Beirut Annunciation Orthodox College (BAC)

Beirut Annunciation Orthodox College (BAC)

Share

Official page of Beirut Annunciation Orthodox College In 1953, the construction of Beirut Annunciation Orthodox College was completed.

It was headed by Archimandrite Ignatius Hazeem, first Principal at that time, His Beatitude Ignatius IV, our current Patriarch. The reputation of the recent founded school was quickly spread. Back then, it was for both boarding and regular learners. As the number of learners increased, the premises were gradually enlarged. It is to be noted that Father Hazeem’s vision laid exclusive educational pe

07/06/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٧ حزيران ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، تَحْتَفِلُ كَنيسَتُنا في الأَحَدِ الأَوَّلِ بَعْدَ العَنْصَرَةِ بِتَذكارِ جَمِيعِ القِدِّيسين. لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ المُصادَفَةِ أَنْ يَأْتي هَذا العِيدُ مُباشَرَةً بَعْدَ حُلولِ الرُّوحِ القُدُسِ على التَّلاميذِ، لأَنَّ القَداسَةَ لَيْسَتْ إِنْجازًا بَشَرِيًّا مُسْتَقِلًّا، وَلا هِيَ ثَمَرَةُ قُوَّةِ الإِنْسانِ الذَّاتِيَّة، بَلِ هي الثَّمَرَةُ الأَسْمى لِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ في حَياةِ المُؤْمِنِين. فَفِي العَنْصَرَةِ أُعْطِيَ الرُّوحُ لِلكَنِيسَةِ، وَفي القِدِّيسِينَ ظَهَرَ عَمَلُ هَذا الرُّوحُ في الإِنْسانِ الذي يَفْتَحُ قَلْبَهُ لِنِعْمَةِ الله. لِذَلِكَ، فَإِنَّ تَذْكارَ جَمِيعِ القِدِّيسينَ هُوَ البُرْهانُ الحَيُّ على أَنَّ العَنْصَرَةَ لَمْ تَكُنْ حَدَثًا عابِرًا في التَّاريخِ، بَلْ حَياةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في الكَنِيسَةِ عَبْرَ الأَجْيال.
المَقْطَعُ الإِنْجيلِيُّ الَّذِي سَمِعْناهُ اليَوْمَ يَضَعُ أَمامَنا جَوْهَرَ دَعْوَةِ القَداسَةِ الَّتي تَبْدَأُ بِالإعْتِرافِ بِالمَسِيح، لا بِالكَلامِ فَقَطْ، بَلْ بِالحَياةِ كُلِّها. القِدِّيسُ هُوَ الإِنْسانُ الَّذِي جَعَلَ المَسِيحَ مِحْوَرَ وُجُودِهِ، وَقَدَّمَ مَحَبَّةَ الرَّبِّ على كُلِّ مَحَبَّةٍ أُخْرَى. لِهَذا، يَقولُ الرَّبُّ: «مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلَا يَسْتَحِقُّنِي». هَذِهِ لَيْسَتْ دَعْوَةً إلى إِحْتِقارِ العائِلَةِ أَوِ التَّخَلِّي عَنْ رَوابِطِ المَحَبَّةِ الإِنْسانِيَّةِ، بَلْ إلى إِعْلانِ اللهِ المَصْدَرَ الأَوَّلَ لِكُلِّ مَحَبَّةٍ، لأَنَّ كُلَّ مَحَبَّةٍ تَجِدُ مَعْناها الحَقِيقِيَّ عِنْدَما تَتَجَذَّرُ في الله.
سَمِعْنا أَيْضًا شَهادَةَ الرَّسُولِ بُولُسَ عَنِ الَّذِينَ «بِالِإيمانِ قَهَروا المَمالِكَ، وَعَمِلوا البِرَّ، وَنالوا المَواعِدَ»، وَعَنْ آخَرِينَ احْتَمَلُوا الإضْطِهادَ وَالعَذاباتِ وَلَمْ يَنالوا في حَياتِهِمِ الأَرْضِيَّةِ ما وُعِدوا بِه. يَرْسُمُ الكِتابُ المُقَدَّسُ أَمامَنا مَوْكِبَ القِدِّيسِينَ المُمْتَدَّ عَبْرَ العُصُورِ، وَيَصِفُهُمْ بِأَنَّهُمْ «سَحابَةٌ مِنَ الشُّهود». هَؤُلاءِ لَيْسوا أَبْطالًا أُسْطُورِيِّينَ بَعِيدِينَ عَنْ واقِعِنا. هُمْ بَشَرٌ مِثْلَنا، عَرَفُوا الضُّعْفَ وَالتَّجْرِبَةَ وَالخَوْفَ، لَكِنَّهُمْ سَمَحُوا لِنِعْمَةِ اللهِ بِأَنْ تَعْمَلَ فِيهِم. لِذَلِكَ، يَدْعُونا الرَّسُولُ إلى أَنْ نَنْظُرَ إلى «يَسوعَ رَئيسِ الإِيمانِ وَمُكَمِّلِهِ»، لأَنَّ القَدَاسَةَ لَيْسَتْ تَقْلِيدًا حَرْفِيًّا لِقِدّيسيّ الماضِي بِقَدْرِ ما هِيَ إتِّحادٌ حَيٌّ بِالمَسيحِ القائِمِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوات.
أُرْثوذُكْسِيًّا، القَداسَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الْتِزامٍ أَخْلاقِيٍّ، وَلا هِيَ حالَةٌ تَخُصُّ فِئَةً قَلِيلَةً مِنَ النَّاس. إِنَّها اشْتِراكُ الإِنْسانِ في حَياةِ اللهِ بِالنِّعْمَة. الإِنْسانُ خُلِقَ على صُورَةِ اللهِ، وَدُعِيَ لِيَبْلُغَ« قامَةَ مِلْءِ المسيح» (أف 4 :13). هَذِهِ المَسِيرَةُ الَّتي يُسَمِّيها الآباءُ «التَّأَلُّهَ» لا تَعْنِي أَنْ يَصِيرَ الإِنْسانُ إِلَهًا بِالطَّبِيعَةِ، بَلْ أَنْ يَصِيرَ إِلَهًا بالتَبَنّي، وأَنْ يَمْتَلِئَ مِنْ نُورِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَحُضُورِه. القِدِّيسُ هُوَ إِنْسانٌ صارَ شَفَّافًا لِنِعْمَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، حَتَّى أَمْكَنَ لِلآخَرِينَ أَنْ يَرَوا فِيهِ إِنْعِكاسَ وَجْهِ المَسِيح.
كَثِيرُونَ يَظُنُّونَ أَنَّ القَداسَةَ كانَتْ مُمْكِنَةً في الأَزْمِنَةِ القَدِيمَةِ فَقَطْ، أَمَّا اليَوْمَ، في عالَمِ السُّرْعَةِ وَالضَّجِيجِ وَالضُّغُوطِ الإِقْتِصادِيَّةِ وَالإِجْتِماعِيَّةِ والأمْنِيَّةِ وَالتِّكْنُولُوجِيَّةِ، فَقَدْ أَصْبَحَتْ أَمْرًا بَعِيدَ المَنال. لَكِنَّ الكَنِيسَةَ تُعَلِّمُنا عَكْسَ ذَلِكَ. الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي قَدَّسَ الرُّسُلَ وَالشُّهَداءَ وَالنُّسَّاكَ هُوَ نَفْسُهُ يعملُ اليَوْمَ في الكَنِيسَةِ وَفي العالَم. القَداسَةُ لا تَبْدَأُ بِأَعْمالٍ عَظِيمَةٍ، بَلْ بالإيمانِ بِاللهِ وَالأمانَةِ لِتَعاليمِهِ، بِالصَّلاةِ الصَّادِقَةِ، وَالتَّوْبَةِ المُسْتَمِرَّةِ، وَالمُشارَكَةِ بِالأَسْرارِ المُقَدَّسَةِ، وَمَحَبَّةِ القَرِيبِ، وَحِفْظِ القَلْبِ مِنَ الكَراهِيَّةِ والأَنانِيَّة وَالعَدائيّة، واكتسابِ التواضُعَ قاعِدةً. إِنَّ الأَبَ وَالأُمَّ اللَّذَيْنِ يُرَبِّيانِ أَوْلادَهُما في مَخافَةِ اللهِ، وَالطَّبيبَ الَّذِي يُمارِسُ مِهْنَتَهُ بِأَمانَةٍ، وَالمُعَلِّمَ الَّذِي يَخْدِمُ تَلامِيذَهُ بِمَحَبَّةٍ، وَالعامِلَ الَّذِي يُقَدِّمُ عَمَلَهُ بِضَمِيرٍ صالِحٍ، جَمِيعُهُمْ مَدْعُوُّونَ إلى القَداسَةِ في قَلْبِ العالَم. اللهُ لا يَطْلُبُ مِنَ الجَمِيعِ أَنْ يَتْرُكُوا كُلَّ شَيْءٍ كَما فَعَلَ الرُّسُل، لَكِنَّهُ يَطْلُبُ أَنْ يَضَعُوهُ في المَقامِ الأَوَّلِ، وَأَنْ يَحْمِلُوا صَلِيبَهُمْ وَيَتْبَعُوهُ.
في هَذا السِّياق، نَسْتَذكِرُ اليَوْمَ الدّكتور أديب صعب الَّذي انْتَقَلَ عَنَّا مُنْذُ أَرْبَعينَ يَوْمًا. إِنَّ عَمَلَ الرُّوحِ القُدُسِ لا يَقْتَصِرُ على الأَدْيِرَةِ أَوْ ساحاتِ الإسْتِشْهادِ، بَلْ يَظْهَرُ أَيْضًا في عَيْشِ الإيمانِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَواضُعِ، في خِدْمَةِ الفِكْرِ وَالثَّقافَةِ وَالشَّهادَةِ لِلكَلِمَة. لَقَدْ عَرَفَ الرَّاحِلُ كَيْفَ يَضَعُ مَواهِبَهُ الفِكْرِيَّةَ في خِدْمَةِ البَحْثِ عَنِ الحَقِيقَةِ، فَكَرَّسَ سَنَواتٍ طَوِيلَةً لِدِراسَةِ فَلْسَفَةِ الدِّينِ وَالحِوارِ بَيْنَ الأَدْيانِ وَالدِّفاعِ عَنْ قِيمَةِ الإِيمانِ في عالَمٍ كَثِيرًا ما يَنْجَرِفُ نَحْوَ المادِّيَّةِ أَوِ اللَّامُبالاةِ الرُّوحِيَّة.
لَقَدْ سَعَى الدّكتور أديب إلى إِظْهارِ حَقيقَةِ أَنَّ الإِيمانَ لَيْسَ نَقِيضَ العَقْلِ، وَأنّ العَقْلَ يَجِدُ كَمالَهُ عِنْدَما يَنْفَتِحُ على سِرِّ اللهِ. في مُؤَلَّفاتِهِ وَمُحاضَراتِهِ وَمَقالاتِهِ حاوَلَ أَنْ يُقَدِّمَ شَهادَةً لِلفِكْرِ المَسِيحِيِّ الأُرْثوذُكْسِيِّ المُنْفَتِحِ وَالواثِقِ بِتُراثِهِ، القادِرِ في الوَقْتِ نَفْسِهِ على مُحاوَرَةِ العَصْر. لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الجُهُودُ مُجَرَّدَ نَشاطٍ أَكادِيمِيٍّ، بَلْ كانَتْ تَعْبِيرًا عَنْ عَطايا مَنَحَها الرُّوحُ القُدُسُ لإِنْسانٍ سَخَّرَها لِخِدْمَةِ الكنيسَةِ وَالمُجْتَمَع. الفَلْسَفَةُ لَمْ تُبْعِدْهُ عَنِ اللهِ، بَلْ قَرَّبَتْهُ إِلَيْهِ أَكْثَر، فَسَخَّرَها لِيَصقُلَ عُقولَ طُلَّابِ اللَّاهوتِ وَيُدَرِّبَها على التَّفْكيرِ النَّقْدِيِّ وَالتَّحليلِ المَنْطِقِيِّ، دونَ الإبْتِعادِ عَنْ اللهِ الكَلِمَة.
نَحْنُ لا نَضَعُ أَحَدًا في مَصَفِّ القِدِّيسِينَ بِقَرارٍ بَشَرِيّ. القَداسَةُ تُعْلِنُها الكَنِيسَةُ وِفْقَ تَمْييزِها الرُّوحِيِّ. لَكِنَّنا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَشْكُرَ اللهَ على كُلِّ ثَمَرَةٍ صالِحَةٍ تَظْهَرُ في حَياةِ أَبْنائِه. كُلُّ مَوْهِبَةٍ تُسْتَخْدَمُ لِمَجْدِ اللهِ وَخِدْمَةِ الإِنْسانِ هِيَ عَلامَةٌ مِنْ عَلاماتِ حُضورِ الرُّوحِ القُدُس. لِذَلِكَ، أَفْضَلُ تَكْرِيمٍ لِذِكْرَى الدّكتور أديب صعب لَيْسَ الإكْتِفاءُ بِاسْتِذْكارِ إِنْجازاتِهِ، بَلْ التَعَلُّمُ مِنْ أَمانَتِهِ في طَلَبِ الحَقِيقَةِ، وَمِنْ اجْتِهادِهِ في العَمَلِ الفِكْرِيِّ، وَمَحَبَّتِهِ لِلكَنِيسَةِ وَتُراثِها.
يا أَحِبَّة، القَداسَةُ لَيْسَتْ حِكايَةً مِنَ الماضي، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ مُمْتَدَّةٌ عَبْرَ الزَمَن. اللهُ لا يَدْعُونا إلى الإِعْجابِ بِالقِدِّيسِينَ فَقَطْ، بَلْ إلى السَّيْرِ في الطَّرِيقِ الذي سَلَكوه. سَحابَةُ الشُّهودِ الَّتي تَحَدَّثَ عَنْها الرَّسُولُ لا تُحِيطُ بِنا لِكَيْ تُدْهِشَنا، بَلْ لِكَيْ تُشَجِّعَنا عَلى عَيْشِ الإِنْجِيل، وَالرُّوحُ القُدُسَ قادِرٌ أَنْ يُجَدِّدَ الإِنْسانَ مَهْما كانَتْ ظُروفُهُ،إنْ شاءَ الإنْسانُ فَتْحَ قَلْبِهِ لِعَمَلِ الروح، لأنَّ المَسِيحَ الَّذي عَمِلَ فِي القِدّيسينَ الذينَ سَبَقونا يَعْمَلُ فِينا أَيْضًا.
فَلْنَرْفَعْ أَنْظارَنا إلى الرَّبِّ يَسوعَ «رَئيسِ الإِيمانِ وَمُكَمِّلِهِ»، وَلْنَطْلُبْ أَنْ يَسْكُبَ في قُلوبِنا نِعْمَةَ رُوحِهِ القُدُّوسِ، لِكَيْ نَحْمِلَ ثِمارَ المَحَبَّةِ وَالفَرَحِ وَالسَّلامِ وَطُولِ الأَناةِ وَالصَّلاحِ وَالإِيمانِ، فَنَصِيرُ نَحْنُ أَيْضًا شُهُودًا لَهُ في هَذا العالَمِ، وَ«نَعْتَرِفُ بِهِ قُدّامَ الناس» فَنَسْتَحِقُّ أَنْ «يَعْتَرِفَ بِنا قُدامَ أبيهِ الذي في السمَوات» وَنَكُونَ شُرَكاءَ جَمِيعِ القِدِّيسِينَ في مَلَكُوتِهِ الأَبَدِيّ، آمين.

