27/11/2025
بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا كان المرجع اليعقوبي المرشَّح الوحيد من حوزتنا؟
لقد جسّد السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره الشريف) مفهوم المرجعية الدينية الربانية بكل ما يحمل من مضامين دقيقة، فكان (رضوان الله عليه) حاضرا في تفاصيل حياة الأمة العقائدية والفقهية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها مما تحتاجه الأمة.
من هنا كان يفتّش عن القيادة التي تخلفه في تمثيل هذا المفهوم بكل مضامينه، خصوصا وهو يدرك جيدا أنه لن يعيش طويلا في ظل المواجهة التي احتدمت بينه وبين طاغية عصره صدام اللعين.
وفي سياق الحديث عن معايير القيادة العلمية والاجتماعية التي كان السيد الشهيد يؤمن بها، تبرز أسبابا طبيعية وواضحة لترشيحه للمرجع اليعقوبي لقيادة الحوزة من بعده، وذلك استنادا إلى مجموعة معطيات جوهرية رآها فيه، ولعل من أبرزها:
1. امتلاك المرجع اليعقوبي للمقدمات العلمية التي تؤهله لنيل رتبة الاجتهاد فيما بعد، وهو ما يُعد الشرط الأساس لأي قيادة دينية رصينة تستند إلى قواعد الفهم الصحيح والناضج للمشروع الإسلامي.
2. البناء الأخلاقي العالي، فقد كان سماحته نموذجا لتهذيب النفس، والتقوى، والالتزام الديني الدقيق، وقد اطلع سيدنا الشهيد الصدر على كل ذلك عن كثب، بشهادة المراسلات الخطية التي كانت بينهما والمدوَّنة في كتاب قناديل العارفين وهو مطبوع في مجلد واحد.
3. الوعي الاجتماعي العميق الذي كان يمتلكه سماحته، والذي يمكّنه من فهم حاجات المجتمع والتفاعل معها، بما يحوّل الدين من مجرد نصوص مكتوبة إلى مشروع واقعي ينبض بالحياة.
4. الزهد في الدنيا وتقديم المصلحة العامة؛ إذ عُرف عنه (دامت بركاته) إيثار الناس على نفسه، والابتعاد عن زخارف الدنيا ومظاهر الضجيح، وعن أشكال التبذير والتكلّف، ما جعله أقرب إلى قلوب المؤمنين، وهذا ما لمسه وما زال يلمسه كلُّ من تعرّف على سماحته عن كثب.
5. طيبة القلب مع قوة القلب. هذا المزيج النادر الذي يجمع بين الرأفة و الرحمة والحنان على الناس، والثبات في المواقف وعدم التراجع عن المبادئ والقيم التي يؤمن بها مهما كلّفه ذلك، وهو ما تحتاجه أي قيادة ربانية تواجه في كل مرحلة مجموعة من التحديات تختلف عن تحديات المرحلة التي تليها.
هذه الصفات مجتمعة شكّلت رؤية كاملة وواضحة لدى السيد الشهيد في مَن ينبغي أن يواصل حمل الأمانة بعده، لتبقى الحوزة العلميّة مؤتمنة على رسالتها الشرعية والإنسانية. وهكذا كان المرجع اليعقوبي (دامت بركاته) المرشَّح الوحيد من حوزتنا، والذي ينبغي أن يمسك الحوزة من بعد شهيدنا الصدر، وها هو سماحته يوما بعد يوم يؤكد للبعيد قبل القريب حقّانيّة ما تنبّأ به أستاذه الشهيد (رضوان الله عليه) وهو يسير على خطاه المباركة والحمد لله رب العالمين على نعمه ومننه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى.
الشيخ عباس الناصري