01/05/2026
مدارس جنوب لبنان تواجه خطر الإفلاس والإقفال
النهار هذا الصباح
كلُّ المدارس من صيدا باتّجاه الحدود الجنوبيّة مقفلة. انتقل التعليم فيها من حضوري إلى تعليم من بُعد أو إلى إقفال. البيئة المدرسيّة تفكّكت عندما نزح التلامذة والأساتذة. الهويّة المؤسسيّة للمدرسة ضاعت عندما تحوّلت المدرسة إلى مركز إيواء أو إلى بناء مُدمّر. التحدّيات مقلقة، الأمنيّة تأتي في رأس اللائحة. المدارس في الجنوب تعاني من عدم القدرة على فتح أبوابها بانتظام بسبب الخطر على سلامة التلاميذ والمعلّمين في غياب ضمانات واضحة للاستمراريّة.
هناك أيضًا تحدّيات ماليّة، فتحصيل الأقساط متوقّف بينما تستمر الالتزامات التشغيليّة للمدارس، الأمر الّذي يبدو معه خطر الإفلاس أو الإقفال النهائي وشيكًا.
التحديّات التربويّة ليست قليلة. الفاقد التعلُّمي-التعليمي كبير، والتفاوت ما بين جودة التعليم من بُعد وجودته حضوريًّا مقلق في مدارس المناطق الساخنة. لا تقييمات عادلة لأداء التلاميذ. ولنتذكّر أنّ من سيتخرّجون هذه السنة أصابهم الفاقد التعليمي مرّتين، المرّة الأولى في زمن الكورونا، والمرّة الثانية منذ تشرين الأول 2023.
وأمّا تحدّيات الموارد البشريّة فموجعة. المدارس تعاني من نزوح المعلّمين في وقت باتت قدرتها على تسديد الرواتب ضعيفة جدًّا. المدارس تطلب من المعلّمين أن يعلّموا "أونلاين" من مقرّات إقاماتهم الجديدة فيما الأهل لا يسدّدون الأقساط! فكيف السبيل إلى تسديد مستحقّات المعلّمين في هذا الوضع والحرب طالت؟ الأمر أنتج تراجع الدافعيّة لدى الكادر التعليمي!
التحدّيات النفسيّة والاجتماعيّة كثيرة هي الأخرى. الضغط النفسي على التلامذة والأهالي يتزايد في ظلّ فقدان البيئة الآمنة والداعمة. ويُخشى أن ينتج هذا الأمر ارتفاع حالات التسرّب المدرسي.
لا أُريد أن أطالب الدولة بحلول معجزيّة وكلّنا نعرف الوضع المأزوم. لكن هناك بعض الأمور غير المستحيلة الّتي تستطيع الدولة أن تقرّرها والتي من شأنها بلسمة جرح بات ثخينًا.
تربويّاً، بإمكان الحكومة توضيح مصير الإمتحانات الرسميّة فلا تُبقيها في دائرة الضبابيّة وخصوصًا امتحانات الشهادة المتوسّطة. لمَ التأخُّر في إصدار التوجيهات حول الامتحانات الرسميّة؟ التأخّر يربك هذه المدارس المربَكة أصلًا. وبالنسبة للثانويّة العامّة، لمَ لا يتم تثبيت الامتحانات مع تخفيف المناهج مثلاً؟ لماذا الانتظار ونحن بتنا في بداية أيّار؟
ماليّاً، لوزارة المال حصّة أيضًا لجهة تيسير الأمور. هناك مدارس مجّانيّة كثيرة في الجنوب لم تُصرف مستحقّاتها المتأخّرة منذ الـ 2019، لماذا لا تُصرف الآن؟ وفي موضوع الضرائب، لم لا تلجأ الحكومة إلى إقرار تسهيلات ضريبيّة مؤقّتة للمدارس الخاصّة الجنوبيّة؟ ولقيادة الجيش دور أيضًا، ففي وضع صعب جدًّا على المدارس، لماذا لا يتم تحويل المساعدة الماليّة المخصّصة لأولاد العسكريّين إلى المدارس مباشرة؟ هذا يضمن وصول شيء من السيولة إلى الإدارات، الأمر الذي يمكنها من تسديد أجور المعلّمين والإداريّين.
اجتماعيًّا، ألا تعتقدون أنّ قسمًا من معلّمي المدارس الخاصّة يستحقّون أن يشملهم برنامج دعم مثل "أمان"؟
إداريًّا، إذا كان اعتماد قرارات لامركزيّة تراعي خصوصيّة كل منطقة صعبًا في الوقت الحاضر لمئة سبب وسبب، فلنسارع إلى إشراك المدارس الخاصّة في الجنوب في صياغة الحلول. هُم أدرى بالوضع.
المدارس الخاصّة في الجنوب ليست مجرّد مؤسّسات تعليميّة. هي ركيزة استقرار اجتماعي وتربوي، يتطلّب إنقاذها قرارًا سياسيًا ودعمًا ماليًا ومرونة تربويّة. إن لم تُتَّخذ إجراءات استثنائيّة اليوم، فإننا لن نخسر المدارس فقط، بل نحن نعرّض مستقبل أجيال كاملة للخطر.
