22/01/2022
قصة تحدي
بقلم: الأخصائية النفسية لينة رضوان
(قصة حقيقية)
كان يوما عصبيا لكنه مصيريٌ فإما الاستمرار والتحدي أو التوقف و ربما سيكون التوقف للأبد..
بعد أن دخلت البيت عائدة من المشفى بيد واحدة فقط. وقد بُترت يدها اليمنى من الكتف، بدأ النقاش يحتد بين أفراد العائلة: هل تواصل مسيرها التعليمي أم تجلس في البيت خوفا على صحتها النفسية فيكفيها ما صارعته بمرض يدها و من ثم بترها..
لم تلتفت للأصوات من حولها
دخلت المطبخ
فتحت صنبور الماء و مع تدفقه تدفق صنبور أفكار في رأسها:
.
"حُرمتُ من صحة جسدية كاملة - كما يُحرَم كل طفل مريض - فهل على والديّ حرماني أن يكون لدي صحة عقلية سليمة و وافية
صحيح أن الأمر ليس سهلا إطلاقا خصوصا علي أولا ثم على والديّ و باقي أفراد العائلة، على الأغلب سيلجأ أفراد عائلتي لانتقاء خيارات مختلفة عما تختاره العائلات في حالهم ممن لا يوجد لديهم شخص يعاني من مشكلة صحية ما مثلي
فمثلا لا يمكننا جميعا الذهاب لأي احتفال لوجوب أن أبقى في المنزل برفقة شخص ما، بدافع الحرص والخوف من نظرات الناس فلن يسمحوا لي بالذهاب و بالتالي سيفرض والدي على أحد أخوتي البقاء معي بالمنزل لمعاونتي
ستنقلب كل خياراتنا كعائلة بسبب وجودي كطفل مريض بين أفرادها
و لكن هل يجب أن أبقى متفرجة إن كان الأمر يتعلق بخياراتي أنا شخصيا كحقي في أن أكمل تعليمي أم لا
أعتقد أن الأمر يجب أن يختلف تماما إن كان الأمر سيتعلق بمصيري من الناحية العقلية العلمية و النفسية
فحق لي كما هو حق لكل طفل أن يمارس التعليم و بشكل منتظم مهما كانت ظروفه و يقع على المجتمع تقبل حالتي و تفهم وضعي
أعلم جيدا مجتمعنا لا يقبل أي اختلاف مهما كان شكله و لكن إن تقبلت بداية أنا وضعي و وثقت بنفسي و بقدراتي حتما سيتقبلونني كما أن هذا سيدعم عائلتي و يساعدها على الخروج بي إلى المجتمع
أعتقد أن وجودي في المدرسة سيكون أفضل لأسباب عديدة
فكبداية ستوفر لي المدرسة جوا بعيدا عن العلاج و تداعياته بالتالي سيتاح لي مزيدا من الوقت كمتنفس مما سيحسن من حالتي المزاجية و بالتأكيد تحسين حالتي النفسية سينعكس على وضعي الجسدي
حتما ستزداد فرصة أن أجد صديقا يشاركني همومي
وكما أن تشتيت تركيزي عن المرض الذي أنا به سيساعدني على نسيانه و لو لفترة قصيرة فانشغالي بالدراسة سيساعدني على تجاهل أو تقليل تركيزي على كمية الآلام التي أعاني منها
كما أنه لا يمكن لأحد ما أن يضمن كم سيعيش الإنسان وإن المستقبل لإنسان متعلم أفضل بمرات عديدة منه لغير المتعلم
و من قال أنني عاجزة أن أبحث أنا بنفسي عن علاج لي و لكل من يعاني مما أعانيه و كيف يمكن أن يحصل ذلك دون علم أو تعلم؟"
(يرى ماسلو في هرم الحاجات أنه يجب على الإنسان أن يشبع حاجاته جميعها ، بداية من أكثر تلك الحاجات إلحاحا عليه كحاجته في الطعام و المسكن الآمن إنتقالا لحاجته للحب و تقدير الذات و من ثم حاجته للمعرفه حيث يضع حاجة الإنسان للعلم و التعلم من أولويات حاجات البشر)
"هل يُعقل أن أسمح لهم أن يحرموني من حاجة التعليم الملحة للإنسان
وضعت الماء داخل الإبريق
استقرت أفكاري و مخططاتي في رأسي كما استقر الماء في الإبريق
.
وضعته على النار ثم ما لبث أن بدأ الماء بالغليان ومع فوران الماء وجدت عزمي يفور... نعم سأكمل تعليمي و لن أسمح لأحد أن يمنعني من ذلك ..
بيد واحدة وضعت الأكواب و الإبريق على الصينية وحملتهم لأهلي ..
طارت أمي من مكانها لتحمل عني ..
لا يا أمي لا تلمسي ما أحمل ، استطيع أن أحملهم لوحدي حتى ولو كنت بيد واحدة أو كلية واحدة أو حتى كنت بنصف قلب .. اسمحوا لي أن أمارس حياتي التي منحني إياها ربي دون أن تحرموني من أي خير فيها أستطيع القيام به ..
و ها أنا ذا .. على مشارف الأربعين من العمر .. معلمة بيد واحدة لجيل كامل يمتلكون يدين اثنتين ... لا شيء يمنعني من إكمال مسيري في هذه الدنيا سوى الموت ..
و كل ذلك لم يكن ليحصل لو أنني استستلمت من اللحظة الأولى و لم أكمل مسيري في العلم و التعلم ...
والحمدلله رب العالمين"