Photos from Beirut Annunciation Orthodox College (BAC)'s post 31/05/2026

Back-to-back success, and we couldn’t be prouder!

Our delegates have once again demonstrated exceptional leadership, diplomacy, and dedication throughout this year’s LAU MUN Conference. We proudly congratulate:
• Alma Sabbagh — Secretary-General Award
• Lynn Eshak — Diplomacy Award
• Yara Eid — Diplomacy Award
• Mohammad Hassane — Diplomacy Award
• Mohamad Chidiac — Diplomacy Award
• Sirine Baker — Position Paper Award
• Majd Shaalan — Position Paper Award
• Majd Jaber — Position Paper Award
• Mahmoud Hbeich — Position Paper Award

These remarkable achievements are a testament to the hard work, commitment, and excellence of our delegates. Following an outstanding performance at AUB MUN, our team has once again proven its ability to excel on the conference stage.

Congratulations to all our delegates for representing our school with distinction and making us immensely proud!

31/05/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٣١ أيار ٢٠٢٦، من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، نُعَيِّدُ اليَوْمَ لِعِيدِ العَنْصَرَةِ المُقَدَّسِ، لِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ على الكَنِيسَةِ، لِمِيلادِ الجَماعَةِ الجَدِيدَةِ الَّتي افْتَداها المَسِيحُ بِدَمِهِ، وَمَلَأَها مِنْ حَياتِهِ الإِلَهِيَّة. في هَذا اليَوْمِ الخَمْسينِيِّ العَظِيمِ تَمَّ ما وَعَدَ بِهِ الرَّبُّ يَسوعُ حِينَ وَقَفَ في الهَيْكَلِ قائلاً: «إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، فكَمَا قَالَ الْكِتَابُ، ستَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيّ» (يو ٧: ٣٧-٣٨)، ويَشْرَحُ الإِنْجِيلِيُّ أَنَّهُ قالَ هَذا عَنِ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي كانَ المُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوه. فَيَوْمَ صُعودِهِ، بَعْدَ آلامِه وَقِيامَتِه، وَعَدَ الربُّ يسوع تَلاميذَهُ بِمَوْعِدِ الروحِ القُدُس (أع 1: 1) الذي سَيُكْمِلُ عَمَلَ الإبن: «وَأمّا المُعَزّي، الروحُ القدسُ الذي سَيُرْسِلُهُ الآبُ باسمي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكُم» (يو 14: 26).
مُنْذُ سُقُوطِهِ، عَطِشَ الإِنْسانُ إلى اللهِ. نَقْرأُ في سِفْرِ المَزاميرِ: «كَما يَشْتاقُ الأَيِّلُ إلى يَنابيعِ المِياهِ كَذَلِكَ تَشْتاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يا الله» (مز ٤١: ١). الأَنْبِياءُ أيْضًا تَنَبَّأُوا عَنْ زَمَنٍ يَفِيضُ فِيهِ الرُّوحُ على البَشَر. قالَ النَّبِيُّ يوئيل: «وَأُفِيضُ رُوحي على كُلِّ بَشَرٍ» (يؤ ٢: ٢٨). أمّا حِزقيالُ النبيّ فَقال: «وَأُعْطيكُمْ قَلْبًا جَديدًا، وَأجْعَلُ روحًا جَديدَةً في داخِلِكُمْ، وَأنْزَعُ قَلْبَ الحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ، وَأُعْطيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ، وَأجْعَلُ روحي في داخِلِكُمْ، وَأجْعَلُكُمْ تَسْلُكونَ في فَرائضي وَتَحْفَظونَ أحْكامي وَتَعْمَلونَ بِها» (36: 26 و27). في يَوْمِ العَنْصَرَة تَحَقَّقَتْ هَذِهِ النُّبوءاتُ، إِذِ امْتَلَأَ الرُّسُلُ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، وَخَرَجوا يَكْرِزُونَ بِالمَسِيحِ القائِمِ، وَصارَتِ الكَنِيسَةُ جَسَدَ المَسيحِ الحَيَّ في العالَم.
نَقْراُ في سِفْرِ أَعْمالِ الرُّسُلِ أنَّ الرُّوحَ القُدُسَ حَلَّ كَرِيحٍ عاصِفَةٍ، وَظَهَرَتْ أَلْسِنَةٌ مِنْ نارٍ اسْتَقَرَّتْ على كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّلاميذِ (أع٢: ١-١١). لَمْ يَكُنْ هَذا مُجَرَّدَ حَدَثٍ خارِجِيّ، بَلْ كانَ إِعْلانًا أَنَّ اللهَ نَفْسَهُ قَدْ سَكَنَ في الإِنْسان. النَّارُ تَرْمُزُ إلى التَّنْقِيَةِ وَالإِسْتِنارَةِ، وَالرِّيحُ تَرْمُزُ إلى قُوَّةِ اللهِ الَّتي تُحْيي الخَلِيقَة. وَكَما أَنَّ اللهَ نَفَخَ في آدَمَ نَسَمَةَ حَياةٍ فَصارَ نَفْسًا حَيَّةً، هَكَذا نَفَخَ الرُّوحُ القُدُسُ في الكَنِيسَةِ حَياةً جَدِيدَةً، فَجَعَلَ المُؤْمِنينَ خَلِيقَةً جَدِيدَةً بِالمَسِيح، مَهَمَّتُهُم أنْ يَشْهَدوا لَهُ: «وَمَتى جاءَ المُعَزّي الذي سَأُرْسِلُهُ أنا إليكُمْ مِنَ الآب، روحُ الحَقِّ الذي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِق، فَهُوَ يَشْهَدُ لي وَتَشْهَدونَ أنْتُمْ أيضًا» (يو 15: 26 و27).
يَقولُ القِدِّيس باسيليوس الكبير إِنَّ الرُّوحَ القُدُسَ «يُعِيدُ الفِرْدَوْسَ إلى الإِنْسانِ، وَيَهَبُ التَّبَنّي، وَيَجْعَلُنا شُرَكاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّة». لِذَلِكَ، العَنْصَرَة لَيْسَتْ تَذْكارًا تاريخِيًّا، بَلْ سِرُّ حَياتِنا اليَوْمِيَّة، لأَنَّ كُلَّ مُعَمَّدٍ قَدْ نالَ خَتْمَ مَوْهَبَةِ الرُّوحِ القُدُسِ وَصارَ هَيْكَلًا لله. لِذا، يَهْتِفُ الرَّسُولُ بُولُس: «أَما تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُم؟» (١كو ٣: ١٦).
