حكايات ريما و خالها .. ..بانتظار مدلج *
(محاولة كتابة لنص مسرحية باءت بالفشل الذريع وبقي في الأدراج )
ريما: يا خالي… إجا صالح.
الخال: مين صالح؟ قصدِك راجح؟
ريما: لا… صالح. راجح مريض، وعم يتعافى بالمستشفى.و ما رح يرجع متل قبل .
الخال: شو صاير معه؟
ريما: شوية مشاكل صحية أثّرت على حركته وقوة عضلاته، ففضل يرتاح و يبعد عن الصراعات و المشاكل .
الخال :يعني انتهى ؟
ريما : لا ما انتهى بس تعب كتير، و الناس تعبت منه.
الخال: وصالح؟ شفتيه؟ حكيتي معه؟
ريما: إي… بس ما بيحكي عربي.
الخال: مشكلة… إذا ما بيحكي عربي، كيف الناس بدها تفهم عليه؟ وكيف بدنا نخوّفها منه؟
ريما: معك حق يا خالي. ما حدا مقتنع فيه. الناس عم تستهزىء فيه و بخبرياته مع إنو جسمه وعضلاته أكبر بكتير من راجح.
الخال: يعني لا القديم نافع، ولا الجديد مقنع…
شو الحل برأيك؟ كيف بدنا نرجع نجمع سكان الضيعة بالسهرات والليالي؟ ما بقبل يضلوا متفرقين.و الاهم ما لازم يبتعدوا عنا .
ريما : يمكن… لازم ننسى قصة راجح وصالح.
الخال: ونروح لوين؟
ريما: على قصة جديدة…
شو رأيك نحكيلهم عن مدلج؟
كيف وقف بوجه فاتك المتسلّط، وحرّر شعبه من القمع والذل، و كيف رجع لاهله الحق و الكرامة وساعدهم يعيشوا حياة حرة وسعيدة؟
الخال: قولك بعد بهمهم التاريخ و البطولات بعد كل اللي مرقوا فيه ؟
ريما : اكيد …و بهالحالة منرجعلهم امجاد الماضي و التاريخ و القيم الوطنية ..
الخال : بس هالقصة بتجمعهم متل ما راجح كان يجمعهم ؟
ريما: وأكتر! الخوف من راجح كان يخليهم يتخبوا ببيوتهم.. بس الإيمان بمدلج بيخليهم يوقفوا وراك بساحة الضيعة. بكرا ناس بتقول مدلج راجع يحميهم، وناس بتقول جايي يطهر الضيعة من الغرباء.. المهم الكل بيصير ينطر إشارة منه.
الخال: ممتاز! لما كل واحد يركب صورة مدلج على قياس أحلامه أو مخاوفه.. بيصير مدلج هو الحقيقة الوحيدة. ما عاد مهم إذا هو عدو أو مخلص.. المهم الكل يتفق إنو "مدلج" هو الحل.ساعتها بيصير أكبر و بتصير تكبر القصة و يكتر التشويق فيها .
وهيك نحنا منكون وصلنا للي بدنا ياه.وأهل الضيعة بيصيروا مجموعين حولنا…وحول قصصنا الحلوة.
حتى لو كانت وهمية.
المهم…إنو بالموسم الجاي،وبكل موسم…
يرجعوا يتجمعوا حوالينا . ونسمعهم قصص جديدة .
في هذه الضيعة الحزينة و المنهكة ، الحقيقة هي مجرد قصة لم يجرؤ حتى الان احداً على روايتها بعد . اما الوهم فهو الحكاية التي يفضل الجميع تصديقها ، بحثاً عن الامان ،و خوفاً على مستقبل لم يختاروه ، وغد لا يملكونه .
————————————————————-
*حوار مرتكز بتصرّف على افكار من مسرحيتي “بياع الخواتم" و "جبال الصوان "
الاقتصاد اللّبناني والعربي
صفحة تعنى باالشؤون الاقتصادية و السياسية Historique et adresses
La Faculté des Sciences commerciales a été fondée par le Décret- Loi du 26 décembre 1967.
C'est le 20 août 1970 qu'elle devint la Faculté de Gestion. Le 13 novembre 1981, le nom a de nouveau été modifié pour devenir Faculté des Sciences économiques et de Gestion des entreprises. Doyen : Dr. Ghassan El Chlouk
Fourth Branch: Aley. Téléphone : 05-556145, 05-553334. Directeur : Dr. Ramzi Saab
06/02/2026
لبنان : الشعب العنيد …والانتخابات النيابية
الإعجاز في الإنجاز
بعد توقيع وزير الداخلية مرسوم دعوة الهيئات الناخبة ،قد يتوجه الشعب اللبناني في ٣ ايار إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بصوته في الانتخابات النيابية، وجعبته مليئة بالإنجازات والإبداعات، على المستويين الوطني والشخصي،السياسي والاقتصادي
لقد تحقّق خلال السنوات الأربع الماضية، وبهمة النواب على اختلاف تلاوينهم، والطامحين للنيابة على تنوع توجهاتهم وانتماءاتهم و مساهمتهم في الحياة السياسية ، كم هائل من الإنجازات التي لا شك أنها انتشلت بلدنا من قعر الكساد الاقتصادي، والهدر المالي، والتخلف الثقافي، والشلل القانوني، والانقسام السياسي، والتعصب الطائفي والمذهبي، إلى فضاءات أوسع من الازدهار والاستقرار و التضامن و العيش المشترك ….
وبفضل نواب الأمة ووزرائها، تحققت الإنجازات التالية التي يجب الإضاءة عليها للأمانة التاريخية من جهة ، و لانارة الطريق امام الناخب من جهة اخرى :
١-تم وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتحرير الأراضي المحتلة حديثاً ، وإعادة الاسرى في إنجاز سيادي غير مسبوق.
٢- جرى تعزيز التضامن الوطني بين" الجناحين " بشكل رئيسي، وكذلك بين مختلف المناطق اللبنانية، حتى بات الانسجام سيد الموقف .
٣-انطلقت ورشة إعادة إعمار واسعة، بالاعتماد على الإيرادات العامة للدولة، من دون ديون أو أعباء إضافية.
٤-استعاد المودعون ودائعهم كاملة، بفضل قانون الانتظام المالي الذي يعد من أهم القوانين في تاريخ لبنان، والذي أعاد الثقة بالقطاع المصرفي، وحمى أموال المودعين من التآكل بفعل التضخم المحلي والمستورد.