سمير قسطنطين
24/04/2026
الكلُّ في حالة تراجع، ما العمل؟
النهار
قبل أن تبدأ الحروب تسمع من كلّ طرف عن استعدادات عالية للقتال من شأنها أن تخيف العدو أو تربكه في الحدّ الأدنى. وعندما تبدأ الحروب تسمع كلاماً ذا سقوف عالية جدّاً من طرف واحد أو من الطرفين المتنازعَين.
قبل خمسة أشهر من بدء "طوفان الأقصى"، نظّم حزب الله أكبر مناورة علنيّة في تاريخه تحت عنوان "سنعبرُ". في المقابل، وقبل بدء الجولة الأخيرة من القتال في جنوب لبنان تحديداً، هدّدت إسرائيل بجعل الضاحية الجنوبيّة كمدينة رفح أي مُدمّرة بشكل شبه كامل. لكن لا الحزب عبرَ إلى الجليل ولا إسرائيل سوّت الضاحية بالأرض. إقليميّاً، عند بدء حرب أميركا مع إيران، أعلنت الولايات المتّحدة أنّ الحرب ستمتدّ لأربعة أيّام، ومن ثمّ قالت إنّها ستستمرّ بين أربعة أسابيع وستّة. إيران من جهتها قالت إنّها ستلقّن الأعداء درساً موجعاً. ماذا جرى؟ مضى على الحرب ثمانية أسابيع ولم تستطع أميركا حسمَ حربها، وفي المقابل لم تستطِع إيران تلقين العدوّ درساً لن ينساه. فبوارج أميركا تملأ البحار، وطائراتها تسيطر على الأجواء الإيرانيّة بالكامل. وفيما أميركا تبدو محتارة حول الخطوة التالية، تبدو إيران في المقابل مُحاصَرة، وقدراتها العسكريّة والإقتصاديّة أقل بكثير ممّا كانت عليه.
نأتي إلى لبنان. قُبيل الحرب قالت الدولة اللبنانيّة إنّها سيطرت بالكامل على منطقة جنوب الليطاني ليتبيّن فيما بعد أنّ هذا الكلام لم يكن دقيقاً، والدليل هو استمرار وجود سلاح حزب الله في تلك المنطقة. لم يعد الجيش موجوداً في المناطق التي انتشر فيها سابقاً للمرّة الأولى منذ زمن "فتح لاند". حزب الله من جهته، وقُبيل بدء "طوفان الأقصى"، كان متمركزاً على الحدود الجنوبيّة كلّها من رأس الناقورة إلى مزارع شبعا. بعد الجولة الأولى الّتي انتهت في تشرين الثاني 2024، باتت إسرائيل موجودة في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانيّة، ومن ثمّ في تسعٍ. في الجولة الثانية التي انتهت إلى وقف ثانٍ للنار لم يُنفّذ حتّى الآن، باتت إسرائيل تحتلّ خمسماية كيلومتر مربّع من الأراضي اللبنانيّة، فيما خسر الحزب جزءاً أساساً من خطّ الدفاع الثاني.
ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أنّ الجميع متراجعٌ إمّا على صعيد تحقيق الأهداف المعلنة، أو في السيطرة الميدانيّة، أو في الإثنتين. يمكن للأطراف كافّة أن تقول ما تشاء لكن الواقع في هذه اللحظة، على ما أعتقد، مخيّب للجميع.
ماذا تفعل الأطراف عندما تتراجع أو عندما تنخفض سقوف أدائها حتّى ولو بقيت سقوف الكلام عاليةً؟ يقول مثل قديم "ليس كل مُنسحِب جباناً، ولا كلّ ثابت شجاعاً، فبعض الانسحاب شجاعة، وبعض الثبات جُبن".
هل تستطيع الأطراف كافّة النزول عن الشجرة أو أنّها ستبقى في دائرة الإستنزاف؟ وهل لهذه الأطراف القدرة على التفاوض وتقديم التنازلات بهدف الوصول إلى حل؟ أو أنّها ترغب في خوض حروب أبديّة فتصبح معها القوّة المعيار الأساس للتفاوض؟ من سيكون له المساحة الأقوى في المرحلة المقبلة، العقل أم القوّة؟ ولمن ستكون الكلمة الأخيرة، أللّذين لا يرون الدنيا إلّا من نافذة واحدة أم لأولئك الّذين يستطيعون التفكير في أكثر من حلٍّ للمشكلة عينها؟ الخيار الثاني يتطلّب عُقّالاً لا انفعاليّين، وأشخاصاً متواضعين لا يعتبرون النزول من على صهوة الحصان عاراً.
