02/08/2026
قراءة في الهوية المعمارية والعمرانية لمركز بنغازي التاريخي
وُلدتُ في بنغازي إبان العهد الملكي، وغادرتها قبل انقلاب سبتمبر بعامٍ واحد لدراسة العمارة والتخطيط العمراني، أولاً في مصر ثم في الولايات المتحدة الأمريكية. أمضيت العقدين الأولين من عمري في قلب المدينة، متنقلاً بين زقاق القاضي وشارعي درنة وجمال عبد الناصر وتشكّلت ذاكرتي بين المدارس والحدائق والميادين ودور السينما وشاطئ البحر، وعرفت نبض الحياة اليومية من خلال العمل في العطلات الصيفية بمحال الأسرة في سوق الظلام وشارع عمر المختار وميدان الشجرة
ولم أكن أدرك آنذاك سر ذلك الإحساس العميق بالسكينة والانتماء الذي كانت تمنحه بنغازي. غير أن سنوات دراسة العمارة والمدينة كشفت لي أن السر لم يكن في جمال المباني أو حيوية الشوارع فحسب، بل في منظومة عمرانية متكاملة. فرغم ارتباطها بالمرحلة الاستعمارية الإيطالية، صاغتها نخبة من معماريي تلك الحقبة برؤية واعية احترمت تاريخ المكان ولم تقطع صلته بذاكرته. حافظت على المساجد والأسواق التاريخية والأحياء السكنية، ونسجت في الوقت نفسه نسيجاً حضرياً متجانساً جمع بين العمارة الإيطالية والمحلية، والمفردات المتوسطية والأندلسية، في توازن نادر. وقد أفرز هذا المزج مجموعة من المباني والميادين والشوارع التي صاغت هوية بصرية راسخة، وذاكرة جمعية لا تزال حية في وجدان أبنائها.
تجلّى هذا الإبداع في محور حضري رئيسي مكوّن من ثلاث مراحل، شُيّدت على امتداده وعمقه منشآت عامة وخاصة كوّنت منظومات متكاملة من الفراغات العمرانية. يبدأ المحور من المدخل الشرقي للمدينة وملعبها البلدي، قرب الموقع الذي يحتضن اليوم ضريح شيخ الشهداء عمر المختار، ويمتد عبر سلسلة من الشوارع والميادين حتى المسجد العتيق، الذي ظل النهاية البصرية والروحية للمشهد العمراني. وتفرعت من هذا المحور مسارات ثانوية نحو الكاتدرائية وفندق برنيتشي على الكورنيش، وأخرى نحو منطقة البركة، في شبكة حضرية متماسكة لم يكن فيها شيء وليد المصادفة، بل نتاج رؤية تخطيطية دقيقة.
وتمثلت روح هذا المحور في ثلاثة ميادين شكّلت قلب بنغازي التاريخي
ميدان الشجرة: التكوين شبه الدائري
لم يكن ميدان الشجرة مجرد فراغ عمراني، بل تكويناً معمارياً متكاملاً احتضنته مجموعة من أبرز مباني المدينة. في مقدمتها عمارة بن هلوم التي شيّدها الأخوان بروزدوشيمو، بواجهتها المنمقة بالتفاصيل وانحنائها المميز الذي يربط بين شارعي عمرو بن العاص وجمال عبد الناصر المتعامدين. ويقابلها عند هذا الانحناء مجلس الامة بأبراجه الستة ذات الأسقف الهرمية المستوحاة من الطراز الأندلسي، وإلى جواره مبنى مصرف الوحدة الحالي برواقه المميز وتشطيباته الخشبية، ثم عمارة طرخان التي تستكمل الإطار العمراني. وفي قلب هذا المشهد وقفت شجرة الصنوبر، التي غدت رمزاً للميدان وإحدى أكثر صور بنغازي رسوخاً في الذاكرة.