٥-أقرت سلسلة جديدة للرتب والرواتب، ارتكزت على الحس الوطني العالي للسادة النواب والوزراء، وتناسبت بانسجام تام مع الارتفاعات الكبيرة في الرسوم والضرائب.
٦-اعيد تفعيل مجلس الخدمة المدنية، ففتحت أبواب الوظيفة العامة أمام الأكفاء وحدهم، دون أي محاصصة أو زبائنية أو منة من أحد، ولا سيما في التعيينات من الفئة الأولى.
٧-أنجز استقلال القضاء قولاً وفعلاً، لدرجة أن الأحكام الصادرة في العديد من القضايا الشائكة صدمت اللبنانيين بدقتها وموضوعيتها ونزاهتها.
٨-أُنجزت مشاريع عدة في قطاع الكهرباء، فعادت التغذية إلى 12 ساعة يومياً، وهو إنجاز بحق… لدرجة الإعجاز .
٩-أما البنى التحتية فكانت عروس الإنجازات، لا سيما الطرقات، حيث جرى تخطيط الطرق بالأبيض والأصفر ، كطريق المطار ، وتزفيت أجزاء واسعة منها، كطريق المطار، إضافة إلى إنارة الأنفاق، كنفق طريق المطار.
١٠-وبدهشة بالغة من موظفي صندوق النقد الدولي، و عيون ملىء بدموع الفرح ، جرى الإعلان عن القضاء على آخر معاقل الفساد في الإدارات العامة والمؤسسات الرسمية، وتطبيق قانون الإثراء غير المشروع على جميع موظفي القطاع العام ، من الوزير إلى عامل الأمانة، فضلاً عن تفعيل قانون حق الوصول إلى المعلومات، تعزيزًا للشفافية والحوكمة.
١١-تم لانتقال بسلاسة إلى الحكومة الإلكترونية، فأصبحت المعاملات الإدارية تنجز بسهولة عبر الفاكس أو البريد الإلكتروني، دون عناء الانتقال أو الانتظار.فخفت الرشاوى و استقام العمل الإداري .
١٢-أ نجز مشروع مشترك مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمكافحة التهريب الجمركي، وخضع موظفو وزارة المالية والوزارات المعنية لدورات متقدّمة في هذا المجال ساهمت في تعزيز مستوى معيشتهم .
١٣-زادت الإيرادات الضريبية بشكل ملحوظ عبر تفعيل الجباية، فلم يبقَ أي نشاط اقتصادي خارج نطاق الدولة ورعايتها الضريبية.فحلت العدالة بين اللبنانيين في تحمل الاعباء الضريبية .
١٤-فعلت القوانين المشلولة، من قانون السير إلى قانون منع التدخين في الأماكن العامة، وقانون الصيد البري، و قانون سلامة الغذاء ،الى قانون التقاعد و الحماية الاجتماعية وغيرها من القوانين التي لم تعد حبراً على ورق .
١٥- أُدخل جميع الأجراء والمياومين والمتعاقدين إلى الملاك، تأميناً لحياة كريمة لهم ولعائلاتهم، ترسيخاً للاستقرار الاجتماعي.
١٦ - تم إحداث نقلة نوعية في القطاع الزراعي، فانتقل إلى عصر الذكاء الاصطناعي، حيث جرى — بالتعاون الوثيق مع وزارة الزراعة — إدخال طائرات الدرون لرش المبيدات والأسمدة ، والروبوتات لحراسة المحاصيل والثروات الحيوانية. وقد توج هذا الإنجاز بتوزيع طائرة درون واحدة وروبوت واحد لكل مزارع، وفق ملفات المزارعين المحفوظة بدقة متناهية، في دولة لا يضيع فيها ملف ولا يتأخر إجراء
١٧- تم تعزيز المدرسة الرسمية حتى اصبحت تضاهي اعرق المدارس الخاصة و كذلك تم دعم الجامعة اللبنانية و اعيدت لها استقلاليتها و عززت مواردها المالية .
١٨- استعادت الدولة الأملاك البحرية و تم وضع شروط قاسية على عمل المقالع و الكسارات حفاظاً على ما تبقى من البيئة . و اعيد تشجير الغابات و الاحراج و استعاد لبنان صفة الاخضر .
١٩- تم استعادة مبالغ كبيرة من الاموال المنهوبة و التي حولت إلى تعزيز الحماية الاجتماعية ودعم الشرائح الفقيرة .
أمام هذا السجلّ الحافل من الإنجازات التاريخية، لا يسع المواطن اللبناني إلا أن يتوجه إلى صناديق الاقتراع مرفوع الرأس، ممتلئ الصدر فخرًا، مطمئنًّا إلى مستقبل مشرق صُنع له بعناية فائقة.
فما دام هذا هو الواقع، وما دامت هذه هي الحصيلة، فإن السؤال الوحيد الذي يفرض نفسه ليس: لماذا ننتخب ؟
بل :كم كان هذا الشعب العنيد مصيباً في خياراته السابقة و كيف استطاع ان يتحمل كل هذا الكم من الانجازات ؟
02/02/2026
الأزمة اللبنانية: حين يتحوّل العلاج إلى سبب إضافي للانهيار.
في الطب، يبدأ العلاج بتشخيص دقيق للمرض، وعلى أساسه تحدد مسارات المعالجة، من الوقاية إلى الدواء، وصولا إلى الجراحة عند الضرورة.
هذا المنهج لا ينطبق على الأمراض الصحية فحسب، بل يشكل قاعدة أساسية في مقاربة الأزمات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية ،
فالتشخيص الخاطئ يفضي حتماً إلى علاج خاطئ، أما التشخيص السليم المصحوب بسياسات غير فعالة فلا يقل خطورة، إذ يطيل أمد المعاناة ومع الاستمرار في المعالجة الخاطئة يصبح الانهيار أمراً حتميا.
في الحالة اللبنانية، بات التشخيص شبه محسوم: الأزمة الاقتصادية والنقدية هي نتيجة فساد ممنهج ومتراكم، تغلغل في مؤسسات الدولة والاقتصاد، وتحول مع الوقت إلى نمط إدارة وسلوك وثقافة عامة وممارسة شبه يومية داخل مؤسسات الدولة و المجتمع .
إذاً المشكلة في لبنان اليوم لا تكمن اليوم في غياب التشخيص، بل في الفجوة الواسعة بين هذا التشخيص والمعالجات المعتمدة.
فالسياسات المطروحة لا ترقى إلى مستوى الأزمة، وغالباً ما تأتي على شكل إجراءات تخديرية مؤقتة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي أو شراء الوقت، من دون التطرق إلى الأسباب البنيوية للانهيار. ومعالجتها و استئصال جذورها .
