09/09/2026
من الشخص عند فويتيلا إلى الحضور الشخصاني
قراءة في الشخصانية التوماوية عند كارول فويتيلا
تأليف ورؤية: الأستاذ أيهم نقولا سعد
المركز الأنطاكي للشخصانية المسيحية الأرثوذكسية
مدرسة الحضور الشخصاني
يشكّل كارول فويتيلا، الذي أصبح لاحقاً البابا يوحنا بولس الثاني، أحد أبرز المفكرين المسيحيين الذين حاولوا إعادة صياغة مفهوم الشخص في حوار عميق بين الفلسفة التوماوية والخبرة الإنسانية الحديثة. وقد جاءت شخصانيته محاولة لتجاوز الاختزال الذي يحصر الإنسان في كونه كائناً طبيعياً أو فرداً اجتماعياً، دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن الأساس الأنطولوجي الموضوعي الذي تؤكده الفلسفة التوماوية.
فالإنسان عند فويتيلا ليس مجرد موضوع يمكن دراسته من الخارج، بل هو ذات تختبر نفسها وتكشف عن حقيقتها من خلال الفعل. وعندما يختار الإنسان أو يحب أو يقرر أو يتحمل المسؤولية، فإنه لا يقوم بفعل خارجي فقط، بل يكشف شيئاً من ذاته كشخص. لذلك يصبح الفعل الإنساني نافذة على العالم الداخلي للإنسان.
ومن هنا تكتسب التجربة الداخلية أهميتها. فالإنسان يعرف نفسه لا فقط من خلال ما يمكن ملاحظته فيه من الخارج، وإنما أيضاً من خلال خبرته بذاته، ومن خلال وعيه وحريته ومسؤوليته وقدرته على اتخاذ القرار. وهذا البعد الداخلي هو الذي يمنح الشخص فرادته، إذ إن الشخص ليس نسخة مكررة من نموذج بشري عام، بل هو وجود فريد لا يمكن اختزاله إلى صفاته أو وظائفه.
غير أن فويتيلا لا يحوّل اكتشاف الذات إلى نوع من الانغلاق على الأنا. على العكس، فامتلاك الإنسان لذاته يفتح أمامه إمكانية العطاء. فالإنسان لا يحقق ذاته عندما يحتفظ بذاته لنفسه، بل عندما يصبح قادراً على أن يمنح ذاته في الحب والعلاقة والمسؤولية. وهنا تتجاوز الشخصانية الفردانية: الشخص لا يعيش ضد الآخر، بل يتحقق أيضاً في العلاقة معه.
وهذا البعد يشكل إحدى نقاط القوة الأساسية في الشخصانية التوماوية عند فويتيلا: الشخص ذاتٌ حرة وواعية، لكنه ليس ذاتاً مغلقة؛ إنه ذات قادرة على امتلاك نفسها وعلى إعطاء نفسها.
ومن هنا يمكن أن نطرح، انطلاقاً من مشروع الشخصانية الحضورية الذي يقدمه الأستاذ أيهم نقولا سعد، سؤالاً يتجاوز الوصف التقليدي للشخص: إذا كان الإنسان شخصاً من حيث كينونته، وإذا كان يكشف عن شخصه من خلال وعيه وفعلِه وحريته وعطائه، فكيف يتحقق هذا الشخص في الوجود؟
هنا يظهر مفهوم الحضور بوصفه أفقاً إضافياً في التفكير الشخصاني.
فالحضور، في الرؤية الشخصانية الحضورية، ليس مجرد انتباه ذهني، وليس مجرد وعي نفسي بالذات، بل هو نمط من تحقق الإنسان في وجوده. فالإنسان قد يكون موجوداً من الناحية البيولوجية والاجتماعية والنفسية، ومع ذلك لا يكون وجوده قد بلغ بالضرورة مستوى التحقق الشخصاني.
ومن هنا تنطلق أطروحة الشخصانية الحضورية:
الإنسان لا يصبح شخصاً بمجرد أن يكون موجوداً، بل يصير شخصاً بقدر ما يتحقق وجوده بالحضور.