ميدان السلفيوم: أيقونة التصميم الحضري
مثّل ميدان السلفيوم نموذجاً في الدقة التخطيطية. قامت بنيته على محاور بصرية وحركية متعامدة، تتوسطها حديقة هندسية منخفضة عن منسوب محيطها، تتوسطها نافورة تعلوها نبتة السلفيوم، رمز المدينة التاريخي. امتد أحد محاوره من بوابة قصر المنار، ماراً بمنتصف الحديقة، ليصل إلى شارع عمر بن الخطاب "فيا تورينو" عبر ممر يخترق عمارتين متناظرتين. أما المحور العمودي فكان يمتد من عمارة لنقي إلى فندق إيطاليا، تلك الأيقونة الصرحيةالتي مثلت نموذجاً رائعا للعمارة الهجينة قبل هدمه وبناء عمارة الجبل الأخضر مكانه، ثم يتواصل هذا المحور بنفس الدقة نحو حديقة المرافق "الجاردينو" ومنه إلى سينما برنيتشي الذي جمع بين الأصالة والحداثة، لتتكون في النهاية منظومة حضرية بالغة الدقة والجمال.
ميدان البلدية: القلب الروحي والمدني
جسّد ميدان البلدية العلاقة العضوية بين المسجد العتيق وسوق الظلام والأحياء التاريخية المحيطة. لم يكن المسجد مجرد مبنى ديني، بل نقطة ارتكاز للمشهد العمراني ومحوراً تنتهي إليه الحركة والرؤية للقادم من شارع عمر المختار. وعُزّز هذا المحور بتضييق الجزء المؤدي إلى الميدان الواسع وإحاطته بشريطين متناظرين من المباني تظللهما أروقة ذات اعمدة رخامية. واستُكمل التكوين بتطوير مبنى البلدية ذي الأصل العثماني وإضافة مبانٍ تجارية وسكنية، ليغدو الميدان القلب النابض للحياة الدينية والمدنية.
وتتوالى على امتداد هذا المحور نماذج من المباني الصرحية والفراغات الحضرية خضعت جميعها لمبادي التصميم الحضري في علاقاتها البصرية والوظيفية بما يحيط بها أو يحاط به.
غير أن هدم العديد من المباني الأيقونية في عهد النظام السابق، وما أصاب المنطقة لاحقاً من دمار جراء الحرب على الإرهاب، أدى إلى انقطاع العلاقات البصرية والمكانية التي منحت المدينة شخصيتها المتفردة. ولم نفقد حجارةً فحسب، بل فقدنا لغةً عمرانيةً كاملة كانت تروي قصة تطور مدينة بنغازي في ذلك الوقت.
واليوم، ونحن نتطلع إلى إحياء مركز المدينة التاريخي، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل تُستعاد هوية المدن بإقحام عمارة غريبة عن المكان، أم بإحياء منظومتها المعمارية والعمرانية واسترداد العلاقات المكانية والبصرية التي صنعت ذاكرتها؟
إن إعادة البناء لا تعني استنساخ الماضي بحرفيته، ولا ترميم مبانٍ تاريخية بعينها بمعزل عن محيطها بل تعني استعادة جوهر الرؤية التصميمة الاصلية٫ والمبادئ والقيم التي جعلت من بنغازي مدينةً متفردة، بأيقوناتها المعمارية وفراغاتها الحضرية. فلا معنى لميدان الشجرة من دون عماراته التي تحتضنه، ولا لميدان السلفيوم إذا فقد محاوره وعناصره، ولا للمسجد العتيق إذا عُزل عن سياقه العمراني الذي منحه حضوره وهيبته.
قد تُهدم المباني، وقد تتغير الشوارع، لكن المدن العظيمة لا تموت ما دامت ذاكرتها حية في وجدان أبنائها. وبنغازي، التي صنعت هوية أجيال من أهلها، تستحق أن تُعاد إليها روحها قبل أن تُعاد إليها حجارتها. فالحجر وحده عمران، أما الحجر حين يحمل ذاكرة المكان، فإنه يصبح هويةً وتاريخاً، وانتماءً.
د.رفيق محمد علي مفراكس
رئيس جامعة برنيتشي للعمارة والعمران