19/04/2026
هي الوفاء… كما عهدناها دومًا، لا تنحني، ولا تساوم، بل تعبّد دروب الشهادة بقلوبٍ صابرة، وتمضي مزفوفةً على أجنحة الفقد نحو الخلود…
هي الوفاء حين تُنتزع الأم من حضن الحياة، ومعها فلذات قلبها، لا لأنهم ضعفوا، بل لأنهم كانوا أطهر من أن يبقوا في عالمٍ أثقله الظلم…
خديجة… يا وجع الأمهات كلّهن، كيف اتّسع قلبك لكل هذا النور، ثم رحلتِ دفعةً واحدة تاركةً خلفك هذا الفراغ الذي لا يُملأ ؟
كنتِ ظلّهم ودفئهم، وكنتِ الحكاية التي احتموا بها من قسوة الأيام… فكيف للأيام أن تقسو عليكِ أنتِ ؟
وزينب… يا زهرةً لم تُمهلها الحياة لتتفتح، ويا حلمًا صغيرًا خطفه الغدر قبل أن يكبر…
ومحمد… يا سندًا كان يُراد له أن يشتدّ، فإذا به يُرفع إلى السماء قبل أن يكتمل رجولته…
ونرجس… يا براءةً كانت تضحك للحياة، فبكتها الحياة بأكملها…
رحلتم معًا… وكأنّ القدر أبى إلا أن يجمعكم حتى في الشهادة، لتكونوا حكايةً واحدة، ووجعًا واحدًا، وخلودًا واحدًا…
غارةٌ غادرة سرقت أجسادكم، لكنها عجزت أن تطفئ نوركم، أو تُسكت صدى أسمائكم في القلوب…
ارتقيتم إلى جنان ربكم، حيث لا خوف ولا ألم، حيث الروح والريحان، حيث العدالة التي حُرمتموها هنا…
لكنكم تركتم فينا ما لا يُحتمل… تركتم أماكنكم فارغة، وأصواتكم غائبة، وضحكاتكم عالقة في الذاكرة كطعنةٍ لا تندمل…
أيّها الشهداء… يا خديجة وأبناءها، لم تكونوا أرقامًا عابرة، بل كنتم حياةً كاملة اختُصرت بلمح البصر…
وها نحن، بين ركام الفقد، نحاول أن نلملم ما تبقّى من قلوبنا، ونحمله وفاءً لكم…
سيبقى دمكم عبقًا لا يزول، يفيض فينا عزّةً كلما تذكّرناكم، ويعلّمنا أن الوفاء ليس كلمة… بل طريقٌ مفروشٌ بالألم، نمشيه لأنكم سبقتمونا إليه…
سلامٌ عليكم يوم ولدتم، ويوم ارتقيتم، ويوم تبعثون أحياء…