23/08/2026
🟥 منظومة الجهل
✅الجندي السابع : الكُفران
وهو من الجنود المهمة جداً في مشروع علم الجهل؛ لأن الرواية لم تضعه مقابل الإيمان، بل وضعته مقابل الشكر: «والشكر وضدّه الكفران». وهذا يكشف منذ البداية أن الكفران هنا أوسع من الكفر العقدي ؛ فهذا يتعلق بكيفية إدراك النعمة والتعامل المعرفي والأخلاقي معها.
أولاً : الدلالة المعرفية
الكُفران من مادة الكفر التي تدور في أصلها حول الستر والتغطية. ومن هنا كان كفران النعمة يعني عدم الاعتراف بها أو سترها وعدم أداء مقتضاها.
وبذلك يمكن تعريف الكفران معرفياً بأنه:
حالة يحجب فيها الإنسان إدراك النعمة أو نسبتها إلى مصدرها الحقيقي أو مقتضاها العملي، فيتعامل مع ما أُعطي وكأنه مستقل عنه أو مستحق له بذاته.
وهنا يظهر الفرق بين عدم معرفة النعمة وبين كفرانها.
فقد لا يعرف الإنسان نعمةً ما بسبب غفلته عنها، أما الكفران فقد يقع مع وجود قدر من المعرفة؛ ولكنه لا يمنح النعمة الاعتراف الذي تستحقه.
ولهذا كان الشكر أكثر من مجرد قول «الحمد لله أو شكراً لله »، كما أن الكفران أكثر من مجرد ترك هذا القول.
الشكر وعي بالنعمة ومصدرها ووظيفتها، والكفران اختلال في هذا الوعي.
ثانياً : موقع الكفران في منظومة الجهل
اختيار الرواية للمقابلة: الشكر والكفران
يكشف بنية معرفية دقيقة. فالشكر يبدأ من المعرفة:
أدرك أن هناك نعمة ثم أعرف المنعِم ثم أنسب النعمة إليه ثم أتعامل معها وفق غايتها.
أما الكفران فيعكس هذه الحركة:
تصل النعمة ثم تُحجب رؤية مصدرها ثم تستقل بها الأنا ثم يُساء استعمالها ثم يتحول الإنعام إلى مادة للغفلة أو الطغيان.
ومن هنا فإن الكفران يمثل جهلاً بالعلاقة، لا بالشيء نفسه.
فالإنسان يعرف المال، والصحة، والعلم، والقدرة، لكنه قد يجهل أو يتجاهل علاقته بهذه النعم ومصدرها والغاية منها.
وهذا لون دقيق جداً من ألوان الجهل.
ثالثاً : الشواهد القرآنية
من أوضح الآيات قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ البقرة: 152.
فالقرآن يقابل مباشرة بين:
الشكر ↔ الكفر.
ومن أصرح الآيات في كفران النعمة:﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ إبراهيم: 28.
والتعبير ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ مهم؛ لأن المشكلة ليست غياب النعمة، بل تحويل طريقة التعامل معها.
فالنعمة موجودة، لكن الموقف منها فاسد.
وهذا قريب جداً من رؤيتنا للجهل: المشكلة ليست دائماً غياب الحقيقة، وإنما قد تكون في فساد علاقة الإنسان بالحقيقة الموجودة أمامه.
▪️آية شديدة الأهمية لمشروع علم الجهل
يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ النحل: 78.
هذه الآية في غاية الأهمية؛ لأنها تبدأ بـ:
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾
ثم تذكر أدوات المعرفة: السمع + الأبصار + الأفئدة
ثم تجعل الغاية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
إذن لدينا مسار قرآني واضح:
عدم العلم ثم أدوات المعرفة ثم المعرفة ثم الشكر.
وهذا يعني أن الشكر ثمرة معرفية، وليس مجرد فضيلة سلوكية.
وبالمقابل يصبح الكفران نوعاً من تعطيل الثمرة التي ينبغي أن تنتجها المعرفة.
وهذه الآية تستحق أن تكون الشاهد المركزي في بحث الكفران ضمن علم الجهل.
وهناك آية أخرى لا ينبغي الاغفال عنها في بيان حقيقة هذا الجندي ، وهي قوله تعالى : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾إبراهيم: 7.
واللافت معرفياً أن القرآن لم يضع في مقابل الشكر مجرد ترك الشكر، وإنما وضع الكفر. وهذا يفتح لنا باباً مهماً في فهم جندي الكفران.