ويضاف إلى ذلك غياب رؤية اقتصادية شاملة، والاهم ضعف تقدير الآثار الجانبية و المضاعفات السلبية للقرارات و التشريعات المتخذة . ما يعكس حالة من العقم الفكري والمعرفي من جهة ،والاستسهال في طرح الحلول من دون دراسات وافية كافية علمية أو منهجية من جهة اخرى .
كما يعتمد صانعو القرار، في كثير من الأحيان، على مقاربات مستوردة و خبرات اجنبية لا تأخذ في الاعتبار خصوصية الواقع اللبناني وتعقيداته السياسية والاجتماعية والطائفية ، بالرغم من ان العديد من المؤسسات الدولية و على راسها صندوق النقد الدولي قد أشار إلى سبب الأزمة الحقيقي والتي تتطابق مع راي اكثرية اللبنانيين مطالباً بمعالجتها وذلك من خلال الشروط التي وضعها من اجل توقيع اتفاق مع لبنان .
في المقابل، يعاني المشهد التحليلي المحلي من ارتهان واسع للخبراء والمحللين و المستشارين ، سيما الاقتصاديين منهم لمرجعيات سياسية أو طائفية او مالية ، ما حد من قدرتهم على تقديم قراءات مستقلة وموضوعية، وأفقدهم القدرة على مقاربة القضايا بعيداً عن الغشاوة الأيديولوجية أو الطائفية أو الفئوية او المصلحية. وأسهم في إعادة إنتاج المنطق نفسه الذي أوصل البلاد إلى الانهيار..
نتيجة لذلك، تأتي غالبية الحلول المطروحة إما ترقيعية ومؤقتة، أو خادمة لخطط و لأجندات خارجية، أو موجهة لحماية مصالح الزعامات والطوائف وكبار رجال الأعمال ، ولكنها بالتاكيد ليست لمصلحة الدولة والمجتمع. وينطبق هذا النمط على سياسات الحكومات المتعاقبة، التي فشلت في تقديم حلول بنيوية حقيقية..
فالقرار الشعبوي والعشوائي على سبيل المثال الذي اتخذته حكومة حسان دياب بدعم السلع الغذائية والاستهلاكية، حيث أنفِق ما يقارب 25 مليار دولار كان الاقتصاد اللبناني بأمس الحاجة إليها. ذهب الجزء الأكبر من هذه الأموال إلى جيوب بعض التجار والنافذين والمستفيدين، فيما جرى تحويل جزء كبير منها إلى حسابات خاصة في مصارف خارجية. خطوة ظن أنها علاجية، لكنها لم تكن سوى إجراء تخديري مؤقت، ما إن انتهت مفاعيله حتى عادت الامور إلى نقطة الصفر، لتحرر الأسعار لاحقاً ويسمح بالتسعير بالدولار، فتبددت اموال الدعم من دون معالجة الأزمة التي تفاقمت في السنوات اللاحقة.
وينسحب الأمر نفسه على مقاربة معالجة الفجوة المالية، حيث طغت النظرة المحاسبية الضيقة على أي قراءة اقتصادية شاملة. فالقانون المطروح لاستعادة الانتظام المالي ، يركز على إعادة توزيع الخسائر، من دون معالجة أسباب الانهيار أو محاسبة المسؤولين عنه، ولم تتم حتى دراسة تداعيات القانون الجانبية، بمعنى آخر ما هي المضاعفات الاقتصادية و النقدية وحتى الاجتماعية التي قد تنتج عن هذه الاجراءات المندرجة في القانون . ولا سيما الموضوع الاهم على الإطلاق إلا وهو الثقة بالنظام المصرفي. فهل يسهم هذا القانون فعلياً في استعادة الثقة، أم يكتفي بإعادة توزيع الخسائر من دون محاسبة المسؤولين عن الانهيار؟
صحيح أن استعادة جزء من الودائع تشكل أولوية إنسانية واقتصادية للمودعين الذين يعانون من تآكل قدرتهم الشرائية وحرمانهم من أموالهم، إلا أن ذلك وحده لا يكفي لاستعادة الثقة الحقيقية. فالثقة لا تبنى بالأرقام وحدها، بل تبدأ بالمحاسبة، وبإظهار جدية الدولة في تحميل المسؤوليات لمن بدد المال العام وخاطر بأموال الناس. فغياب المحاسبة عن هؤلاء يجعل أي إجراء مالي ناقصاً ومفتقداً للمصداقية.
ولو جرى البدء بمحاسبة من هدر الأموال العامة ومن تسبب بخسارة الودائع و احتجاز ما تبقى منها ، ضمن ما يتيحه القانون، لشعر المواطنون، بمن فيهم المودعون، بأن الدولة تسير في الاتجاه الصحيح، ولشكل ذلك مدخلا فعلياً لاستعادة الثقة بالحكومة ومؤسساتها.
كما يطرح مشروع إعادة 100 ألف دولار على مدى أربع سنوات، بما مجموعه نحو 18 مليار دولار، تساؤلات جوهرية حول مصير هذه الأموال: هل ستعود إلى القطاع المصرفي لإنعاشه واستعادة دوره الطبيعي، أم ستكتنز في المنازل أو تحول إلى الخارج؟ وهل كان من المنطقي إقرار هذه الإجراءات من دون تشريع قانون واضح للكابيتال كونترول يحمي ما تبقى من السيولة؟
والأخطر من ذلك أن تقسيم الودائع إلى مؤهلة ما قبل بدء الأزمة وغير مؤهلة ما بعدها يعمق الشعور باللاعدالة، ويكرس قناعة لدى المواطنين بأن الدولة والمصارف تسعيان إلى تحميل الخسائر للناس بدل تحمل مسؤولياتهما الأخلاقية والوظيفية.
وفي ظل غياب الثقة، لا يمكن للمصارف أن تستعيد دورها المحوري في الاقتصاد القائم على تجميع المدّخرات وإعادة ضخها في الاستثمار المنتج، وهذه التفاصيل المهمة لن تحل ازمة القطاع المصرفي ،بل ستفاقمها بعد الانتهاء من مفاعيلها التخديرية المؤقتة .