مِنْ هُنا، نَفْهَمُ خُطورَةَ خَطِيئَةِ التَّجْدِيفِ على الرُّوحِ القُدُس. يَقولُ الرَّبُّ يسوع إِنَّ «التَّجْدِيفَ على الرُّوحِ القُدُسِ لَنْ يُغْفَرَ» (متّى ١٢: ٣١) وَالآباءُ يَشْرَحُونَ أَنَّ هَذِهِ الخَطِيئَةَ لَيْسَتْ كَلِمَةً عابِرَةً يَنْطِقُ بِها الإِنْسانُ في ضُعْفِهِ، بَلْ هِيَ الإِصْرارُ الواعِي وَالعَنِيدُ على مُقاوَمَةِ عَمَلِ اللهِ وَنِسْبَتُهُ إلى الشَّرِّ، وَرَفْضُ التَّوْبَةِ حَتّى النِّهايَة كَما فَعَلَ الفَرِّيسِيُّونَ الذين رَأَوا أَعْمالَ المَسِيحِ الإِلَهِيَّةَ لَكِنَّهُمْ قالوا إِنَّهُ يَعْمَلُ بِقُوَّةِ الشَّياطِين. لَقَدْ أَغْلَقُوا قُلُوبَهُمْ أَمامَ النُّورِ، لِذَلِكَ صاروا غَيْرَ قادِرِينَ على رؤيةِ أعمالِ النور.
يَقولُ القِدِّيسُ يُوحَنّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ إِنَّ التَّجْدِيفَ على الرُّوحِ القُدُسِ هُوَ «العِنادُ الكامِلُ ضِدَّ الحَقِّ بَعْدَما يُعْلِنُهُ اللهُ لِلإِنْسان». لِذا، يَنْبَغي أَنْ نَخافَ لا خَوْفَ العَبِيدِ بَلْ خَوْفَ الأَبْناءِ، فَنَحْفَظُ قُلُوبَنا مِنَ القَساوَةِ وَالدَّيْنُونَةِ وَالكِبْرِياءِ الرُّوحِيَّةِ، وَألسِنَتَنا مِنْ كَلامِ التَجْريحِ وَالإدانَة، وَحَياتَنا مِنَ السُقوطِ في حَبائِل الشِرّير . الإِنْسانُ قَدْ يَظُنُّ نَفْسَهُ غَيُورًا على الإِيمانِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ يُحارِبُ الرُّوحَ القُدُسَ عِنْدَما يَحْتَقِرُ أَخاهُ أَوْ يَدِينُ خُدَّامَ الكَنِيسَةِ أَوْ يَزْرَعُ الإِنْقِساماتِ وَالشُّكوكَ وَالتُّهَم، وَيُرَوِّجُ لأفكارٍ مُضَلِّلَة.
إِنَّ أَخْطَرَ ما يُهَدِّدُ الحَياةَ الكَنَسِيَّةَ أَنْ يَتَحَوَّلَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ إلى قُضاةٍ على الآخَرِينَ، فَيَتَكَلَّمونَ بِسُهُولَةٍ على إخْوَتِهِمْ المُعَمَّدينَ وَالمَخْتومينَ بِخَتْمِ الروح القدس، مُتَناسِينَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَعْمَلُ في الكَنيسَةِ وَفي البَشَر. كُلُّ إنْسانٍ مُعَرَّضٌ لِلْخَطيئةِ لَكِنَّ بابَ التَوْبَةِ مَفْتوحٌ لِلْجَميع. رَبُّنا الذي ماتَ مِنْ أجْلِ خَلاصِ الإنسانِ لا يَفْرَحُ بِمَوْتِ الخاطئِ بَلْ «يُريدُ أنْ يَخْلُصَ جَميعُ الناسِ وَيَبْلُغوا إلى مَعْرِفَةِ الحقِّ» كما يقول بولس الرسول (1 تيمو 2: 4). يَقولُ أيْضًا: «لا تُطْفِئوا الرُّوحَ» (١تس ٥: ١٩). كُلُّ كَلِمَةِ إِدانَةٍ، وَكُلُّ تَحْريضٍ، وَكُلُّ احْتِقارٍ لإِنْسانٍ مُعَمَّدٍ هُوَ إِطْفاءٌ لِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ. لَقَدْ عَلَّمَنا الآباءُ أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ رَفْضِ الخَطِيئَةِ وَاحْتِرامِ الشَّخْص. الكَنِيسَةُ لا تُبَرِّرُ الشَّرَّ وَالخَطيئة، لَكِنَّها أَيْضًا لا تَسْمَحُ بِالكَراهِيَّةِ وَالتَّشْهِيرِ وَالإِدانَةِ الهَدَّامَة. نَحْنُ نَدينُ الخَطيئةَ لكنّنا نَدْعو الخاطئَ إلى التَوْبَةِ وَنُرْشِدُهُ إلى الحَقّ.
في العَنْصَرَةِ الرُسُلُ «امْتَلَأوا مِنَ الرُّوح القُدُس وَطَفِقوا يَتَكَلَّمونَ بِلغاتٍ أُخْرى كَما أعْطاهُمْ الروحُ أنْ يَنْطِقوا»، فَسَمِعَتْ كُلُّ أُمَّةٍ «بِعَظائِمِ اللهِ» بِلُغَتِها الخاصَّة. الرُّوحُ القُدُسَ لا يُوَلِّدُ التَّفْرِقَةَ بَلِ الشَّرِكَةَ، وَلا يَزْرَعُ الإنْقِسامَ بَلِ المَحَبَّة. لِذَلِكَ، حَيْثُ يُوجَدُ الحِقْدُ وَالإفْتِراءُ وَالكِبْرِياءُ وَالتَّشْوِيهُ، هُناكَ مُقاوَمَةٌ لِعَمَلِ الرُّوحِ، وَحَيْثُ تُوجَدُ التَّوْبَةُ وَالوَداعَةُ وَالمَحَبَّةُ وَالغُفْرانُ وَالصَّلاةُ، فَهُناكَ حُضُورُ الله.
يَقولُ القِدِّيسُ سيرافيم ساروفسكي إِنَّ غايَةَ الحَياةِ المَسِيحِيَّةِ هِيَ «اقْتِناءُ الرُّوحِ القُدُس». الرُّوحُ القُدُسُ لا يُقْتَنَى بِالضَّجِيجِ وَالصِّراعاتِ، بَلْ بِالنَّقاوَةِ وَالتَّواضُعِ وَالمَحَبَّة. لِذا، تَدْعُونا الكَنِيسَةُ اليَوْمَ لأَنْ نُفَتِّشَ داخِلَ قُلوبِنا: هَلْ أفْسَحْنا فيها مَجالاً لِسُكْنى المَسيح؟ هَلْ صِرْنا هَياكِلَ حَيَّةً لله؟ هَلْ تَجْرِي مِنْ داخِلِنا أَنْهارُ ماءٍ حَيّ، أَيْ كَلِماتُ نِعْمَةٍ ورَحْمَةٍ وسَلام؟ أَمْ إِنَّنا يَنابِيعُ دَيْنُونَةٍ ومَرارَة؟
الروحُ القُدُسُ هُو مَصْدَرُ المَواهِبِ المُعْطاةِ لِلْمُؤمنين، وَهِيَ تَتَكامَلُ مِنْ أجْلِ البُنْيانِ، كَما تَتَكامَلُ أعْضاءُ الجَسَد، وَتَظْهَرُ ثِمارُها في سُلوكِنا وَحَياتِنا. يَقولُ بولس الرَسول «أمّا ثَمَرُ الروحِ فَهُوَ مَحَبّةٌ، فَرَحٌ، سَلامٌ، طولُ أناةٍ، لُطْفٌ، صَلاحٌ، إيمانٌ، وَداعَةٌ، تَعَفُّفٌ» (غلا 5: 22)، إنَّهُ الروحُ المُحْيِي، روحُ اللهِ الذي يَعْمَلُ فينا وَيَجْعَلُنا مُبَشِّرينَ وَرُسُلاً وَشُهودًا على عَمَلِ اللهِ الخَلاصيّ.
فَلْنَطْلُبْ إلى الرَّبِّ أَنْ يُجَدِّدَ فِينا مَوْهَبَةَ الرُّوحِ القُدُس، وأَنْ يُطَهِّرَ أَلْسِنَتَنا مِنَ الكَلامِ الباطِلِ، وَقُلُوبَنا مِنَ الكِبْرِياءِ، وَأَعْيُنَنا مِنَ الإِدانَة. لِنُصَلِّ مِنْ أَجْلِ كَهَنَةِ الكَنِيسَةِ وَخُدَّامِها، لِكَيْ يُثَبِّتَهُمُ اللهُ في القَداسَةِ، وَيَحْفَظَهُمْ مِنْ تَجارِبِ هَذا العالَمِ، ويَمْنَحَ شَعْبَهُ قَلْبًا طاهِرًا يَعْرِفُ كَيْفَ يُثَمِّرُ مَواهِبَهُ بِالصَّلاةِ وَالمَحَبَّةِ وَالطاعَةِ كَما قالَ بولس الرسول في رسالَتِهِ إلى العِبْرانيين: «أطيعوا مُرشِديكُمْ وَاخْضَعوا لَهُم لأنّهُمْ يَسْهَرونَ لأجْلِ نُفوسِكُمْ كأنّهُمْ سَوْفَ يُعْطون حِسابًا» (13: 17)، آمين.