وبهذا المعنى، يمكن أن نرى في فويتيلا مرحلة مهمة في انتقال التفكير المسيحي من سؤال «ما الإنسان؟» إلى سؤال «كيف يختبر الإنسان ذاته بوصفه شخصاً؟»، بينما تقترح الشخصانية الحضورية توسيع السؤال نحو: «كيف يتحقق الشخص في وجوده بالحضور؟»
إنها ليست محاولة لاستبدال الشخصانية التوماوية، بل للدخول معها في حوار فلسفي ولاهوتي، بحيث يصبح مفهوم الشخص مجالاً لحركة متدرجة: من الكائن، إلى الفرد، إلى الشخص، ثم إلى الشخص الحاضر.
وفي هذا الإطار، تصبح العلاقة بين الماهية والحضور والوجود مركزية في التفكير الشخصاني. فالماهية تحمل إمكانية الإنسان، والحضور يفتح مجال تحقق هذه الإمكانية، والوجود هو المجال الذي يظهر فيه هذا التحقق.
ومن هنا تأتي معادلة الوجود الشخصاني التي يطرحها الأستاذ أيهم نقولا سعد:
الماهية + الحضور = الوجود الشخصاني
فالعلامة «+» هنا لا تعني جمعاً حسابياً، بل تشير إلى علاقة تحقق وانتقال: الماهية من حيث هي إمكانية لا تكتمل في الوجود الشخصاني إلا بالحضور.
وعلى هذا الأساس، يصبح الشخص أكثر من مجرد فرد يمتلك خصائص بشرية؛ إنه كائن استعاد ذاته في الحضور. وهذا الاسترداد ليس عودة إلى الأنا المنغلقة، بل انتقال من التمركز حول الذات إلى الانفتاح على الآخر، ومن الوجود المجرّد إلى الوجود المتحقق، ومن الحياة بوصفها حدوثاً بيولوجياً إلى الحياة بوصفها حضوراً شخصانياً.
وهنا يلتقي البعد التوماوي عند فويتيلا مع الأفق الحضوري في مشروع الشخصانية الحضورية: فكلاهما يرفض اختزال الإنسان إلى شيء أو وظيفة أو رقم، وكلاهما يؤكد أن الإنسان لا يُفهم إلا بوصفه شخصاً. غير أن السؤال الحضوري يضيف طبقة جديدة إلى هذا المسار: ليس المهم فقط أن نثبت أن الإنسان شخص، بل أن نسأل عن درجة تحقق الشخص في وجوده.
ومن المنظور المسيحي، يبلغ هذا السؤال ذروته في العلاقة مع الله؛ لأن الحضور الإنساني لا ينغلق على الذات، بل يجد كماله في الحضور الإلهي. لذلك يمكن صياغة إحدى نتائج الرؤية الشخصانية الحضورية بالقول:
حين يحضر الله في القلب، يستيقظ الشخص في الإنسان.
وهكذا يتحول مفهوم الحضور من مفهوم نفسي إلى سؤال أنطولوجي وروحي: كيف ينتقل الإنسان من مجرد أن يكون موجوداً إلى أن يكون حاضراً، ومن أن يكون فرداً إلى أن يكون شخصاً، ومن امتلاك الذات إلى بذلها، ومن الانغلاق إلى الشركة؟
في هذه المسافة بين توما الأكويني وفويتيلا والشخصانية الحضورية يمكن أن يبدأ حوار جديد حول الإنسان المسيحي: حوار لا يكتفي بتعريف الشخص، بل يبحث في ولادة الشخص وتحقيقه وحضوره.
فإذا كان فويتيلا قد أعاد اكتشاف الشخص من خلال الفعل والخبرة الداخلية والعطاء، فإن السؤال الذي تفتحه الشخصانية الحضورية هو:
متى يحضر الشخص في وجوده؟
ومن هذا السؤال يبدأ الانتقال من فلسفة الشخص إلى أنطولوجيا الحضور...