في هذا الواقع، يصبح السؤال الأساسي: كيف يمكن للاقتصاد أن يتعافى من دون ثقة؟ ومن أين ستأتي الاستثمارات في ظل ادخار سلبي، ومصارف مشلولة ودولة عاجزة عن تقديم رؤية إصلاحية علمية و البدء فعليا بتطبيقها ؟ وهل يمكن التعويل على القروض الخارجية لردم فجوة الادخار من دون معالجة الخلل البنيوي الذي أفقد الداخل والخارج ثقتهما معاً؟
تظهر التجربة اللبنانية أن دقة التشخيص، مهما بلغت، تبقى غير كافية ما لم ترفق بسياسات علاجية متكاملة، قائمة على رؤية واضحة، ومعرفة دقيقة بالواقع المحلي، وتقدير شامل لتداعيات القرارات المتخذة. إن الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها يتطلب مقاربة إصلاحية شاملة، تستند إلى ترسيخ المحاسبة، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتطوير آليات صنع القرار، بما يساهم في استعادة الثقة وبناء أسس أكثر متانة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان. من دون ذلك، سيبقى “العلاج” مجرّد سبب إضافي لتعميق الانهيار.
01/02/2026
لبنان : دولة بلا اقتصاد و اقتصاد بلا دولة .
قراءة في تحالف السلطة و الاقتصاد الموازي .
كثيرا ما يتردد في وسائل الاعلام مصطلح “الاقتصاد الموازي”، حيث ينظر الى هذا النوع من الاقتصاد على انه احد ابرز العوائق امام بناء دولة القانون، كما يعد عاملا اساسيا في تعميق الازمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان. وانطلاقا من ذلك، تهدف هذه المقالة الى دراسة الاثار السلبية للاقتصاد الموازي على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسلوكية والسياسية، مع ربطها بالواقع اللبناني.
تتعدد تعريفات الاقتصاد الموازي، الا انها تتقاطع عند سمة جوهرية واحدة، تتمثل في خروجه عن الاطار الرسمي للدولة وعدم التزامه بالقوانين، وعدم خضوعه لاي شكل من اشكال الرقابة او الجباية الضريبية. ويترتب على هذا الواقع مجموعة من التداعيات السلبية التي تطال الدولة والاقتصاد بصورة مباشرة. ويشمل الاقتصاد الموازي انشطة قانونية مشروعة لكنها غير مصرح بها لدى الادارات المختصة، كعمل بعض المؤسسات الصغيرة دون ترخيص، او عدم التصريح عن الحجم الحقيقي للاعمال، او تشغيل عمال غير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.فضلا عن الافراد الذين يعملون في قطاعات المهن الحرة و لا يدفعون الضرائب ، كما يضم انشطة غير قانونية، مثل التهريب، وتجارة الممنوعات، وتبييض الاموال.
يعود توسع الاقتصاد الموازي في لبنان الى جملة من الاسباب البنيوية، ابرزها:
١-ضعف مؤسسات الدولة الرقابية وغياب المساءلة والمحاسبة.
٢-المصالح المشتركة بين المنظومة الحاكمة والقيمين على الاقتصاد الموازي بمختلف مستوياته.
وتامين الحماية الشرعية له بحجج مختلفة .
٣-انتشار المحاصصة الطائفية والمذهبية التي تؤمن الحماية للاقتصاد الموازي انطلاقا من اعتبارات مذهبية ، مناطقية وانتخابية.
٤-الشلل المقصود من قبل المنظومة الحاكمة في تطبيق القوانين، ولا سيما قانون ضريبة الدخل، وعدم القدرة او الرغبة في تحقيق جباية عادلة وشاملة، فضلا عن ان النظام الضريبي غير عادل وغير كفوء، ويعتمد بصورة اساسية على الضرائب غير المباشرة.
٥-الفوضى المقصودة و غض الطرف عن تنظيم قطاع المهن الحرة من قبل الدولة، حيث ان الدخول الى هذا القطاع متاح للجميع من دون الخضوع لاي شروط قانونية او علمية او بيئية او صحية، ولا سيما في المهن المرتبطة بقطاع البناء او الخدمات الاستهلاكية والتجارة .
٦-غياب الثقة بين المواطن والدولة نتيجة تفشي الفساد ونهب المال العام، ولا سيما نهب الايرادات المتاتية من الضرائب المباشرة وغير المباشرة.
٧-ازمة القطاع المصرفي وامتناع المصارف عن تقديم معظم خدماتها، ما ساهم في توسع وانتشار الاقتصاد الموازي او ما يعرف باقتصاد الكاش .
٨-غياب الاستقرار الامني والسياسي منذ ما يقارب نصف قرن، حيث يعيش لبنان ظروفا استثنائية تتراوح بين الحروب الاهلية والاعتداءات الاسرائيلية والازمات الاقتصادية والمالية المتلاحقة.
٩-انتشار الامية وظاهرة التسرب المدرسي، الى جانب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما يسهم في اتساع رقعة الاقتصاد الموازي، ولا سيما في قطاعات التجارة والخدمات والبناء.
لهذا الاقتصاد تاثيرات سلبية تتمثل بالأمور التالية :
أولاً التأثيرات الاقتصادية :
١-يؤدي الاقتصاد الموازي الى خسائر كبيرة في الايرادات العامة، اذ تحرم الدولة من موارد ضريبية اساسية كان من الممكن توظيفها في تمويل الخدمات العامة وتحسين البنى التحتية ودعم الفئات الاجتماعية الاكثر هشاشة. وتشير بعض التقديرات الى ان حجم الاقتصاد الموازي في لبنان يتراوح بين ٥٠ و ٨٠ في المئة من الناتج المحلي الاجمالي، ما يعني خسارة مليارات الدولارات سنويا نتيجة التهرب الضريبي.
٢-يحدث الاقتصاد الموازي خللا فادحا في العدالة الضريبية، اذ يتحمل العاملون في القطاع النظامي كامل الاعباء الضريبية، في حين يعفى العاملون في الاقتصاد الموازي من اي التزام مماثل، رغم استفادتهم من البنى التحتية والخدمات العامة. ويؤدي هذا الخلل الى :
أ-تشجيع التهرب الضريبي .
ب-توسع الاقتصاد غير النظامي .
ج-اضعاف فعالية السياسات الاقتصادية بسبب غياب البيانات الدقيقة.
د-صعوبة ضبط العمليات المالية والتجارية داخل الحدود وعبرها.
ه-اضعاف فعالية السياسة النقدية في كبح التضخم والحفاظ على استقرار العملة الوطنية
و-انخفاض الانفاق الحكومي، ما يؤدي الى تراجع الطلب الكلي والانتاج المحلي والنمو الاقتصادي.
