13/03/2026
فقه الاتباع: زكاة الفطر بين توقيف السنة ودعوى المصلحة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن العبادات مبناها على التوقيف والاتباع، فلا يشرع منها شيء إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى:
"اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
رواه أبو داود (4607) والترمذي (2676) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني.
ومن أعظم ما يجب فيه الوقوف عند السنة: زكاة الفطر، فهي زكاة أبدان شرعها الله طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال:
"فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين".
رواه البخاري (1503) ومسلم (984).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
«فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين».
رواه أبو داود (1609) وابن ماجه (1827) وصححه الألباني.
فهدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبادة واضح، وقد عمل به الصحابة والتابعون من بعدهم، فكانوا يخرجونها طعاما، مع أن النقود كانت موجودة في زمانهم، والفقراء كانوا موجودين، والحاجة إلى المال قائمة، ومع ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه الراشدين أنهم أخرجوها نقودا، بل استمر العمل على إخراجها طعاما اتباعا للسنة.
أولا: هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة
ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يخرجونها طعاما كما ورد في السنة. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:
"كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب".
رواه البخاري (1506) ومسلم (985).
فهذا يدل على أن العمل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كان إخراجها من الطعام.
ثانيا: فقه إمام دار الهجرة مالك بن أنس
قال الإمام مالك رحمه الله:
"لا يجزئ الرجل أن يعطي مكان زكاة الفطر عرضا من العروض".
وقال: "وليس كذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم".
رواه سحنون عن ابن القاسم عن مالك في المدونة (1/385).
ونقل الإمام ابن رشد الجد رحمه الله عن مالك أنه سئل عن الرجل يعطي الدراهم في زكاة الفطر ويرى أنها أعجل للمساكين، فقال:
"لا يفعل، وليس كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم".
المقدمات الممهدات لابن رشد (1/236).
فالإمام مالك ـ مع عنايته بالمصالح ـ لم يترك النص الصريح لما يظنه بعض الناس مصلحة، بل قرر أن المصلحة الحقيقية في اتباع السنة.
ثالثا: قول جمهور الأئمة
قال الإمام الشافعي رحمه الله:
"ولا يجزئ في صدقة الفطر إلا ما أجزأ فيه النبي صلى الله عليه وسلم".
الأم (2/74).
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حين سئل عن إخراج الدراهم:
"أخاف أن لا يجزئه، خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
المغني لابن قدامة (3/87).
وهذا هو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة.
رابعا: محل الإجماع وموضع الخلاف
اتفق العلماء جميعا على أن إخراج زكاة الفطر طعاما مجزئ صحيح؛ لأنه الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام ابن المنذر رحمه الله:
"أجمعوا على أن صدقة الفطر صاع من طعام".
الأوسط لابن المنذر (4/230).
واختلفوا بعد ذلك في إخراج القيمة.
فذهب الحنفية إلى جواز إخراج القيمة، ورأوا أن المقصود إغناء الفقير.
قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله:
"وأما أداء القيمة في صدقة الفطر فجائز عندنا".
بدائع الصنائع (2/74).
لكن جمهور الفقهاء رأوا أن السنة إخراجها طعاما كما ورد في النص.
خامسا: اليقين والاحتياط في العبادة
بناء على ذلك فإن إخراجها طعاما هو المتيقن الذي تبرأ به الذمة باتفاق العلماء، لأنه الموافق للسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما إخراج القيمة فهو محل اجتهاد وخلاف بين الفقهاء.
ولهذا كان منهج السلف تقديم النص والتمسك بالسنة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
فحافظوا على سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأدوا زكاة الفطر كما شرعها طعاما من قوت البلد، لتكون طهرة لصيامكم واتباعا لهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم.
والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جمعه وأعده
أ. محمد بن عقيل العماري