Collège St Elie Btina

Collège St Elie Btina An educational institution located in the heart of Beirut teaching French as first foreign language and English as second.

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ١٦ آب ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بير...
16/08/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ١٦ آب ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، يُعَلِّمُنا المَسِيحُ بِوُضُوحٍ في المَثَلِ الذي أعطاهُ في إِنْجِيلِ اليَوْم أنَّ نِعْمَةَ اللهِ يَجِبُ أنْ تَتَحَوَّلَ إلى مَحَبَّةٍ تُجاهَ الآخَرِ، وَأَنَّ مَنْ اخْتَبَرَ رَحْمَةَ اللهِ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْقى كَما كان، بَلْ يَنْبَغي أَنْ يَحْدُثَ تَغْييرٌ في قَلْبِه وَفي سُلوكِهِ. العَبْدُ الَّذي كانَ عَلَيْهِ لِلْمَلِكِ عَشْرَةَ آلافِ وَزْنَةٍ، وَهُوَ دَيْنٌ عَظِيمٌ يَعْجَزُ عَنِ وَفائِه، طَلَبَ الرَّحْمَةَ فتَحَنَّنَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ. لَقَدْ نالَ أَكْثَرَ مِمَّا طَلَبَ، وَأُعْطِيَ أَكْثَرَ مِمَّا كانَ يَتَوَقَّعُ، لَكِنَّه خَرَجَ مِنْ أَمامِ سَيِّدِهِ، وَوَجَدَ عَبْدًا مِنْ رِفاقِهِ مَدْيُونًا لَهُ بِمِئَةِ دينار، «فَأَمْسَكَهُ وَأخَذَ يَخْنُقُهُ» وَطالَبَهُ بِدَيْنِهِ الصَّغيرِ، وَلَمْ يَرْحَمْهُ.
لَمْ تَكُنْ مُشْكِلَةُ هَذا الإِنْسانِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ الرَّحْمَةَ، بَلْ أنَّهُ اخْتَبَرَ الرَّحْمَةَ وَلَمْ يَسْمَحْ لَها بِأَنْ تَدْخُلَ إلى قَلْبِهِ. نالَ الغُفْرانَ وَالرَّحْمَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصْبِحْ غَفُورًا أَوْ رَحومًا. هُنا تَكْمُنُ الخُطورَةُ في الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ، حينَ تَتَحَوَّلُ عَلاقَتُنا بِاللهِ إلى أَمْرٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ عَلاقَتِنا بِالنَّاس. قَد يُصَلّي الإنسانُ وَيَصُومُ وَيَتَناوَلُ وَيَتَحَدَّثُ عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ، لَكِنَّ قَلْبَهُ مْمْتَلِئٌ بِالحِساباتِ وَالخُصُوماتِ وَالمَرارَة. فَما نَفْعُ الصَلاةِ وَالصَوم إنْ لَمْ يَقْتَرِنا بِالرَحْمَةِ وَالمَحَبَّة؟
نَحْنُ جَمِيعًا أَمامَ اللهِ كذَلِكَ العَبْدِ الَّذي عَلَيْهِ دَيْنٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفيهِ. ما مِنْ إِنْسانٍ يَسْتَطِيعُ الوُقُوفَ أَمامَ اللهِ قائِلًا أَنا بِلا خَطِيئَةٍ وَلا أَحْتاجُ رَحْمَتَكَ. لِذَلِكَ علينا أنْ نَطْلُبَ في كُلِّ لَحْظَةٍ غُفْرانَ خَطايانا مُرَدِّدينَ: «وَاتْرُكْ لَنا ما عَلَيْنا كَمَا نَتْرُكُ نَحْنُ لِمَنْ لَنا عَلَيْه». الصَّلاةُ الرَّبِيَّةُ تَكْشِفُ لَنا أَنَّهُ لا يُمْكِنُ الفَصْلُ بَيْنَ غُفْرانِ اللهِ لَنا وَغُفْرانِنا لِلآخَر. نَحْنُ لا نَغْفِرُ لِكَيْ نَشْتَري غُفْرانَ اللهِ، بَلْ لأَنَّنا نِلْنا غُفْرانَهُ رَغْمَ عَدَمِ اسْتِحْقاقِنا. يَقُولُ القِدِّيسُ يوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ أنَّ اللهَ جَعَلَ خَلاصَنا مُرْتَبِطًا بِإِخْوَتِنا لِكَيْ نَتَعَلَّمَ أَنْ نَكُونَ رُحَماءَ كَما هُوَ رَحِيمٌ، وَلِكَيْ لا يَظُنَّ الإنسانُ الذي يَغْفِرُ لأخيهِ الإنْسانِ أنَّهُ سَيٌِّد وَمُقْتَدِرٌ وَذو فَضْلٍ.
غَضِبَ سَيِّدُ العَبْدِ الذي لَمْ يُدْرِكْ عُمْقَ رَحْمَةِ سَيِّدِهِ، فَدَفَعَهُ إلى المُعَذِّبين. يَقولُ لَنا الرَبُّ: « هَكَذا أبي السَماوِيّ يَصْنَعُ بِكُمْ إنْ لَمْ تَتْرُكوا مِنْ قُلوبِكُمْ كُلُّ واحِدٍ لأخيهِ زَلاّتِهِ».
مِنْ هُنا نَفْهَمُ كَلامَ الرَّسولِ بُولُسَ في رِسالَةِ اليَوم. قال،مُتَحَدِّثًا عَنْ حَقِّهِ كَرَسولٍ مُتفانٍ في بِشارتِه: «مَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَلا يَأكُلُ مِنْ ثَمَرِه؟ مَنْ يَرْعَى قَطيعًا وَلا يَأْكُلُ مِنْ لَبَنِ الْقَطيعِ؟». إِنَّهُ يُعْلِنُ أَنَّ لِلعامِلِ حَقًّا، وَلِلخادِمِ حَقًّا، وَلِكُلِّ إِنْسانٍ عامِلٍ حُقُوقًا مَشْرُوعَةً. لَكِنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ هَذا الحَقِّ، بَلْ يَقولُ إِنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ كَيْ لا يَجْعَلَ في طَرِيقِ إِنْجيلِ المَسِيحِ عَثَرَةً. هُنا يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّه وَمَنْ يَعْتَمِدُ مَنْطِقَ المَحَبَّة.
لا يَطْلُبُ الإِنْجِيلُ مِنَّا أَنْ نُنْكِرَ الحَقَّ، بَلْ يُعَلِّمُنا أَنَّ المَحَبَّةَ قَدْ تَدْفَعُنا أَحْيانًا إلى التَّنازُلِ عَنْ حَقِّنا مِنْ أَجْلِ خَلاصِ الآخَر. هَذا ما عَجِزَ عَنْهُ العَبْدُ الشِّرِّيرُ الَّذي رَأى ما لَهُ، وَلَمْ يَرَ ما عَلَيْهِ، فَتَمَسَّكَ بِالدَّيْنِ الصَّغِيرِ الَّذي لَهُ، وَنَسِيَ الدَّيْنَ العَظِيمَ الَّذي أُعْفِيَ مِنْهُ.
أَلَيْسَتْ هَذِهِ حالُ بَعْضِ البَشَر؟ كَمْ مِنَ العَلاقاتِ تَنْهارُ لأَنَّ كُلَّ واحِدٍ يُريدُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ صاحِبُ الحَقِّ! في الزَّواجِ، يَقُولُ كُلُّ طَرَفٍ أنَّه ضَحَّى بَيْنَما الآخَرُ لَمْ يَفْعَلْ. وَفي العائِلَةِ قَدْ يَتَحَوَّلُ أمْرٌ إلى مَلَفِّ اتِّهامٍ مَفْتُوحٍ بَيْنَ الإخْوَة. وَفي الصَّداقَةِ، قد تَكْفِي كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لِمَحْوِ سَنَواتٍ مِنَ المَحَبَّةِ. حَتَّى في الكَنِيسَةِ، قَدْ نَطْلُبُ مِنَ الجَمِيعِ أَنْ يَحْتَمِلونا، لَكِنَّنا لا نَحْتَمِلُ أَحَدًا. أمّا في الوَطَنِ فَكَمْ عِشْنا مَآسٍ لأنَّ طَرَفًا تَفَرَّدَ بِقَراراتٍ كانَتْ عاقِبَتُها وَبالاً على الجَميع، أوْ حِزْبًا أباحَ لِنَفْسِهِ ما يُنْكِرُهُ على غَيْرِهِ، أوْ فِئَةً إتَّهَمَتْ الآخَرينَ بِما تَقْتَرِفُهُ يَوْمِيًّا وَتَمْنَعُ عَنِ الآخَرينَ ما تَقولُهُ أوْ ما تَفْعَلُه؟
المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ دائِمًا في أَنَّ الآخَرَ أَخْطَأَ. قَدْ يَكُونُ أَخْطَأَ فِعْلًا، لَكِنَّ السُّؤالَ الأساسِيّ هُوَ: «ماذا سَأَفْعَلُ أَنا بِخَطَئِهِ؟»، هَلْ سَأَحْمِلُهُ في قَلْبي لِسَنَواتٍ؟ هَلْ سَأَجْعَلُهُ يُحَوِّلُني إلى إِنْسانٍ قاسٍ؟ أَمْ أَضَعُ الأَمْرَ بَيْنَ يَدَيِّ اللهِ، وَأَطْلُبُ أَنْ يُحَرِّرَني مِنَ المَرارَة؟
الغُفْرانُ لا يَعْني نُكْرانَ الشَّرِّ، وَلا يَعْني أَنْ نُسَمّي الظُّلْمَ مَحَبَّةً. الغُفْرانُ يَعْني أَلّا أَسْمَحَ لِلشَّرِّ الَّذي فَعَلَهُ الآخَرُ بِأَنْ يُحَوِّلَني إلى شِرّير. لِذَلِكَ،الغُفْرانُ هُوَ تَحْريرٌ لِلنَّفْسِ مِنْ سُلْطانِ الكَراهِيَة قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِحْسانًا إلى الآخَرِ.
يا أَحِبَّة، المَسِيحُ لا يَطْلُبُ مِنَّا شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ هُوَ أَوَّلًا. فَالَّذي يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَغْفِرَ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ غَفَرَ لَنا، وَالَّذي يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَحْمِلَ الآخَرَ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ ماتَ عَنّا. الرَّسولُ بولُسُ الَّذي كانَ لَهُ الحَقُّ أَنْ يَأْخُذَ ثَمَرَ أتْعابِهِ اخْتارَ أَنْ يَتَنازَلَ عَنْ حَقِّهِ «لِئَلاّ يُسَبِّبَ تَعْويقاً لِبِشارَةِ المَسيح» كما قال. المَحَبَّةُ لا تَسْأَلُ عَمَّا لَها، بَلْ عَمَّا يَحْتاجُهُ الآخَرُ، وَعَمَّا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُقَدِّمَ. الإنسانُ المُؤمِنُ الذي عَرَفَ رَحْمَةَ الرَبِّ لا يَرْحَمُ الآخَرينَ لأنّهُمْ يَسْتَحِقّونَ الرَحْمَةَ بَلْ لأنّهُ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ نالَ رَحْمَةَ اللهِ فَتَحَرَّرَتْ نَفْسُهُ مِنَ الحِساباتِ البَشَرِيَّةِ وَأصْبَحَ سُلوكُهُ الرَحومُ إنْعِكاسًا لِرَحْمَةِ الله.
قالَ الرَبُّ يَسوع لِلعَبْدِ الشِرّير الذي لَمْ يُدْرِكْ عُمْقَ رَحْمَةِ الرَبّ: «أيُّها العَبْدُ الشِرّيرُ، كُلُّ ما كانَ عَلَيْكَ تَرَكْتُهُ لَكَ لأنّكَ طَلَبْتَ إلَيَّ، أفَما كانَ يَنْبَغي لَكَ أنْ تَرْحَمَ أنْتَ أيْضًا رَفيقَكَ كَما رَحَمْتُكَ أنا؟». دَعْوَتُنا اليَوْمَ أَنْ نَتَعَلَّمَ مَعْنى الغُفْرانِ، لأَنَّ الكَنِيسَةَ الَّتي نَعِيشُ فيها هِيَ جَماعَةُ الَّذِيَن غُفِرَتْ لَهُمْ خَطاياهُمْ، جَماعَةٌ مُفْتَداةٌ بِدَمِ المسيح، لِذَلِكَ يَنْبَغي أَنْ تَكُونَ جَماعَةً يَغْفِرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ، وَيَحْمِلُ بَعْضُها أَثْقالَ بَعْضٍ، وَيَتَنازَلُ بَعْضُها عَنْ حَقِّهِ مِنْ أَجْلِ مَحَبَّةِ المَسِيحِ، آمين.