ثانياً : التأثيرات الاجتماعية :
١-حرمان العاملين في الاقتصاد الموازي من الحماية القانونية نتيجة عدم خضوعه لقانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي، ما يعرضهم لمخاطر مهنية وصحية جسيمة.
٢- تحميل الدولة اعباء اضافية، ولا سيما في المجال الاستشفائي.
٣- تشجيع عمالة الاطفال والنساء والمراهقين في ظروف عمل قاسية وغير انسانية.بما يخالف في الكثير من الاحيان قانون العمل اللبناني .
٤- تعميق الفوارق الاجتماعية وزيادة معدلات الفقر نتيجة تدني الاجور وانعدام الامن الوظيفي وغياب الضمانات الاجتماعية.
٥-تفشي ظواهر سلبية كالغش والاحتيال والفساد والجريمة المنظمة.
٦-تراجع الاحساس بالمواطنة وتهديد السلامة العامة بسبب انتشار السلع المزورة وغير المطابقة للمواصفات.
ثالثاً : التأثيرات السلوكية و النفسية :
١- ترسيخ ثقافة الفوضى وعدم احترام النظام العام نتيجة غياب الالتزام بالقوانين.
٢- تمدد الاقتصاد الموازي على حساب الاقتصاد النظامي في ظل الزبائنية والمحاصصة.
٣-تصاعد التوترات الاجتماعية وغياب التنظيم، كما ظهر في حالات الصدام بين العاملين في القطاعات النظامية وغير النظامية.
٤-تقويض هيبة الدولة واضعاف الثقة بمؤسساتها والتاثير السلبي في السلوك العام .
رابعاً التأثيرات السياسية :
١- اضعاف الدولة ونشر الفساد من قبل الجهات المفترض بها حمايتها.
٢- افقار الدولة وحرمانها من ايرادات ضخمة كان من الممكن ان تسهم في الانعاش الاقتصادي .
٣-تشويه صورة الدولة خارجيا وارباک عمل الحكومة، كما في قضايا تهريب الكبتاجون .
٤- عرقلة تخطيط وتنفيذ السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية
في ضوء ما سبق، يتضح ان الاقتصاد الموازي في لبنان ليس ظاهرة هامشية ، بل هو ركن اساسي من اركان الازمة البنيوية التي تعصف بالدولة والمجتمع. فهو يعكس فشل الدولة في بسط سلطتها القانونية والضريبية، ويعكس تحالفا غير معلن بين السلطة السياسية ومصالح اقتصادية خارجة عن اطار القانون، ما يؤدي الى تقويض اسس العدالة الاجتماعية، واضعاف المالية العامة، وتفريغ مفهوم المواطنة من مضمونه.
ان استمرار هذا الواقع يهدد ما تبقى من مؤسسات الدولة، ويكرس منطق الفوضى والزبائنية على حساب الانتاج والاستثمار والتنمية. وعليه، فان مواجهة الاقتصاد الموازي لا يمكن ان تتم من خلال اجراءات تقنية محدودة ، بل تتطلب ارادة سياسية حقيقية لاعادة بناء الدولة على اسس الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، واصلاح النظام الضريبي بما يحقق العدالة والكفاءة، ، ويعيد تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.
كما ان دمج الاقتصاد الموازي تدريجيا في الاقتصاد النظامي يشكل مدخلا الزاميا لاعادة تحريك عجلة النمو، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وتحسين الإيرادات العامة . فبدون معالجة هذا الخلل البنيوي، سيبقى لبنان عالقا في حلقة مفرغة من الازمات،
28/01/2026
الدولة الفاشلة : كيف يدار الصراع مع اسرائيل ؟
تتميز الدول المتقدمة بامتلاكها دساتير راسخة ومؤسسات دستورية فاعلة، وبممارسة فعلية لمبادئ الديمقراطية والشفافية، إلى جانب التطبيق الصارم للقوانين ووجود هيئات رقابية مستقلة وكفوءة. كما تعتمد هذه الدول على مراكز بحوث ودراسات استراتيجية متخصصة، تضطلع بإعداد رؤى وخطط سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية طويلة الأمد، تشكل مرجعاً أساسياً لصناع القرار وتوجه السياسات العامة وتحدد أولوياتها.
في المقابل، يفتقر لبنان إلى هذا النمط المؤسسي، إذ تغيب مراكز الدراسات الاستراتيجية المتخصصة، وإن وجد بعضها، يبقى دورها محدوداً أو معطلاً لأسباب متعددة. ونتيجة هذا الفراغ المعرفي والتخطيطي، غالباً ما تأتي القرارات الحكومية آنية وارتجالية، وأحيانًا شخصانية، تتخذ بدوافع خاصة وتغلف بخطاب وطني، من دون أن تستند إلى رؤية شاملة تخدم المصلحة الوطنية العليا.
يتزامن هذا الخلل مع تحولات إقليمية ودولية عميقة، في ظل غياب توازنات واضحة على المستويين الدولي والإقليمي، ومع واقع داخلي لبناني يفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق حول قضايا وطنية مصيرية قد تهدد وجود الدولة نفسها. وتبرز في هذا السياق مسألة الصراع مع العدو الإسرائيلي، حيث يلاحظ غياب استراتيجية وطنية واضحة للتعامل مع الأطماع الإسرائيلية في الأراضي والمياه اللبنانية والتصدي لها، وهي أطماع موثقة في دراسات وتقارير دولية، إضافة إلى الاعتداءات والانتهاكات المتكررة للسيادة اللبنانية.
إن غياب الدراسات الاستراتيجية المتخصصة يشكل عامل إرباك إضافياً أمام الحكومة في اختيار السياسات الملائمة لمواجهة هذه التحديات، ويضعف قدرتها على بناء موقف تفاوضي أو دفاعي متماسك، خلافا لما هو معمول به في الدول التي تمتلك سيادة فعلية على أراضيها وقرارها الوطني.
وتتمثل المفارقة في أن الخطاب السياسي الداخلي يبالغ في التحذير من الأخطار والمشاريع الإسرائيلية، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الداخلية لنزع سلاح المقاومة، أي التخلي عن إحدى أوراق القوة المحدودة المتبقية للبنان. ورغم الخسائر التي لحقت بالمقاومة في المواجهات الأخيرة، سواء على صعيد القيادات أو العناصر أو العتاد، فإنها لا تزال تمثل عامل ردع مؤثر، ولا سيما إذا أُعيد تنظيم دورها ضمن إطار وطني جامع واستراتيجية دفاعية واضحة تحظى بإجماع سياسي وشعبي واسع.و ما الغارات اليومية و التهديدات بحرب شاملة إلا دليل على قدرة المقاومة و خطرها الكامن على الكيان الصهيوني . ليس فقط عسكرياً بل الاهم عقائدياً بابقاء فكرة المقاومة حية في النفوس و النصوص .
