14/12/2025
إعادة قراءة هادئة لاعتداءات الماضي لفهم أسئلة الحاضر
لا تزال الاعتداءات التي استهدفت مواقع مدنية يهودية في العراق مطلع خمسينيات القرن الماضي تثير تساؤلات عديدة. وحتى اليوم، لم يصدر أي حكم قضائي نهائي يحدّد المسؤوليات عنها بشكل قاطع. ومع ذلك، يرى عدد من المؤرخين اليهود والإسرائيليين أن فهم هذه الأحداث يقتضي وضعها في سياقها السياسي والأمني، المرتبط بنشأة دولة إسرائيل وبسياسات هدفت إلى تشجيع الهجرة اليهودية.
ويشير المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف إلى أن بعض القيادات الصهيونية في تلك المرحلة كانت تنظر إلى يهود البلدان العربية بوصفهم موردًا بشريًا استراتيجيًا، ينبغي نقله بسرعة إلى الدولة الناشئة، وأحيانًا عبر وسائل غير مباشرة. من جهته، يلفت آفي شلايم إلى أن العمليات السرّية كانت من بين الأدوات المستخدمة في المنطقة آنذاك. ولا تشكّل هذه التحليلات اتهامات رسمية، لكنها تتيح قراءة حذرة تُلمّح إلى احتمال تورّط شبكات صهيونية سرّية في اعتداءات العراق، ولا سيّما في ضوء شهادات لاحقة ليهود عراقيين وصفوا مناخًا مفاجئًا وغير مألوف من الخوف.
وتزداد وجاهة هذه القراءة عند مقارنتها بالاعتداءات التي وقعت في مصر عام 1954، والمعروفة باسم «قضية لافون». ففي هذه الحالة المحدّدة، والمُوثّقة اليوم على نحو واسع، جرى الكشف عن خلية يهودية سرّية بعد تنفيذ أعمال تخريب محدودة استهدفت منشآت مدنية غربية في القاهرة والإسكندرية، مع ثبوت صلات لها آنذاك بأجهزة إسرائيلية. ويستشهد آفي شلايم بهذه القضية بوصفها مثالًا مثبتًا على اللجوء إلى أعمال سرّية لخلق انطباع بعدم الاستقرار خدمةً لأهداف سياسية وأمنية.
ولا يهدف هذا التذكير التاريخي إلى تسمية مسؤولين حاليين، بل إلى استخلاص العِبَر. فعندما تقع اليوم حوادث تستهدف مدنيين يهودًا في دول غربية — بما في ذلك حادثة حديثة في أستراليا — يكون من المشروع، مهنيًا وصحفيًا، طرح الأسئلة بحذر، من دون استباق نتائج التحقيقات أو إسناد المسؤوليات.
ويجب التأكيد بوضوح على تمييزٍ جوهري: فاليهود، بوصفهم جماعة دينية وثقافية، ليسوا موضع اتهام بأي حال. وفي محطات تاريخية عدّة، كانوا ضحايا استراتيجيات سياسية تجاوزتهم. أمّا الصهيونية، باعتبارها حركة سياسية وأمنية، فقد لجأت — وفق أعمال باحثين يهود أنفسهم — إلى أشكال من العمل السرّي في فترات معيّنة. إن الخلط بين هاتين الحقيقتين يؤدّي إلى تعميمات ظالمة وإشكالات قانونية.
ولا تدّعي هذه المقالة امتلاك حقيقة نهائية؛ بل تدعو إلى قراءة مسؤولة للتاريخ، تبحث عن السياق بدل الاكتفاء بردود الفعل العاطفية التي يثيرها الحدث.