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٩ آب ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيرو...
09/08/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٩ آب ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
«بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، يَكْشِفُ لَنا نَصّا الإنجيلِ وَالرِسالَةِ حَقِيقَةً أَساسِيَّةً في الحَياةِ المَسِيحِيَّةِ، هِيَ أَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ اقْتِناعًا ذِهْنِيًّا بِقُدْرَةِ اللهِ، وَلا انْتِظارًا لِمُعْجِزَةٍ تُغَيِّرُ ظُروفَ الحَياةِ، بَلْ هُوَ دُخولٌ في شَرِكَةِ حَياةٍ مَعَ المَسِيحِ، فَيَصِيرُ الإِنْسانُ شَرِيكًا في طَرِيقِ الصَّلِيبِ وَالقِيامَة. حَدَثُ شِفاءِ الصَبِيّ في الإِنجيلِ، وَكَلامُ الرَّسولِ بُولُسَ في رِسالَةِ اليَوْم، يَكْشِفانِ وَجْهًا واحِدًا لِلحَياةِ في المَسيحِ.
لَقَدِ اقْتَرَبَ أَبٌ مُنْكَسِرُ القَلْبِ إلى الرَّبِّ، حامِلًا إِبْنَهُ الَّذي أَنْهَكَهُ سُلْطانُ الشَّرِّ. حاولَ التَّلامِيذُ أَنْ يَشْفُوهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعوا. لِلْوَهْلَةِ الأُولَى، يَبْدُو أَنَّ مِحْوَرَ الرِّوايَةِ هُوَ شِفاءُ الوَلَدِ، غَيْرَ أَنَّ المَسِيحَ يُحَوِّلُ أَنْظارَنا إلى أَمْرٍ أَعْمَقَ. فَعِنْدَما سَألَهُ تَلامِيذِهِ «لِماذا لَمْ نَسْتَطِعْ نَحْنُ أنْ نُخْرِجَهُ (أي الشَيْطان)» أجابَ: «لِعَدَمِ إِيمانِكُمْ». هُوَ لا يَرُدُّ العَجْزَ إلى نَقْصٍ في المَعْرِفَةِ أَوِ الخِبْرَةِ، بَلْ إلى ضُعْفِ الشَّرِكَةِ مَعَهُ. لَقَدْ نالَ التَّلامِيذُ سُلْطانًا على الأَرْواحِ النَّجِسَةِ، لَكِنَّ السُّلْطانَ لا يَعْمَلُ بِمَعْزِلٍ عَنِ الواهِبِ. الخِدْمَةُ لَيْسَتْ قُدْرَةً يَمْتَلِكُها الإِنْسانُ، بَلْ نِعْمَةٌ يَعْمَلُ بِها اللهُ في الإِنْسانِ الَّذي يَثْبُتُ فِيهِ.
يَقولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم إِنَّ المَسِيحَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُعَلِّمْ تَلامِيذَهُ كَيْفَ يَصْنَعُونَ العَجائِبَ، بَلْ كَيْفَ يَظَلُّونَ مُتَّحِدِينَ بِهِ، لأَنَّ المُعْجِزَةَ لَيْسَتْ ثَمَرَةَ مَهارَةٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ ثَمَرَةُ الإِيمانِ العامِلِ بِالمَحَبَّةِ. وَمَهْما كَثُرَتْ مَواهِبُ الإنسان، يَبْقَى عاجِزًا إِذا اتَّكَلَ على نَفْسِهِ. أَمَّا إِذا سَلَّمَ حَياتَهُ لِلمَسِيحِ، فَإِنَّ اللهَ يَعْمَلُ مِنْ خِلالِهِ ما يَعْجَزُ هُوَ عَنْ فِعْلِهِ بِقُوَّتِهِ الخاصَّة.
نَحْنُ كَثِيرًا ما نَبْحَثُ عَنِ اللهِ عِنْدَما تَضِيقُ بِنا الحَياةُ، وَنَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُغَيِّرَ ظُرُوفَنا أَوْ يَرْفَعَ عَنَّا تَجْرِبَةً أَوْ أَلَمًا، فيما يُرِيدُ هُوَ أَنْ يُغَيِّرَ قُلُوبَنا أَوَّلًا. نَحْنُ نَرْغَبُ في نَتائِجِ الإِيمانِ أَكْثَرَ مِمَّا نَرْغَبُ في حَياةِ الإِيمانِ. لِذَلِكَ، قَدْ تَتَحَوَّلُ الصَّلاةُ إلى طَلِباتٍ، وَالعِبادَةُ إلى عادَةٍ، وَالصَّوْمُ إلى مُمارَسَةٍ خارِجِيَّةٍ، فِيما القَلْبُ بَعِيدٌ عَنِ اللهِ. الإِيمانُ الَّذي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ المَسِيحُ هُوَ عَلاقَةٌ حَيَّةٌ تَجْعَلُ الإِنْسانَ يَتَّكِلُ على اللهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَّكِلُ على ذاتِه.
لافِتٌ أَنَّ الرَّبَّ، بَعْدَ هَذا الحَدَثِ مُباشَرَةً، يَبْدَأُ بِالكَلامِ على آلامِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيامَتِه. فَما العَلاقَةُ بَيْنَ حادِثَةِ الشِفاءِ وَإِعْلانِ الصَّلِيب؟ يُريدُ المَسِيحُ أَنْ يُعَلِّمَ تَلامِيذَهُ أَنَّ الإِيمانَ الَّذي يَصْنَعُ العَجائِبَ هُوَ نَفْسُهُ الإِيمانُ الَّذي يَسِيرُ وَراءَ المَصْلُوب. فَالَّذِينَ انْبَهَرُوا بِسُلْطانِهِ على الأَرْواحِ يَنْبَغِي أَنْ يَفْهَمُوا أَنَّ هَذا السُّلْطانَ يَبْلُغُ كَمالَهُ في الصَّلِيبِ، حَيْثُ انْتَصَرَ الرَّبُّ على الخَطِيئَةِ وَالمَوْتِ لا بِالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ، بَلْ بِالطَّاعَةِ الكامِلَةِ لِلآبِ، وَالمَحَبَّةِ التي «لا تَتَفاخَرُ وَلا تَنْتَفِخُ وَلا تُقَبِّحُ وَلا تَطْلُبُ ما لِنَفْسِها » (1 كو 13 : 4-5). يَقولُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيُّ إِنَّ المَسِيحَ كانَ يُهَيِّئُ تَلامِيذَهُ كَيْ لا يَظُنُّوا أَنَّ مَجْدَهُ يَنْفَصِلُ عَنْ آلامِهِ، لأَنَّ صانِعَ المُعْجِزاتِ هُوَ الَّذي يُسَلِّمُ ذاتَهُ مِنْ أَجْلِ خَلاصِ العالَم. فَمَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ المَسِيحِ وَيَرْفُضُ صَلِيبَهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْرِفَهُ حَقًّا.
في نَصِّ الرِّسالَةِ نَجِدُ أَنَّ الرَّسُولَ بُولُس قَدْ دَخَلَ فِعْلًا في هَذِهِ الخِبْرَة. فَهُوَ لا يَتَحَدَّثُ عَنِ الصَّلِيبِ كَفِكْرَةٍ، بَلْ كَخِبْرَةٍ يَعِيشُها يَوْمِيًّا. لِذَلِكَ يَقولُ «نَحْنُ(أي الرُسُلُ) نَجوعُ وَنَعْطَشُ وَنعْرى وَنُلْطَمُ وَلا قَرارَ لَنا...نُشْتَمُ فَنُبارِكُ، نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ، يُشَنَّعُ عَلَيْنا فَنَتَضَرَّعُ». هَذِهِ لَيْسَتْ لُغَةَ إِنْسانٍ مَهْزُومٍ، بَلْ لُغَةُ إِنْسانٍ صارَ يُشْبِهُ مُعَلِّمَهُ. لِهَذا يَخْتُمَ قائِلًا: «كونوا مُقْتَدِينَ بي». إِنَّهُ لا يَدْعُو المُؤْمِنِينَ إلى تَقْلِيدِ شَخْصِهِ، بَلْ إلى الإِقْتِداءِ بِالمَسِيحِ الَّذي ظَهَرَتْ صُورَتُهُ في حَياتِه.
في طَرِيقِهِ إلى الإسْتِشْهادِ كَتَبَ القِدِّيسُ إِغْناطيوس الأَنْطاكِيّ أَنَّهُ يَتُوقُ إلى أَنْ يَصِيرَ تِلْمِيذًا حَقِيقِيًّا لِلمَسِيحِ، لأَنَّ التَّلْمَذَةَ لا تُقاسُ بِكَثْرَةِ الكَلامِ، بَلْ بِالثَّباتِ في مَحَبَّةِ المَسِيحِ حَتَّى النِّهايَة. الإِيمانُ، في نَظَرِ الكَنِيسَةِ، لَيْسَ إِعْلانًا لِلعَقِيدَةِ فَحَسْب، بَلْ هُوَ تَشَبُّهٌ بِالمَسِيحِ في الفِكْرِ وَالقَلْبِ وَالسُّلوك.
هَذا هُوَ التَّحَدِّي الَّذي يُواجِهُ إِنْسانَ اليَوْم. نَحْنُ نَعِيشُ في عالَمٍ يَقِيسُ النَّجاحَ بِالقُوَّةِ وَالمَجْدِ وَالمالِ وَالنَّتائِجِ الظَّاهِرَةِ، فيما يَدْعُونا الإِنْجيلُ إلى أَنْ نَقِيسَ حَياتَنا بِعُمْقِ عَلاقَتِنا مَعَ الله. قَدْ نَمْتَلِكُ المَعْرِفَةَ، وَنُحَقِّقُ الإِنْجازاتِ، وَنَنالُ تَقْدِيرَ النَّاسِ، لَكِنْ إِذا لَمْ تَكُنْ حَياتُنا مُتَجَذِّرَةً في المَسِيحِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَبْقى عاجِزًا عَنْ أَنْ يَمْنَحَ القَلْبَ سَلامًا أَوْ أَنْ يُغَيِّرَ الإِنْسانَ مِنَ الدَّاخِل. السُّؤالُ الَّذي يَطْرَحُهُ الإِنْجِيلُ عَلَيْنا لَيْسَ: كَمْ نَعْرِفُ عَنِ المَسيحِ؟ بَلْ: إلى أَيِّ حَدٍّ نَحْيا فِيهِ، وَنَدَعُ حَياتَهُ تَعْمَلُ فِينا؟
إِنَّ العالَمَ لا يَحْتاجُ اليَوْمَ إلى مَزِيدٍ مِنَ الكَلامِ على المَسِيحِيَّةِ، بَلْ إلى مُؤْمِنِينَ يَشْهَدونَ بِحياتِهِمْ لِلمَسِيحِ. لا يَحْتاجُ إلى أَحْزابٍ وَجَمْعِيّاتٍ تَتَغَنّى بِحُقوقِ المَسيحِيِّينَ، بَلْ يَحْتاجُ إلى آباءٍ وَأُمَّهاتٍ يُعَلِّمُونَ أَوْلادَهُمُ الإِيمانَ بِقَداسَةِ حَياتِهِمْ، وَإلى شَبابٍ يَرَوْنَ في الإِنْجيلِ طَرِيقًا لِلحَياةِ لا مَجْمُوعَةً مِنَ الوَصايا، وَإلى جَماعاتٍ كَنَسِيَّةٍ يَظْهَرُ فيها وَجْهُ المَسِيحِ مِنْ خِلالِ المَحَبَّةِ وَالتَّواضُعِ وَالخِدْمَةِ، وَإلى مَسؤولينَ وَقادَةٍ لا يُكْثِرونَ مِنَ الكَلامِ وَالوُعودِ بَلْ يَعْتَبِرونَ وَجودَهُمْ في أيِّ مَرْكَزٍ مِنْ أجْلِ الخِدْمَةِ لا الإسْتِغْلالِ، وَيَعْمَلونَ بِصَمْتٍ، بِوَحْيِ الإنجيلِ، مِنْ أجْلِ الخَيْرِ العام. الإِيمانُ الَّذي يُغَيِّرُ العالَمَ يَبْدَأُ دائِمًا بِقَلْبٍ سَمَحَ لِلمَسِيحِ بِأَنْ يُغَيِّرَهُ.
فَلْنَسْأَلِ الرَّبَّ أَنْ يَهَبَنا هَذا الإِيمانَ الحَيَّ الَّذي لا يَطْلُبُ المُعْجِزَةَ قَبْلَ الشَّرِكَةِ، وَلا المَجْدَ قَبْلَ الصَّلِيبِ، وَلا القِيامَةَ قَبْلَ التَّوْبَة. حِينَئِذٍ تُصْبِحُ حَياتُنا، على مِثالِ الرُّسُلِ وَالقِدِّيسِينَ، شَهادَةً صامِتَةً لِحُضُورِ المَسِيحِ في العالَمِ، فَيَرَى النَّاسُ أَعْمالَنا الصَّالِحَةَ وَيُمَجِّدوا أَبانا الَّذي في السَّماوات، آمين».

