02/08/2026
نحو رؤية دستورية وقانونية ومؤسسية جديدة لموارد العراق المائية.؟
يمثل العراق اليوم إحدى أكثر دول الشرق الأوسط تعرضًا لمخاطر الإجهاد المائي، نتيجة التداخل المعقد بين التغيرات المناخية، وانخفاض الإيرادات المائية العابرة للحدود، والنمو السكاني، وتدهور البنية التحتية، وضعف كفاءة الإدارة المائية. ولم تعد أزمة المياه في العراق أزمة موارد فحسب، بل أصبحت أزمة حوكمة وتشريع وإدارة واستشراف للمستقبل، الأمر الذي يجعل إعادة بناء منظومة الأمن المائي ضرورة وطنية تمس الأمن القومي والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. واعتبار الحق في الماء كحق دستوري وإنساني في العراق، لأنه على الرغم من أن دستور جمهورية العراق لسنة 2005 لم ينص بصورة صريحة على "الحق في الماء" باعتباره حقًا مستقلاً من حقوق الإنسان، إلا أن العديد من مواده تؤسس لهذا الحق بصورة غير مباشرة، ومن أهمها
· المادة (33) التي تنص على أن لكل فرد الحق في العيش في ظروف بيئية سليمة، وأن الدولة تكفل حماية البيئة والتنوع الأحيائي.
· المادة (110) المتعلقة بالسياسات السيادية، والتي يمكن تفسيرها بأنها تشمل إدارة الموارد الطبيعية ذات البعد الاستراتيجي
· المادة (111) التي تنص على أن النفط والغاز ملك لكل الشعب العراقي، بينما لم يرد نص مماثل يحدد الملكية الوطنية للمياه، وهو فراغ تشريعي ودستوري يستحق المعالج
· المادة (114) الخاصة بالإدارة المشتركة لبعض الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات، والتي يمكن أن تمتد إلى إدارة الموارد المائية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تعديل دستوري مستقبلي يقر صراحة بأن:
"المياه مورد وطني استراتيجي وحق أساسي لكل مواطن، وتلتزم الدولة بحمايته وإدارته واستدامته وضمان وصوله العادل للأجيال الحالية والمستقبلية."
إن دسترة الحق في الماء تمنح السياسة المائية قوة قانونية أعلى، وتجعل الدولة ملزمة بوضع السياسات والبرامج الكفيلة بضمان هذا الحق
وبخصوص الواقع القانوني لإدارة المياه في العراق، فان العراق يعتمد على مجموعة كبيرة من القوانين والأنظمة والتعليمات، إلا أنها صدرت في ظروف تاريخية مختلفة، ولم تعد تستجيب للتحديات الحالية، ومن أبرز الملاحظات هي غياب قانون وطني شامل للمياه يوحد جميع الموارد السطحية والجوفية وغير التقليدية. تعدد الجهات المسؤولة عن المياه. تداخل الصلاحيات بين الوزارات. ضعف العقوبات المتعلقة بالتجاوز على الموارد المائية. غياب تشريع خاص بالأمن المائي. عدم وجود إطار قانوني لإدارة الجفاف. ضعف التشريعات المتعلقة بإعادة استخدام المياه المعالجة. غياب تشريعات تنظم إدارة المياه وفق مبادئ التغير المناخي.
لإن التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق لا يكمن فقط في تراجع الموارد المائية، بل في إعادة بناء منظومة وطنية متكاملة تجعل من المياه حقًا دستوريًا، وموردًا سياديًا، وأحد أعمدة الأمن القومي والتنمية المستدامة. ويتطلب ذلك تحديث الإطار الدستوري والقانوني، وإصلاح المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، والانتقال من الإدارة التقليدية إلى إدارة استراتيجية تستند إلى المعرفة والابتكار والاستشراف. وبهذا النهج يمكن للعراق أن يؤسس لسياسة مائية حديثة تحقق الأمن المائي وتحافظ على حقوق الأجيال الحالية والقادمة، وهو ما ينسجم أيضًا مع مفهوم "هندسة الزمن المائي (Water Time Engineering)" الذي يدعو إلى إدارة المياه وفق قيمة الزمن، وتوقيت الاستخدام، والمرونة المستقبلية في مواجهة عدم اليقين.