سمير قسطنطين
18/04/2026
العروبة في غيبوبة - النهار
عندما بدأت حرب السنتين، كنتُ في عُمرِ الفتوّة، وأذكُرُ أنَّ اللّبنانيّين انقسموا وقتها بين عُروبيّين وغير عُروبيّين. أمّا العُروبيّون فقد مثّلتهم مُنظّمة التّحرير الفلسطينيّة وحلفاؤها اللّبنانيّون، وتحديداً الحزب التَّقدُّمي الاشتراكي، والحزب الشّيوعي اللّبناني، والحزب القومي السُّوري، والمُرابطون. وفيما بعد، دخَلت على الخط حركة أمل كجناح عسكري لـ"حركة المحرومين" واكتسبت موقعها على الخارطة السّياسيّة اللّبنانيّة.
يومها كان الفريقُ العُروبي يَتَّهِم الفريق غير العُروبي بالصّهيونيّة والإمبرياليّة والإنعزاليّة والطائفيّة. لكنّ هذا الفريق لم يشرح لنا يوماً التّوصيف الحقيقي لكلمة "العُروبة".
رافَقَ استعمال هذا المصطلح صُوَرُ قادةٍ عرب أحبَّهم "العروبيّون" ربّما أكثر ممّا أحبّوا فكرة "العروبة" نفسها. كان من الأسهل على "العروبيّين" الحديث عن عظمة هؤلاء القادة من شرح مصطلح العُروبة أو فكرتها. في الستّينات من القرن الماضي، ارتبطت العُروبة بصورة جمال عبد الناصر، وفي بداية السبعينات ارتبطت بصورة "أبو عمّار"، وفي النّصف الثّاني من السّبعينات ارتبطت في ذاكرتي بصورة حافظ الأسد. لم ترتبط عبارة العروبة يوماً في أذهان العُروبيّين بصورة أيّ رئيسٍ لبناني وإن كان الرئيس كميل شمعون لُقِّب بـ"فتى العروبة الأغر" لفترة قصيرة من الزمن قبيل انتخابه رئيساً للجمهوريّة. لم يرتبط لبنان كوطن وكدولة في فكرهم بتعبير العروبة. كانت مصر تحديداً بالنسبة إليهم هي المثال الأوضح، إلى أن وقّع أنور السادات اتّفاق السلام مع إسرائيل عام 1978. مرّت الأيّام، وصار هذا المفهوم cliché يُستعمل من دون إدراكٍ كامل لمعناه أو غايته.
العروبة بالنسبة لي، هي هوية ثقافيّة لغويّة واسعة، تشكّلت عبر تراكُم تاريخي طويل، وتتّسم بالتنوّع داخل إطار جامع، أساسُه اللّغة العربيّة والانتماء الحضاري المشترك. لم أرَ العروبة هكذا في حياتي كلّها. رأيتها وقد تحوّلت إلى عنوانٍ تنافسيّ. فمثلاً أذكرُ أنّنا في سنوات الحرب سمعنا مراراً نقاشات حول "تعريب" الأزمة اللبنانيّة أو "تدويلها". المسيحيّون غالباً ما مالوا إلى "التدويل"، فيما أراد المسلمون، بدعمٍ من منظّمة التحرير الفلسطينيّة، "تعريب" الأزمة، أي إبقاء الحلول في يد العرب، وتحديداً في إطار جامعة الدول العربيّة.
مع انتهاء الحرب، لم تختفِ هذه المقولات، بل ظهرت بأشكال أخرى. فعندما وضعت الدولة اللبنانيّة المناهج التربويّة عام 1997، رغب بعض اللبنانيّين في اعتماد اللغة العربيّة في امتحانات المواد العلميّة في الامتحانات الرسميّة، كما هي الحال للإنكليزيّة والفرنسيّة. درّسَت بعض المدارس المواد العلميّة بالعربيّة فعلاً في الصفوف. لكن سرعان ما أعادت المدارس النظر في هذا الخيار إذ لم يُحقّق النتائج المرجوّة لمستقبل الطلّاب، فعادت إلى التدريس باللّغات الأجنبيّة.
منذ ذلك الحين، بدأ وهج طرح "التعريب" يخبو تدريجاً، لا لأنّه تبدّل فقط في لبنان، بل لأنّه كان فقد الكثير من بريقه منذ زمن. لم نعد نسمع بـ"تعريب" الأزمة اللبنانيّة، ولا بـ"تعريب" القضيّة الفلسطينيّة. غابت هذه المفردات عن التداول، لتحلّ مكانها تعابير أخرى متكرّرة.
ماذا حدث للعروبة؟ هل كانت فعلاً واضحة المعالم عندما طُرحت في لبنان على نطاق واسع؟ أو أنّها كانت مرتبطة بالأشخاص أكثر من كونها مشروعاً فكريّاً ثقافيّاً متماسكاً؟ وهل اختفت اليوم، أو أنّها في حالة غيبوبة؟ أين جامعة الدول العربيّة؟ وأين دورُها؟ يكاد يكون غائباً في أحسن الأحوال. لعلّ العروبة اليوم … في غيبوبة أيضاً.
