WESI

Call Directions Website Contact the school

WESI The Water and Energy Strategic Institute (WESI) envisions a future with water conservation, clean energy, and environmental sustainability.

Climate change adaptation and mitigations, climate justice, a leading NGO, we raise awareness and drive change. We are an independent, non-governmental, non-political, voluntary organization dedicated to the public good. Our mission is to establish and promote the principles of water conservation and optimal utilization, minimizing waste. We strive to rationalize water consumption, eliminate waste, and explore clean energy alternatives to ensure a healthy environment. By advocating for the positive utilization of renewable energy sources, we aim to mitigate the impacts of climate change.

منظمة تطوعية غير حكومية، غير سياسية، ومستقلة تعمل للنفع العام. تهدف منظمتنا إلى إرساء وتعزيز مبادئ الحفاظ على المياه واستغلالها بطريقة مثلى مع تقليل التبذير. نسعى إلى ترشيد استهلاك المياه والقضاء على النفايات، والبحث عن بدائل نظيفة للطاقة لضمان بيئة صحية. من خلال تعزيز استخدام الطاقة المتجددة بشكل إيجابي، نهدف إلى التخفيف من تأثيرات تغير المناخ.

المياه الجوفية في العراق: من الاستنزاف إلى الاستعادة...نحو "بنك جوفي" وطني للأمن المائي.؟لم يعد التعامل مع المياه الجوفي...
06/10/2026