صباح الأحد ٢ آب ٢٠٢٦ ترأس سيادة متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عوده قداس الأحد في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد...
02/08/2026

صباح الأحد ٢ آب ٢٠٢٦ ترأس سيادة متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عوده قداس الأحد في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل أقام سيادته جنازا لراحة أنفس ضحايا انفجار ٤ آب ٢٠٢٠ الذين سقطوا في مستشفى القديس جاورجيوس وفي العاصمة بيروت. وكان لسيادته العظة التالية:
«بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أيها الأحبَّة، أبدأُ بالتَحيَّةِ والشُّكرِ والتّقديرِ لكلِّ فَردٍ من أفرادِ جيشِنا الباسِل، حامي الوطن الوحيد، في عيدِه، سائلًا الربَّ القديرَ أنْ يَـحمـيهم ويُرافِــقَـهم في كلِّ خطوَةٍ وكلِّ مهمَّةٍ يَـقـومـونَ بها من أَجلِ حمايَةِ وطنِنا وحِفْظِ حُدودِه والدِّفاعِ عن أَرضِه وبسطِ سيادَتِه على كامِلِ مساحتِه، كما نُصلّي من أجلِ راحةِ نفسِ كلِّ شهيدٍ من عناصِرِه ماتَ ليبقى لبنان.
أَحِبَّائي، لَيْسَ البَحْرُ وَحْدَهُ يَضطَرِبُ، بَلِ الإِنْسانُ أَيْضًا تَتَقاذَفُهُ العَواصِفُ، كَذَلِكَ الشُّعوبُ وَالأَوْطانُ. لِذَلِكَ، لا يَرْوي لَنا الإِنْجِيلِيُّ مَتَّى حادِثَةَ عُبورِ التَّلاميذِ في البَحْرِ لِمُجَرَّدِ وَصْفِ مُعْجِزَةٍ، بَلْ لِكَشْفِ حَقِيقَةِ الحَياةِ مَعَ المَسِيحِ. فَالسَّفِينَةُ الَّتي كانَتْ تَتَقاذَفُها الأَمْواجُ هِيَ صُورَةٌ عَنْ جَماعَةِ التَّلامِيذِ، إنّما أيْضًا عَنِ الكَنِيسَةِ، وَعَنْ حَياةِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ وَطَنٍ عِنْدَما تَتَلاطَمُ حَوْلَهُ الأمْواجُ وَتَهُبُّ الرِّياحُ.
دَخَلَ التَّلامِيذُ السَّفِينَةَ بِأَمْرِ الرَّبِّ. لَمْ يَكُونُوا خارِجَ مَشِيئَتِهِ عِنْدَما هَبَّتِ الرِّيحُ، وَلَمْ تَكُنِ العاصِفَةُ عَلامَةً على أَنَّ اللهَ تَرَكَهُمْ. ما أحْوَجَنا اليَومَ إلى فَهْمِ هَذِهِ الحَقِيقَةِ لأنَّنا كَثِيرًا ما نَظُنُّ أَنَّ حُضورَ الصُّعوباتِ يَعْني غِيابَ الله. يُعَلِّمُنا الإِنْجِيلُ أَنَّ اللهَ قَدْ يَكُونُ أَقْرَبَ مِنّا في العاصِفَةِ مِنْهُ في الهُدوء.
طالَ اللَّيْلُ، اشْتَدَّتْ الرِّيحُ، وَتَسَلَّلَ الخَوْفُ إلى القُلُوب. الخَوْفُ هُوَ أَوَّلُ ما يُصِيبُ الإِنْسانَ عِنْدَما يَحْصُرُ نَظَرَهُ بِما يَراهُ فَقَطْ. لِذَلِكَ، جاءَ المَسِيحُ في الهَجْعَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ عِنْدَما بَدا أنّ كُلَّ رَجاءٍ قَدْ تَلاشى. جاءَ «ماشِيًا على البَحْرِ» لِيُعْلِنَ أَنَّ ما يُخيفُ الإِنْسانَ هُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ الله. قالَ: «ثِقُوا، أَنا هُوَ، لا تَخافُوا». هَذا الكَلامُ لَيْسَ مُوَجَّهًا إلى التَّلامِيذِ فَقَطْ، بَلْ إلى كُلِّ إِنْسانٍ يَعِيشُ وَسْطَ عالَمٍ مُضْطَرِبٍ، وَكُلِّ شَعْبٍ يَشْعُرُ بِأَنَّ الأَمْواجَ أَعْلَى مِنْ قُدْرَتِهِ على الإحْتِمال. المَسِيحُ لا يَعِدُنا بِحَياةٍ خالِيَةٍ مِنَ العَواصِفِ لَكِنَّهُ يَطْلُبُ مِنّا أنْ لا نَخافَ لأنّه لا يَغيبُ في وَسَطِها.
بُطْرُس الّذي ثَبَّتَ عَيْنَيْهِ على الرَّبِّ اسْتَطاعَ السَيْرَ فَوْقَ المِياهِ، لأَنَّ الإِيمانَ يَنْقُلُ الإِنْسانَ مِنَ الإتِّكالِ على قُدُراتِهِ إلى الإتِّكالِ على الله. عِنْدَما الْتَفَتَ إلى شِدَّةِ الرّيحِ خافَ وَبَدَأَ يَغْرَقُ. كثيرًا ما يَحْدُثُ هَذا مَعَنا. نَتْرُكُ المَسِيحَ لِنُراقِبَ الأَخْبارَ وَالأَزَماتِ وَحِساباتِ البَشَرِ وَنَلْهَثَ وَراءَ المَكاسِبِ، فَنَفْقِدُ السَّلامَ الدَّاخِلِيَّ وَنَغْرَقُ في اليأسِ وَالضَياع. الغَرَقُ يَبْدَأُ في القَلْبِ قَبْلَ الواقِعِ.
الإِنْجيلُ لا يَنْتَهي بِسُقُوطِ بُطْرُسَ، بَلْ بِيَدِ المَسِيحِ المَمْدودَةِ إِلَيْه. هَذا هُوَ رَجاءُ الكَنِيسَةِ الدَّائِمُ. الربُّ لا يُخَلِّصُ الَّذِينَ لا يَسْقُطُونَ بَلْ مَنْ يَصْرُخُ إِلَيْهِ: «يا رَبُّ، نَجِّني».
رِسالَةُ اليَوْمَ تَكْشِفُ لَنا لِماذا يَسْتَطِيعُ المَسِيحُ أَنْ يُقِيمَ الإِنْسانَ مِنْ سُقُوطِهِ. المُؤْمِنُ لَيْسَ فَرْدًا يَعِيشُ في العالَمِ، بَلْ هُوَ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فيهِ. حَياتُهُ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً على أَيّ أَساسٍ بَشَرِيٍّ، بَلْ على أَساسٍ واحِدٍ هُوَ المَسِيحُ، وكُلُّ ما يُبْنى بَعِيدًا عَنْ هَذا الأَساسِ، مَهْما بَدا مَتينًا، سَيَكْشِفُهُ الإمْتِحانُ «كَمَنْ يَمُرُّ في النار».
لا يُحَذِّرُ الرَّسولُ مِنَ الَّذِينَ يَهْدِمُونَ الأَبْنِيَةَ الحَجَرِيَّةَ، بَلِ مِنَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ هَيْكَلَ اللهِ، أَيِ الإِنْسانَ وَالمُجْتَمَعَ وَالحَقِيقَةَ. حِينَ تُصْبِحُ الكِذْبَةُ نِظامًا، وَالظُّلْمُ سِياسَةً، وَالإِفْلاتُ مِنَ العِقابِ ثَقافَةً، يَكُونُ الهَيْكَلُ قَدْ بَدَأَ يَتَصَدَّعُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَلَوْ بَقِيَتْ جُدْرانُهُ قائِمَةً.
إِنْجيلُ اليوم لَيْسَ كَلامًا عَلى بَحْرِ الجَلِيلِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ كَلامٌ عَلى بِحارِ أَوْطانِنا المُضْطَرِبَةِ بِالمَشاكِلِ وَالحُروبِ وَالصِراعاتِ وَالفَساد.
لبنانُنا لَيْسَ بِمَنْأى عَنْ هَذِهِ الإضْطِراباتِ وَهُوَ الذي يُعاني مُنْذُ عُقودٍ وَيلاتِ الحُروبِ وَالفَسادِ وَالإنْهِيارِ المالِيّ وَالإقْتِصاديّ، وَعَجْزِ الدولَةِ وَتَراجُعِ الثِقَةِ بِها... لَكِنّ السَنَواتِ الماضِيَةَ كانَتْ الأشَدَّ وَطْأَةً على أبْنائه. بَعْدَ سِتِّ سَنَواتٍ على تَفْجِيرِ مَرْفَأِ بَيْرُوتَ، ما زالَ البَحْرُ هائِجًا، لَيْسَ لأَنَّ الإنْفِجارَ وَحْدَهُ كانَ عاصِفَةً مُرْعِبَةً، بَلْ لأَنَّ الحَقِيقَةَ ما زالَتْ غارِقَةً تَحْتَ أَمْواجِ المَصالِحِ، وَالعَدالَةَ ما زالَتْ تُقَيَّدُ كُلَّما اقْتَرَبَتْ مِنْ كَشْفِ المَسْؤُولِينَ.