سمير قسطنطين
03/04/2026
بين جنوب خالٍ من السلاح وجنوب خالٍ من الدولة والناس - النهار
لبنان في عنق زجاجتين، واحدة محليّة وأخرى إقليميّة. لا اهتمام فعليّاً به من أحد، أشقيقاً كان أم صديقاً. لا زيارات دوليّة ذات أهمّية، ولا تصاريح تنعش الروح، لا من داخل الحدود ولا من خارجها. لبنان متروك بشكل كامل. تُذكّرني هذه الحالة بما كنّا عليه في حرب السنتين.
منذ خمسة عشر شهراً وحتّى اليوم، نحن كنّا أمام خيارين لا ثالث لهما على ما يبدو. الخيار الأوّل كان بسط سيادة الدولة اللبنانيّة على كامل أرض الجنوب ومصادرة السلاح غير الرسمي بالكامل. كان الهدف مقبولاً من لبنانيّين كثيرين والمجتمع الدولي. في تلك الفترة لا إسرائيل احترمت الـ 1701 ولا حزب الله قبِل بتفسير الحكومة اللبنانيّة للـ 1701. إسرائيل استندت إلى ملحقات غير معلنة للناس في لبنان لكي تغتال عناصر الحزب وتقصف بنى تحتيّة تابعة له. الحزب في المقابل اعتبر أنّ الاتّفاق يقتصر على جنوب الليطاني ولا يشمل شمال النهر وسائر الأراضي الّلبنانيّة. في هذه المعمعة اندلعت الحرب وبات الحديث عن تفسير الـ 1701 غير ذي جدوى. في كلّ الأحوال، يبدو هذا الخيار، خيارُ "جنوبٍ خالٍ من السلاح"، غير مطروح الآن.
وأمّا الخيار الثاني فهو جنوبٌ خالٍ من الدولة والناس. ففي ظلّ التوتّرات الحاليّة، يواجه الجنوب نزوحاً كبيراً وتدميراً للبنية التحتيّة، ما يثير مخاوف من إفراغه من سكّانه. ليس ذلك فحسب، بل أنّ الدولة، ومعها رمزها الأوّل الجيش، تبدو يوماً بعد يوم أكثر انسحاباً من الجنوب. التغيير الديموغرافي هائل. دمار البيوت في قرى القتال موجع. انسحاب الجيش أو إعادة تجميع القوى، لا فرق، لا يُطمئن. آخر مظاهر الحياة في الجنوب تخبو يوماً بعد الآخر. هذا وضعٌ لم يختره اللبنانيّون الّذين وجدوا أنفسهم في حالةِ "لا حول ولا قوّة" في حربٍ فُرضت عليهم. لا شيء يوحي بأنّ إسرائيل ستوقف تنفيذ خطّتها في وقت قريب بجعل الجنوب أرضاً محروقة من دون جيش ولا ناس.
في هذا الوقت بالذات لا تتوفّر أمام لبنان خيارات كثيرة. يسعى الحزب إلى تحقيق خيار ثالث وهو الصمود، لكن الصمود بحدّ ذاته يصبّ في مصلحة الخيار الثاني. الكلفة عالية والصمود بحدّ ذاته ليس مهمّاً مقارنة بهدف سابق وهو التحرير والسيادة.
نحن عمليّاً أمام خيارين، أحلاهما مر. الخيار الأوّل، خيار الجنوب الخالي من السلاح، كان بيدنا كلبنانيّين، لكنّه تبخّر الآن. وأمّا الخيار الثاني، خيار الجنوب الخالي من الدولة والناس، فهو ليس في يدنا ولا تأثير حقيقيّاً لنا فيه اليوم. نحن هنا الآن وقد وصلنا إلى انتقاءات صعبة، هذا إذا بقيت لنا حرّية الانتقاء.
سمير قسطنطين
27/03/2026
حرب إيران جزء من كلٍّ في حروب أميركا .. ليست هي الهدف الوحيد - النهار
بحسب الظاهر، نحن في حرب. لكن في الواقع، نحن في مرحلة أعمق من ذلك بكثير. نحن في زمن "فرض أميركا سيطرتها وحيدةً على العالم". العالم يتفرّج منذ فترة. يصمت ويتراجع خطوات إلى الوراء. يراقب قراراتٍ خارج المنطق.
فنزويلا مثلاً. أميركا تبيع النفط الفنزويلي! القرار غير منطقي. الصين وروسيّا الّلتان تتأثّران بعائدات النفط، صمتتا. كذلك صمتت أوروبا الّتي ستُسرُّ إذا تعثّر ترامب في إيران. لكنّ شهرزاد لا تجرؤ على الكلام. أوروبا لن تنسى أنّ أميركا سخّفت الناتو. أضعفته. أوروبا تسمع ترامب يقول إنّه يريد أن "يستعيد" بنما، وأن يسيطر على غرينلاند، وأن يضم كندا فيما الأمم المتّحدة صامتة. غوتيريش يبكي أو يتباكى. غير فعّال.
