12/08/2025
الشهرة الرخيصة… بين العوز وتدني المستوى الثقافي للمجتمع
في زمنٍ أغبرت فيه قيم الحقيقة وبهتت فيه معايير التفوّق، أصبحت الشهرة سلعة رخيصة معروضة في سوق إلكتروني تعجّ به الأصوات النشاز، تُباع فيه الأخلاق بالدينار والكرامة باللايك، وتزاد فيه العقول سفاهة كلما زاد عدد المتابعين، فمنصات التيكتوك وأخواتها أطلقت العنان لجحافل من هواة “الترند”، لا يمتلك أغلبهم سوى شجاعة الفضيحة وفقر الفكرة، يصيحون بأعلى صوتٍ: “شاهدوني!”، حتى لو كان الثمن هو بيع ما تبقى من ماء الوجه.
لم تعد الشهرة اليوم تُقاس بالإنجاز أو بقيمة ما يقدم المرء من نفع، بل بالقدرة على إثارة الضجيج، أشخاص متدنون علمياً، ومتسولون أخلاقياً يعتلون شاشات الصغار والكبار، يعرضون أنفسهم وبؤسهم بلا استحياء في سبيل جمع حفنة نقود سريعة، لا علم يُستفاد منه، ولا محتوى يرتقي بالأفهام؛ وإنّما هراء متواصل يُقدَّم بملابس غريبة وحركات أشد غرابة، مصحوبة بتافه الأقوال ورديء الأفعال، ثم ينالون التصفيق والتطبيل من مجتمع يُفترض أنه عاقل.
لكن هل نلوم هؤلاء وحدهم؟ أم نلوم مجتمعاً جعل الشهرة هدفاً بذاته ولم يعد يسأل: بماذا اشتهرت؟ بل يُغرم فقط بعدد المتابعين وكثرة الإعلانات، الأسباب كثيرة، ولعل أبرزها العوز المتمثل في فقر المال وفقر الروح، بعض الحالمين بالثروة السريعة يستسهل “حرق” قيمه وعقله ليحقق بضع دراهم، الفقر المعرفي أسهم بدوره في اتساع الفجوة، حيث قلّت القدوة الصالحة وندر المحتوى الهادف، فملأ الفراغ كل من هبّ ودبّ بحثاً عن نصيبه من أضواء الشهرة ولو كانت مصابيحها محترقة.
أما عن التصدي لهذه الظاهرة، فليس بالحظر أو القمع وحدهما، فكل ممنوعٍ مرغوب، وإنّما يتحقق ذلك عبر الارتقاء بالوعي، فعلى المجتمع أن يستعيد مهاراته في التذوق والانتقاء، وأن يرفع سقف مطالبه من صناع المحتوى، فيدعم الجيد ويترك السيء يذبل دون ضجيج.
ولعلنا نختم بسؤال ساخر: هل وصلت بنا الأحوال إلى أن نعتبر “قلة الحياء” موهبة تستحق التصفيق؟! أم أن علينا مراجعة أنفسنا وجهاز التحكم عن بعد لنسترد ما تبقى من عقلانية قبل أن نستفيق ذات صباح ونجد أن الشهرة أصبحت حقاً للباحثين عن الفضيحة فقط؟
الشهرة ليست عيباً… العيب أن تكون شهيراً بسبب العيب ذاته.