كَيْفَ لا نَتَوَقَّفُ اليَوْمَ بِغَصَّةٍ أَمامَ أحَدِ أَكْبَرِ جِراحِ وَطَنِنا؟ كَيْفَ لِلكَنِيسَةِ أَنْ تَسْمَعَ كَلامَ الإِنْجيلِ على الخَلاصِ، وَكَلامَ الرَّسولِ عَلى قَداسَةِ الإِنْسانِ، ثُمَّ تَمُرُّ مُرورًا عابِرًا على كارِثَةٍ ما زالَتْ تَصْرُخُ في وَجْهِ التَّاريخ؟
سِتُّ سَنواتٍ مَرَّتْ، وَما زالَ أَهْلُ الضَّحايا يَرْفَعُونَ الصَّرْخَةَ نَفْسَها: أَيْنَ الحَقِيقَةُ؟ مَنْ قَتَلَ أَبْناءَنا؟ مَنْ دَمَّرَ العاصِمَةَ؟ مَنْ حَوَّلَ جُزْءًا مِنْها إلى رُكامٍ غَطّى جُثَثَ أحِبّائهِمْ وَدَفَنَ آمالَهُم؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِدَوْلَةٍ أَنْ تَطْلُبَ مِنْ شَعْبِها الثِّقَةَ، وهِيَ عاجِزَةٌ عَنْ قَوْلِ الحَقيقَةِ، أَوْ غَيْرُ راغِبَةٍ في ذَلِكَ؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلعَدالَةِ أَنْ تَبْقَى عَدالَةً إِذا كانَتْ تُؤَجَّلُ أو يُكْتَمُ صَوْتُها كُلَّما دَنَتْ مِنْ أَصْحابِ النُّفوذ؟ نَحْنُ نُعَوِّلُ على حِكْمَةِ رَئيسِ هَذا البَلَدِ الحَبيبِ، وَتصميم رَئيسِ حُكومَتِهِ، وَعلى ضَمائِرِ مَنْ تَبَقَّى مِنْ شُرَفاءَ يَعْمَلونَ تَحْتَ سَقْفِ القانونِ، بَعيدًا عَنِ الفَسادِ وَعَنِ المَصْلَحَةِ، كَيْ يَأْتوا بِالأَجْوِبَةِ الشَّافِيَةِ لِلقُلوبِ وَالنُّفوس.
سِتُّ سَنَواتٍ وَلَمْ يَخْفُتْ صَوْتُ الإنْفِجارِ في وُجْدانِ اللُّبْنانِيِّين. الإنفجارُ لَمْ يَنْتَهِ عِنْدَما خَمَدَ الدُّخانُ، وَالجُرْحُ ما زالَ مَفْتوحًا. مَرْحَلَةُ التَّعافي تَبْدَأُ عِنْدَما تُعْلَنُ الحَقِيقَةُ. الإِنْفِجارُ يَنْتَهي عِنْدَما يُقتادُ مُفْتَعِلوهُ إلى العَدالَةِ. أمّا إذا بَقِيَتْ الحَقِيقَةُ أَسِيرَةَ الحِساباتِ، وَالعَدالَةُ رَهِينَةَ التَّدَخُّلاتِ وَالمَصالِحِ، تَبْقى الجَرِيمَةُ حَيَّةً في الضَمائِرِ، وَالجُرْحُ نازِفًا، وَالثِقَةُ غائِبَةً، وَالأمَلُ بِدَوْلَةٍ قَوِيّةٍ عادِلَةٍ لا تَخْشى إلاّ رَبَّها مَعْدومٌ.
يا أحِبَّة، تَعْطِيلُ العَدالَةِ لَيْسَ خَطَأً إِدارِيًّا بَلْ خَطِيئَةٌ أَخْلاقِيَّةٌ وَوَطَنِيَّةٌ. كُلُّ يَوْمٍ تَبْقى فِيهِ الحَقِيقَةُ أَسِيرَةً هُوَ يَوْمٌ يُقْتَلُ فِيهِ الضَّحايا مُجَدَّدًا، وَتُهانُ فِيهِ كَرامَةُ النَّاجينَ الذينَ يَتَألَّمونَ لأَنَّ القَوِيَّ هُوَ دائمًا المُنْتَصِرُ، كما في الغاباتِ، وَيَسْتَطِيعُ الإفلاتَ مِنَ الحِساب.
المَطْلوبُ لَيْس انْتِقامًا، لأَنَّ الإنْتِقامَ لَيْسَ مِنَ تَعاليمِ الإِنْجيل. العَدالَةُ هِيَ المُبْتَغى، لأَنَّها مِنْ صَمِيمِ الإِنْجيل. لا نَبْحَثُ عَنْ كَراهِيَّةٍ، لأَنَّ المَسِيحَ عَلَّمَنا المَحَبَّةَ، لَكِنَّ المَحَبَّةَ لا تَعْني التَّسَتُّرَ على الجَرِيمَةِ، وَلا تَحْوِيلَ دِماءِ الأَبْرِياءِ إلى ذِكْرى سَنَوِيَّةٍ تُطْوى في اليَوْمِ التَّالي. المَحَبَّةُ الَّتي لا تُدافِعُ عَنِ الحَقِيقَةِ ناقِصَةٌ، وَالغُفْرانُ الَّذي يُفْرَضُ قَبْلَ الإعْتِرافِ بِالحَقِّ باطِلٌ، وَالسَّلامُ الَّذي يُبْنَى على دَفْنِ الحَقيقَةِ مُزَوَّرٌ، وَهِدْنَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَوْقَ بُرْكانٍ.
ما يَزِيدُ الأَلَمَ وَالجُرْحَ عُمْقًا أَنَّ لُبْنانَ، بَعْدَ سِتِّ سَنَواتٍ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ دَوَّامَةِ المَوْت. ما زالَ يُدْفَعُ إلى حُروبٍ لا تُشْبِهُ أَحْلامَ أَبْنائِهِ، وَلا تُعَبِّرُ عَنْ إِرادَةِ شَعْبِهِ. اللُّبْنانِيُّونَ لَمْ يُخْلَقُوا لِيَكُونوا وَقُودًا لِصِراعاتِ الآخَرِينَ، وَلا صُنْدُوقَ بَرِيدٍ لِلرَّسائِلِ الإِقْلِيمِيَّةِ، وَلا ساحَةً مَفْتُوحَةً لِكُلِّ نِزاعٍ يُقَرِّرُ الآخَرُونَ خَوْضَهُ على أَرْضِهِ. لَقَدْ تَعِبَ هَذا الشَّعْبُ مِنْ دَفْعِ حَياتِه وَأرزاقِه، وَمِنْ دَفْنِ أَبْنائِهِ، وَمِنْ أَنْ يُحْرَمَ حَقَّهُ في حَياةٍ هادِئَةٍ،آمِنَةٍ وَكَرِيمَة. هُمْ يُريدونَ وَطَنًا يَحْكُمُهُ القانونُ لا السِّلاحُ، وَالحَقُّ لا القُوَّةُ، وَالعَدالَةُ لا التَّسْوِيات. المُؤْلِمُ أَنَّ مَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ هُمْ دَوْمًا الأَبْرِياءُ الَّذِينَ يَحْلُمُونَ بِوَطَنٍ طَبِيعِيٍّ، فَإِذا بِهِمْ يَعِيشُونَ في وَطَنٍ اعْتادَ المَوْتَ أَكْثَرَ مِنَ الحَياةِ. وكَأَنَّ إِنْسانَ هَذا البَلَدِ صارَ أَرْخَصَ مِنَ المَشارِيعِ وَالحِساباتِ وَالمَصالِحِ.
الكَنِيسَةُ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْتادَ هَذا الواقِعَ، وَلا أَنْ تَصْمُتَ عِنْدَما تُهانُ صُورَةُ اللهِ في الإِنْسانِ، وَلا أَنْ تُبارِكَ ثَقافَةَ الإِفْلاتِ مِنَ العِقابِ، أَوْ أَنْ تَعْتَبِرَ تَعْطِيلَ العَدالَةِ أَمْرًا عادِيًّا، لأَنَّ السُّكوتَ عَنِ الظُّلْمِ مُشارَكَةٌ فِيهِ، والتَّعايُشَ مَعَ الكَذِبِ قَبُولٌ بِهِ. الإِنْجِيلُ لا يَطْلُبُ مِنَّا أَنْ نَكُونَ شُهودًا لِلقِيامَةِ فَقَطْ، بَلْ لِلحَقِّ أَيْضًا. مَسِيحُنا قالَ: «أَنا الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَياةُ»، وَلا حَياةَ بِلا حَقٍّ، وَلا سَلامَ بِلا عَدالَةٍ، وَلا شِفاءَ حَقِيقِيًّا مِنْ دُونِ كَشْفِ الحَقِيقَةِ كامِلَةً، مَهْما كانَتْ مُرَّةً، وَمَهْما كَلَّفَتْ.
نُصَلِّي اليَوْمَ مِنْ أَجْلِ جَمِيعِ الضَّحايا، الأَحْياءِ وَالرَّاقِدِينَ، كَما نُصَلِّي أَيْضًا كَيْ يَسْتَيْقِظَ الضَّمِيرُ الوَطَنِيُّ، وَيَسْقُطَ كُلُّ ما يُعَطِّلُ الحَقِيقَةَ، لأَنَّ الأَوْطانَ لا تُبْنَى بِالإِنْكارِ، وَلا تَنْهَضُ بِالنِّسْيانِ، وَلا تُشْفَى بِالهُروبِ إلى الأَمامِ. لُبْنانُ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ عَواصِفِهِ ما لَمْ يَتَصالَحْ مَعَ الحَقِيقَةِ، وَما لَمْ تُصْبِحِ العَدالَةُ فَوْقَ كُلِّ مَصْلَحَةٍ، وَالإِنْسانُ أَغْلى مِنْ كُلِّ حِسابٍ، وَالوَطَنُ أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ مَشْروعٍ يُرادُ فَرْضُهُ عَلَيْهِ، آمين».

