13/04/2026
من مذكرات الشيخ احمد الراوي ( 30)
اغلاق مدرسة سامراء العلمية الدينية - وسعي الشيخ واصراره على اعادتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول الشيخ في مذكراته :
((وفي سنة 1929م صار وزيراً للأوقاف الشيخ أحمد آل الشيخ داود ومديرها عبد اللطيف ثنيان، فصدر قرارهم بإدماج المدرسة العلمية بالمدرسة الابتدائية في سامراء، فراجعتهما في هذا الخصوص وحاججتهما بأن هذا الإدماج لا فائدة به سوى ضياع المدرسة العلمية، لأن المدرسة الابتدائية مربوطة بالمعارف ولها مدير ومعلمون كافون لها ولتدريسها، فلا أرى فائدة بذلك سوى ضياع المدرسة العلمية بدون جدوى، فكان الجواب منهما: أننا نريد إدماج جميع مدارس الأوقاف بمدارس المعارف، ومع أنني واجهت كلاً منهما على انفراد فخرج الجواب منهما حرفياً وكأنهما متواطئان على ذلك، عليهما من الله ما يستحقانه على هذه الجرأة وهذا الإقدام، الذي لا يرضى به الله ولا رسوله ولا المؤمنون فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وحينئذ ذهبت أنا وعمي المرحوم المبرور الشيخ إبراهيم الراوي إلى البلاط الملكي وواجهنا المرحوم الملك علي، وكان إذ ذاك وكيلاً عن المرحوم أخيه فيصل حيث كان غائباً في بعض أسفاره فوعدنا الرجل خيراً، وبقيت أثابر بهذا الخصوص في البرقيات والمضابط ومراجعة المقامات الخاصة، مع أن راتبي جار، وكلفوني بالدروس الدينية في مدرسة المعارف بسامراء، ولما أكثرت عليهم اللحاح أصدروا أمراً بأنني مدرس ديني في المدرسة العلمية، وبإعطائي ثلاث غرف فيها وبقيتها تشغلها المعارف. وأما المدرس الثاني والفراشان فبقوا في المدرسة الابتدائية، وفعلاً وضعوا في هذه المدرسة الصف الأول والثاني، وأرادوا بهذه العمليات إسكاتي، فلم أقبل ولم أسكت، وبقيت مثابراً على ذلك. والحق يقال أنه قد ساعدني على هذا المطلب الغيارى من أهل هذا البلد بالمطالبة.
وآخر برقية كتبتها إلى رئيس الوزراء من هذا الخصوص حينما كان نوري السعيد في سنة 1930 وهذا نصها:
(فخامة رئيس الوزراء عجزنا كم وعجزنا فهذه آخر برقية تأتيكم من عندنا في هذا الباب، فأما أن ترجعوا المدرسة على محورها السابق وإلا فاخبرونا على لسان الحكومة المحلية، دع هؤلاء السقعاء يتركون هذه الخرافات لننزح إلى دولة يمكننا أن نستظل تحت رايتها لنأمن على ديننا ودنيانا).
وفي صباح اليوم الثاني أو الثالث من إرسال هذه البرقية ورد الأمر من رئيس الوزراء المشار إليه مخاطباً به وزير المعارف، وصورة منه للفقير وكانت خلاصته: (سلموا المدرسة حالاً بأثاثها إلى المدرس الأول)، هذه خلاصة الأمر فسلموها ليَّ حالاً واقلعوا عنها.
وفي تلك الليلة المباركة هيأت طعاماً للفقراء والمساكين، وأقمنا حفلة كبرى بهذه المناسبة قدم فيها أنواع الحلويات وما شاكلها، وقرأنا منقبة المولد النبوي الشريف في صحن المدرسة المذكورة، وقد حضر هذه الحفلة جم غفير من الموظفين والأهليين، وكان القائمقام في ذلك الوقت محمود بك السنوي والقاضي السيد صالح الراوي وكل منهما قد حضر الحفلة مع حاشيته، فكانت حفلة تذكر وليلة سعيدة لا تنسى مدى الأجيال.
ومن ذلك التاريخ إلى الوقت الحاضر باشرنا فيه بتدريس العلوم الدينية والعربية بأصولها وفروعها، وقمنا بتعمير ما تداعى من بنائها وهي الآن ولله الحمد كالروضة الغناء عامرة مادة ومعنى، مشغولة بالتدريس والوعظ والإرشاد والإفتاء، وهي مرجع الكل في الكل، تقام بها الصلوات الخمس والتوحيد الشريف في كل ليلة جمعة والاثنين والوعظ يبث فيه طيلة السنة كل يوم بعد العصر، والدروس تدرس فيها من طلوع الشمس إلى الظهر، وقد تخرج ولله الحمد منها الجم الغفير واشغلوا الوظائف الدينية المتعددة، وهذه المدرسة ولله الحمد فائقة على عموم مدارس العراق العلمية، بهذا الترتيب المذكور ومن شك في ذلك فليسأل من له علم وخبرة بهذه المدرسة، أو فليأت بنفسه ولو على حين غفلة، وفي أي وقت شاء من السنة ليشاهد بعيني رأسه ما ذكرناه ويشاركنا في هذا الشعور الواقعي، بعد ان تتجلى له الحقيقة كما يجب .
ولا أنسى فضل المدرس الثاني السيد عبد الوهاب أفندي البدري في مساعدته ليَّ بمهمة التدريس، فالحق يقال أنه مثابر على أداء وظيفته مؤد لها على أحسن وجه وأكمله، وسع طاقته عارف لأصول التدريس كما ينبغي، له اليد الطولى في جميع العلوم والفنون الدينية والعربية، نسأل الله الرحمة والتوفيق لنا وله ولعموم المسلمين آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل. .... )) يتبع
ملاحظة / هذا الجزء نقلته من تقرير او رسالة كتبها الشيخ عن تاريخ المدرسة العلمية الدينية في سامراء / نشرها الشيخ يونس السامرائي - في كتابه تاريخ علماء سامراء - مطبعة البصري - 1966 /// ولتعلقه في اتمام مذكرات الشيخ اضفته هنا ....
الناشر / د. مولود مخلص الراوي
26/03/2026