26/05/2026

Wishing everyone a peaceful and joyful Eid Al-Adha!

May the blessings of this occasion brighten your days with happiness and prosperity.

25/05/2026
Photos from Beirut Annunciation Orthodox College (BAC)'s post 25/05/2026

We are incredibly proud of our delegates for their outstanding performances throughout this year’s AUB MUN Conference. Their dedication, diplomacy, and hard work truly stood out, and we proudly congratulate:
• Rea Al Chami — Best Delegate
• Mohammad Hassane — Best Delegate
• Tala Diab — Diplomacy Award
• Rony Kais — Diplomacy Award
• Rim Hassane — Position Paper Award
• Julia Zeitoun — Position Paper Award
• Mohammad Al Jawhari — Position Paper Award
• Mohamad Kaouk — Position Paper Award
• May Mitri — Honorable Mention
• Nicolas Saridar — Honorable Mention

Your achievements reflect the spirit of excellence, leadership, and collaboration that defines our MUN family.

Congratulations to all!

Photos from Beirut Annunciation Orthodox College (BAC)'s post 24/05/2026

When educators continue to learn, they do more than develop themselves; they shape a culture where growth, excellence, and purpose become part of everyday life.

In celebration of this spirit, we proudly recognized our officers who completed several impactful professional development programs, including Universal Design for Learning at Harvard Graduate School of Education, the Grand Leadership Program, Leading HR Transformation in the Modern Workplace, and Training of Trainers at CFP–USJ.

These trainings reflect BAC’s ongoing commitment to lifelong learning, leadership development, and professional growth. They also empower our officers with the knowledge, tools, and confidence to lead with clarity, inspire others, and create meaningful impact across our school community.

Congratulations to all participants on this well-deserved achievement. Your dedication to learning and growth continues to inspire us all.