01/08/2026

لقد كانت ثلاث سنواتٍ حافلة بالعطاء، والقيادة الحكيمة، واللحظات التي ستبقى محفورةً في ذاكرتنا.
على مدى ثلاث سنوات، كانت مدرسة مار الياس بطينا الثانوية تحت إدارة Global Education، وكان للسيدة ريما نجم دورٌ أساسي في قيادتها بكل تفانٍ وإخلاص.
اجتمعنا اليوم، كأسرة مدرسة مار الياس بطينا الثانوية، لنقول: إلى اللقاء لمديرتنا العزيزة، ولنعبّر لها عن خالص امتناننا وشكرنا على كل ما قدمته خلال مسيرتها معنا.
قد تنتهي مرحلة، لكن الأثر الجميل يبقى في القلوب، والذكريات الصادقة لا تُنسى.
نتمنى لكِ دوام النجاح والتوفيق في خطوتك القادمة، ونشكركِ على كل لحظة، وكل دعم، وكل بصمة تركتها في مدرستنا.
ستبقين دائمًا جزءًا من قصة مدرسة مار الياس بطينا الثانوية، ومكانكِ سيبقى محفوظًا في قلوبنا. 🤍

30/07/2026
عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٢٦ تمّوز ٢٠٢٦، من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط...
26/07/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٢٦ تمّوز ٢٠٢٦، من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، سَمِعْنا في الإنْجيلِ أنَّ الرَّبَّ يَسوع أبْصَرَ حَوْلَهُ جَمْعًا كَثيرًا كانَ يَتْبَعُهُ لِيَغْتَذي مِنْ تَعاليمِه. لَمْ يَرَ في هذا الجَمْعِ حَشْدًا غَريبًا بَلْ رَأَى وُجُوهًا مُتْعَبَةً، وَقُلُوبًا عَطْشى، وَأَجْسادًا أَنْهَكَتْها الأَمْراضُ، «فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضاهُمْ». الرَّحْمَةُ هِيَ نُقْطَةُ الإِنْطِلاقِ في كُلِّ تَدْبِيرِ اللهِ. اللهُ لا يَقْتَرِبُ مِنَ الإِنْسانِ بِسُلْطانِ القاضي، بَلْ بِحَنانِ الأب. يَقُولُ القِدِّيسُ يُوحَنّا الذَّهَبِيّ الفَمِ إِنَّ المَسِيحَ غَذَّى الجُمُوعَ بِكَلِمَةِ التَّعْليمِ وَنِعْمَةِ الشِّفاءِ، قَبْلَ أَنْ يُشْبِعَهُمْ بِالخُبْزِ، لِكَيْ يُعَلِّمَنا أَنَّ الإِنْسانَ لا يَجوعُ إلى الطَّعامِ فَقَط، بَلْ إلى كَلِمَةِ اللهِ الَّتي تُحْيِي النَّفْسَ وَتُجَدِّدُها، وَقَدْ عَلَّمَ أنَّهُ «لَيْسَ بِالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيا الإنْسانُ بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الله» (متى 4:4 ).
مَعَ اقْتِرابِ المَساءِ، بَدَا المَشْهَدُ لِلتَّلامِيذِ صَعْبًا. المَكانُ قَفْرٌ، وَالجُمُوعُ كَثِيرَةٌ، وَما يَمْلِكُونَهُ لا يَتَجاوَزُ الخَمْسَةَ الأَرْغِفَةَ وَالسَّمَكَتَيْن. لِذَلِكَ اقْتَرَحُوا الحَلَّ الَّذي يَفْرِضُهُ المَنْطِقُ البَشَرِيّ، أَيْ أَنْ يَصْرِفَ الربُّ يسوع الجُمُوعَ «لِيَذْهَبوا إلى القُرَى وَيَبْتاعوا لَهُمْ طَعامًا». أَجابَهُمْ الرَّبُّ بِعِبارَةٍ تُناقِضَ كُلَّ حِساباتِ الإِنْسانِ وَمَنْطِقَهُ. قالَ: «لا حاجَةَ لَهُمْ إلى الذَهابِ، أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلوا».
هذا الكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى الإنْسانِ في كُلِّ زَمانٍ. العالَمُ اليَوْمَ أَيْضًا جائِعٌ، لَكِنَّ جُوعَهُ لا يَقْتَصِرُ على الخُبْزِ بَلْ يَمْتَدُّ إلى الحَقِّ وَالعَدْلِ وَالرَّجاءِ وَالمَحَبَّةِ وَالسَّلام. إِنَّهُ عالَمٌ يَضُجُّ بِالحُروبِ وَالمَصالِحِ وَابْتِغاءِ المَجْدِ، لَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلى الكَلِمَةِ الَّتي تَشْفي، وَإلى النَظْرَةِ التي تَرى في الإنْسانِ وَجْهَ اللهِ، لا عَدَدًا بِلا قيمَةٍ وَلا كَرامَةٍ؛ عالَمٌ يَلْهَثُ وَراءَ المالِ وَالسُلْطَةِ وَالإنْسانُ فيهِ مَقْهورٌ وَجائعُ وَمُشَرَّدٌ، يُظْلَمُ وَيُسْتَغَلُّ وَيُقْتَلُ؛ عالَمٌ يَضُجُّ بِوَسائلِ التَواصُلِ لَكِنَّ إنْسانَهُ يُعاني وَحْدَةً عَمِيقَةً. في وَسَطِ هَذا الواقِعِ لا يَقُولُ لنا المَسيحُ: «إِنْتَظِروا حَتَّى تَتَغَيَّرَ الظُّروفُ»، أو «إِبْحَثُوا عَنْ إِمْكاناتٍ أَكْبَرَ» بَلْ يَقُولُ: «أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا» أَيْ كُونُوا شُهودًا لِلمَحَبَّةِ، وَأَدَواتٍ لِعَمَلِ النِّعْمَةِ، وَخُدَّامًا لِلعَطايا الإلَهية.
لَقَدْ نَظَرَ التَّلامِيذُ إلى ما يَنْقُصُهُمْ، أَمَّا المَسِيحُ فَرأى ما يَمْلُكُونَهُ. هَذا هوَ الفَرْقُ بَيْنَ عَيْنِ الإِيمانِ وَعَيْنِ العالَم. الإِنْسانُ يَرَى قِلَّةَ الإِمْكاناتِ، أَمَّا اللهُ فَيَرَى عِظَمَ إِمْكاناتِ النِعْمَة. عِنْدَما قالَ التَلاميذُ « ما عِنْدَنا هَهُنا إلاّ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ وَسَمَكَتانِ» قالَ لَهُم«هَلُمَّ بِها إليَّ إلى ههُنا». وَما إِنْ وَضَعَ التَّلامِيذُ الأَرْغِفَةَ القَلِيلَةَ بَيْنَ يَدَيِّ الرَّبِّ، حَتَّى تَحَوَّلَتْ القِلَّةُ إلى فَيْضٍ، «فَأكَلوا جَميعُهُمْ وَشَبِعوا وَرَفَعوا ما فَضَلَ مِنَ الكِسَرِ إثنتَيْ عَشْرَةَ قِفَّةً مَمْلوءَةً». كَأَنَّ الإِنْجيلِيَّ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لَنا إِنَّ البَرَكَةَ لا تُولَدُ مِنْ كَثْرَةِ ما نَمْلِكُ، بَلْ مِنْ اسْتِعْدادِنا لأَنْ نُسَلِّمَ ما نَمْلِكُ لله.