وماذا عن إسرائيل؟ حتّى إسرائيل تبدو ثانويّة من حيث الأهمّية. يبدو جيشها وكأنّه فرقة في الجيش الأميركي. رأي إسرائيل في عهد ترامب غير ذي أهمّية.
دول الخليج، الأكثر تضرّراً ممّا يجري. محرجة. هي غير قادرة على القبول ضمناً باندثار القضيّة الإسلاميّة الأهم، القضيّة الفلسطينيّة. إسرائيل تريد التطبيع مع الخليج لكنّها لا تعطي دُوَلَه أيّ تنازل في فلسطين. إيران من جهتها، تتعاطى مع الخليج بفوقيّة وتعتدي عليه. لا يقدر الخليج أن يعلن الحرب على إيران ولا هو قادر على الصمت. محرجةٌ هي دولُه. حتّى في إعلامها، لا تهجّمَ واضحاً على إيران. "بدُّن السترة". هي "لا مع ستّي بخير ولا مع سيدي بخير". ترامب لم يستشرها قبل إعلان الهجوم. لا تقدر أن تجازف مع ترامب ولا تستطيع أن تعانده.
لكن مهلاً. هل ترامب هو "القصّة كِلّا"؟ طبعاً لا. هو الصورة فقط. في العمق، القرار بيد "الدولة العميقة". لا يمكن أن يكون القرار بيد الرئيس الأميركي، وأن تكون استراتيجيّة السيطرة على العالم بيد شخص يُسرّ بموت روبيرت مولر الرئيس السابق للـ FBI، أو يتماحك مع صحفي مُنتدب إلى البيت البيض.
لا أستطيع أن أُصدّق أنّ أميركا "عتلانة هم" طول الحرب. في إيران، أميركا تُدمّر الثكنات والأسطول البحري وسلاح الطيران وتغتال القادة. هل سيأتي وقت مصافي الغاز والنفط؟ من يدري. طبعاً كلّ من يعلن الحرب يرغب في إنهائها بأقلّ وقت ممكن وبأقلّ خسائر ممكنة. لكن أميركا "مرتاحة عَ وضعها". برميل النفط الآن في سقف المئة دولار. الإيرانيّون كانوا هدّدوا بإيصال سعر البرميل إلى مئتي دولار. "بعدو دَحَّا".
في مرحلة تثبيت سيطرة أميركا على العالم، لن تكون كلّ المعارك على شاكلة معركة فنزويلا، ولن يكون مصير القادة بالضرورة كمصير مادورو. هناك أفخاخٌ كثيرة ومطبّات، وفي أيّام معيّنة ستبدو الخطّة وكأنها تعثّرت. لكن القرار الأميركي ثابت وهو مسك القرار الإقتصادي العالمي والسيطرة العسكريّة.
حرب إيران قد لا تكون الأخيرة بالنسبة لأميركا. هذا لا يعني أنّي مسرورٌ بذلك. أنا أُحاول فقط أن أقرأ في ما يجري. لذا أعتقد أنّ الحرب طويلة. الّذين يراهنون على شخصيّة ترامب المثيرة للجدل ويظنّون أنّه سيضجر من الحرب ويضع حدّاً لها، لا يراهنون على واقع بل على أمنيات الـWishful Thinking.
الحرب طويلة، هدفها الاستراتيجي أبعد من إيران ومن مضيق هرمز. فهل يتحقّق الهدف الأميركي؟ من يدري ماذا يخبّئ الغد للعالم وللبنان ولنا ولأولادنا!
سمير قسطنطين
30/12/2025
اليونيفيل ... "لا مع سيدي بخير ولا مع ستّي بخير"
النهار
ببساطة لا أحد يريد "اليونيفيل" كما هي اليوم. يريدونها نسخةً معدّلةً تناسب قناعاتهم وأولويّاتهم. الكلُّ يطلق النار عليها ويخوّنها أو يستضعفها في أحسن الأحوال. الحرب الأخيرة كشَفَت، وللمرّة الأولى، عن استياءٍ إسرائيلي منها. لم يطلق الإسرائيليّون النار على قوات اليونيفيل قبلاً. لم يستهدفوا مراكزها بهذا الشكل من قبل. لكن القوّات الدوليّة وثّقت مؤخّراً اعتداءات إسرائيليّة عديدة عليها، وندّدت بها أكثر من مرّة. إسرائيل تعتبر أنّ حزب الله بنى ترسانته جنوب الليطاني على مرأى ومسمع جنود القوّات الدوليّة منذ العام 2006 وحتّى العام 2024 تاريخ اندلاع حرب الإسناد لغزّة. بالنسبة لإسرائيل، فإنّ هذه المسألة كافية لكي ترغب في رحيل القوّات الدوليّة. أضف إلى ذلك، فإنّ إسرائيل تعتبر أنّ اليونيفيل تعيق ضرباتها لحزب الله وتمنع عليها بناء منطقة عازلة بينها وبين مقاتلي الحزب إذ إنّ اليونيفيل تريد أن تتحرّك بحريّة في مناطق الجنوب التي حدّدها القرار 1701. إسرائيل تريد التخلّص من الدور الرقابي لقوّات اليونيفيل لكي "تسرح وتمرح".