المياه الجوفية في العراق: من الاستنزاف إلى الاستعادة...نحو "بنك جوفي" وطني للأمن المائي.؟
لم يعد التعامل مع المياه الجوفية في العراق قضية مرتبطة بحفر الآبار أو زيادة أعماقها كلما انخفض منسوب المياه، بل أصبح من الضروري النظر إليها بوصفها رأس مال مائي استراتيجي يجب قياسه وحمايته وإعادة شحنه وإدارته على أساس علمي طويل الأمد.
فالمياه الجوفية ليست مياهًا ساكنة تحت الأرض، وإنما جزء من منظومة هيدرولوجية متكاملة تتفاعل مع الأمطار والأنهار والأودية والتربة والجيولوجيا واستخدامات الأراضي والمياه السطحية. وعندما يتجاوز السحب معدلات التغذية الطبيعية لفترة طويلة، يبدأ الخزان الجوفي بفقدان قدرته على الاستمرار، وتتحول الآبار من مصدر أمان إلى مؤشر على استنزاف رأس المال المائي.
وهنا تبرز أهمية الدراسة المنشورة في مجلة Science في آذار 2026، التي راجعت 67 حالة لاستعادة المياه الجوفية بعد فترات طويلة من الانخفاض. وتوصلت إلى أن استنزاف المياه الجوفية ليس بالضرورة مسارًا لا يمكن عكسه؛ إذ أمكن في حالات عديدة إبطاء الانخفاض أو إيقافه أو عكس اتجاهه من خلال تدخلات هندسية وسياساتية متكاملة.
العراق يحتاج إلى الانتقال من «استخراج المياه» إلى إدارة الخزان.؟
في العراق، تفرض ظروف الجفاف وتذبذب الإيرادات السطحية وتوسع الاستخدام الزراعي والحاجة إلى المياه في المناطق البعيدة عن الأنهار الاعتماد على المياه الجوفية بدرجات مختلفة.
لكن المشكلة الأساسية ليست في استخدام المياه الجوفية بحد ذاته؛ وإنما في استخدامها دون معرفة دقيقة بحجم المخزون، ومعدل التغذية، ومعدل السحب الآمن، ونوعية المياه، واتجاه حركة المياه الجوفية.
لذلك فإن الخطوة الأولى نحو استعادة المياه الجوفية العراقية يجب أن تكون إنشاء نظام وطني لمراقبة الخزانات الجوفية، يعتمد على شبكة آبار مراقبة ثابتة، وقياسات دورية للمناسيب، ونوعية المياه، والملوحة، ومعدلات الضخ، وربط هذه البيانات بنظم GIS والاستشعار عن بعد والنمذجة الهيدرولوجية والذكاء الاصطناعي. فالخزان الجوفي يحتاج إلى «عداد» كما تحتاج المركبة إلى مقياس للوقود. لا يجوز أن نعرف أن الخزان استُنزف بعد أن تصبح الآبار جافة.
فالأمطار والسيول: فرصة لإعادة شحن الخزانات حيث يمتلك العراق موردًا مهمًا لا يزال جزء كبير منه يضيع بسرعة، وهو مياه الأمطار والسيول. وفي كثير من المناطق، لا ينبغي النظر إلى السيول باعتبارها خطرًا فقط، بل باعتبارها فرصة مائية مؤقتة يمكن تحويل جزء منها إلى تغذية جوفية منظمة، بشرط أن تكون المواقع مختارة على أساس الدراسات الجيولوجية والهيدروجيولوجية.
وهنا يمكن تطوير برنامج عراقي لـ إعادة التغذية الجوفية المدارة – Managed Aquifer Recharge (MAR)، باستخدام مجموعة من الوسائل، منها أحواض التغذية والتسريب. السدود والحواجز الصغيرة في مجاري الأودية. نشر المياه في المناطق ذات النفاذية المناسبة. استثمار مجاري الأودية الجافة خلال موجات السيول. إنشاء مناطق حصاد مائي مرتبطة بالخزانات الجوفية. استخدام آبار الحقن في المواقع التي تمنع فيها الطبقات قليلة النفاذية وصول المياه بالترشيح الطبيعي. وتؤكد الدراسة أن إعادة التغذية يمكن أن تتم عبر أحواض الترشيح أو الحواجز في المجاري الطبيعية أو الاستفادة من مجاري الأنهار الجافة، بينما قد تكون آبار الحقن أكثر ملاءمة عندما تعيق الطبقات ضعيفة النفاذية وصول المياه إلى العمق المطلوب.
لكن إعادة التغذية ليست مجرد ضخ مياه إلى باطن الأرض. فاختيار الموقع يجب أن يسبقه توصيف جيولوجي وهيدروجيولوجي دقيق، لأن إدخال مياه غير مناسبة إلى خزان ملوث أو مالح قد يحول المشكلة من نقص في الكمية إلى تدهور في النوعية. وتلفت الدراسة بوضوح إلى أن جودة المياه يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي برنامج لإعادة التغذية.
المياه السطحية والمياه الجوفية: نظام واحد حيث من الأخطاء الإدارية النظر إلى المياه السطحية والمياه الجوفية باعتبارهما ملفين منفصلين. في العراق، يمكن أن تصبح العلاقة بينهما أساسًا لإدارة أكثر كفاءة. ففي السنوات التي تتوفر فيها مياه سطحية إضافية أو أمطار وسيول مناسبة، يمكن تقليل الضغط على الخزانات الجوفية، وفي الوقت نفسه توجيه جزء من الفائض المائي إلى مناطق التغذية المناسبة. وهذا يعني الانتقال إلى مفهوم الاستخدام المتكامل للمياه السطحية والجوفية – Conjunctive Water Management. فالهدف ليس منع استخدام المياه الجوفية، وإنما تحديد متى نستخدم المياه السطحية، ومتى نستخدم المياه الجوفية، ومتى نعيد شحن الخزان، ومتى نخفض الضخ. وهنا يمكن للعراق تطوير مفهوم أكثر تقدمًا إدارة المياه وفق الزمن، بحيث لا تُدار المياه بالكمية والمكان فقط، وإنما أيضًا وفق توقيت توفرها وحاجة النظام إليها. تقليل الضخ لا يعني إيقاف الآبار تقدم الدراسة رسالة مهمة: استعادة المياه الجوفية لا تتطلب بالضرورة إلغاء استخدام المياه الجوفية بالكامل. ففي بعض الحالات تحسنت مستويات المياه الجوفية عندما أُعيد توزيع الطلب نحو مصادر مائية أخرى، بينما استمر جزء من الاعتماد على المياه الجوفية. وهذا مهم للعراق. فمن غير الواقعي التعامل مع جميع الآبار بالمنع والإغلاق فقط. المطلوب هو إدارة الضخ. ويشمل ذلك تسجيل وترخيص الآبار. تحديد مناطق السحب الآمن. قياس كميات الضخ تدريجيًا. تحديد حصص أو حدود سحب للخزانات الحساسة. منع الحفر العشوائي في مناطق الاستنزاف ربط التوسع الزراعي بتوفر المياه. تشجيع المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه في المناطق الحرجة. توفير بدائل مائية عندما يكون ذلك ممكنًا.
وتشير الدراسة إلى أن تدخلات السياسات المائية يمكن أن تشمل ترخيص الضخ، والحد من حفر الآبار، وإغلاق بعض الآبار، وتنظيم الضخ، وربط بعض الإجراءات الاقتصادية بحجم المياه المسحوبة.
