25/08/2026
حين وصف عليٌّ محمداً... فتكلمت الفصاحة
ما أعظم أن يصفَ العاشقُ معشوقَه، وما أبلغ أن يصفَ العالمُ من عرفه، ولكن الأعظم من ذلك كله أن يصفَ عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) رسولَ الله محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم).
فبين عليٍّ ومحمدٍ (صلوات الله عليهما وآلهما) من القرب والمعرفة ما يجعل وصفه للنبي ليس وصفَ ناظرٍ عابر، ولا ثناءَ محبٍّ فحسب، وإنما شهادةُ من عاشره، وخالطه، ونهل من أخلاقه، وعرف من شمائله ما لم يعرفه غيره.
ومن هنا تأتي كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنها لوحةٌ رسمتها الفصاحة بأدق ألوانها:
«أكرمُ الناسِ عشرة، وألينُهم عريكة، وأجودُهم كفّاً، من خالطه بمعرفةٍ أحبّه، ومن رآه بديهةً هابه».
أيُّ وصفٍ هذا؟!
في كلمات معدودة، يجمع الإمام علي (عليه السلام) بين الكرم واللين والجود والهيبة والمحبة، فيرسم شخصيةً لا تجتمع فيها الصفات المتقابلة فحسب، بل تتآلف فيها حتى تبدو كأنها صفةٌ واحدة متكاملة.
فهو أكرم الناس عشرة؛ أي أطيبهم معاشرةً، وأحسنهم صحبةً، وأجملهم مخالطةً للناس. لا يملُّ جليسه، ولا يضيق به صاحبه، ولا يشعر القريب منه أنه أمام شخصيةٍ متعاليةٍ أو متجهمة، بل يجد نفسه أمام إنسانٍ يألف ويؤنس، ويكرم ويحتوي.
ثم يقول:
«وألينهم عريكة».
وما أروع هذا التعبير!
لم يقل الإمام فقط: إنه لين الجانب، بل اختار لفظ «العريكة»؛ ليشير إلى طبيعته وسجيته وسهولة جانبه. فاللين لم يكن تصنعاً في مجلس، ولا أسلوباً مؤقتاً في التعامل، بل كان جزءاً من طبيعته الشريفة.
ثم يرفع الإمام الوصف إلى مرتبة أخرى:
«وأجودهم كفاً».
إنها يدٌ لا تعرف البخل، وكفٌّ لا تضيق بالعطاء، ونفسٌ لا ترى في المال إلا وسيلةً للإحسان. وكأن الجود في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن فعلاً يقوم به، بل كان طبيعةً تسكنه.
ثم تأتي العبارة التي تكشف سرَّ عظمة الشخصية المحمدية:
«من خالطه بمعرفةٍ أحبّه، ومن رآه بديهةً هابه».
هنا يبلغ الوصف ذروة الروعة.
فالذي يراه لأول مرة يشعر بالهيبة أمام جلال شخصيته، وقوة حضوره، ونور وقاره.
ولكن من يقترب منه، ويعرفه، ويخالطه، لا تزداد هيبته فقط، بل يتحول ذلك الشعور إلى محبة.
وهذه من أعظم الصفات الإنسانية التي يمكن أن تجتمع في شخص واحد:
هيبةٌ عند اللقاء... ومحبةٌ عند المعرفة.
فليس قريباً من الناس فيسقط من أعينهم، ولا مهيباً فينفرون منه؛ بل يجمع بين الأمرين في معادلةٍ عجيبة:
تراه فتهابه، وتعرفه فتحبه.
وهنا تتجلى عبقرية الإمام علي (عليه السلام) في الوصف؛ فهو لا يكدّس الصفات تكديساً، ولا يسرد المناقب سرداً، وإنما يبني صورةً متحركةً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، صورةً يشعر معها القارئ أنه يرى رسول الله أمامه: وقاراً وهيبة، وليناً ورحمة، وكرماً وجوداً، ثم محبةً تستقر في القلوب.
ولم يقف أمير المؤمنين (عليه السلام) عند وصف أخلاق النبي وشمائله، بل وصف أثره في الإنسان والأمة، فقال عنه:
«إمامُ المتقين، وسراجُ لمن اهتدى».
وهنا ينتقل البيان من وصف الإنسان إلى وصف الرسالة.
فهو إمام المتقين؛ لأن التقوى تحتاج إلى إمامٍ يقودها، وإلى قدوةٍ تجسدها، وإلى نورٍ يهدي السائرين في طريقها.
وهو سراجٌ لمن اهتدى؛ والسراج لا يمشي بالإنسان، ولكنه يكشف له الطريق. لا يحمل عنه خطواته، ولكنه يمنع عنه ظلمة التيه.
يا لها من كلمة!
سراج لمن اهتدى.
فمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس نوراً يخص زمناً دون زمن، ولا هدايةً لجماعة دون أخرى؛ وإنما هو نورٌ لمن طلب الطريق، ودليلٌ لمن أراد الوصول، ومنارةٌ لمن أظلمت أمامه السبل.
وهكذا نرى كيف صنع الإمام علي (عليه السلام) من الكلمات القليلة صورةً عظيمةً للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وما يزيد هذه الصورة جمالاً أن الواصف ليس شاعراً يبحث عن المبالغة، ولا أديباً يريد زخرفة الكلام، وإنما هو عليٌّ؛ ذلك الذي عرف محمداً في أقرب المواطن، وعاش معه في أصعب المواقف، ورأى من أخلاقه وشمائله ما لم تره أعين كثيرة.
لذلك تبدو كلماته وكأنها لا تصف ملامح النبي فحسب، بل تكشف سرَّ حضوره:
كان مهيباً بلا تكبّر،
ولَيِّناً بلا ضعف،
كريماً بلا إسراف،
جواداً بلا منّ،
محبوباً بلا تكلّف،
وقائداً بلا استعلاء،
ونوراً لا يضيء للعيون وحدها، بل يضيء للعقول والقلوب والطرقات.
وإذا كانت البلاغة أن تقول الكثير بالقليل، فإن كلمات عليٍّ (عليه السلام) في وصف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من أبلغ ما يمكن أن يقال؛ لأنه اختصر أمةً من الصفات في كلمات، واختصر شخصيةً عظيمةً في صور، واختصر سيرةً كاملةً في هيبةٍ ومحبةٍ وكرمٍ وهداية.
وهكذا كان عليٌّ (عليه السلام) حين تحدث عن محمد...
لم يحتج إلى الإسهاب؛ لأن العظيم لا يحتاج إلى كثرة الكلام، وإنما يحتاج إلى كلمةٍ تعرف كيف تليق بعظمته.
فقال عليٌّ...
فأنصتت الفصاحة.