اساتذة الجامعات الفلسطينية

اساتذة الجامعات الفلسطينية

Share

اساتذة الجامعات الفلسطينية
تم انشاء هذه الصفحة لزيادة

09/04/2026

حين يجفّ الجمال: أزمة المعلم في زمن القسوة والسطحية

في سياقاتٍ تربويةٍ متعددة، قد يواجه المعلّم تحدياتٍ تتجاوز حدود المنهج الدراسي وأدوات الشرح التقليدية، لتلامس أعماق النفس الإنسانية لكلٍّ من المعلّم والمتعلّم على حدٍّ سواء. فقد يدخل المعلّم إلى قاعة الدرس ممتلئًا بالرغبة في العطاء، متسلّحًا بالمعرفة والخبرة، غير أنّه يصطدم أحيانًا ببيئةٍ تعليميةٍ تفتقر إلى الحدّ الأدنى من التهيئة النفسية والذوقية التي تُعين على تلقّي العلم.
ومع تكرار محاولات الشرح في ظلّ ضجيجٍ واستهتارٍ وغيابٍ للانتباه، قد يتسلّل إلى نفس المعلّم شعورٌ بالإحباط، ليس لأنه يفتقر إلى الكفاءة أو الضمير، بل لأنه لا يجد في المتلقّين استعدادًا حقيقيًا للتعلّم. وعند هذه النقطة، يتحوّل التعليم من رسالةٍ حيّة إلى فعلٍ شكلي، وقد ينكفئ المعلّم على ذاته، مكتفيًا بالحضور الجسدي دون الانخراط الحقيقي في العملية التعليمية.
غير أنّ هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في تقصير الطلبة وحدهم، بل هي نتيجة تراكميّة لعدة عوامل، من أبرزها ما يمكن تسميته بـ"جفاف الذائقة الجمالية". فالمتعلّم الذي لا يتعرّض لمصادر الجمال في حياته اليومية—سواء في الفن، أو الطبيعة، أو العلاقات الإنسانية، أو حتى في تفاصيل العيش البسيطة—يفتقر تدريجيًا إلى الحسّ الذي يجعله قادرًا على تقدير المعرفة، والتفاعل معها بعمق.
إنّ البيئات المعاصرة، بما تحمله من ضجيجٍ سمعيّ وبصريّ، وثقافة استهلاكية سريعة، وعلاقاتٍ سطحية، وأساليب عيشٍ خالية من الروح، تُسهم في تكوين شخصيةٍ قلقة، متعجّلة، لا تحتمل التأمّل ولا تصبر على التعلّم. فحين يغيب الجمال عن الأغنية، وعن المكان، وعن الطعام، وعن العلاقات، بل وحتى عن الخطاب الديني والثقافي، ينشأ جيلٌ يعاني من قسوةٍ داخلية، تجعله أقلّ قدرةً على التذوّق، وأبعد عن التعاطف، وأقرب إلى النفعية والسطحية.
ومن هنا، فإنّ إصلاح العملية التعليمية لا يقتصر على تطوير المناهج أو تدريب المعلّمين، بل يتطلّب إعادة الاعتبار لمفهوم الجمال في حياة الإنسان. فالجمال ليس ترفًا، بل هو ضرورةٌ تربوية، يُعيد التوازن إلى النفس، ويُنمّي الحسّ الإنساني، ويُهيّئ العقل لتلقّي المعرفة بروحٍ حيّة.
إنّ المعلّم، في نهاية المطاف، ليس ناقلًا للمعلومة فحسب، بل هو رسولُ معنى، يحتاج إلى بيئةٍ تُقدّر هذا المعنى، وتستجيب له. فإذا افتُقدت هذه البيئة، أصبح التعليم مجرّد أداءٍ خالٍ من الروح، وانطفأت تلك الشعلة التي كان من شأنها أن تُنير العقول والقلوب معًا.

تتجلّى في هذه الصورة—المستوحاة من فيلم شحّاذون ونبلاء—حكاية الأستاذ جوهر، الذي لم يترك مهنته عجزًا، بل انصرافًا عن عالمٍ أثقلته القسوة حتى غلب فيه القبح على الجمال. يجلس في سكونٍ كثيف على هامش المشهد، متكئًا على عصاه كما يتكئ الفكر المُرهَق على بقايا يقين، وقد انسحب من صخب الحياة لا اختيارًا خالصًا، بل اضطرارًا فرضه تكرار محاولاتٍ لم تجد آذانًا تُصغي. عيناه تحملان ذلك البريق الخافت الذي يتأرجح بين إدراكٍ عميقٍ وخيبةٍ صامتة، وعلى شفتيه ابتسامةٌ واهنة، ليست ابتسامة رضا، بل سخرية العارف الذي أدرك عبث المشهد، فاختار أن يراقبه من بعيد. حوله جدرانٌ عتيقة صمّاء، كأنها تختزن ثقل الحكايات، وأمامه طاولةٌ صغيرة لا يزيّنها سوى كوبٍ يتيم، رمزًا لعلاقةٍ انقطعت بين العطاء والتلقّي، وبين الرسالة ومن يُفترض أن يحملها. إنّه لا يحتجّ ولا يغضب، بل يصمت صمتًا كثيفًا، بعد أن خبت داخله جذوة الحماسة، وتحوّل من فاعلٍ في صناعة الوعي إلى شاهدٍ على انطفائه. وهنا تتكامل الصورة مع المعنى الأعمق: فالمعلّم ليس ناقلًا للمعلومة فحسب، بل رسولُ معنى، فإذا افتقد البيئة التي تُقدّر هذا المعنى وتستجيب له، لم يبقَ له سوى أن يجلس—مثل هذا الرجل—متأمّلًا عالمًا لم يعد يشبه رسالته، وقد انطفأت فيه تلك الشعلة التي كان يُفترض أن تُنير العقول والقلوب معًا.

Want your school to be the top-listed School/college in East Jerusalem?

Click here to claim your Sponsored Listing.

Location

Website

Address


East Jerusalem