24/05/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ٢٤ أيار ٢٠٢٦ من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
بِاسْمِ الآبِ والإبْنِ والرُّوحِ القُدُسِ، آمين.
أَحِبَّائي، في هَذا الأَحَدِ المُبارَكِ الَّذي يَسبِقُ عيدَ العَنصَرَة، تُقيم كَنيسَتُنا المُقَدَّسَة تذكارًا لآباءَ المَجْمَعِ المَسْكُونِيِّ الأَوَّل، قائِدَةً إِيَّانا إلى التَّأَمُّلِ في صَلاةِ المَسِيحِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ آلامِهِ، تِلْكَ الصَّلاةِ العَمِيقَةِ الَّتِي يَرْفَعُ فِيها الإبْنُ عَيْنَيْهِ نَحْوَ الآبِ قائِلًا: «أَيُّها الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ، مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا». هَذِهِ لَيْسَتْ صَلاةَ إِنْسانٍ يَهْرُبُ مِنَ الأَلَمِ، بَلْ صَلاةُ ابْنٍ يَدْخُلُ بِحُرِّيَّةٍ إلى سِرِّ الصَّلِيبِ لِكَيْ يَكْشِفَ مَجْدَ المَحَبَّةِ الإِلَهِيَّة. فَالمَسِيحُ، وهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ ساعَةِ الآلامِ، لا يُفَكِّرُ بِنَفْسِهِ، بَلْ بِتَلامِيذِهِ وبِالكَنِيسَةِ الَّتي سَتُولَدُ مِنْ جَنْبِهِ المَطْعون. لِذَلِكَ نَسْمَعُهُ يَقولُ: «إِحْفَظْهُمْ بِاسْمِكَ… لِيَكُونوا واحِدًا كَما نَحْنُ». وكَأَنَّ الرَّبَّ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ذاتَهَ لِلمَوْتِ، يَضَعُ في قَلْبِ الكَنِيسَةِ وَصِيَّةَ الوِحْدَةِ والثَّباتِ في الحَقّ.
هَذِهِ الوِحْدَةُ الَّتي يُصَلِّي المَسيحُ مِنْ أَجْلِها لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَوافُقٍ بَشَرِيٍّ أَوِ انْسِجامٍ خارِجِيٍّ، بَلْ شَرِكَةُ حَياةٍ في الحَقِيقَةِ الإِلَهِيَّة. فَالكَنِيسَةُ لا تَقُومُ على العاطِفَةِ أو الإِنْتِماءِ الإِجْتِماعِيِّ، بَلْ على مَعْرِفَةِ اللهِ الحَقِيقِيِّ كَما أَعْلَنَهُ الإبْنُ الوَحِيد. لِهَذا، يَقولُ الرَّبُّ في الإِنْجيلِ نَفْسِهِ: «وهَذِهِ هِيَ الحَياةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ ويَسوعَ المَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ». هذا يَعْني أَنَّ الإِيمانَ القَوِيمَ لَيْسَ أَمْرًا ثانَوِيًّا في حَياةِ الكَنِيسَةِ، لأَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً هِيَ طَرِيقُ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ.
هَذا ما يَجْعَلُنا نَفْهَمُ أَيْضًا كَلِماتِ الرَّسول بُولُس في أَعْمالِ الرُّسُلِ عِنْدَما جَمَعَ شُيُوخَ كَنِيسَةِ أَفَسُسَ وَوَدَّعَهُمْ بِعِباراتٍ مِلْؤُها القَلَقُ الأَبَوِيُّ والمَحَبَّةُ الرِّعائِيَّةُ. كانَ بُولُسُ يَشْعُرُ أَنَّ الكَنِيسَةَ سَتَدْخُلُ زَمَنًا صَعْبًا بَعْدَ رَحِيلِهِ، لِذَلِكَ قالَ لَهُمْ: «إِحْذَرُوا لأَنْفُسِكُمْ ولِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتي أَقامَكُمُ الرُّوحُ القُدُسُ فِيها أَساقِفَةً لِتَرْعَوا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتي اقْتَناها بِدَمِهِ». إِنَّهُ يُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّ الكَنِيسَةَ لَيْسَتْ مُؤَسَّسَةً بَشَرِيَّةً عادِيَّةً وَقَدِ افْتَداها المَسِيحُ بِدَمِهِ الكَريمِ، لِذَلِكَ فَإِنَّ الحِفاظَ على نَقاوَةِ إِيمانِها لَيْسَ تَفْصِيلًا إِدارِيًّا بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ خَلاصِيَّةٌ.
يُتابِعُ الرَّسولُ بولُسُ تَحْذِيرَهُ المُؤْلِمَ قائِلًا إِنَّ «ذِئابًا خاطِفَةً» سَتَدْخُلُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ بَعْضَ الأَشْخاصِ سَيَتَكَلَّمونَ «بِأُمورٍ مُلْتَوِيَةٍ» لِيَجْتَذِبوا التَّلامِيذَ وَراءَهُم. هُنا، تَلْتَقِي صَلاةُ المَسِيحِ مَعَ وَصِيَّةِ الرَّسول. فَالمَسِيحُ يُصَلِّي لِكَيْ يَحْفَظَ الآبُ الكَنِيسَةَ في الوِحْدَةِ والحَقِّ، والرَّسولُ يَدْعُو الرُّعاةَ إلى السَّهَرِ كَيْ لا تَنْقَسِمَ الكَنِيسَةُ بِسَبَبِ التَّعْلِيمِ المُنْحَرِف. وَكَأَنَّ الإِنْجِيلَ وَأَعْمالَ الرُّسُلِ يَكْشِفانِ لَنا أَنَّ الكَنِيسَةَ، مُنْذُ بِداياتِها، كانَتْ تَعْرِفُ أنَّ الشَرَّ مُتَرَبِّصٌ بها، وَأَنَّها سَتُواجِهُ صِراعًا دائِمًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والضَّلالِ، بَيْنَ الإِيمانِ الرَّسُولِيّ وَالأَفْكارِ المُضَلِّلَةِ الَّتي تُحاوِلُ تَشْوِيهَ صُورَةِ المَسيح.
مِنْ قَلْبِ هَذا الصِّراعِ التَّارِيخِيّ نَفْهَمُ لِماذا تَحْتَفِلُ الكَنِيسَةُ اليَوْمَ بِآباءِ مَجْمَعِ نِيقيَةَ الأَوَّل. فَفي القَرْنِ الرَّابِعِ ظَهَرَ آريوس، الَّذي عَلَّمَ أَنَّ المَسِيحَ لَيْسَ إِلَهًا حَقِيقِيًّا، بَلْ هُوَ أَوَّلُ المَخْلُوقاتِ وَأَعْظَمُها. قَدْ يَبْدُو الأَمْرُ لِلبَعْضِ خِلافًا فَلْسَفِيًّا أَوْ جِدالًا لاهُوتِيًّا بَعِيدًا عَنْ حَياةِ المُؤْمِنينَ، لَكِنَّ الكَنِيسَةَ أَدْرَكَتْ أَنَّ المَسْأَلَةَ تَمَسُّ جَوْهَرَ الخَلاصِ نَفْسَهُ. لأَنَّهُ، إِذا كانَ المَسيحُ مُجَرَّدَ خَلِيقَةٍ، فَكَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَهَبَ الإِنْسانَ الحَياةَ الأبَدِيَّة؟ وَإِذا لَمْ يَكُنِ الإِبْنُ واحِدًا مَعَ الآبِ في الجَوْهَرِ، فَكَيْفَ يَكونُ اتِّحادُ الإِنْسانِ بِاللهِ مُمْكِنًا؟