موقف حزب الله من اليونيفيل ليس أفضل حالاً. كلّنا نذكر حادثة مقتل الجندي الإيرلندي في مثل هذه الأيّام قبل ثلاث سنوات. هذا كان قبل حرب الإسناد. بعد توقّف الأعمال العدائيّة بين إسرائيل وحزب الله اعترض شبّان يُعتقد أنّهم مناصرون للحزب، دوريّات القوات الدوليّة في أكثر من قرية جنوب الليطاني بحجّة عدم مرافقة الجيش اللبناني لها. باختصار يتعاطى الحزب مع القوّات الدوليّة على أنّها تنقل أخبار القرى والتنقّلات إلى إسرائيل، فيما تعتبر إسرائيل القوات الدوليّة بأنّها مغمضة العينين عن تحركّات حزب الله.
الأميركيّون ليسوا أفضل حالاً مع اليونيفيل. فهم انتقدوا فاعليّتها مراراً وتكراراً ونسبوا إليها الفشل في الحدّ من تعزيز "حزب الله" لوجوده العسكري في جنوب لبنان. وبفضل الضغط الأميركي قرّر مجلس الأمن تمديد ولاية اليونيفيل للمرّة الأخيرة، حتى نهاية الـ 2026 مع خطّة انسحاب تدريجي.
ببساطة اليونيفيل الّتي قدّمت خدمات لا تُعد ولا تُحصى للجنوبيّين من دون التمييز بين بلدة شيعيّة وبلدة أخرى مسيحيّة أو درزيّة، "مِش عَاجبا حدا". الجنوبيّون الّذين استفادوا بكمٍّ كبير من المال الّذي أنفقه جنود اليونيفيل في الجنوب، ومن الوظائف الّتي وفّرتها القوّات الدوليّة لهم، لم يوجد بينهم أشخاصٌ يدافعون عن وجود القوّات الدوليّة.
الآن بات هناك إجماعٌ على ضرورة انسحاب القوّات الدوليّة من الجنوب تدريجاً إلى أن نصل إلى مثل هذا الوقت من العام المقبل فتكون كلّ القوّة قد انسحبت.
لكن مهلاً! الدول لن تترك الجنوب وهي ستبقى بشكلٍ أو بآخر. هذا ما توحي به التصريحات الدوليّة. لمن ستكون الإمرة؟ لا أحد يعرف. ما هي جنسيّات القوات الّتي ستبقى؟ الله وحده العليم. لمن ستقدّم هذه القوّات تقاريرَها؟ الجواب غير واضح حتى الآن. هل سنندم جميعاً على "تطفيش" القوّة الدوليّة الحاليّة؟ ربّما، لكن لات ساعة مندمِ.
سمير قسطنطين
19/12/2025
عبثيّات ميلاديّة
يأتي العيد
كأنّه لم يصل بعد،
أتُراه لن يأتي؟
لعلّه لا يُريد أن يأتي!
******
تزورنا يا "سيّد"
كأنّكَ ...
"إجِر لقدّام وإجِر لَوَرا".
تنظرُ إلينا
تَرانا ضعفاء،
لكنّنا نُكابر في الوَهَن
نرفض أن نتّضع فنطلبَ قوّتك ...
تجدُنا حزانى
لكن ... كأنّنا استَسَغْنا الأسى.
ترانا مُشتَّتين
لكنّنا غيرُ آبهين للمّ الشمل.
أهوَ يأسٌ يحاصرُنا؟
أم هو صَلَفٌ يكتنفُنا؟!
أم هوَ جهلٌ متأصِّلٌ؟
أم هو قَدرُ "قبل العاصفة" أو فيها؟
******
الصلواتُ ميلاديّةٌ ...
جميلةٌ.
الأدعيةُ ... من لون الرجاء،
تملأُ المكان ...
أذكر أنّنا صلّينا هذه الصلوات قبلاً!
أنشَدْنا تراتيل الذكريات منذ أزمان.
كأنّها لم تكن مُستَجابة!
ألعلّك لم تُرِد الاستجابة؟
أم لعلّنا ما كُنّا جدّيين؟
لا أدري.
******
من أنت؟
من أنتَ يا "معلّم"؟
هل ندركُ من أنت؟
لا أدري
رحمتُك الواسعة ...
أنحنُ في استكانةٍ إليها؟
أم نحن لا مبالون؟
من يدري؟
******
في هذا الوِسعِ
لا أُريد أن أُضيّعَكَ.
في قعرِ الضّعف
أرجوك لا تتركني.
أعبثيٌّ أنا؟
لا أعتقد ذلك،
لكن من يستطِع أن يجزمَ أنّي لستُ كذلك؟
******
أَتَرى يا "مخلّص"؟
إنّي أُناجيكَ من جديد.