يَقولُ القِدِّيسُ كِيرِلُّسُ الإِسْكَنْدَرِيّ إِنَّ المَسِيحَ كانَ قادِرًا أَنْ يَخْلُقَ الخُبْزَ مِنَ العَدَمِ، لَكِنَّهُ شاءَ أَنْ يَسْتَخْدِمَ الأَرْغِفَةَ المَوْجُودَةَ لِيُعَلِّمَنا أَنَّ اللهَ لا يُلْغي تَعاوُنَ الإِنْسانِ، بَلْ يُبارِكُهُ وَيُكَمِّلُه. إِنَّ النِّعْمَةَ لا تَعْمَلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ حُرِّيَّتِنا، بَلْ تَدْخُلُ إلى حَياتِنا عِنْدَما نَضَعُ ذَواتِنا بَيْنَ يَدَيّ الرَّبِّ بِثِقَةٍ وَتَواضُعٍ وَرَجاء.
يسوعُ وَضَعَ تلاميذَهِ، وَيَضَعُنا نَحْنُ اليَوْمَ أمامَ مَسْؤولِيّةِ تَثْميرِ المَواهِبِ وَالوَزَناتِ المُعْطاةِ لَنا مِنَ اللهِ، مَهْما بَدَتْ مَحْدودَةً،وَاللهُ يَجْعَلُها يَنابيعَ ماءٍ حَيٍّ وَعَطايا لا تَنْضَب.
تُلاقي هَذِهِ الحادِثَةُ ما يَقُولُهُ الرَّسولُ بُولُسُ إلى تِلْميذِهِ تيموثاوس في خاتِمَةِ حَياتِهِ: «تَيَقَّظْ في كُلِّ شَيْءٍ واحْتَمِلِ المَشَقَّاتِ واعْمَلْ عَمَلَ المُبَشِّرِ وَأوْفِ خِدْمَتَكَ. أمّا أنا فقَدْ جاهَدْتُ الجِهادَ الحَسَنَ، وَأتْمَمْتُ شَوْطي وَحَفِظْتُ الإِيمان». الرَّسولُ لا يَتَباهَى بِإِنْجازاتِهِ، وَلا يَتَحَدَّثُ عَنْ نَجاحاتِهِ بِحَسَبِ مَقايِيسِ العالَمِ، بَلْ يُقَدِّمُ حَياتَهُ قُرْبانًا لله. لَقَدْ فَعَلَ في حَياتِهِ ما فَعَلَهُ التَّلامِيذُ في الإِنْجيلِ، أَيْ وَضَعَ كُلَّ ما عِنْدَهُ بَيْنَ يَدَيّ المَسيح، لِذَلِكَ إِسْتَطاعَ أَنْ يَقُولَ في نِهايَةِ الطَّرِيقِ إِنَّ إِكْلِيلَ البِرِّ قَدْ أُعِدَّ لَهُ، لَيْسَ لأَنَّهُ كانَ بِلا ضُعْفٍ، بَلْ لأَنَّهُ حَمَلَ صَليبَهُ وَعَلَّمَ وَعَمِلَ وَبَقِيَ أَمِينًا لِلمَسِيحِ حَتَّى النِّهايَة.
إِنَّ المَغْزى مِنَ الإِنْجِيلِ وَالرِّسالَةِ هُوَ أَنَّ اللهَ لا يَطْلُبُ مِنَ الإِنْسانِ عَمَلَ ما لَيْسَ في طاقَتِهِ بِقَدْرِ ما يَطْلُبُ مِنْهُ الأَمانَةَ. التَّلامِيذُ كانُوا فُقَراءَ لَكِنَّهُمْ تَبِعوهُ وَأطاعوا كَلِمَتَهُ، وَبُولُسُ كانَ مُضْطَهَدًا، لَكِنَّهُ بَقِيَ ثابِتًا في الإيمان. في الحالَتَيْنِ ظَهَرَتْ قُوَّةُ اللهِ في ضُعْفِ الإِنْسانِ، وَهَذا ما يُعَبِّرُ عَنْهُ الرَّسولُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتي في الضُّعْفِ تُكْمَل» (2 كو 12: 9 ).
يا أَحِبَّة، لَعَلَّ أَخْطَرَ ما يُواجِهُ المَسِيحِيَّ اليَوْمَ لَيْسَ قِلَّةَ الإِمْكاناتِ، بَلْ قِلَّةُ الثِّقَةِ بِالله. كَثِيرًا ما نَقُولُ إِنَّ الشَّرَّ تَفَشّى، والأنانِيَّةَ زادَتْ، وَالمُجْتَمَعَ تَغَيَّرَ، وَالتَّرْبِيَةَ أَصْبَحَتْ أَصْعَب، وَالإنْسانَ يُواجِهُ تَحَدِّياتٍ كَبِيرَةً. كُلُّ هذا صَحِيحٌ، لَكِنَّ الإِنْجيلَ يَسْأَلُنا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عَمَّا سَنَفْعَلُ بِما هو بَيْنَ أَيْدينا، هَلْ سَنَجْعَلُ بُيُوتَنا أَمْكِنَةً لِلصَّلاةِ؟ هَلْ سَنَغْفِرُ لِمَنْ أَساءَ إِلَيْنا؟ هَلْ سَنَشْهَدُ لِلحَقِّ في أَعْمالِنا؟ هَلْ سَنُعْطي المُحْتاجَ مِنْ وَقْتِنا وَمالِنا وَاهْتِمامِنا؟ المَسِيحُ لا يَبْدَأُ بِتَغْييرِ العالَمِ دَفْعَةً واحِدَةً، بَلْ يَبْدَأُ بِقَلْبٍ يُسَلَّمُ لَهُ، فَيَجْعَلُ مِنْهُ بَرَكَةً لِلآخَرِينَ، يَشُعُّ بِنورِ المسيح.
عالَمُنا يَعيشُ جَفافًا روحِيًّا، وانْحِطاطًا في القِيَمِ وَالأخلاقِ، وَجَشَعًا إلى السُلْطةِ وَالمالِ وَالدَم. اللهُ مُغَيَّبٌ، وَهذا يَزيدُ العالَمَ ظُلْمَةً وَشَرًّا، وَالظُلْمَةُ تُوَلِّدُ القَلَقَ فَيَغيبُ الرَجاء. إنجيلُ اليوم يُعَلِّمُنا أنَّ اللهَ حاضِرٌ في كُلِّ وَقْتٍ ليُسانِدَنا وَيَنْتَشِلَنا مِنْ ضُعْفِنا وَحَيْرَتِنا وَمَحْدودِيَّةِ قُدْرَتِنا. يَكْفي أنْ نَثِقَ بِهِ وَنَصْرُخَ « قُلْ كَلِمَةً فَقَط»( متى 8: 8 ) وَنَقْتَرِبَ مِنْهُ حامِلِينَ إِلَيْهِ ضُعْفَنا وَقِلَّةَ ما نَمْلُكُ مَعَ رَجائنا بِأنَّهُ قادِرٌ على كُلِّ شَيْء، وأنَّ ما يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَتَقَدَّسُ وَيَتَبارَكُ وَيَتَضاعَف. وَلْنَثْبُتْ، كما الرَّسُولُ بُولُس، في الجِهادِ الحَسَنِ، حافِظِينَ الإِيمانَ، غَيْرَ خائِفِينَ مِنْ صُعُوبَةِ الطَّرِيقِ، لأَنَّ الرَّبَّ الَّذي بارَكَ الأَرْغِفَةَ القَلِيلَةَ وَكَثَّرَها، هُوَ نَفْسُهُ الَّذي يُقَوِّي خُدَّامَهُ، وَيُكَمِّلُ ضُعْفَهُمْ، وَيَمْنَحُهُمْ إِكْلِيلَ البِرِّ الَّذي أَعَدَّهُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ أَحَبُّوهُ، آمين.