العراق بحاجة إلى «خريطة رأس المال الجوفي أقترح أن يتجاوز العراق مفهوم حصر الآبار إلى مفهوم أكثر شمولًا هو "الخريطة الوطنية لرأس المال المائي الجوفي"
وتتضمن لكل خزان جوفي: حجم المخزون القابل للاستثمار. معدل التغذية الطبيعية. معدل السحب السنوي. نوعية المياه. الملوحة. عمق المياه. اتجاه حركة المياه الجوفية. المناطق المناسبة لإعادة التغذية. المناطق الحساسة للتلوث. الحد الآمن للضخ. الاستخدامات الحالية والمستقبلية. مستوى الإنذار للخزان. ومن خلال هذه الخريطة يمكن تصنيف الخزانات إلى خزانات مستقرة – خزانات تحت الضغط – خزانات مستنزفة – خزانات قابلة للاستعادة – خزانات حرجة. وبذلك تتحول المياه الجوفية من مورد مجهول نسبيًا إلى أصل مائي يمكن قياسه وإدارته ومراقبته.
من «المياه الجوفية» إلى "البنك الجوفي العراقي" يمكن تطوير هذه الفكرة إلى مفهوم وطني جديد وهو" البنك الجوفي العراقي" فكما يحتفظ البنك برأس المال ولا يسمح بسحب غير محسوب يفوق قدرته، ينبغي أن تُدار بعض الخزانات الجوفية باعتبارها حسابات مائية استراتيجية. في السنوات الرطبة، يمكن أن تكون الأولوية لتعزيز التغذية والخزن الجوفي في المواقع المناسبة. وفي سنوات الجفاف، يمكن استخدام جزء من هذا المخزون وفق قواعد واضحة. وهنا يصبح الخزان الجوفي بنكًا مائيًا طبيعيًا وليس مجرد مصدر دائم للضخ. لكن البنك الجوفي لا يعني أن كل متر مكعب تحت الأرض قابل للسحب. فالمياه الجوفية لها حركة وزمن ونوعية وحدود جيولوجية، ولذلك فإن الهدف هو تحقيق الاستدامة وليس تعظيم الضخ. اذن لا بد من تحديد "المستوى الجوفي الأمثل" حيث من الأخطاء الكبيرة أيضًا افتراض أن ارتفاع منسوب المياه الجوفية جيد دائمًا.
فالدراسة تشير إلى أن استعادة المياه الجوفية بصورة مفرطة قد تؤدي إلى ارتفاع المياه إلى مستويات ضحلة جدًا، بما يسبب تشبع التربة بالمياه ومخاطر أخرى في بعض البيئات. ولذلك فالمطلوب ليس الوصول إلى أعلى منسوب ممكن، وإنما إلى مستوى جوفي أمثل يتوافق مع خصائص المنطقة واستخداماتها. وهذه الفكرة مهمة جدًا للعراق، خصوصًا في المناطق الزراعية والمنخفضة، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع المياه الجوفية، إذا لم يُدار، إلى مشاكل في التربة والملوحة والصرف. إذن استعادة المياه الجوفية لا تعني ملء الخزان بأي ثمن، وإنما إعادته إلى حالة هيدرولوجية متوازنة. الملوحة يجب أن تكون في قلب السياسة الجوفية لا يمكن للعراق أن يتعامل مع الخزن الجوفي باعتبار الكمية هي المؤشر الوحيد. ففي كثير من المناطق، قد يرتفع منسوب المياه الجوفية بينما تتدهور نوعيتها. لذلك يجب أن تكون هناك منظومة مزدوجة للمراقبة كمية المياه + نوعية المياه. وهذا يعني قياس التوصيلية الكهربائية والملوحة والعناصر الكيميائية الأساسية، ومراقبة العلاقة بين الضخ وتغير النوعية، خصوصًا في المناطق الزراعية والمناطق المتأثرة بالتملح. كما يجب منع إعادة التغذية في المواقع التي يمكن أن تؤدي فيها المياه المستخدمة إلى نقل الملوثات إلى الخزان. وهذه نقطة تؤكدها الدراسة بوضوح، إذ يمكن أن تؤدي إعادة التغذية غير المدروسة إلى إدخال الملوثات إلى المياه الجوفية بدل تحسينها. المطلوب في العراق كدولة مصب حزمة متكاملة لا مشروع منفرد الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها للعراق هي أن استعادة المياه الجوفية لا ينبغي أن تكون مشروعًا جيو-هندسي منفرد. الدراسة وجدت أن ثلثي حالات استعادة المياه الجوفية تقريبًا تضمنت أكثر من نوع واحد من التدخلات، وأن الجمع بين مصادر مياه بديلة، وسياسات إدارة الطلب، وإعادة التغذية الجوفية كان سمة متكررة في حالات التعافي. وبالنسبة للعراق يمكن تحويل ذلك إلى برنامج وطني لاستعادة المياه الجوفية يقوم على خمسة محاور أساسية منها – المعرفة بإكمال قاعدة البيانات الوطنية للخزانات والآبار والمناسيب والنوعية. الحماية بتنظيم الحفر والضخ وحماية مناطق التغذية. اما الاستبدال فيكون بتوفير مصادر سطحية أو مياه معالجة حيثما كان ذلك ممكنًا لتخفيف الضغط على الخزانات. اما التغذية فيكون بتوجيه مياه الأمطار والسيول والفوائض المائية إلى مواقع التغذية الجوفية المدروسة. والاهم هو المراقبة ويتطلب إنشاء نظام إنذار مبكر للخزانات الجوفية يعتمد على البيانات المستمرة والاستشعار عن بعد والنمذجة والذكاء الاصطناعي. نحو استراتيجية عراقية للمياه الجوفية حتى 2050 العراق لا يحتاج فقط إلى سياسة للتعامل مع الآبار الحالية، بل إلى استراتيجية للمياه الجوفية حتى عام 2050، تكون جزءًا من استراتيجية المياه الوطنية. ويجب أن يكون هدفها واضحًا: إيقاف الاستنزاف غير المستدام، واستعادة الخزانات القابلة للاستعادة، وحماية الخزانات الاستراتيجية، وتحويل المياه الجوفية إلى احتياطي مائي منظم للأمن المائي والغذائي والبيئي. وهذا يتطلب الانتقال من سؤال كم مترًا مكعبًا نستطيع أن نسحب؟ إلى سؤال أكثر أهمية كم مترًا مكعبًا يستطيع الخزان أن يتحمل، وكم نحتاج أن نعيد إليه، ومتى وأين وكيف؟ إن مستقبل المياه الجوفية في العراق لن تحدده الآبار الأعمق، بل ستحدده قدرتنا على فهم الخزان وإدارة التغذية والسحب والنوعية والزمن معًا. فالمياه الجوفية ليست مخزونًا لا ينفد، وليست احتياطيًا مجانيًا تحت الأرض؛ إنه رأس مال مائي استراتيجي. ومن هنا، فإن أفضل استثمار للعراق ليس في زيادة عدد الآبار، وإنما في بناء معرفة جوفية وطنية، وحوكمة للضخ، وبنية تحتية لإعادة التغذية، ونظام مراقبة يجعل لكل متر مكعب تحت الأرض قيمة وقرارًا وزمنًا.
المعادلة الجديدة يجب أن تكون من استخراج المياه الجوفية - إلى إدارة رأس المال الجوفي من استنزاف الخزان - إلى استعادة الخزان من البئر المنفرد - وإلى النظام الجوفي من "الخزن المائي" إلى "بنك مائي جوفي" ومن إدارة الأزمة إلى بناء المياه الجوفية للعراق حتى 2050

المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ضخَّ بلا قراءة لعداد الوقود.؟في إدارة المياه، هناك قاعدة بسيط...
01/10/2026

المياه الجوفية في العراق: نبضٌ هيدرولوجي لحياة مستدامة… لا ضخَّ بلا قراءة لعداد الوقود.؟
في إدارة المياه، هناك قاعدة بسيطة لكنها عميقة: ما لا نقيسه لا نستطيع إدارته، وما لا نراقبه قد نستنزفه دون أن ندرك ذلك إلا بعد فوات الأوان. عندما نتحدث عن المياه الجوفية، غالباً ما نركز على الآبار وكميات الضخ والإنتاجية، لكننا نغفل أحياناً عن السؤال الأهم: كيف نعرف أن الخزان الجوفي ما زال قادراً على تحمّل ما نضخه منه؟ المياه الجوفية لها نبض يمكن تشبيه الخزان الجوفي بجسم له – نبض- هيدرولوجي. فعلى مدى السنوات، يرتفع منسوب المياه الجوفية وينخفض استجابةً للأمطار والتغذية الطبيعية، والتسرب من الأنهار، وتغيرات المناخ، والضخ البشري. ولهذا فإن تسجيل منسوب المياه في بئر مراقبة واحد، ثم تكرار القياس بصورة منتظمة، قد يكشف لنا قصة كاملة عن صحة الخزان الجوفي. إن سلسلة زمنية تمتد لعشرات السنين لا تعطينا مجرد أرقام؛ بل تكشف ذاكرة الخزان الجوفي: متى يتغذى؟ كم يستغرق حتى يستجيب للأمطار؟ كيف يتصرف أثناء الجفاف؟ وهل يعود إلى مستوياته السابقة أم يستمر في الانخفاض؟ وهنا تكمن أهمية مفهوم يمكن تسميته ب “عداد الوقود الجوفي. – "Groundwater Fuel Gauge كما أننا لا نقود سيارة لمسافات طويلة دون معرفة كمية الوقود المتبقية، لا ينبغي أن نستمر في ضخ المياه الجوفية من خزانات لا نعرف مستوى مخزونها، ولا معدل تغذيتها، ولا اتجاه تغيرها.
في العراق المياه الجوفية ثروة مائية غير مرئية حيث يمتلك العراق منظومات مائية جوفية واسعة ومتنوعة، ترتبط بالظروف الجيولوجية والهيدرولوجية المختلفة من شمال البلاد إلى وسطها وجنوبها، وتزداد أهميتها في المناطق التي تعاني من محدودية المياه السطحية أو تذبذبها. لكن المشكلة ليست في وجود المياه الجوفية فقط، بل في معرفة حالتها وقدرتها على الاستمرار. فالبئر الذي ينتج المياه اليوم لا يعني بالضرورة أن المورد مستدام. قد يكون الضخ مستنداً إلى مخزون متراكم عبر آلاف السنين، بينما تكون التغذية الحالية محدودة جداً. وهنا يجب أن نفرق بين مفهومين: المياه الجوفية المتاحة، والمياه الجوفية القابلة للاستخدام المستدام. فالكمية الموجودة تحت الأرض ليست كلها رصيداً سنوياً يمكن سحبه. المشكلة ليست في البئر... بل في الخزان قد نحفر بئراً جديداً ونحصل على إنتاجية جيدة، فنعتقد أن المياه متوفرة بكثرة. لكن الإنتاجية العالية للبئر لا تخبرنا وحدها عن مستقبل الخزان. لذلك يجب أن ينتقل العراق من إدارة الآبار إلى إدارة الخزانات الجوفية Aquifers. وهذا التحول يتطلب شبكة وطنية متكاملة لمراقبة مناسيب المياه الجوفية. معدلات الضخ، نوعية المياه وملوحتها. معدلات التغذية الطبيعية. التغيرات الموسمية والسنوية. تأثير الجفاف وتغير المناخ. التداخل بين المياه السطحية والجوفية. الهبوط الأرضي، حيثما يكون مرتبطاً باستنزاف المياه الجوفية. والأهم أن تكون هذه البيانات سلسلة زمنية مستمرة، لا حملات قياس متقطعة تنتهي بانتهاء المشروع. نحتاج إلى ذاكرة للمياه الجوفية لان من أخطر المشكلات التي تواجه الإدارة المائية غياب الذاكرة الطويلة. قد نعرف منسوب المياه اليوم، لكن ماذا كان قبل عشر سنوات؟ وقبل عشرين سنة؟ وما الذي حدث أثناء سنوات الجفاف؟ وكيف استجاب الخزان للسنوات المطيرة؟ من دون هذه السلسلة الزمنية يصبح من الصعب التمييز بين التذبذب الطبيعي والاستنزاف طويل الأمد. وهنا تتقاطع المياه الجوفية مع مفهوم مهم في إدارة الموارد المائية: زمن المياه. فالمياه الجوفية ليست مجرد كمية مخزونة في الفراغات والشقوق؛ إنها نظام يتحرك ويستجيب، ولكن بسرعات مختلفة. بعض الخزانات يستجيب للأمطار خلال أشهر، بينما تحتاج خزانات أخرى إلى سنوات أو عقود. لذلك فإن قرار الضخ اليوم قد تكون آثاره الحقيقية بعد سنوات. من عداد الوقود إلى نظام إنذار مبكر إذا أنشأنا شبكة وطنية لمراقبة المياه الجوفية، فإننا نستطيع تحويل البيانات إلى نظام إنذار مبكر. فعندما ينخفض المنسوب بصورة غير اعتيادية، أو تتسارع الملوحة، أو يتجاوز الضخ معدل التغذية، يمكن أن تظهر الإشارة قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة. وهنا يمكن استخدام الاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية GIS، والذكاء الاصطناعي، والنمذجة الهيدرولوجية لبناء توأم رقمي للخزانات الجوفية الأكثر أهمية، يساعد على اختبار سيناريوهات الضخ والجفاف والتغير المناخي قبل اتخاذ القرار. وهناك سؤال يتبادر الى ذهن الباحثين والأكاديميين والشركات هل يجب أن تكون البيانات متاحة للجمهور؟ الجواب برائي نعم، مع مراعاة حماية البيانات الحساسة المتعلقة بمواقع بعض الآبار أو الاستخدامات الاستراتيجية. لكن المؤشرات الأساسية لحالة الخزانات الجوفية ينبغي أن تكون متاحة وشفافة اتجاهات المناسيب، نوعية المياه، مناطق الإجهاد المائي، ومؤشرات الاستدامة. فالشفافية هنا ليست مجرد مسألة معلومات؛ إنها جزء من حوكمة المياه. عندما يعرف المزارع والمواطن والجهة الحكومية والباحث حالة الخزان، يصبح من الممكن بناء مسؤولية مشتركة تجاه المورد. والمستقبل المائي الآمن يكون بالتحول من استخراج المياه بشكل مرئي إلى إدارة رأس المال المائي المخفي او غير المرئي فالعراق بحاجة إلى إعادة تعريف المياه الجوفية باعتبارها رأس مال مائي وطني، وليس مورد مجاني لا ينضب. وهذا يتطلب الانتقال من حفر الآبار إلى مراقبة الخزانات. ومن قياس الضخ إلى قياس الرصيد والتغذية. ومن الاستجابة للأزمة إلى الإنذار المبكر. ومن إدارة البئر إلى إدارة الحوض والخزان الجوفي. ومن البيانات المتفرقة إلى ذاكرة مائية وطنية. وأقترح أن يكون للعراق مؤشر نبض المياه الجوفية العراقية، يعتمد على شبكة وطنية من آبار المراقبة، تسجل بصورة دورية منسوب المياه ونوعيتها واتجاهاتها، وتحوّل هذه البيانات إلى مؤشرات مفهومة لصانع القرار والمواطن. فكما لا نبدأ رحلة طويلة والسيارة بلا عداد وقود، لا ينبغي أن نستمر في استخراج المياه الجوفية من خزانات لا نملك لها عداداً. المياه الجوفية لا تتحدث بصوت مرتفع؛ إنها ترسل إشاراتها ببطء. ومهمتنا أن نراقب نبضها قبل أن يتحول الصمت إلى أزمة وكارثة إنسانية لا يحمد عقباه.؟

تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهيدرولوجي وسرعة استجابة المؤسسات.؟ في البدء ماذا نعني بتأخر ال...
29/09/2026