أجِدُني متلِّبساً بالاقتراب منك،
"أكتشِفُني" وأنا ألتحف حُنوَّك.
أَتُراه الرجاءُ يحدوني!؟
هذه المرّة أُريد أن أدري.
أرغب لمرّةٍ جديدة
أنّ اليقينَ يغمرُني.
س.ق.
ميلاد 2025
14/12/2025
القلق من دون الله
يزوركَ القلقُ من دون دعوة ولا موعد
زائرٌ ثقيلُ الظلّ
يستوطنُ ذهنَك من دون استئذان
لا يُعلِمكَ مسبقاً بأنّه باقٍ لأيّام طوال.
الزائر المزعج
يجعلكَ تدركُ كم أنتَ هشٌّ،
فتتذكّر من جديد كم أنتَ "لا شيء".
كانت هذه قناعتُكَ طوال سنيّ العمر
لكن القلق يجعلها حقيقةً دائمة الحضور في ذهنِكَ وقلبك وروحك الّتي تسعى جاهداً كي لا تتيه.
فجأة يصبح النوم العميق مُبتغاك الأفضل.
تُريد للآتي من الأيّام أن يعبرَ بسرعة الضوء،
لكن مِشيةَ القلق مشيةُ سلحفاة!
في لحظة كهذه ترجو أن تكون في حلم حتّى ولو كان كابوساً.
ترجو أن تستفيق منه وتقفزَ إلى الحياة الطبيعيّة،
لكن ذلك لا يحصل.
في إنهاككَ وضعفك،
تحضرُ فجأة في لاوعيِكَ كلماتٌ ردّدتَها في صِباك:
"يا ساكن العالي
طِل من العالي
عينك علينا"...
تُدركُ حاجتكَ إليه
توقن أنّه أكثر التصاقاً بك من قلقكَ
تعلمُ أنّه الله!
تشكرُه
تريدُ أن تغطّ في نوم عميق.
س.ق.
14 كانون الأوّل 2025
28/11/2025
"تفسيدةُ" واشنطن لا تغيّر شيئاً - النهار
أَستغرب عندما أقرأ عن أشخاصٍ يتّهمون أشخاصاً آخرين بأنَّهم "فسّدوا عَلَيُن" في واشنطن، الأمر الّذي في نظرِ المُتَّهِمين، ساهَمَ في خلقِ شيء من الفُتور أو التَّوتُّر أو حتّى العدائيّة من قِبَلِ العاصمة الأميركيّة تجاههم. الّذين يقولون كلاماً مثلَ هذا لا يعلمون، لا من قريب ولا من بعيد، كيف تُفكِّر الإدارة الأميركيّة. تعوَّدنا نحن في لبنان "إنّو نتمسخَر عَ الأميركان". تحدّثنا كثيراً عن فشل السّياسات الأميركيّة في الشّرق الأوسط. نظرنا إليهم باستخفاف، سمعناهم بتشكيك، وهاجمناهم بهُزءٍ كامل. لكن كلّ ما حدثَ في السّنتين الأخيرتين يقول لنا إنَّ الأميركيّين يمسكون بخيوط اللُّعبة من أوَّلها إلى آخرها. هذا لا يعني أنَّ الأمرَ يسرُّني، ولا يعني أنَّ أحاديّة قيادة العالم هي أمرٌ صحيٌّ للتوازُن في العالم، وخصوصاً في الشّرق الأوسط. لكن هذا الأمر واقعٌ وهو يدحض الكثير مِنَ الكلام الخفيف الّذي قُلناه كلبنانيّين في السّابق عن الإدارة الأميركيّة.
الأميركيّون لا يتأثّرون طائفيّاً. في العالَم، هناك شيء نسمّيه "دُوَل العالم الإسلامي". في الغرب، ليس هناك ما يُسمّى "دُوَل العالم المسيحي". الغرب لا يتعاطى مع الأمور الحاصِلة والّتي يخطّط لها في العالم على أساسٍ طائفي أو ديني.
خُذ مثلاً المسيحيّين. في بداية الحرب الأهليّة، وتحديداً في عامي 1975-1976 حاوَل المسيحيّون اللّبنانيّون أن يُخاطبوا الغربَ على أساسٍ طائفي. قالوا لهم كلاماً يُشبِهُ هذه العبارة: "نحنا مسيحيّين متلكن، كيف بتتركونا للفلسطينيّين؟"، لكنَّ المسيحيّين في لبنان صُدموا بأنَّ الأميركيّين لم يتردّدوا في عدم دعمهم بالشّكلِ المطلوب آنذاك، لا بل دعموا دخولاً سوريّاً إلى لبنان في مقابلِ ضماناتٍ لأمنِ إسرائيل من جهة، وكبح جماح منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في عِدائها لإسرائيل من جهة ثانية.