فالشكر ليس مجرد قول: الحمد لله، وإنما هو إدراك النعمة، ومعرفة مصدرها، ثم التعامل معها على وفق هذه المعرفة. ومن هنا يكون الكفران خللاً في هذه السلسلة المعرفية: يرى الإنسان النعمة، لكنه يحجب نسبتها إلى المنعِم، أو يعرف المنعِم ولكنه لا يتعامل مع النعمة بما تقتضيه معرفته.
ولهذا فإن أصل مادة الكفر تدور حول الستر والتغطية؛ وكأن كفران النعمة هو ستر الحقيقة الكامنة وراء النعمة.
وهنا تظهر مناسبة عميقة جداً لمشروع منظومة الجهل:
الشكر جندي العقل؛ لأن العقل يكشف علاقة النعمة بالمنعِم.
والكفران جندي الجهل؛ لأنه يحجب هذه العلاقة أو يعطل أثرها في السلوك.
بل إن الآية تكشف عن نتيجتين متعاكستين:
الشكر ينتج الزيادة والنماء
الكفران ينتج التهديد بالعذاب
وهذا يعني أن الشكر والكفران ليسا مجرد حالتين أخلاقيتين، وإنما هما مساران وجوديان: أحدهما يحفظ النعمة ويفتحها على الزيادة، والآخر يقطع الإنسان عن بركتها ويحوّل النعمة نفسها إلى موضع مؤاخذة.
▪️الكفران ليس هو الكفر
وهنا ينبغي التفريق بين الجنديين؛ لأن رواية الكافي ذكرت الاثنين بصورة مستقلة: الإيمان وضده الكفر
ثم: الشكر وضده الكفران.
إذن لا يجوز دمجهما.
الكفر يتعلق أساساً بموقف الإنسان من الإيمان والحقيقة الإلهية.
أما الكفران فيتعلق بموقفه من النعمة والإحسان والفضل.
وقد يكون الإنسان مؤمناً من الناحية العقدية، ولكنه يمارس الكفران في بعض جوانب حياته؛ فلا يرى النعم، أو ينسبها كلها إلى ذاته، أو يستخدمها في غير ما ينبغي.
ومن هنا كان الكفران جندياً مستقلاً.
▪️الكفران وتحريف نسبة النعمة
يقدم القرآن نموذجاً بالغ الدلالة في قول قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ القصص: 78.
هذه العبارة تكشف آلية عميقة من آليات الكفران.
قارون لم ينكر وجود الثروة، بل أخطأ في تفسير مصدرها واستحقاقها: ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.
وهنا يتحول العلم نفسه إلى أداة لبناء وهم الاستقلال.
فتصبح المعادلة هكذا :
أنا أعلم ، إذن أنا الذي صنعت نجاحي ، إذن النعمة حقي الذاتي ، فلا أرى فضل المنعم.
وهذا يمكن أن نسميه: الكفران المعرفي للنعمة.
فالخلل لم يقع في رؤية النعمة، بل في تفسيرها ونسبتها.
رابعاً : علاقة الكفران ببقية جنود الجهل
يرتبط الكفران بعدد كبير من الجنود:
الغفلة تمنع رؤية النعمة أصلاً.
الكبر يجعل الإنسان ينسب الفضل إلى نفسه.
حب الدنيا يحول النعمة من وسيلة إلى غاية.
الحرص والطمع يجعلان الإنسان يرى ما ينقصه ولا يرى ما عنده.
الحسد يجعله ينشغل بنعمة غيره عن نعمته.
الجحود ينكر الحقيقة بعد ظهورها.
ثم قد يقود الكفران إلى الطغيان؛ لأن الإنسان إذا نسي مصدر النعمة توهم الاستقلال.
وهنا تظهر سلسلة معرفية خطيرة:
النعمة ثم الغفلة عن مصدرها ثم نسبتها إلى الذات ثم الكفران ثم الاستغناء الوهمي ثم الكبر والطغيان.
ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ العلق: 6-7.
فالمشكلة في ﴿رَّآهُ﴾: أي في الطريقة التي يرى بها نفسه.
وهنا يعود السلوك المنحرف مرة أخرى إلى خلل في الرؤية.
خامساً : النتيجة المعرفية
يمكن أن نصوغ النتيجة المعرفية لهذا الجندي هكذا:
الكفران في منظومة الجهل هو اختلال وعي الإنسان بالنعمة؛ إما بعدم رؤيتها، أو بعدم نسبتها إلى مصدرها الحقيقي، أو بعدم إدراك الغاية منها، أو باستخدامها على خلاف مقتضاها. ومن هنا كان الكفران ضد الشكر؛ لأن الشكر معرفةٌ بالنعمة والمنعم تتحول إلى موقف وعمل، بينما الكفران يحجب هذه المعرفة أو يعطل أثرها.