تأخر الاستجابة في الحوكمة بعدم التطابق بين ذاكرة النظام الهيدرولوجي وسرعة استجابة المؤسسات.؟
في البدء ماذا نعني بتأخر الاستجابة في الحوكمة المائية Governance Response Lag.؟
هو الفجوة الزمنية بين حدوث التغير الهيدرولوجي وبين قدرة المؤسسات على إدراكه واتخاذ القرار وتنفيذ الاستجابة المناسبة. المشكلة ليست دائمًا في نقص المياه فقط، بل في أن النظام الهيدرولوجي يتحرك وفق ذاكرة وتراكمات زمنية، بينما تعمل المؤسسات غالبًا وفق دورات إدارية ومالية وسياسية أقصر. يمكن التعبير عنها بهذه الصورة: الهيدرولوجيا تتذكر → المؤسسة تتأخر → الأزمة تتفاقم. ذاكرة النظام الهيدرولوجي الأحواض والأنهار والخزانات والمياه الجوفية لا تستجيب فورًا لكل تغير؛ فهي تحمل آثار السنوات السابقة من الجفاف والتغذية المطرية. تراكم المياه الجوفية. رطوبة التربة. الخزن في السدود والبحيرات. الثلوج والأمطار الموسمية. الملوحة وتدهور نوعية المياه. لذلك فإن قرارًا مائيًا اليوم قد تكون نتائجه الحقيقية بعد أشهر أو سنوات. أين يحدث الخلل؟ حيث في النظام المؤسسي تنتظر المؤسسة ظهور الأزمة، بينما في النظام الهيدرولوجي يتراكم إثار الجفاف، وتتدخل المؤسسة عند انخفاض المخزون بينما ينقص الخزين تدريجياً، وغالبا تتخذ المؤسسة القرارات قصيرة الاجل، دون مراعاة لخزين المياه الجوفية وهو الخزين غير المرئي، مما تضطر المؤسسة الى المعالجة بعد ظهور الضرر والاملاح وتدهور التربة تصبح مشكلة مستعصية، وإجراءات الطوارئ قد تحتاج أيامًا، بينما الأمطار الغزيرة تحدث السيول خلال ساعات، وكون إجراءات الطوارئ قد تحتاج أيامًا، بينما تغير المناخ يعمل لعقود
المفهوم الأهم للعراق
هنا يمكن إدخال Water Time Engineering – هندسة زمن المياه لبيان ان المشكلة ليست في كمية المياه وحدها، بل في الفارق بين زمن المياه وزمن القرار. وبالتالي فإن حوكمة المياه الحديثة يجب ألا تقيس فقط كمية المياه المتاحة، بل أيضًا متى تصل؟ أين تصل؟ ما نوعيتها؟ وكم تحتاج المؤسسة من الوقت للاستجابة؟ ومن هنا يمكن إنشاء مؤشر فجوة الاستجابة المائية – Water Governance Response Gap (WGRG): WGRG = زمن الاستجابة المؤسسية − زمن الإنذار/التغير الهيدرولوجي كلما اتسعت الفجوة، زادت احتمالية تحول الخطر الهيدرولوجي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية وبيئية. وهذه نقطة مهمة جدًا في حالة العراق قد تكون لدينا بيانات وإنذار مبكر وسدود وخزانات، لكن إذا بقي القرار المؤسسي أبطأ من تغير النظام المائي، فإن توفر المعلومات وحده لا يتحول إلى أمن مائي. وعليه فان المؤسسة الناجحة ليست التي تستجيب للأزمة بسرعة فقط، بل التي تستجيب قبل أن تتحول ذاكرة النظام الهيدرولوجي إلى أزمة.

من "تقاسم المياه" إلى "هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ" لنهري لدجلة والفرات   للعراق.؟تواجه أحواض الأنهار الدولية الم...
28/09/2026