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ١٩ تموز ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط ب...
19/07/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ١٩ تموز ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، في الأحَدِ الواقِعِ بَيْنَ 13 و19 تَموز تُقيمُ كَنيسَتُنا المُقَدَّسَة تَذْكارَ آباءِ المَجْمَعِ المَسْكُونِيّ الرَّابِعِ المُنْعَقِدِ في مَدينَةِ خَلْقيدونية سنة 451، الذين أعْلَنوا أنَّ يسوعَ المسيح، كَلِمَةَ اللهِ المُتَجَسِّدَ، هُوَ إلَهٌ كامِلٌ وَإنْسانٌ كامِلٌ في طَبيعَتَيْن، إلَهِيَّةٍ وَبَشَرِيَّة، مُتَّحِدَتَيْنِ في شَخْصِهِ. إنَّهُ اتِّحادٌ مُعْجِزٌ تَمَّ بَيْنَ الأُلوهَةِ وَالناسوتِ يَعْجَزُ العَقْلُ البَشَرِيُّ عَنْ إدراكِهِ لأنّهُ سِرٌّ لا يُفَسَّر، لذلك عَبَّرَ عَنهُ آباءُ مَجْمَعِ خَلقيدونية بِقَوْلِهِمْ «نَعْتَرِفُ بِرَبٍّ واحِدٍ يَسوع المسيح، هُوَ نَفْسُهُ كامِلٌ في اللاهوت، وَهُوَ نَفْسُهُ كامِلٌ في الناسوت، إلهٍ حَقّ وَإنْسانٍ حَقّ... المَعْروفِ في طَبيعَتَيْنِ بِغَيْرِ اخْتِلاطٍ وَلا تَغْييرٍ وَلا انْقِسامٍ ولا انْفِصال».
الكَنِيسَةُ لا تُكَرِّمُ الآباءَ فَقَط لأَنَّهُم انْتَصَرُوا في جِدالٍ لاهُوتِيّ، أَوْ لأَنَّهُمْ صاغُوا تَعْرِيفًا عَقائِدِيًّا، بَلْ لأَنَّهُمْ تَألَّقوا بِنُورِ المَسِيحِ وَجَعَلُوا هَذا النُّورَ يَسْطَعُ في العالَمِ عَبْرَ تَعْلِيمِهِمْ وَقَداسَتِهِمْ وَشَهادَتِهِمْ.
عِنْدَما قالَ الرَّبُّ لِتَلامِيذِهِ: «أَنْتُمْ نُورُ العالَمِ»، لَمْ يُقَدِّمْ لَهُمْ وَصِيَّةً أَخْلاقِيَّةً بَلْ كَشَفَ لَهُمْ سِرَّ هُوِيَّتِهِم الجَدِيدَة. فَالإِنْسانُ، مُنْذُ السُّقُوطِ، جَلَسَ «في الظُّلْمَةِ وَظِلالِ المَوْتِ» (لو 1: 79)، وَأَصْبَحَ عاجِزًا عَنْ رُؤْيَةِ اللهِ وَعَنْ مَعْرِفَةِ ذاتِهِ الحَقِيقِيَّة. عِنْدَما أَتَى الإبْنُ الوَحِيدُ إلى العالَمِ أَشْرَقَ «النُّورُ الحَقِيقِيُّ الَّذي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسانٍ آتٍ إلى العالَمِ» (يو 1: 9) وقَدْ صِرْنا شُرَكاءَ في هَذا النُّورِ الإِلَهِيِّ بِاتِّحادِنا بِالمَسِيحِ في المَعْمُودِيَّةِ وَالمَيْرونِ المُقَدَّسِ وَالإِفْخارِسْتِيَّا. لِذَلِكَ يَقُولُ القِدِّيسُ غريغوريوسُ النِّيصَصِيُّ إِنَّ المَسِيحِيَّ هُوَ «مَنْ صارَ بِالمُشارَكَةِ ما هُوَ المَسِيحُ بِالطَّبِيعَةِ». المَسِيحُ هُوَ النُّورُ بِالطَّبِيعَةِ أَمَّا نَحْنُ فَنَصِيرُ نُورًا بِالنِّعْمَةِ وَالمُشارَكَة. لِذا المَسِيحِيُّ مَدْعُوٌّ أَنْ يَعْكِسَ في حَياتِهِ نُورَ وَجْهِ المَسِيحِ، وَأَنْ يَصِيرَ حُضُورُهُ في العالَمِ شَهادَةً حَيَّةً لِلحَقِيقَةِ الإِلَهِيَّة.
هَذا ما حَقَّقَهُ آباءُ المَجْمَعِ المَسْكُونِيّ الرَّابِع. فَفي القَرْنِ الخامِسِ لَمْ يَكُنِ الخِلافُ الدَّائِرُ حَوْلَ المَسِيحِ مُجَرَّدَ اخْتِلافٍ في الأَلْفاظِ، بَلْ كانَ يَتَعَلَّقُ بِخَلاصِ الإِنْسانِ نَفْسِه. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذي وُلِدَ مِنَ العَذْراءِ مَرْيَمَ هُوَ نَفْسُهُ ابْنُ اللهِ المُتَجَسِّدُ، وإِنْ لَمْ يَكُنِ الَّذي ماتَ على الصَّلِيبِ هُوَ نَفْسُهُ رَبُّ المَجْدِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلإِنْسانِ أَنْ يَتَأَلَّهَ ؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ لِلطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ أَنْ تَتَجَدَّدَ ؟
لَقَد أكَّدَ آباءُ المَجْمَعِ الخَلْقيدُونِيّ، دَحْضًا لِلتَعاليمِ المُنْحَرِفَة،أَنَّ رَبَّنا يَسوعَ المَسِيحَ هُوَ «ابْنٌ واحِدٌ، وَرَبٌّ واحِدٌ، مَعْروفٌ في طَبِيعَتَيْنِ، بِغَيْرِ اخْتِلاطٍ وَلا تَغَيُّرٍ وَلا انْقِسامٍ وَلا انْفِصال». لَقَدْ حافَظَ الآباءُ على التَّوازُنِ الإِنْجِيلِيّ العَجِيبِ، حَيْثُ المَسِيحُ لَيْسَ إِنْسانًا تَبَنّاهُ اللهُ، وَلا إِلَهًا ابْتَلَعَ إِنْسانِيَّتَنا، بَلْ هُوَ الكَلِمَةُ المُتَجَسِّدُ، الإِلَهُ الكامِلُ وَالإِنْسانُ الكامِلُ. لذا، تُرَتِّلُ الكَنِيسَةُ في عِيدِ المِيلادِ: «مِيلادُكَ أَيُّها المَسِيحُ إِلَهُنا قَدْ أَشْرَقَ نُورَ المَعْرِفَةِ لِلعالَم». التَّجَسُّدُ في الفِكْرِ اللِّيتورْجِيّ الأُرْثوذُكْسِيّ هُوَ حَدَثُ اسْتِنارَةٍ. لَقَدْ أَتى اللهُ إلى عالَمِنا لِيُبَدِّدَ ظُلْمَةَ الجَهْلِ وَالخَطِيئَةِ وَالمَوْت. إِنَّ خَلاصَنا ما كانَ مُمْكِنًا لَوْ لَمْ يَكُنْ يَسوع إنْسانًا حَقيقِيًّا «جُرِّبَ في كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَنا ما خَلا الخَطيئة» (عب 4: 15 ) وَإلهًا حَقيقِيًّا قادِرًا أنْ يَنْتَشِلَنا مِنْها. لِذَلِكَ خَلاصُنا لَيْسَ عَمَلاً خارِجِيًّا أو قانونِيًّا بَلْ هُوَ اتِّحادٌ حَقيقِيٌّ باللهِ في المسيح.