ويؤدي غياب الدراسات الاستراتيجية العقلانية، ولا سيما في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى فتح المجال أمام مقاربات شخصية وانفعالية تنظر إلى الأحداث من زوايا عاطفية ضيقة. نعم لقد تكبد لبنان خسائر بشرية ومادية جسيمة، تمثلت بسقوط آلاف الضحايا والجرحى وتدمير عشرات آلاف المنازل، ما أثقل كاهل بلد منهك اقتصادياً ومالياً. غير أنّ التداعيات الأعمق ستظهر على المدى البعيد، خصوصاً إذا أسيء التعاطي مع هذه الوقائع من منظور استراتيجي، في ظل غياب إجابات واضحة عن أسئلة مصيرية تتعلّق بالتفاوض، وآليات مواجهة العدوانية الإسرائيلية، وشروط أي اتفاق محتمل، وانعكاساته الداخلية، وتظهر التجارب التاريخية أن إسرائيل لا تنسحب من الأراضي التي تحتلها عبر مفاوضات مختلة في موازين القوى، وإمكانية التعويل على المجتمع الدولي المنحاز ….
ومن اللافت أنه، وبعد أكثر من عام على وقف الأعمال الحربية، لم تسجل أي مبادرة جدية من قبل الحكومة لإطلاق حوار وطني مسؤول مع المقاومة وبيئتها الحاضنة، سواء في مجلس الوزراء أو عبر قنوات أوسع، بهدف التوصل إلى رؤية دفاعية مشتركة تحمي لبنان وتحصن وحدته الداخلية. وعلى العكس، يهيمن على المشهد خطاب سياسي وإعلامي قائم على المناكفات والتجاذبات، لا يرقى إلى مستوى المسؤولية الوطنية، ( حادثة صخرة الروشة مثالاً ) ولا يخدم المصلحة العليا، ولا سيما في ظل إدراك الجميع أن مثل هذه الخطاب يخضع لمتابعة دقيقة من قبل العدو الإسرائيلي ويؤخذ في الحسبان عند رسم سياساته و خططه الحالية والمستقبلية تجاه لبنان .
ان استمرار لبنان في إدارة أزماته ومشاكله بشكل مرتجل سيبقيه دولة فاشلة، بينما تكمن قوته الحقيقية لمواجهة التحديات الوجودية في وحدة شعبه، وتماسك مؤسساته، والتفافه حول خيارات وطنية مدروسة تقوم على العقلانية والتخطيط والرؤية المستقبلية.
22/01/2026
رواتب الشعب العنيد….. رهينة غياب القرار والرؤية الحكومية الشاملة
ذكرت وسائل الاعلام ان مجلس الوزراء، وبعد ان استمع الى تقرير عرضته رئيسة مجلس الخدمة المدنية حول مشروع تعديل رواتب القطاع العام، الذي انجز بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، طلب منها مجلس الوزراء تأجيل البحث شهرا ونصفا لمزيد من الدراسة، مع ربط المشروع باعادة هيكلة القطاع العام. كما افادت المعلومات ان السادة الوزراء المنتمين الى الكتل المدافعة عن حقوق المواطنين والطبقات الفقيرة لم يتعاملوا مع الملف بالجدية التي تفرضها احوال الناس وضيقهم.
وبعيدا عن لغة الارقام وتفاصيل الزيادات والتخفيضات وكيفية تأمين الايرادات، يطرح سؤال ابسط واعمق: لماذا يدار ملف يمس حياة مئات الاف العائلات بمنطق التأجيل المفتوح، وكانه هامش اداري لا استحقاق وطني؟ وهنا نشير الى بعض الملاحظات التي قد تبدو للوهلة الاولى من خارج السياق:
١- ان عدم الجدية في مقاربة مشروع يتناول اكثر من ثلاثمئة الف موظف، مع عائلاتهم الذين يعيشون المعاناة منذ بدء الازمة، يشير الى غياب حس المواطنة والمسؤولية الوطنية لدى هؤلاء “المؤتمنين” على قيادة الوطن الى بر الامان. ونقول للوزراء ان التأجيل لا يتوقف عند بعض الاجراءات الادارية ، بل يطال موائد البيوت، و كرامة موظف يذهب الى عمله وهو يعلم انه يكد في الحد الادنى من القدرة على الاستمرار. فالتأجيل هنا لا يقرأ كاجراء تنظيمي، بل كمرآة لضمير رسمي بات يعتاد معاناة الناس، وكانها من طبائع الاشياء لا من نتائج السياسات.
٢-ان الاستخفاف والتأجيل سببهما القناعة التامة لدى هؤلاء “المؤتمنين”، ومن يقف وراءهم، ان موظفي القطاع العام تاريخيا هم مسلوبي الارادة، وقراراتهم مصادرة لمن ساهم في توظيفهم، وعند الضرورة يسهل استيعابهم بالترغيب او بالترهيب من خلال الماكينات الحزبية. وهذا ما يثبته عدم الالتزام بالاضرابات وخرقها في الكثير من الاحيان.
٣-ان انخفاض مستوى معيشة الموظف لا يكفي، في نظر “السادة القادة”، لحثهم على العمل بجدية اكثر لتأمين الايرادات، وهي ليست بالصعبة ولدينا القدرة على توفيرها. ويكفي ان نذكر الاملاك البحرية والنهرية المستباحة، والمقالع والكسارات التي تدمر الانسان والبيئة، والتهريب الجمركي، وضعف الجباية الضريبية، والاقتصاد الموازي الذي يحرم الدولة من مليارات الدولارات.
٤-تتعامل الحكومة مع الرواتب كارقام جامدة، متجاهلة ان خلف الراتب طفلا يحتاج الى مدرسة لا الى تسرب مبكر، واسرة تحتاج الى غذاء متوازن لا الى تعويضات صحية مكلفة لاحقا، وشابا يحتاج الى افق داخل وطنه لا الى حقيبة سفر دائمة الاستعداد. ان تدهور الرواتب يولد سلسلة من النتائج، منها سوء التغذية، وتراجع التحصيل العلمي، والضغط على الصحة العامة، واتساع رقعة الفقر، وتنامي اليأس. ثم تأتي الهجرة لا بوصفها خيارا، بل بوصفها خطة نجاة فردية. والاخطر من ذلك كله تآكل الثقة بالدولة نفسها، لان الدولة التي لا تحمي ادنى شروط العيش تصبح في نظر الناس مجرد واجهة.