من "تقاسم المياه" إلى "هندسة التخصيص المائي الحساس للمناخ" لنهري لدجلة والفرات للعراق.؟
تواجه أحواض الأنهار الدولية المتشاركة والعابرة للحدود اليوم تحدياً يتجاوز مجرد نقص المياه. فالتغير المناخي، وتذبذب الأمطار والثلوج، وتوسع الطلب الزراعي، وتشغيل السدود والخزانات، كلها تجعل توقيت وصول المياه مهماً بقدر أهمية كميتها. ولغرض التكييف مع واقع نهري دجلة والفرات تطوير أدوات مبتكرة تساعد الدول المتشاطئة على الانتقال من التخصيص الثابت للمياه إلى تخصيص مائي مرن وحساس للتغيرات المناخية. ماذا يعني ذلك للعراق؟
في نهري دجلة والفرات، لا تكمن المشكلة في انخفاض الإيرادات المائية فقط، وإنما في عدم اليقين بشأن الكمية والتوقيت ونمط الإطلاقات من منظومة السدود والخزانات في دول المنبع. تركيا، بوصفها دولة المنبع الرئيسية لدجلة والفرات، وإيران بالنسبة إلى عدد من روافد دجلة، وسوريا بالنسبة إلى منظومة الفرات، تمتلك منشآت وبنى تحتية تؤثر بصورة مباشرة في توقيت وكميات المياه التي تصل إلى العراق. لذلك فإن إدارة المياه العراقية تحتاج إلى نموذج أكثر تطوراً من مجرد المطالبة بـ«حصة مائية» سنوية. السؤال الجديد يجب أن يكون الى متى تصل المياه؟ وبأي كمية؟ وبأي نوعية؟ وإلى أي موقع؟ ولأي استخدام؟
وهنا يمكن للعراق أن يستفيد من مفهوم يمكن تسميته "التخصيص المائي الحساس للمناخ" Climate-Sensitive Water Allocation، بحيث تتغير قواعد التشغيل والتخصيص وفقاً للموسم المائي، ومعدلات الأمطار والثلوج، ومستويات الخزن، والتنبؤات المناخية، وحالة الجفاف أو الوفرة. وهنا يجب التحول من البيانات إلى القرار المشترك، وان من أحد أهم الدروس التي يمكن تكييفها هو تحديث شبكات الرصد الهيدرو- مناخي. فالعراق يحتاج إلى منظومة متكاملة تربط الأمطار والثلوج في مناطق التغذية. التصريفات النهرية. مناسيب الخزانات. الإطلاقات من السدود. نوعية المياه والملوحة. احتياجات الري والشرب. التنبؤات المناخية الموسمية. صور الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد. نماذج الذكاء الاصطناعي والتنبؤ بالجفاف والفيضانات. والأهم أن تتحول هذه البيانات إلى منصة مشتركة وموثوقة لاتخاذ القرار بين العراق ودول المنبع، وان استخدام Water Allocation Game، أي محاكاة قرارات تخصيص المياه بين الأطراف المختلفة. وهذه الفكرة يمكن تطويرها لدجلة والفرات على شكل محاكاة تفاوضية علمية تشارك فيها فرق فنية من العراق وتركيا وإيران وسوريا. يمكن اختبار سيناريوهات مثل: سنة جافة → سنة شحيحة → سنة طبيعية → سنة رطبة → سنة فيضانية. ثم دراسة تأثير كل سيناريو على الزراعة، والطاقة الكهرومائية، ومياه الشرب، والبيئة، والخزانات، والأهوار، ونوعية المياه.
وبذلك تصبح المفاوضات قائمة على سيناريوهات وأرقام ونماذج مشتركة بدلاً من الاقتصار على المواقف السياسية أو المطالبات السنوية. لقد حان الوقت للتحول من "كمية المياه" إلى "زمن المياه" وهنا أرى أن العراق يستطيع إضافة بُعد أكثر تقدماً Water Time Engineering – هندسة زمن المياه. فالمياه التي تصل إلى العراق في شهر نيسان ليست بالضرورة مساوية في قيمتها للمياه نفسها إذا وصلت في تموز. المياه قبل موسم الزراعة تختلف قيمتها عن المياه بعد انتهاء الموسم، والإطلاقات أثناء موجة حر تختلف قيمتها عن الإطلاقات خلال فترة اعتدال المناخ.
لذلك ينبغي أن يصبح التوقيت أحد عناصر التخصيص المائي إلى جانب الكمية والجودة والموقع.
وهذا يمكن أن يقود إلى بروتوكولات تشغيل موسمية بين دول الحوض، تتضمن قواعد واضحة للإطلاقات في سنوات الجفاف والسنوات الرطبة، وآليات للتعامل مع موجات الفيضانات والجفاف، مع ضمان الاحتياجات البيئية للأهوار والمسطحات المائية.
العراق يحتاج إلى - نظام إنذار مبكر مائي عابر للحدود - الخطوة التالية هي إنشاء منظومة إقليمية للإنذار المبكر تربط بيانات الأرصاد والمياه والسدود والزراعة والمناخ. هذه المنظومة لا ينبغي أن تكون مخصصة للأزمات فقط، بل تساعد على التخطيط قبل الأزمة: إذا كانت المؤشرات المناخية تشير إلى جفاف قادم، يمكن تعديل الخطط الزراعية والخزن مسبقاً. وإذا كانت المؤشرات تشير إلى وفرة مائية، يمكن الاستعداد لاستقبال المياه وتعظيم الخزن وتقليل الفاقد. وهنا تتحول السدود من منشآت لتخزين المياه فقط إلى أدوات لإدارة الزمن المائي كل هذا يستدعي الحاجة الى التحرك نحو نموذج عراقي–إقليمي بتطوير نموذج يناسب طبيعة الحوض وتعقيداته. وأقترح أن يقوم هذا النموذج على خمسة محاور:
1. شبكة رصد هيدرو- مناخية مشتركة ومحدثة.
2. نموذج رقمي متكامل لدجلة والفرات يعتمد على GIS والاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي.
3. منصة محاكاة لتخصيص المياه بين الاستخدامات والدول.
4. بروتوكول للإطلاقات المائية حسب الزمن والموسم والمناخ وليس الكمية السنوية فقط.
5. آلية دائمة للحوار الفني والعلمي بين دول الحوض.
إن مستقبل دجلة والفرات لن يُحسم فقط بعدد السدود أو بحجم الخزانات، بل بقدرتنا على إدارة المياه في المكان والزمان المناسبين، وبناء قرارات تستند إلى بيانات مشتركة وتوقعات مناخية ونماذج علمية. وقد تكون الخطوة الأهم للعراق هي الانتقال من سؤال: كم من المياه سيصل إلى العراق؟» إلى سؤال أكثر شمولاً: كيف ندير مياه دجلة والفرات معاً، ومتى نحتاجها، وأين نحتاجها، وكيف نستعد لما سيأتي؟ وهذا هو جوهر الانتقال من Water Allocation إلى Climate-Sensitive Water Governance، ومن إدارة الندرة إلى هندسة مرونة حوض دجلة والفرات حتى 2050.

25/09/2026
الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بناء الخزين ورأس المال المائي حتى عام 2031.؟قد يكون العراق أما...
23/09/2026