لِذَلِكَ، إِجْتَمَعَ الآباءُ القِدِّيسونَ مِنْ أَنْحاءِ المَسكونَةِ في نِيقِيَةَ، سَنَة 325، بِدَعْوَةٍ مِنَ الإِمْبراطورِ قِسْطَنْطِينَ الكَبيرِ، لا لِيَبْتَدِعوا إِيمانًا جَدِيدًا، بَلْ لِيَشْهَدوا لِما عاشَتْهُ الكَنِيسَةُ مُنْذُ الرُّسُل. هُناكَ، أَعْلَنوا بِجُرْأَةٍ أَنَّ الإبْنَ هُوَ «إِلَهٌ حَقٌّ مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَوْلُودٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مُساوٍ لِلآبِ في الجَوْهَر». إِنَّ هَذِهِ العِبارَةَ الَّتي نُرَدِّدُها اليَوْمَ في قانونِ الإِيمانِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ صِيغَةٍ عَقائِدِيَّةٍ، بَلْ هِيَ صَرْخَةُ الكَنِيسَةِ دِفاعًا عَنْ حَقِيقَةِ المَسِيحِ ابنِ الله الوحيد، المُساوي لَهُ في الجَوْهَر، الَّذِي بِهِ وَحْدَهُ يَنالُ العالَمُ الخَلاص.
لَمْ يَكُنِ الآباءُ المُجْتَمِعونَ في نِيقيَةَ رِجالَ نَظَرِيّاتٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ كانوا شُهودًا أَحْياء لِلمَسِيح لَمْ يُساوِموا على إيمانِ الكَنيسَةِ أيّامَ الإضْطِهاداتِ ولَمْ يُنْكِروا المَسيح. كَثِيرُونَ مِنْهُمْ حَمَلُوا آثارَ الإضْطِهادَ في أَجْسادِهِمْ؛ بَعْضُهُمْ فُقِئَتْ عُيُونُهُم، وآخَرُونَ تَعَرَّضُوا لِلتَّعْذِيبِ والسَّجْنِ لأَنَّهُمْ رَفَضُوا إِنْكارَ الإِيمان القويم. لِذَلِكَ، عِنْدَما تَكَلَّمُوا عَلى المَسِيحِ لَمْ يَتَكَلَّمُوا كَمُثَقَّفِينَ يُناقِشونَ أَفْكارًا مَجَرَّدَةً، بَلْ كَأَشْخاصٍ عَرَفوا أَنَّ المَسِيحَ هُوَ حَياتُهُمْ كُلُّها وشَهِدوا لإيمانهم بحياتِهم ودَمِهِم. لِهَذا، بَقِيَ تَعْلِيمُهُمْ حَيًّا في الكَنِيسَةِ حَتَّى اليَوْم، لأَنَّهُ لَمْ يُولَدْ مِنْ كِبْرِياءِ العَقْلِ، بَلْ مِنْ خِبْرَةِ القَداسَةِ والشَّهادَة.
يا أَحِبَّة، فيما تُكَرِّمُ الكَنِيسَةُ الآباءَ تُذَكِّرُ أَبْناءَها بِأَنَّ أحَدَ أهَمِّ رَكائزِ الكَنيسةِ الإيمانُ بِأنَّ يسوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ، وَأنَّ خَطَرَ تَشْوِيهِ صُورَةِ المَسِيحِ ما زالَ قائِمًا في كُلِّ عَصْرٍ. «الذئابُ الخاطفةُ» ما زالتْ مَوْجودَةً وَالأفْكارُ المُلْتَوِيَةُ مُنْتَشِرَة. فَفِي أَيَّامِنا أَيْضًا تُوجَدُ أَصْواتٌ كَثِيرَةٌ تُرِيدُ تَقْدِيمَ مَسِيحٍ يُناسِبُ رُوحَ العالَمِ، مَسيحٍ بِلا صَلِيبٍ وَلا مَحَبَّةٍ وَلا تَوْبَةٍ وَلا حَقِيقَةٍ. هُناكَ مَنْ يَخْتَزِلُ المَسِيحِيَّةَ إلى مُجَرَّدِ مَبادِئَ أَخْلاقِيَّةٍ أَوْ نَشاطٍ إِنْسانِيٍّ، بَيْنَما الكَنِيسَةُ تُعْلِنُ أَنَّ المَسِيحِيَّةَ هِيَ أَوَّلًا لِقاءٌ حَيٌّ مَعَ ابْنِ اللهِ المُتَجَسِّدِ، الَّذي ماتَ وَقامَ لِيُؤَلِّهَ الإِنْسانَ وَيُقِيمَهُ مِنْ ظُلْمَةِ الخَطِيئَةِ إلى نُورِ المَلَكوتِ فَيُصْبِحُ نورًا لِلأرضِ وَمِلْحًا. قالَ القديسُ أثناسيوس الكبير: «صار الله إنسانًا لكي يصيرَ الإنسانُ إلهًا».
ذِكْرَى آباءِ المَجامِعِ المَسكونِيَّةِ دَعْوَةٌ شَخْصِيَّةٌ لِكُلٍّ مِنّا. فَالإِيمانُ القَويمُ لَيْسَ تُراثًا ثَقافِيًّا نَعْتَزُّ بِهِ فَقَطْ، بَلْ حَياةٌ نَعِيشُها يَوْميًّا، وَشَهادَةٌ رَغْمَ كُلِّ المَصاعِبِ وَالضيقات. نَحْنُ مَدْعُوُّونَ أَنْ نَعْرِفَ إِيمانَنا، وَأَنْ نَقْرَأَ الكِتابَ المُقَدَّسَ، وَأَنْ نَتَغَذَّى مِنْ تَعْلِيمِ الكَنِيسَةِ لِكَيْ نَحْفَظَ عَلاقَتَنا الحَقِيقِيَّةَ بِالمَسِيحِ وَنَشْهَدَ لإيمانِنا بِهِ في كُلِّ الأوْقات. إِنَّ أَخْطَرَ ما يُمْكِنُ أن يُصيب الإِنْسانَ أَنْ يَفْقِدَ المَسِيحَ مِنْ قَلْبِهِ فيما يَظُنُّ نَفْسَهُ مُؤْمِنًا. لِذا، عِنْدَما نَسْمَعُ اليَوْمَ صَلاةَ الرَّبِّ: «إِحْفَظْهُمْ بِاسْمِكَ»، يَنْبَغِي أَنْ نَشْعُرَ بِأَنَّ المَسِيحَ يُصَلِّي مِنْ أَجْلِ كَنِيسَتِهِ وَمِنْ أَجْلِ كُلٍّ مِنّا كَيْ لا نَضِيعَ وَسْطَ ضَجِيجِ العالَمِ وَمُغْرِياتِهِ، وَكَيْ نَبْقَى ثابِتِينَ في الحَقِّ وَالمَحَبَّةِ وَالوِحْدَةِ فَيَكونُ فَرَحُهُ فينا كاملاً.
تَذْكارُ الآباءِ القِدّيسين يُذَكِّرُنا بِأنَّ الكَنيسَةَ التي أسَّسَها الرَبُّ يَومَ العَنصَرَة حَيَّةٌ بِنِعْمَةِ الروحِ القُدُسِ وَجِهادِ المُؤمِنينَ بيسوع المسيح ابْنِ اللهِ الوَحيد، الذين يَشْهَدونَ لِلْحَقِّ بِأقْوالِهِم وَأفْعالِهِم ورُبَّما دَمِهِمْ إذا اقْتَضَتء الحاجَة.
أَخيرًا، بِاسْمي واسمِكُم جَميعًا، أَتَقَدَّمُ بِالتَّهاني القَلبِيَّةِ إلى أُسْرَةِ مَحَطَّةِ تيلي لوميار ونورسات في عيدِها. صَلاتُنا أَنْ يَرْحَمَ الرَّبُّ مُؤَسِّسَها الأخ نور، ويَهْدي الإِدارَةَ الجَديدَةَ إلى نورِ المَعرِفَةِ الحَقيقيَّةِ، كَي تَبقى هَذِهِ الشَّاشَةُ شاهِدَةً لِكَلِمَةِ الرَّبِّ في زَمَنِ الظُّلمَةِ الإِعلامِيَّةِ وَالثَرْثَرَةِ الرَخيصَةِ وفي عَصْرِ تَشويهِ الفِكْرِ والقَلْبِ والإيمان. أَلا بارَكَ الرَّبُّ جَميعَ العامِلينَ في هَذِهِ المَحَطَّة، الَّذينَ هُمْ بِدَوْرِهِمْ رُسُلٌ جُدُدٌ وأَدَواتٌ يَسْتَخْدِمُها الرُّوحُ القُدُسُ لِتَعْزِيَةِ كُلِّ المُؤمِنين، آمين.