كانَ آباءُ المَجْمَعِ الرَّابِعِ، بِالمَعْنَى الكِتابِيِّ، «مَدِينَةً مَوْضُوعَةً على جَبَلٍ». لَقَدْ رَفَعُوا سِراجَ الإِيمانِ كَيْ لا تَضِيعَ الكَنِيسَةُ في ظُلُماتِ التَّعْلِيمِ الخاطِئ.
غَيْرَ أَنَّ الربَّ لا يَتَوَقَّفُ عِنْدَ الإِيمانِ الصَّحِيحِ، بَلْ يَنْتَقِلُ مُباشَرَةً إلى ثِمارِه قائِلًا: «لِكَيْ يَرَوا أَعْمالَكُمُ الصَالِحَة». الحَقُّ الَّذي لا يَتَحَوَّلُ إلى حَياةٍ يَبْقَى عَقِيمًا. لِذلكَ، يَقولُ الرَّسولُ بولُس لِتِلْميذِهِ تيطُس: «صادِقَةٌ هِيَ الكَلِمَةُ وإِيَّاها أُرِيدُ أَنْ تُقَرِّرَ حَتَّى يَهْتَمَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ في القِيامِ بِالأَعْمالِ الحَسَنَة» (تي 3: 8). هَذا الرَّبْطُ بَيْنَ الإِيمانِ والعَمَلِ هُوَ مِنْ صَمِيمِ التَّقْلِيدِ الأُرْثوذُكْسِيّ. يُعَلِّمُ القِدِّيسُ مَكسيموس المُعْتَرِفُ أَنَّ العَقِيدَةَ وَالعَمَلَ مُتَلازِمانِ، لأَنَّ «اللَّاهوتَ مِنْ دُونِ تَطْهِيرٍ هُوَ لاهُوتُ الشَّياطِين». الشَّياطِينُ تَعْرِفُ مَنْ هُوَ المَسِيحُ لَكِنَّها لا تُحِبُّهُ وَلا تَشْتَرِكُ في حَياتِهِ. أَمَّا المَسِيحِيُّ الحَقِيقِيُّ فَتَقُودُهُ مَعْرِفَتُهُ بِالمَسِيحِ إلى التَّواضُعِ وَالتَّوْبَةِ، وَمَحَبَّةِ الإِخْوَةِ، وَخِدْمَةِ المُحْتاجِينَ.
لا يَطْلُبُ الرَّسولُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُومُوا بِأَعْمالٍ صالِحَةٍ لِيَسْتَحِقُّوا الخَلاصَ، بَلْ لأَنَّهُمْ قَدْ نالوا الخَلاصَ مَجَّانًا. لَيْسَتِ الأَعْمالُ الحَسَنَةُ ثَمَنًا لِلنِّعْمَةِ، بَلْ ثَمَرٌ لَها. إِنَّها إِشْعاعُ النُّورِ الَّذي اسْتَقَرَّ في قَلْبِ الإِنْسان.
نُرَتِّلُ في القُدَّاسِ الإِلَهِيِّ بَعْدَ المُناوَلَةِ: «قَدْ نَظَرْنا النُّورَ الحَقِيقِيّ، وَأَخَذْنا الرُّوحَ السَّماوِيّ، وَوَجَدْنا الإِيمانَ الحَقّ». الكَنِيسَةُ تَرْبُطُ بَيْنَ النُّورِ وَالإِيمانِ الحَقّ. الإِنْسانُ الَّذي يُعايِنُ المَسِيحَ في الإِفْخارِسْتِيَّا يَحْمِلُهُ إلى العالَمِ وَيَشْهَدَ لَهُ في حَياتِه.
هُنا تَكْمُنُ الرِّسالَةُ الَّتي يُقَدِّمُها لنا آباءُ المَجْمَعِ الرَّابِع. فَالخَطَرُ الَّذي يُهَدِّدُ الكَنِيسَةَ لَيْسَ الهَرْطَقَةَ العَقَائِدِيَّةَ فَحَسْب، إنَّما أَيْضًا الإنْفِصالُ بَيْنَ العَقِيدَةِ وَالحَياة. قَدْ نَفْتَخِرُ بِأَنَّنا نَحْفَظُ الإِيمانَ المُسْتَقِيمَ، لَكِنَّ هَذا الإِيمانَ يَفْقِدُ مِصْداقِيَّتَهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ في سُلوكِنا اليَوْمِيّ. فَما نَفْعُ الإعْتِرافِ بِالمَسِيحِ إِلَهًا مُتَجَسِّدًا إِنْ كُنَّا لا نَرَى صُورَتَهُ في الفَقِيرِ، وَلا نَخْدُمُهُ في المُتَأَلِّمِ، وَلا نَقْتَنِي تَواضُعَهُ وطاعَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ؟
يَقولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَم: «لا يَكْفي أَنْ تَكُونَ العَقِيدَةُ مُسْتَقِيمَةً، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الحَياةُ أَيْضًا مُسْتَقِيمَةً». لِذَلِكَ تَدْعُونا الكَنِيسَةُ اليَوْمَ إلى أَنْ نَصِيرَ نَحْنُ أَيْضًا نورًا في هَذا العالَمِ، وشُهُودًا لِلحَقِّ وَالمَحَبَّةِ في آنٍ.
يا أَحِبَّة، يَعِيشُ عالَمُنا اليَوْمَ أَشْكالًا كَثِيرَةً مِنَ الظُّلْمَةِ: الإِيمانُ الشَّكْلِيُّ وَالأَنانِيَّةُ وَالكبرياءُ وَالعُنْفُ وَفُقْدانُ الرَّجاء... المؤمِنُ لا يَلْعَنُ الظُّلْمَةَ فَقَطْ، بَلْ يَعْكُسُ نورَ المَسيح فِيها. الشَّمْعَةُ لا تُجادِلُ الظَّلامَ لَكِنَّها تُبَدِّدُهُ بِحُضُورِها. فَلْنُصَلِّ إلى المَسيحِ، نُورِ العالَمِ، كي يَحْفَظَنا أُمَناءَ لِلإِيمانِ الرَّسولِيّ الَّذي سُلِّمَ لَنا، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ حَياتِنا إِنْجِيلًا حيًّا، شَهادَةً صاخِبَةً بالمَحَبَّةِ وَالتَواضُعِ وَالرَحْمَةِ وَالخِدْمَةِ، لِيَرَى العالَمُ أَعْمالَنا الحَسَنَةَ وَيُمَجِّدَ الآبَ السَّماوِيَّ، آمين.

Address

Unesco
Beirut

Opening Hours

Monday 07:00 - 16:00
Tuesday 07:00 - 16:00
Wednesday 07:00 - 16:00
Thursday 07:00 - 16:00
Friday 07:00 - 16:00

Telephone

+9611819823

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when Collège St Elie Btina posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Shortcuts

Share

Category