٥-من اللافت ايضا انه، على الرغم من توافر كفاءات علمية كبيرة واهل اختصاص في جميع الجامعات اللبنانية، قادرين على اعداد تصورات وبرامج، وربط الرواتب باصلاح الادارة وتحديث الخدمة العامة، نشهد مرارا تفضيل المظهر على المنهج، والاسم اللامع على المعرفة المتاحة، وكان البلد لا ينتج خبرة الا ليتم تهميشها. فالاستعانة بخبرات دولية قد تكون نافعة، لكنها تتحول الى اهانة للعقل الوطني عندما تستخدم كستار للتملص من المسؤولية، او لعدم الرغبة في تحمل القرارات المصيرية، او كبديل دائم عن بناء القرار المحلي. مع العلم ان الاستعانة بخبراء الخارج ليست مشكلة بحد ذاتها، بل المشكلة ان تتحول الى ذريعة للعجز الداخلي.
٦-ان اعادة هيكلة القطاع العام ضرورة ومسألة حتمية لبناء الجمهورية الثالثة، لكنها تستخدم غالبا كفرملة لا كخطة. ففي الواقع لا احد يعترض على اصلاح الادارة او اعادة تنظيمها، بل ان الاعتراض هو على تحويل الهيكلة الى فزاعة ترفع كلما طرح حق معيشي، او الى شعار يذوب عند اول منعطف انتخابي. صحيح اننا في مناخ سياسي حساس، لكن الدولة التي تجمد الاصلاحات خوفا من صناديق الاقتراع تعترف ضمنيا بان السياسة اقوى من المصلحة العامة، وعندها يصبح الحديث عن الهيكلة مجرد تعليق انيق لقرار لا يريدون اتخاذه.
٧-ان الوعود المتكررة والتأجيل المستمر لاقرار مشروع الرواتب يعكسان استخفافا واضحا بمعاناة الموظفين. فليس من المنطقي مطالبتهم بالصبر ومتابعة حياتهم العملية برواتب فقدت معظم قيمتها، في وقت تتآكل فيه قدرتهم الشرائية بفعل الضرائب والرسوم المتزايدة، فيما تبقى منظومات الهدر والفساد بمنأى عن اي معالجة جدية. وفي المقابل، تستمر السلطة في اطلاق وعود تعرف مسبقا محدودية جدواها دون معالجات اقتصادية و مالية شاملة ، اذ ان ازمة الرواتب مرتبطة بشكل وثيق بحالة الشلل التي يعاني منها القطاع المصرفي. فاي زيادة تقر في ظل هذا الواقع، ومن دون معالجة مالية ونقدية شاملة، قد تؤدي الى ضغوط تضخمية اضافية وتراجع في القدرة الشرائية للعملة الوطنية، نتيجة غياب ادوات الاستقرار النقدي المتاحة.
ان قضية رواتب موظفي القطاع العام ليست مجرد بند مالي او رقم في موازنة، بل هي مسألة كرامة وعدالة اجتماعية. وتأجيل هذا الملف تحت اي ذريعة يعني عمليا تحميل الفئات الاضعف كلفة الانهيار، فيما يبقى الفساد والهدر بلا مساءلة. ومع استمرار سياسة التأجيل، تتسع الهوة بين الدولة وموظفيها، ويزداد ثمن المعالجة مع مرور الوقت.
12/01/2026
دولة بلا مستقبل: حين تصبح الطاعة والولاء الأعمى طريقاً إلى المنصب والسلطة.
في إحدى مقابلاته، أشار النائب السابق سليمان فرنجية إلى أن «أفضل أنواع التجارة وأكثرها ربحاً هي أن تشتري الإنسان بقيمته الحقيقية وتبيعه كما يقيم هو نفسه». وفي المعنى ذاته، قال الخليفة عمر بن عبد العزيز: «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه فوقف عنده». هاتان العبارتان تفتحان باب التأمل في مشهد بات مألوفاً في لبنان، حيث نشهد سعياً محموماً لدى فئات واسعة من الناس إلى «التعمشق» وبلوغ مواقع المسؤولية، أيا كانت طبيعتها، من دون اكتراث حقيقي بالقدرات العلمية أو الفكرية أو المهنية، ولا بدافع الخدمة العامة، بل بدافع الموقع واللقب والسلطة.
في لبنان، يكاد هوس الوصول إلى المناصب يصيب مختلف شرائح المجتمع، من أدنى المواقع المحلية إلى أعلى المراكز الإدارية والسياسية. فالطموح بحد ذاته حق مشروع، غير أن الإشكالية تبدأ حين يتحول إلى سعي أعمى منفصل عن الكفاءة والمعرفة والقدرة على تحمل الأعباء. هكذا أصبح الوصول غاية بحد ذاته، فيما جرى تهميش معيار الأهلية، وتحويل المسؤولية العامة من موقع خدمة وإحداث تغيير إيجابي في حياة المواطنين إلى غنيمة يتنافس عليها الوصوليون. ولم يعد هذا السباق إلى السلطة ظاهرة نخبوية، بل تحول إلى سلوك عام ومألوف، وأسهم، إلى حد بعيد، في تراجع الأداء العام وانخفاض المستويات في الثقافة والفن والوظائف العامة والنقابات، وحتى في فعالية بعض مؤسسات المجتمع المدني.
هذا الواقع دفعني إلى محاولة استشراف بعض الأسباب التي تقف خلف هذه الظاهرة، والتي طالت معظم شرائح المجتمع اللبناني. فالسباق يبدأ من موقع المختار، الذي لا يزال يخضع لامتحان في الإملاء باللغة العربية، في دلالة على تقادم القوانين، ويمتد إلى البلديات حيث يتنافس عشرات المرشحين في ظل عصبيات عائلية وقانون انتخابي أكثري، من دون برامج واضحة أو خطط إنمائية أو رؤى استراتيجية. أما القوانين الأساسية، ولا سيما قانون المحاسبة العمومية والمالية العامة، فغالباً ما تختزل بوصفها تفاصيل تقنية لا مكان لها في الخطاب الانتخابي. والنتيجة معروفة: مجالس بلدية عاجزة، وقرارات مرتجلة، وهدر بلا محاسبة
ولا يتوقف الخلل عند هذا الحد، بل يطال مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات وروابط ونوادٍ وتعاونيات، حيث يطمح كثيرون إلى لعب أدوار محورية من دون فهم واضح لطبيعة هذه الأدوار أو لقواعد العمل المؤسساتي. فيغدو الهدف هو الوصول أولاً ، فيما يوجل الفهم والممارسة إلى مراحل لاحقة، بما يفضي إلى إخفاقات على مستوى الأداء العملي والإبداع الفكري، وعلى مستوى النتائج ذات الطابع الاجتماعي أو التنموي أو الوطني. والأخطر من ذلك أن عدداً كبيراً من هذه المؤسسات، بما فيها الأحزاب السياسية، تحول إلى محميات شبه خاصة، تغيب عنها الديمقراطية الداخلية والنقد وتداول السلطة.