17/05/2026

عظة سيادة راعي الأبرشية المتروبوليت الياس الجزيل الإحترام لنهار الأحد ١٧ أيّار ٢٠٢٦، من كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت:
المَسيحُ قامَ مِنْ بَيْنِ الأَمواتِ ووَطِئَ المَوْتَ بِالمَوت، ووَهَبَ الحَياةَ لِلَّذينَ في القُبور.
أَحِبَّائي، يَفْتَتِحُ الإِنْجِيلِيُّ يُوحَنَّا المَشْهَدَ العَجِيبَ لإنْجيلِ اليَوْم بعبارَةِ: «فيما يَسوعُ مُجْتازٌ رَأَى إِنْسانًا أَعْمى مُنْذُ مَولِدِهِ». لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلى الأَعْمَى نَفْسِهِ، بَلْ عَلى نَظْرَةِ المَسِيحِ إِلَيْهِ. فَالإِنْسانُ الأَعْمَى لَمْ يَكُنْ قادِرًا أَنْ يَرَى الرَّبَّ، لَكِنَّ السَيِّدَ هُوَ الَّذِي رَآهُ أَوَّلًا. فَنَحْنُ كَثِيرًا ما نَظُنُّ أَنَّنا مَنْ يَبْحَثُ عَنِ اللهِ، بَيْنَما الحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الإِنْسانِ السَّاقِطِ في ظُلْمَةِ هَذا العالَمِ، وَيَقْتَرِبُ إِلَيْهِ، وَيَلْمَسُ جِراحَهُ، وَيُقِيمُهُ مِنْ عَماه.
كانَ هَذا الأَعْمَى مَوْلُودًا في الظُّلْمَةِ، لَمْ يَعْرِفْ النُّورَ أبَدًا، ولا لَوْنَ السَّماءِ، ولا وُجُوهَ النَّاس. عاشَ عُمْرَهُ كُلَّهُ مُتَّكِئًا على رَحْمَةِ الآخَرِينَ، مَحْكُومًا بِالعَجْزِ وَالوِحْدَةِ. لَكِنَّ المَأْساةَ الأَكْبَرَ لَمْ تَكُنْ في فُقْدانِ البَصَرِ الجَسَدِيِّ، بَلْ في نَظْرَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ. التَّلامِيذُ أَنْفُسُهُمْ لَمْ يَرَوا فِيهِ إِنْسانًا مُتَأَلِّمًا، بَلْ رَأَوا فِيهِ مَسْأَلَةً لاهُوتِيَّةً، فَسَأَلُوا المَسِيحَ: «يا رَبُّ، مَنْ أَخْطَأَ، أَهَذا أَمْ أَبَواهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمى؟». أَمَّا يسوع فَقَد رَفَضَ هَذا المَنْطِقَ القاسِي، وَأَعْلَنَ أَنَّ اللهَ لا يَشْتَهِي إِذْلالَ الإِنْسانِ بَلْ يَبْتَغي خَلاصَهُ، وَأَنَّ ضُعْفَ الإِنْسانِ قَدْ يَصِيرُ مَوْضِعًا لإِعْلانِ مَجْدِ الله. قالَ: «لا هذا أخْطَأ وَلا أبَواه، لَكِنْ لِتَظْهَرَ أعْمالُ اللهِ فيهِ».
لَمْ يَكْتَفِ المَسِيحُ بِالكَلامِ، بَلْ تَفَلَ على الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنْ تَفْلَتِهِ طِينًا وطَلَى بِهِ عَيْنَيِّ الأَعْمى. الرَّبُّ الَّذِي، في البَدْءِ، خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ تُرابِ الأَرْضِ، يَعُودُ الآنَ لِيُجَدِّدَ خَلْقَ هَذا الإِنْسانِ بِطِينٍ جَدِيدٍ. إِنَّهُ لا يُصْلِحُ العَيْنَ فَقَطْ، بَلْ يَخْلُقُ إِنْسانًا جَدِيدًا. ثُمَّ يُرْسِلُهُ إلى بِرْكَةِ سِلْوامَ لِيَغْتَسِلَ «فَمَضى وَاغْتَسَلَ وَعادَ بَصيرًا». هُناكَ بَدَأَ طَرِيقَ الإسْتِنارَةِ الحَقِيقِيَّة. فَالعَيْنانِ انْفَتَحَتا بِالماءِ، لَكِنَّ القَلْبَ انْفَتَحَ بِالطَّاعَةِ والإِيمان.
الرِّوايَةُ لا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ مُعْجِزَةِ الشِّفاء. فَبَعْدَ أَنِ اسْتَعادَ الأَعْمَى بَصَرَهُ، بَدَأَتْ مُحاكَمَتُهُ. لَقَدْ صارَ مُبْصِرًا بِالجَسَدِ، لَكِنَّ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنْفُسَهُمْ مُبْصِرِينَ ظَهَرَ عَمَى قُلُوبِهِم. لَمْ يَحْتَمِلِ الفَرِّيسِيُّونَ النُّورَ، لأَنَّهُ يَكْشِفُ ظُلْمَةَ الكِبْرِياءِ الَّتي في الدَّاخِل. لِذَلِكَ، راحوا يَسْتَجْوِبُونَهُ، لَيسَ بُغْيَةَ أَنْ يُؤْمِنوا، بَلْ لِكَيْ يَدِينوا. أَمَّا هُوَ، فَكانَ يَنْمُو تَدْرِيجِيًّا في مَعْرِفَةِ المَسيح. بِدايَةً قالَ عَنْهُ إِنَّهُ «إِنْسانٌ يُقالُ لَهُ يَسوع»، ثُمَّ قالَ: «إِنَّهُ نَبِيٌّ»، وَأَخِيرًا، حِينَ الْتَقاهُ الرَّبُّ بَعْدَ أنْ أخْرَجَهُ اليَهودُ مِنَ المَجْمَعِ، خَرَّ وَسَجَدَ لَيسوعَ قائِلًا: «قَدْ آمَنْتُ يا ربّ». إِنَّها رِحْلَةُ الإِيمانِ كُلُّها، مِنْ مَعْرِفَةٍ ناقِصَةٍ، إلى اسْتِنارَةٍ مُتَزايِدَةٍ، إلى سُجودٍ حَقِيقِيٍّ أَمامَ ابْنِ الله.
تَلْتَقِي هَذِهِ الحادِثَةُ مَعَ ما سَمِعْناهُ في سِفْرِ أَعْمالِ الرُّسُلِ، حِينَ كانَ بُولُسُ وسِيلا في فِيلِيبّي، وكانَتْ جارِيَةٌ بِها رُوحُ عَرافَةٍ تَصْرُخُ وَراءَهُما. ظاهِرِيًّا كانَتْ تَعْرِفُ الحَقِيقَةَ، إِذْ كانَتْ تَقولُ إِنَّهُما عَبْدا اللهِ العَلِيِّ، لَكِنَّ مَعْرِفَتَها لَمْ تَكُنْ إِسْتِنارَةً حَقِيقِيَّةً. فَالشَّيْطانُ قَدْ يَعْرِفُ بَعْضَ الحَقائِقِ، لَكِنَّهُ يَبْقَى في الظُّلْمَةِ لأَنَّهُ يَرْفُضُ شَرِكَةَ الله. لِذَلِكَ، إِنْتَهَرَها بولُسُ وأَخْرَجَ مِنْها الرُّوحَ النَّجِسَ. بَعْدَ ذَلِكَ أُلْقِيَ الرَّسولانِ في السِّجْنِ، وسُدَّتْ عَلَيْهِما الأَبْوابُ، ووُضِعَتْ أَرْجُلُهُما في المِقْطَرَة. في عُمْقِ اللَّيْلِ، فيما كانا يُصَلِّيانِ ويُسَبِّحانِ اللهَ، حَدَثَتْ فَجْأَةً