء ما تقدمه من صدق وصحة، بل أساسا فيما تكشفه من أوهام وأخطاء. فالحقيقة هي استعارات حسية تحولت إلى حقائق صلبة بفعل التحويل والاستعمال. "فما ينتمي إلى طبيعة الأشياء ليس هو المعرفة، بل الخطأ".
والحال أن هذه النظرة السلبية للحقيقة لا تقف عند هذا الحد، فإن الوجه الآخر للحقيقة هو العنف، كما يؤكد "إريك فايل" في كتابه "منطق الفلسفة" أن الفلسفة تريد أن تفهم، إنها تفكر بواسطة الخطاب العقلي المعقول، ومقابل الحقيقة ليس الخطأ أو الكذب أو الوهم، بل العنف. ويكون الإنسان متطابقا مع ذاته، أي مع الخطاب المتماسك الذي يفكر في العالم، لأنه عالم الشقاء والجوع والعنف.
ومع ذلك من الصعوبة الفصل النهائي بين الحقيقة واللاحقيقية، فلا يمكن تحديد ماهية الحقيقة إلا إذا أخذنا اللاحقيقة بعين الاعتبار.
وإذا كان التيه هو بنية داخلية للكينونة، وهو مجال مفتوح لكل ما هو مضاد للحقيقة، وخاصة عالم الخطأ، فإن التيه بهذا المعنى، يكون جزءا من حقيقة الإنسان وعلامة على إبداعه وغناه.
إن الحقيقة مع "هايدغر" هي إقامة علاقة وطيدة بما يحيط بنا، والاقتراب أكثر من لغة الوجود. ومن ثمة فماهية الحقيقة هي الحرية والتأويل والتيه.
خلاصة عامة
انتقل خطاب الحقيقة من مشكلة المعرفة إلى مشكلة الوجود والقيم عندما أصبحت الحقيقة تأويلا وحرية ومواجهة للعنف واللامعنى.
إن اللاحقيقة لا تقوم خارج الحقيقة بل تنتمي إليها، لا يمكن تحديد ماهي الحقيقة إلا إذا أخذنا اللاحقيقة والتيه بعين الاعتبار، وما يقابل الحقيقة ليس هو الخطأ وإنما هو العنف.
كل مجتمع يبني حقائقه ويرسخها ضدا على حقائق أخرى، فالحقيقة نسبية ومتعددة، لذلك تبدو الحقائق محكومة بالسياق أو الجهة التي تصدر عنها، وبالمقابل يمكن القول إن الحقائق القائمة على البناء المنهجي والمفاهيمي والنقدي أكثر صلابة اليوم، كالحقيقة الفلسفية والعلمية.
تركيب مفاهيم مجزوءة المعرفة
ملخصات الفلسفة | تركيب مفاهيم مجزوءة المعرفة
أسئلة المجزوءة
يتميز الوجود الإنساني بأنه وجود معرفي إبستولوجي منتج للأفكار والمعارف والنظريات. ويتأسس هذا الوجود على نشاط عقلي يربط الإنسان بذاته وبالعالم، ويهدف إلى تفسير الواقع المحيط به، وإضفاء معان وقيم على هذا الواقع. وهو واقع يخضع الإنسان إلى تنظيم معرفته به وفق موضوعات ومناهج غايتها بلوغ الحقيقة.
كيف يبني الإنسان معرفته بالواقع؟ وما دور كل من العقل والتجربة في بناء هذه المعرفة؟
ما الذي يميز معرفته بذاته؟ وهل بالإمكان قيام معرفة علمية بالإنسان؟
هل غاية المعرفة بالواقع وبالذات هي بلوغ الحقيقة؟ وما دلالة الحقيقة هنا؟
المعرفة البشرية بين الموضوعية والذاتية
المعرفة البشرية باعتبارها معرفة موضوعية:
تتحدد المعرفة الإنسانية، من حيث هي معرفة علمية تجريبية بالواقع، بطابع الموضوعية عندما تتعامل مع الواقع بمناهج اختبارية تتأسس على التجريب، والصياغة الرياضية؛ إذا لا مكان في العلم للآراء الشخصية والأذواق وتأملات الذات.
كما تتحدد المعرفة الإنسانية، من حيث هي معرفة علمية بالإنسان، بطابع الموضوعية عندما يتم إخضاع الظاهرة الإنسانية لمناهج اختبارية تفسيرية من مناهج علوم الطبيعة.
وتأخذ الحقيقة طابعها الموضوعي عندما تكون العلوم نفسها موضوعية أو تعمل لأجل تحقيق ذلك.
فالحقيقة الموضوعية هي الحقيقة العلمية الرياضية والتجريبية التي تعبر عن الواقع في استقلال عن تدخل الذات.
المعرفة البشرية باعتبارها معرفة ذاتية:
على الرغم من الطابع الموضوعي الذي يميز المعرفة العلمية بالواقع، إلا أنه مع ذلك تحضر الذات بأشكال مختلفة في بناء المعرفة عقليا وعلميا. فالعالم لا ينصت إلى الطبيعة، بل يتوجه إليها ويستنطقها بوصفه ذاتا مشرعة، بل ويتجاوز موضوعية الواقع باستعماله لفروض وكيانات خيالية من إنتاج الذات.
أما في العلوم الإنسانية، فإن مشكلة الذاتية تطرح بوضوح أكبر. فالعالم الإنساني هو عالم يدرس ذاته وهو عضو في جماعة بشرية، مما يجعل هذه العلوم تبدع مناهج ذات خصوصية ترتكز على الفهم والدلالة والقيم. وهنا أيضا تأخذ الحقيقة طابعها الذاتي من خلال الرأي والمعرفة الوجدانية المتمثلة في التعاطف والتفهم.
التركيب
في مجال المعرفة الإنسانية، يصعب وضع خط فاصل بين ما هو موضوعي فيها وبين ما هو ذاتي بصفة مطلقة، بل يمكن التركيب بين مفاهيم الذات والموضوع، بين مبادئ الموضوعية ومبادئ الذاتية، باستحضار مفاهيم وقضايا مثل: الواقع المبني، والعقلانية المفتوحة، وعالم المعنى والدلالة، والنظريات المتغيرة والخاضعة للتكذيب، والحقائق النسبية، ومفاهيم الصيرورة، والتغير وعالم المعيش.
خلاصة
تفترض المعرفة البشرية مقاربة مفتوحة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، العقلي بالواقعي، الحقيقي باللاحقيقي. لذلك تبدو مفاهيم النظرية والتجربة، علوم الإنسان والحقيقة، مفاهيم مترابطة فيما بينها، يؤدي كل واحد منها إلى الآخر. ولهذا، يتطلب تحليل ومناقشة أحد المفاهيم استحضار المفهومين الآخرين بشكل مناسب.
12/01/2026