الهدنة المائية في العراق 2026–2031 فرصة استراتيجية لإعادة بناء الخزين ورأس المال المائي حتى عام 2031.؟
قد يكون العراق أمام نافذة مائية استثنائية خلال الفترة الممتدة من 2026–2031 إلى 2030–2031، إذا ما تزامنت دورة رطبة نسبية داخل البلاد مع ارتفاع الهطولات المطرية والثلجية، وتزايد الإطلاقات المائية من دول المنبع نتيجة إدارة خزاناتها واحتفاظها بفراغ خزني لاستيعاب المواسم الرطبة.
هذه الفترة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مجرد «سنوات مياه جيدة»، ولا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لزيادة الاستهلاك، بل يجب أن ينظر إليها العراق باعتبارها هدنة مائية استراتيجية؛ أي نافذة زمنية مؤقتة تسمح بإعادة بناء الخزين، وإصلاح المنظومة المائية، واستعادة المياه الجوفية، وتحسين نوعية المياه، وتأهيل البنية التحتية، وبناء قدرة أكبر على مواجهة الدورة الجافة المقبلة.
فالهدنة المائية لا تعني انتهاء أزمة المياه، وإنما تعني استثمار فترة التحسن قبل عودة الشح.
ما المقصود بالهدنة المائية؟
الهدنة المائية هي فترة يتحسن فيها ميزان الموارد المائية بصورة نسبية نتيجة اجتماع عاملين رئيسيين:
أولاً: زيادة المياه المتولدة داخل العراق من الأمطار والثلوج والسيول والجريان السطحي.
ثانياً: تحسن الإطلاقات الواردة من دول المنبع، ولا سيما عندما تحتاج تلك الدول إلى الحفاظ على فراغ خزني في سدودها استعداداً لاستقبال موجات مائية جديدة. وعندما يلتقي هذان العاملان، تصبح أمام العراق فرصة نادرة: أن يحول المياه الإضافية من مورد للاستهلاك الآني إلى رأس مال مائي للمستقبل. وهنا يجب أن تتغير فلسفة إدارة المياه من إدارة العجز إلى إدارة الفرصة. المطر ليس الهدف... بل ما نفعله بالمطر إن ارتفاع الهطولات داخل العراق لا يعني تلقائياً ارتفاع الخزين الاستراتيجي. فالمياه قد تسقط على الأرض، ثم تضيع بالجريان السطحي أو تتبخر أو تصل إلى مناطق لا توجد فيها قدرة كافية على حصادها. لذلك ينبغي أن تتحول السياسة من: انتظار المطر → إلى حصاد المطر. ومن: تصريف السيول → إلى إدارة السيول. ومن: استخدام المياه الجوفية عند الحاجة → إلى إعادة تغذيتها وحمايتها. ومن: استهلاك المياه الإضافية → إلى تحويل جزء منها إلى خزين استراتيجي. وهنا تظهر أهمية بناء منظومة وطنية متكاملة لحصاد المياه، تشمل السدود والخزانات والمنخفضات الطبيعية ومشاريع حصاد السيول وإعادة تغذية المياه الجوفية.
الثرثار: قلب الهدنة المائية
في هذه المرحلة، ينبغي أن تكون إعادة تأهيل بحيرة الثرثار من أولى الأولويات الوطنية.
فالثرثار ليس مجرد منخفض مائي أو خزان طوارئ، وإنما يمكن أن يتحول إلى رأس مال مائي استراتيجي إذا تمت إعادة تأهيله وفق رؤية هيدروجيولوجية وبيئية وزراعية متكاملة.
لكن تأهيل الثرثار لا يبدأ بملء البحيرة بالمياه.
العزل الجيوهندسي يسبق الخزن.
أولاً: عزل الطبقات الجيولوجية المسببة للملوحة
تحتاج بحيرة الثرثار إلى دراسة جيوهندسية وهيدروجيولوجية متقدمة لتحديد الطبقات والتكوينات الجيولوجية التي يمكن أن تسهم في زيادة ملوحة المياه، ولا سيما الطبقات الجبسية والمواد القابلة للذوبان. والهدف هو منع أو تقليل التبادل غير المرغوب فيه بين المياه المخزونة وهذه الطبقات، من خلال حلول العزل الجيوهندسي المناسبة التي تحددها الدراسات الميدانية والنمذجة الهيدروجيولوجية.
فلا معنى لزيادة الخزين إذا كانت نوعية المياه تتدهور معه. لذلك يجب أن يكون المبدأ: نخزن المياه أولاً بعد أن نضمن البيئة الجيولوجية المناسبة للخزن.
ثانياً: معالجة التبخر من خلال منظومة إنتاجية–بيئية حيث يمثل التبخر أحد التحديات الأساسية للخزانات السطحية في المناخ العراقي.
ولهذا ينبغي ألا تقتصر معالجة المشكلة على محاولة تقليل المسطح المائي، بل يجب دراسة التحول التدريجي من التبخر المباشر غير المنتج إلى منظومة أكثر إنتاجية تقوم على الغطاء النباتي والزراعة المدروسة حول البحيرة. ويمكن، حيث تسمح الظروف الهيدروجيولوجية والتربوية ونوعية المياه، إنشاء حزام زراعي وبيئي كثيف يمتد لعشرات الكيلومترات حول الثرثار.
والفكرة ليست استهلاك مياه إضافية بلا ضابط، وإنما إدارة دورة المياه بحيث يصبح جزء من الفقد المائي مرتبطاً بـ التبخر–النتح النباتي ضمن منظومة تنتج الغذاء وتوفر غطاءً أخضر وتقدم خدمات بيئية. أي الانتقال من: تبخر مائي مباشر وغير منتج إلى: تبخر–نتح نباتي مرتبط بإنتاج زراعي وبيئي. لكن هذا التحول يجب أن يخضع إلى ميزان مائي صارم؛ لأن الغطاء النباتي نفسه يستهلك المياه، ولذلك لا يمكن اعتباره حلاً تلقائياً للتبخر. النجاح يعتمد على اختيار الموقع والمحاصيل وكفاءة الري والتوازن بين المياه المستهلكة والخدمات التي تحققها المنظومة.
ثالثاً: الثرثار كمشروع زراعي وبيئي لمكافحة التصحر والغبار
يمكن للحزام الأخضر حول الثرثار أن يؤدي وظائف تتجاوز الإنتاج الزراعي. فهو يمكن أن يساهم في تثبيت التربة. الحد من التصحر. تقليل مصادر الغبار. تحسين البيئة المحلية. توفير موائل نباتية وحيوية. دعم المجتمعات الريفية. توفير فرص عمل. زيادة الإنتاج الزراعي وفق البصمة المائية المناسبة. وبذلك يصبح الاستثمار في المياه استثماراً في الماء والغذاء والبيئة والمجتمع في آن واحد.
وتأهيل الثرثار يدعم استصلاح السهل الرسوبي لإن إعادة تأهيل الثرثار لا ينبغي النظر إليها كمشروع محلي للبحيرة فقط، بل كجزء من منظومة وطنية لمعالجة الملوحة واستصلاح الأراضي الزراعية في وسط وجنوب العراق وصولاً إلى شط العرب. فإدارة الخزن والمياه والتصريف والبزل بصورة متكاملة يمكن أن تساعد على تحسين الميزان المائي وتقليل تراكم الأملاح في الأراضي المتأثرة بالتملح الثانوي، بما يفتح المجال أمام تسريع استصلاح مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وهذا يعني إمكانية تقليل جزء كبير من الكلف المالية والجهود والسنوات المطلوبة للاستصلاح، بدلاً من معالجة الملوحة قطعةً قطعة وبصورة منفصلة. فالاستثمار في الثرثار يمكن أن يتحول من مشروع خزن إلى أداة لاستعادة قيمة الأرض الزراعية العراقية.
