20/08/2026
كركوك ليست أرضًا بلا ذاكرة… والتخطيط أساس حمايتها
(دعوة للاسراع في المصادقة على التصميم الأساسي الجديد للمدينة)
أستاذ الدكتور زين العابدين علي صفر البياتي
كركوك ليست أرضًا بلا ذاكرة، ولا صفحةً بيضاء تُعاد كتابتها وفق موازين القوى المتغيرة، ولا مدينةً يجوز التعامل معها كغنيمة تتنازعها المصالح. إنها مدينة عريقة، متجذّرة في التاريخ، وغنية بتنوعها السكاني والثقافي والحضاري، ولذلك فإن مستقبلها لا ينبغي أن يُرسم بقرارات ظرفية أو اجتهادات فردية، بل وفق القانون والعلم والتخطيط الرصين.
إن جوهر المشكلة التي تواجه كركوك اليوم لا يكمن فقط في التفريط ببعض أراضيها أو تحويلها إلى مشاريع استثمارية تحت عناوين متعددة، وإنما يكمن قبل ذلك في تعطيل المصادقة على التصميم الأساس للمدينة، وهو الوثيقة التي تمثل دستورها المكاني، والإطار القانوني والفني الذي ينظم استعمالات الأرض، ويوزع الخدمات، ويحمي المناطق العامة، ويحدد اتجاهات النمو العمراني وفق رؤية متكاملة ومستدامة.
فكيف يمكن إدارة مدينة بحجم كركوك وتاريخها ومستقبلها من دون تصميم أساس مُصادق عليه؟ وكيف يمكن اتخاذ قرارات تتعلق بالأرض والاستثمار والسكن والخدمات والمساحات الخضراء بمعزل عن رؤية تخطيطية شاملة؟
إن استمرار تأخير المصادقة على التصميم الأساس يفتح الباب أمام الاجتهادات والقرارات المنفردة، ويتيح تحويل استعمالات الأراضي بعيدًا عن الاحتياجات الفعلية للمدينة وسكانها. والأخطر من ذلك أن الأراضي المخصصة أصلًا للخدمات العامة، والمؤسسات التعليمية والصحية والثقافية والدينية، فضلًا عن الحدائق والمساحات الخضراء، قد تصبح عرضة للتغيير أو الاستثمار، في وقت تعاني فيه كركوك أصلًا من نقص شديد في المساحات الخضراء والمرافق العامة.
وهذا النهج لا يمثل مجرد مخالفة تخطيطية عابرة، بل قد يقود إلى اختلال خطير في التوازن الوظيفي والعمراني للمدينة، ويزيد من مشكلات النقل والخدمات والسكن والبيئة، ويصعّب معالجة الأخطاء مستقبلًا، ويهدد أهداف التنمية المستدامة والرؤية التخطيطية لمدينة كركوك حتى عام 2037.
إن التصميم الأساس ليس مجرد خرائط وألوان وخطوط على الورق، وليس وثيقة فنية يمكن تعطيلها إلى أجل غير مسمى؛ بل هو عقد مكاني واجتماعي يحدد حقوق المدينة ومستقبل أحيائها، ويضمن العدالة في توزيع الخدمات والفرص، ويحمي المال العام والأرض العامة من الاستغلال، ويضع الاستثمار في خدمة التنمية بدل أن تتحول التنمية إلى غطاء للاستثمار غير المنضبط.
ومن هنا، فإن حماية كركوك لا تعني الدفاع عن الماضي فقط، بل تعني حماية مستقبلها أيضًا. ولا يمكن تحقيق ذلك من دون احترام القانون، وتفعيل المؤسسات المختصة، وإبعاد القرارات التخطيطية عن المصالح الشخصية والسياسية والآنية، واعتماد العلم والكفاءة والمصلحة العامة معيارًا وحيدًا في إدارة المدينة.
وعليه، فإننا ندعو الحكومة المحلية والجهات التخطيطية والوزارات والمؤسسات المعنية، كما ندعو القوى السياسية والمجتمعية والنخب الأكاديمية والمهنية، إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية والإسراع في المصادقة على التصميم الأساس المعد لمدينة كركوك حتى عام 2037، واعتماده مرجعًا ملزمًا في تنظيم استعمالات الأرض وتوجيه الاستثمار وحماية الأراضي المخصصة للخدمات والمساحات الخضراء والمرافق العامة.
فكركوك ليست ملكًا لحكومة عابرة، ولا لجماعة، ولا لحزب، ولا لشخص، بل هي مدينة لجميع أبنائها، وتاريخها أمانة، وأرضها مسؤولية، ومستقبلها حق للأجيال القادمة.
ستبقى كركوك شامخة بتاريخها، وبتنوعها، وبأهلها، وبحقها في مدينة عادلة ومنظمة ومستدامة. أما المشاريع والقرارات التي تُبنى خارج القانون والتخطيط العلمي الرصين، مهما بدت قوية في لحظتها، فإنها إلى زوال؛ لأن المدينة أبقى من الأشخاص، والتاريخ أبقى من المصالح العابرة، وكركوك أكبر من أن تُختزل في حسابات الفاسدين والطامعين بخيراتها.
منقول من الدكتور زين العابدين علي صفر