المسيحيّون فيما بعد، فوجئوا بأنَّ الأميركيّين سلّموا أمرهم للوصايةِ السّوريّة لزمنٍ طويل. عَدَّلَ المسيحيّون خُطابَهم. صاروا يقولون مثلاً: "نحنُ مع حقوقِ الإنسان، ونُريدكم أن تكونوا إلى جانبنا في الدِّفاع عن حقوق الإنسان." هذا الكلام يروقُ أكثر للإدارةِ الأميركيّة وكواليسها.
لكن في الواقِع هناك "دولةٌ عميقة" Deep State في أميركا، تُخطِّط لسنواتٍ وسنوات، وتُنَظِّم، وتدعَم جهاتٍ في العالم، وتُتعِبُ جهاتٍ أُخرى، وتشبك مع جهات ثالثة، وكلُّ ذلك يجري من ضمن أهدافٍ واضحة جدّاً للّذين يقودون "الدّولة العميقة" هناك.
أنا لا أدّعي أنّي أعرف ما تُخطِّط له "الدّولة العميقة". صَدِّقوني أنَّ أحداً في لبنان لا يعرف كيف يفكِّرون وكيف يُخطِّطون. هناك في لبنان من يتنبّأ بأكثر ذكاءً من غيره حول طريقة تفكيرهم. لكن أن يَدّعي أحدٌ عندنا أنَّهُ يعرفُ كيف يفكِّرُ الأميركيّون، فهذا قمَّةُ السّذاجة.
لذلك لا نُسخِّف الأمور. الأميركيّون لا يفكِّرون مثلنا. واشنطن تعرف ماذا تُريد من الشّرق الأوسط، وتعرف ماذا تُريد من لبنان واللّبنانيّين. لا يغيّر في قرارهم شيء بسبب "تفسيدة" من هُنا أو "لَتْ حكي" من هناك. هذا كلامٌ لا يُشبِهُ الواقع. إنَّهُ كلامٌ يُشبِهُ طريقة تفكيرنا نحن اللبنانيّين وكيف نتصرّف في زواريب السياسة اللبنانيّة، لا كيف يفكّرون في العاصمة الأميركيّة. هذا الكلام لا يُعجِبُني بالضّرورة ولا يسرّني، ولكن هذا هو الواقع البسيط والمُعقَّد في آنٍ. كان الله في عون بلدنا.
سمير قسطنطين
23/11/2025
نوح زعيتر، إمبراطوريّة كرتون، عندما تحزم الدولة أمرها - النهار
سَقَطَ نوح زعيتر في يدِ الجيش. قبلَه سقط كثيرون أيضاً. الجيش اكتشف مصانع الكبتاغون وغيرها من المواد السّامة في لبنان ودخل إليها. في فترةٍ زمنية لا تتعدّى الأشهُر السّتة، اقتربت امبراطوريّة الممنوعات من الانهيار. بقدرِ ما تُفرحني هذه الحقائق وتُطَمئنُني إلى مستقبل أولادِ العائلات اللُّبنانيّة، يُحزِنُني هذا الموضوع ويُثيرُ اشمئزازي. السّبب في ذلكَ يعود إلى أنّني أسألُ نفسي هذا السّؤال: "إذا كان الجيشُ قادِراً على تغيير لعبة الكبتاغون وغيرها في أشهُرٍ ستّة، فلماذا لم تُعطِهِ السُّلطة السّياسيّة حريّة الحركة واتّخاذِ القرار قبلاً؟ من هو المسؤول عن ضحايا تعاطي المخدّرات على أنواعها المُسمِّة والمسمومة في السّنوات الماضية؟ مَن حمى نوح زعيتر ومَن يشبهه في الزّمن الّذي مضى؟".
لا أعتقد أنَّ السُّلطات الأمنيّة هي المسؤولة عن التأخيرِ في وضعِ حدٍّ لامبراطوريّة الكبتاغون. أَوَليست للسلطة السّياسيّة اليد الطولى في صنع القرار؟ لماذا تأخّر الموضوع؟ هل كان القرار بالحماية يأتي من خارج الحدود؟ إذا كان كذلك، فلماذا لم تفضحه الدولة الّلبنانيّة آنذاك؟ لا أدري. لكنّي أدري أمراً واحِداً أن شبّاناً وشابّاتٍ لبنانيّين ولبنانيّات كانوا ضحايا التّعاطي على امتداد سنواتٍ عديدة موتاً أو دماراً لأجسادهم و"نفسيّاتهم". بعضهم من انتهى بالـoverdose، ومنهم من انتهى بالاكتئاب، ومنهم مَن تدمّر طموحه وخسر تحقيق الأهداف. مع هؤلاء الشُّبان والشّابات انتهت عائلاتٌ لبنانيّة كثيرة، بَكَت في صمتِها خوفاً من الفضيحة. من المسؤول عن هذه الكارثة الّتي أَلَمَّت بنا؟ الجيش كان قادراً على وضعِ حدٍّ لِكُلِّ هذه الأمور لو أُعطِيَ الضّوء الأخضر لفعلِ ذلك. مُحزِن، مُخزٍ، مُعيب، وغير مفهوم.
سمير قسطنطين