زلْزلةٌ عَظِيمةٌ، وَانْفَتَحَتْ أَبوابُ السِّجْنِ، وَانْفَكَّتِ القُيود. فِي الإِنْجيلِ يَنْفَتِحُ بَصَرُ الأَعْمَى، وفي أَعْمالِ الرُّسُلِ تَنْفَتِحُ أَبْوابُ السِّجْنِ، لأَنَّ عَمَلَ المَسيحِ هُوَ دائِمًا تَحْرِيرُ الإِنْسانِ مِنْ عَمَى القَلْبِ، وَقُيودِ الخَطِيئَةِ، وَخَوْفِ المَوْتِ، وَعُبُودِيَّةِ الشَّرّ. حَتَّى السَّجَّانُ الَّذي كانَ على وَشَكِ الإِنْتِحارِ، صارَ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ مُؤْمِنًا اعْتَمَدَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ كُلُّهُم لأنّ النِّعْمَةَ الإِلَهِيَّةَ قادِرَةٌ أَنْ تُحَوِّلَ الظُّلْمَةَ إلى نُورٍ، واليَأْسَ إلى رَجاءٍ.
يا أَحِبَّة، إِنْسانُ اليَوْمِ أَيْضًا يَعِيشُ أَنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ العَمَى. قَدْ لا يَكُونُ أَعْمى جَسَدِيًّا، لَكِنَّهُ أَعْمَى القَلْبِ والبَصِيرَة. فَهُناكَ مَنْ تُعْمِيهِ مَحَبَّةُ المالِ، فَيَقِيسُ قِيمَةَ الإِنْسانِ بِما يَمْلِكُ. وَهُناكَ مَنْ تُعْمِيهِ الكِبْرِياءُ، فَلا يَرَى خَطاياهُ بَلْ خَطايا الآخَرِينَ فَقَطْ. وَثَمَّةَ مَنْ تُعْمِيهِ الشَّهَواتُ وَالإِدْماناتُ، فَيَعِيشُ عَبْدًا لِما يُدَمِّرُهُ. وَهُناكَ مَنْ تُعْمِيهِ الكَراهِيَةُ وَالتَطَرُّفُ، فَلا يَرى صُورَةَ اللهِ في أَخِيهِ الإِنْسانِ. التِّكْنولوجيا نَفْسُها، الَّتي كانَ يُفْتَرَضُ أَنْ تُقَرِّبَ البَشَرَ، صارَتْ أَحْيانًا سَبَبًا لِعَمًى داخِلِيٍّ، إِذِ امْتَلَأَتِ العُيونُ بِالشَّاشاتِ بَيْنَما فَرَغَ القَلْبُ مِنَ الصَّلاةِ، مِنَ الإنسانِيَّةِ وَالمَحَبَّةِ، وَازْدَحَمَ الفِكْرُ بِالأَخْبارِ وَالثَرْثَراتِ فيما النَّفْسُ جائعةٌ إلى كَلِمَةِ الله.
إِنَّ أَخْطَرَ أَنْواعِ العَمى أَنْ يَظُنَّ الإِنْسانُ نَفْسَهُ مُبْصِرًا فيما هُوَ غارِقٌ في الظُّلْمَة. هَذا ما قالَهُ الرَّبُّ لِلفَرِّيسِيِّينَ: «لَوْ كُنْتُمْ عُمْيانًا لَما كانَتْ لَكُمْ خَطِيئَةٌ، ولَكِنَّكُم الآنَ تَقولونَ إِنَّنا نُبْصِرُ، فَخَطِيئَتُكُمْ باقِيَةٌ» (يو9: 41 ). الإِعْتِرافُ بِالعَمَى هُوَ بِدايَةُ الشِّفاءِ، أَمَّا التَّظاهُرُ بِمَعْرِفَةِ النُّورِ فَهُوَ اسْتِمْرارٌ في المَوْتِ الدَّاخِلِيّ.
لِذَلِكَ، تَدْعُونا الكَنِيسَةُ اليَوْمَ إلى الوُقوفِ أَمامَ المَسِيحِ مِثْلَ ذَلِكَ الأَعْمَى، غَيْرَ مُمْتَلِئينَ مِنْ ذَواتِنا، وَمُتَكَبِّرِينَ بِمَعْرِفَتِنا، بَلْ صارِخِينَ مِنْ أَعْماقِ القَلْبِ: «يا رَبُّ، أَنِرْ عَيْنَيَّ». الإِسْتِنارَةُ الحَقِيقِيَّةُ لا تَأْتي مِنْ ثَقافَةِ العالَمِ ولا مِنْ كَثْرَةِ المَعْلُوماتِ وَعِظَمِ المُمْتَلَكات، والسُلْطَةِ والمَجْد، بَلْ مِنَ اللِّقاءِ الحَيِّ بِالمَسيح «نُورِ العالَم»، الَّذي حينَ يَدْخُلُ القَلْبَ، يَرَى الإِنْسانُ نَفْسَهُ بِصِدْقٍ، وَيَرَى أَخاهُ بِمَحَبَّةٍ، وَالحَياةَ كُلَّها بِرَجاءٍ جَدِيدٍ.
مَعَ اقْتِرابِ الفَتْرَةِ الفِصْحِيَّةِ مِنْ خاتِمَتِها، إذْ نُوَدِّعُ الفِصْحَ بَعْدَ أيّامٍ، نُصَلّي كَيْ يُنيرَ اللهُ بَصيرَةَ أبْناءِ هذا الوَطَنِ والمَسْؤولينَ فيهِ لِيَعْمَلوا جَميعُهُم مِنْ أجْلِ إنْقاذِهِ مِنَ المَوْتِ المُحْدِقِ بِه. لُبنانُنا كالأعْمى يَتَخَبَّطُ في التَناقُضاتِ وَالنِزاعاتِ وَالحُروبِ مُتَلَمِّسًا طَريقَ القِيامَةِ وَالخَلاص.
إنجيلُ اليَوْم يُعَلِّمُنا، مِنْ خِلالِ مَوْقِفِ الفَرّيسيينَ مِنْ شِفاءِ الأعْمى، أنّ الخَطيئةَ مَرَضٌ يُعْمي بَصيرَةَ الإنْسانِ، وَهَذا أخْطَرُ مِنْ فَقْدِ النَظَر. مَعَ الفَرّيسيينَ المُتَمَسِّكينَ بِحَرْفِيَّةِ الشَريعَةِ نُدْرِكُ مَأساةَ البَشَرِ الذينَ يَتَمَسَّكونَ بِالقُشورِ الخارِجِيَّةِ وَيُهْمِلونَ العُمْقَ، ما يُوقِعُهُم في الخَطيئةِ وَالإنْحِرافِ وَالهَلاك. صَلاتُنا أنْ يَمْنَحَنا الربُّ نِعْمَةَ رُؤيَةِ نورِهِ لِكَيْ نَسْتَطيعَ الوُصولَ إلى الخَلاصِ، لأنّ خَلاصَنا يَبْدَأُ بِشفائنا مِنْ عَمانا الروحِيّ. فَلْنَطْلُبْ إلى الرَّبِّ أَنْ يَفْتَحَ أَعْيُنَ نُفُوسِنا، وأَنْ يُحَرِّرَنا مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ، كَيْ لا نَبْقَى سُجَناءَ الخَطِيئَةِ ولا أَسْرَى الأَوْهامِ، بَلْ نَصِيرُ أَبْناءَ النُّورِ، سائِرِينَ خَلْفَ المَسِيحِ الَّذي يَقُودُنا مِنْ عَمَى هَذا العالَمِ إلى مَجْدِ مَلَكوتِهِ، آمين.

Want your school to be the top-listed School/college in Beirut?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Category

Telephone

Address


Youssef Sursok Street, Facing Saint George Hospital, Ashrafieh
Beirut

Opening Hours

Monday 07:30 - 16:00
Tuesday 07:30 - 16:00
Wednesday 07:30 - 16:00
Thursday 07:30 - 16:00
Friday 07:30 - 16:00