وتبرز هنا نتيجة جميلة جداً لمشروع علم الجهل وهي :
ليس الجهل دائماً أن لا تعرف ما لديك؛ فقد يكون الجهل أن تعرف ما لديك، ولكن لا تعرف مَن أعطاك إياه، ولماذا أعطاك، وكيف ينبغي أن تستعمله.
ولهذا يمكن اعتبار الكفران جهلاً بنِسَب الأشياء وعلاقاتها؛ فالنعمة معلومة، لكن علاقتها بالمنعم والغاية والمسؤولية قد حُجبت.
▪️الكفران العملي
وبناء على ما تقدم يمكن توسيع مفهوم الكُفران في مشروع «منظومة الجهل» من كونه موقفاً نفسياً من النعمة إلى كونه منظومة استعمال منحرف للنعمة.
فالنعمة لا يُشكر عليها بالكلمة فقط، وإنما يتحقق شكرها الحقيقي بأن تُستعمل في الغاية التي أرادها المنعِم. ومن هنا يمكن بناء المعادلة:
الشكر العملي = استعمال النعمة في مراد الله.
الكفران العملي = استعمال النعمة في خلاف مراد الله.
وعليه فيمكن النظر إلى كل معصية من زاوية معينة بوصفها كفراناً للنعمة؛ لأن المعصية لا تقع في الفراغ، وإنما تقع بواسطة نعمة إلهية منحها الله للإنسان:
* العين نعمة، والنظر المحرّم كفران عملي بها.
* الأذن نعمة، والاستماع إلى الحرام كفران عملي بها.
* اللسان نعمة، والكذب والغيبة والنميمة كفران عملي به.
* اليد نعمة، والبطش والسرقة والاعتداء كفران عملي بها.
* الرجل نعمة، والمشي إلى الحرام كفران عملي بها.
* العقل نعمة، وتسخيره للمكر والتضليل وتبرير الباطل من أشد صور كفرانها.
* بل العمر نفسه نعمة، وإنفاقه فيما يبعد الإنسان عن الله صورة أوسع من الكفران العملي.
وهنا تظهر خطورة هذا الجندي؛ لأن الكفران ليس معصية واحدة إلى جانب بقية المعاصي، بل قد يكون وصفاً باطنياً جامعاً لكثير منها. فالزاني والعاصي والكاذب والظالم لا يخالف أمراً إلهياً فحسب، وإنما يأخذ النعمة التي أعطاها الله إياه ثم يجعلها أداة لمخالفة الله.
وهذه مفارقة معرفية عميقة: وهي أن يستعين الإنسان بنعمة المنعِم على معصية المنعِم !
ومن هنا نفهم بصورة أعمق قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13].
فالقرآن لم يحصر الشكر في القول، وإنما جعله عملاً . وإذا كان الشكر عملاً ، فإن مقابله ـ الكفران ـ يمكن أن يتجسد هو الآخر عملاً وسلوكاً.
بل يمكن أن نذهب خطوة أبعد في «علم الجهل»: فإن الجاهل لا يجهل النعمة بالضرورة؛ فقد يعرف أن بصره وسمعه وعقله وصحته نِعَم، ولكنه يجهل موقع النعمة في المنظومة الوجودية؛ فهي ليست ملكاً مطلقاً له يتصرف بها كيف يشاء، وإنما هي أمانة ووسيلة لتحقيق الغاية التي خُلق لها.
ولذلك يمكن التعبير عن نتيجة هذا الجندي هكذا:
الكُفران في منظومة الجهل هو اختلالٌ معرفي في علاقة الإنسان بالنعمة، يجعله يفصل النعمة عن المنعِم، ثم يتعامل معها بوصفها ملكاً مستقلاً، فيستعملها في غير الغاية التي وهبها الله من أجلها؛ ومن هنا تصبح المعصية كفراناً عملياً ، لأنها توظيف لنعمة الله في مخالفة إرادة الله.
وهذا بالفعل يجعل الكفران من أخطر جنود الجهل؛ لأنه قد يتسلل إلى جميع الجوارح، بل إلى العقل والقلب والعمر والمال والعلم والجاه، فيتحول من فعل جزئي إلى منظومة انقلاب في وظيفة النِّعَم.
محمود نعمة الجياشي
يتبع ... الجندي الثامن