رابعاً: الثرثار ليس مشروعاً منفرداً
يجب ألا يُدار الثرثار بمعزل عن المنظومة المائية العراقية. فالثرثار ينبغي أن يكون جزءاً من منظومة متكاملة تضم: دجلة والفرات – الجزيرة – سد حديثة – الحبانية – الرزازة – الدلمج – الأهوار – المياه الجوفية – مشاريع حصاد السيول. والهدف هو بناء شبكة خزن استراتيجية وطنية تستطيع استقبال المياه في سنوات الوفرة وإعادة توزيعها زمنياً خلال سنوات الشح.
وهنا تظهر أهمية مفهوم هندسة الزمن المائي: المياه ليست كمية فقط، بل كمية ونوعية وموقع وتوقيت. فالخزان الاستراتيجي الحقيقي ليس الذي يحتفظ بأكبر كمية من المياه فقط، وإنما الذي يحتفظ بمياه ذات نوعية مناسبة، ويمكن الوصول إليها وإطلاقها في الوقت والمكان المناسبين.
من الثرثار إلى البصمة المائية إن نجاح الهدنة المائية لن يتحقق بمجرد زيادة الخزن. فالزيادة في الخزين يجب أن تترافق مع ترشيد الاستهلاك. وهنا يجب أن تصبح البصمة المائية جزءاً من القرار الزراعي والاقتصادي العراقي. السؤال لم يعد: كم مساحة نستطيع زراعتها؟ بل: كم متراً مكعباً تحتاج هذه المساحة؟ وماذا تنتج مقابل كل متر مكعب؟ وهذا يتطلب إعادة النظر في: نوعية المحاصيل. مواقع الزراعة. طرق الري. كفاءة شبكات النقل والتوزيع. إعادة استخدام المياه المعالجة. إدارة مياه الصرف الزراعي. الإنتاجية المائية لكل محصول. استخدام الاستشعار عن بعد وGIS والذكاء الاصطناعي في قياس الاستهلاك.
وبذلك يصبح معيار النجاح: قيمة الإنتاج مقابل وحدة المياه، وليس حجم المساحة المزروعة فقط. الهدنة المائية تحتاج إلى مواطنة مائية لا يمكن للدولة أن تحقق الاستدامة المائية من خلال المشاريع الهندسية وحدها.
فالترشيد يبدأ من المجتمع. ولهذا يجب أن تتزامن خطة الهدنة المائية مع برنامج وطني واسع لتعزيز المواطنة المائية، يبدأ من المدرسة والجامعة والمزرعة والمدينة والإعلام، ويربط المواطن مباشرة بقيمة الماء باعتباره مورداً وطنياً محدوداً. يجب أن يصبح واضحاً أن: كل متر مكعب يتم توفيره اليوم هو جزء من الخزين المتاح للأجيال القادمة.
الحوكمة والشفافية والنزاهة
إن الخزين المائي وحده لا يصنع الأمن المائي. فقد تكون لدى الدولة خزانات ومياه، لكنها تفشل في إدارتها بسبب ضعف التنسيق، وتشتت المسؤوليات، وضعف البيانات، والهدر، وعدم وضوح المساءلة. لذلك يجب أن تقوم خطة الهدنة المائية على حوكمة مائية واضحة وشفافة.
وينبغي نشر ومراقبة مؤشرات أساسية، منها: الخزين – الواردات – الإطلاقات – نوعية المياه – الاستهلاك الزراعي – البصمة المائية – كفاءة الري – المياه الجوفية – كميات إعادة الاستخدام – أداء المشاريع.
كما يجب أن ترتبط المشاريع المائية بالمساءلة والنزاهة والشفافية، بحيث يعرف صانع القرار والمواطن والباحث كم دخل من المياه؟ كم خُزن؟ كم استُهلك؟ أين ذهب؟ وما القيمة التي تحققت مقابله؟
من الهدنة المائية إلى رأس المال المائي هذه هي النقطة الجوهرية. يجب ألا تكون غاية العراق في 2026–2031 مجرد الوصول إلى مناسيب خزن أعلى. الهدف هو تحويل فترة الوفرة إلى رأس مال مائي وطني. أي أن كل متر مكعب إضافي يدخل العراق يجب، قدر الإمكان، أن يترك أثراً مستداماً في واحد أو أكثر من المجالات التالية: الخزين الاستراتيجي المياه الجوفية نوعية المياه كفاءة الري الإنتاج الزراعي البيئة والأهوار مكافحة التصحر والغبار إعادة استخدام المياه البنية التحتية البيانات والحوكمة. وبذلك يصبح الماء الذي يصل اليوم استثماراً في قدرة العراق على مواجهة الجفاف غداً. نحو «خطة الهدنة المائية العراقية 2026–2031» أقترح أن تتحول هذه الرؤية إلى برنامج حكومي وطني واضح تحت عنوان: خطة الهدنة المائية العراقية 2026–2031 وتقوم على أربعة مسارات مترابط ويجب أن يكون الثرثار مشروعاً محورياً داخل هذا البرنامج، من خلال:
العزل الجيوهندسي → تحسين نوعية المياه → إعادة بناء الخزن → إدارة التبخر–النتح → الحزام الزراعي والبيئي → مكافحة الغبار والتصحر → الإنتاج وفق البصمة المائية → المراقبة والحوكمة.
إن الفترة 2026–2027 إلى 2030–2031 قد تمثل للعراق نافذة استراتيجية لإعادة بناء قدرته المائية، إذا ما اجتمعت الهطولات الداخلية الأفضل مع الإطلاقات الواردة من دول المنبع، واستطاع العراق استقبال هذه المياه وخزنها وإدارتها بكفاءة. لكن هذه الفرصة لن تتحول تلقائياً إلى أمن مائي.
الفرصة تحتاج إلى قرار. والقرار يبدأ من إدراك أن الهدنة المائية ليست مناسبة لزيادة الاستهلاك، وإنما فرصة لإعادة بناء الخزين ورأس المال المائي. ومن هنا يجب أن يكون تأهيل الثرثار في مقدمة الأولويات؛ ليس بزيادة المياه الداخلة إليه فقط، وإنما بإعادة تأهيله من الأساس: عزل الطبقات الجيولوجية المسببة للملوحة، ثم الخزن؛ إدارة التبخر–النتح بصورة إنتاجية؛ إنشاء حزام زراعي وبيئي مدروس؛ مكافحة التصحر والغبار؛ ترشيد الاستهلاك؛ اعتماد البصمة المائية؛ تطوير الزراعة والري؛ توسيع إعادة الاستخدام؛ تعزيز الوعي والمواطنة المائية؛ وترسيخ الحوكمة والشفافية والنزاهة والمساءلة. وعندها يمكن أن يتحول الثرثار من مشكلة مائية مؤجلة إلى أصل استراتيجي وطني. فالهدنة المائية لا تعني أن المياه ستبقى وفيرة، بل تعني أن العراق حصل على فرصة زمنية يجب أن يحولها إلى قدرة دائمة. والماء الذي يصل إلى العراق خلال سنوات الوفرة ليس ماءً للاستهلاك فقط؛ إنه رأس مال مائي يجب أن يُستثمر حتى عام 2030–2031 وما بعده. هذه هي فلسفة الهدنة المائية: أن نستثمر سنوات الماء لكيلا ندفع ثمن سنوات الجفاف.

Address

Nohadra Street
Duhok
0964

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when WESI posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The School

Send a message to WESI:

Shortcuts

Share