أما في الإدارة العامة، فعلى الرغم من التدهور الحاد في القيمة الشرائية للرواتب، لا يزال التنافس على المناصب محتدماً ، لا بدافع الإصلاح، بل ضمن مسار يقوم على الخضوع والتزلف والطاعة العمياء، بهدف تأمين النفوذ والحماية والمكاسب غير المباشرة. ويلاحظ أن كثيرين ممن يصلون إلى مواقع المسؤولية يمرون بمراحل من القهر والاذلال، ما ينعكس لاحقاً في سلوكيات عدوانية، وتشتت في الأفكار، وغياب للسياسات العلمية والعملية، وترسيخ للانانية، بحيث تقدم المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ولفهم جذور هذه الظاهرة، لا بد من التوقف عند جملة من الأسباب البنيوية والثقافية التي من اهمها :
١- المناخ العام :
ترتبط هذه الظاهرة ارتباطا وثيقا بالمناخ العام السائد في البلاد، حيث ادت الزبائنية والمحاصصة الى انقلاب المعايير في تحمل المسؤوليات. فلم تعد الكفاءة والجدارة اساسا للترقي والوصول الى مواقع القرار، بل حل مكانهما الولاء الاعمى والانتماء والطاعة والتزلف. وقد افرز هذا الواقع نمطا مشوها من التقدم الوظيفي قائما على الخضوع لاصحاب النفوذ بدل اثبات الكفاءة المهنية، ما حول المنافسة من سباق على القدرات الى سباق على مقدار الطاعة والاستعداد لتنفيذ الاوامر.
٢- النرجسية السياسية:
تتجلى النرجسية في المبالغة في تقدير الذات والقدرات من دون سند موضوعي، وفي اقتناع الفرد باحقيته في تولي المسؤولية لمجرد رغبته بذلك. وغالبا ما يسعى اصحاب هذا النمط الى المناصب بدافع ارضاء غرورهم وتحقيق مصالحهم الخاصة، لا بدافع الخدمة العامة. ويترافق ذلك مع شعور متضخم بالعظمة واضطراب في ادراك حدود الذات، وهي سمات يلاحظ حضورها لدى بعض الكوادر الحزبية المتحكمة، وكذلك لدى بعض من يتولون مواقع قيادية في القطاع العام.
٣- انعدام النقد و المحاسبة :
يسهم غياب النقد والمساءلة، الى جانب ضعف الرادع الاخلاقي والمجتمعي والخوف المتجذر من السلطة، في تكاثر النماذج الساعية الى تحمل المسؤوليات من دون اهلية. فلو اقترنت المسؤولية بعقوبات واضحة عند سوء التطبيق او مخالفة القوانين، لكان ذلك رادعا فعليا وحد من الاندفاع غير الواعي نحو المناصب، وخفف من ظاهرة استسهال تحمل الاعباء العامة من دون معرفة او كفاءة.
٤- الخلط بين الانجاز و الواجب :
شهد مفهوم الانجاز تشوها واضحا، الى حد بات فيه القيام بالواجب يقدم على انه انجاز بحد ذاته. فالانجاز الحقيقي يقوم على الرؤية والتحدي والمخاطرة وتحويل الحلم الى واقع عبر الجهد والمثابرة، في حين ان الواجب هو ما يفترض بالمسؤول القيام به لضمان انتظام العمل والعدالة. هذا الخلط يخلق وهما بالقدرة على الانجاز، ويغذيه النفاق الاجتماعي وغياب المحاسبة، ما يشجع الوصوليين على الطموح الى المناصب باعتبارها في متناول الجميع.
٥- التربية المنزلية :
تلعب التربية المنزلية دورا محوريا في تشكيل توجهات الابناء وقيمهم، ولا سيما في مجتمع يربط التعليم غالبا بالترقي الاجتماعي والمادي. ورغم مشروعية هذا الطموح، الا انه يتحول احيانا، تحت ضغط البيئة المحيطة، الى دافع غير مباشر يدفع الابناء نحو السعي الى المواقع والمناصب، بدل التركيز على بناء الكفاءة والرسالة المهنية والانسانية.
٦- العقم الفكري و الثقافي :
ادى الجمود الفكري والثقافي الى تراجع الانتاجات الثقافية والفنية، وانخفاض المعايير التعليمية والمهنية، وتشويه مفهوم الانجاز والمسؤولية. وقد اسهم هذا الواقع في تشجيع نماذج غير مؤهلة على التقدم نحو المناصب بالاستناد الى العلاقات الاجتماعية او الانتماء السياسي بدل الجدارة، كما اسهم في تشويه الثقافة العامة تحت وطاة المجاملات والتكاذب الاجتماعي والياس من امكان التغيير، حيث يسود منطق الاستسلام وتهميش النقد.
٧- وسائل التواصل الاجتماعي:
اسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذه الظاهرة عبر تكريس ثقافة الظهور والشهرة السطحية والحاجة الى التقدير، حتى وان كان زائفا، ما ضاعف النزعة الى السعي وراء المواقع والاعتراف العام من دون مضمون فعلي او مسؤولية حقيقية.
في الخلاصة، إن المسؤولية ليست ترفاً ولا لقباً ، بل التزاماً أخلاقياً وقدرة على تحمل الأعباء وصياغة رؤى هادفة لبناء الإنسان والمجتمع. وحين يتحول السعي إلى المنصب إلى غاية بحد ذاته، تفرغ المواقع العامة من مضمونها، ويتحول الحضور فيها إلى شكل بلا فعل، وسلطة بلا رؤية. فالدولة التي تكافئ الطاعة بدل الكفاءة، وتقدم الولاء على المعرفة، لا تدار… بل تستنزف، وتحكم على نفسها بالبقاء في دائرة العجز، وتغلق أبواب المستقبل أمام أجيالها.
#
Click here to claim your Sponsored Listing.
Location
Category
Website
Address
Beirut