25/12/2025
كان اليابانيون يكرهون الاسلام اشد الكره وأثناء احتلالهم لأندونيسيا في الحرب العالمية الثانية طلبوا من المسلمين الإندونيسيين التخلي عن دينهم وفرض قوانين تحظر ممارسة الإسلام في إندونيسيا خاصة في المدن الكبرى.
في السنوات التي غرق فيها العالم في أتون الحرب العالمية الثانية، حين تمدّد لهيب المعارك من شرق آسيا إلى جزر الهند الشرقية، دخل اليابانيون إندونيسيا تحت شعارٍ بدا براّقًا للوهلة الأولى: تحرير الشعوب الآسيوية من الاستعمار الغربي. غير أنّ هذا الشعار سرعان ما انكشف وجهه الحقيقي، فكان الاحتلال الياباني واحدًا من أكثر فصول التاريخ الإندونيسي دموية، ترك جروحًا في ذاكرة المسلمين لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم.
عندما انهارت الإدارة الهولندية أمام الهجوم الياباني سنة 1942، كان كثير من الإندونيسيين – ومعظمهم مسلمون – يظنّون أنّ طرد الهولنديين إيذانٌ بعصر جديد، ربما يحمل عدلًا أو شيئًا من راحة بعد ثلاثة قرون من الهيمنة الأوروبية. لكنّ اليابانيين لم يأتوا محرّرين، بل قوةً عسكرية لا تقلّ قسوة عمن سبقهم، بل إنّ سنواتهم الثلاث تجاوزت في شدّتها ما عاناه الناس في عقود طويلة من الاستعمار الهولندي.
كان الإسلام حاضراً بقوة في المجتمع الإندونيسي، يحرك الجماهير ويجمّع القرى حول العلماء والخطباء والزوايا والمعاهد. وهذا وحده كان كافيًا ليجعله مصدر قلق لجيشٍ جاء ليحكم الحديد والنار. لذلك بدأ اليابانيون أول خطواتهم بمحاولة السيطرة على المؤسسات الدينية: أُغلقت المدارس الدينية وقُيّدت الخطب، ولم يكن يُسمح للإمام أن يصعد المنبر إلا بعد الاطلاع على نص خطبته. الجمعيات الإسلامية القديمة مثل المحمدية ونهضة العلماء وُضعت تحت المراقبة المشددة، لأنّ اليابان كانت ترى في الإسلام حركة سياسية أكثر منها روحية، قادرة على إشعال مقاومة واسعة إذا تُركت دون رقابة.
ثم جاءت الضربة الأشدّ، وهي نظام السخرة المعروف باسم "الروموشا". لم يعرف الإندونيسيون في تاريخهم الحديث شيئًا يشبه هذه المأساة. جُمعت القرى بأكملها، وخُطف الشباب بالقوة، ودُفعوا إلى أعمال شاقة في الجبال والغابات والطرق والمناجم. مات منهم مئات الآلاف، ربما تجاوزوا المليون مسلم، في ظروف قاسية من الجوع والمرض والضرب. لم تكن هناك سجلات دقيقة، فالذي يدخل الروموشا كان في حكم المفقود. من أشهر مواقع العذاب بناء "سكة حديد الموت" بين بورما وتايلاند، التي ذاع صيتها عالميًا بسبب ضحايا الحلفاء، لكن ما لم يُذكر كثيرًا أنّ الإندونيسيين المسلمين كانوا أكثر عددًا، وأقلّ من يعرف أسماءهم.
إلى جانب ذلك، استخدم الجيش الياباني آلاف النساء المسلمات في نظام "نساء المتعة"، وهو أكبر نظام استغلال جنسي قامت به جيوش القرن العشرين. داهم الجنود القرى، وأسروا آلاف الفتيات المسلمات، واستُخدمن في معسكرات خاصة تستعبد المرأة جنسياً باسم الجيش. كان الصمت يلفّ هذه المأساة عقودًا بسبب العار والخوف، لكنها بقيت وصمة سوداء في تاريخ الاحتلال.
الاقتصاد الإندونيسي لم يسلم كذلك. ففي مرحلة الحرب الشاملة احتاجت اليابان لكل حبة أرز، فصادرت المحاصيل كاملة وأعادت توزيعها عبر الجيش. انتشرت المجاعة، خصوصًا في 1944 و1945، حتى اضطر الناس في بعض القرى لأكل الأعشاب، وارتفعت معدلات الوفيات بين الأطفال والنساء. كانت المجاعة سلاحًا بقدر ما كانت نتيجة حرب.
ولم يتسامح الاحتلال مع أي عالم أو خطيب حاول الاعتراض. أُعدم الكثير من العلماء المسلمين في الساحات، ودفن آخرون أحياء، وسُجن عدد كبير من قادة الجمعيات الإسلامية بعد اتهامهم بالتحريض والخيانة. حتى التعليم لم يسلم، فغيّر اليابانيون المناهج، وأجبروا الأطفال على ترديد شعارات تمجّد الإمبراطور وتقدّسه وتسجد له على أنه إلاه، مع منع تعليم العربية والقرآن.
وعندما انهزمت اليابان في أغسطس 1945، تركت وراءها بلدًا ممزقًا جائعًا، فقد عشرات الآلاف من أبنائه وعلمائه ونسائه. غير أنّ تلك السنوات القاسية أيقظت في الإندونيسيين شعورًا عميقًا بالحاجة إلى التحرر، فكانت نقطة التحول الكبرى التي جعلت إعلان الاستقلال ممكنًا بعد أيام قليلة من استسلام اليابان.
وبهذا، ظلّ الاحتلال الياباني لإندونيسيا مثالًا صارخًا على أنّ الشعارات السياسية – مهما بدت برّاقة – يمكن أن تخفي وراءها أبشع الجرائم، وأنّ المسلمين في تلك الجزر البعيدة دفعوا من دمائهم وأجسادهم ثمنًا باهظًا في حربٍ لم يكونوا طرفًا فيها، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلبها.
المراجع:
1. Shigeru Sato, *Japan’s Occupation of Indonesia*.
2. Anthony Reid, *The Indonesian War of Independence*.
3. Yoshimi Yoshiaki, *Comfort Women*.
4. تقارير لجنة الحقيقة الإندونيسية 1942–1945.
5. أرشيف حكومة هولندا – لاهاي
منقول