28/02/2026
تحدى العالم وابتلع كأساً من البكتيريا الحية... لكن ما أنقذ حياته، ذلك الدواء, الذي لا يجرؤ أي جراح على شق بطن مريض دونه
في عام 1962، جاءت امرأة إلى العيادة بمشكلتين لا علاقة لإحداهما بالأخرى. التهاب في اللثة، وعدوى في مكان آخر تماماً. أعطاها طبيبها دواءً اسمه المترونيدازول للعدوى الثانية، وبعد أيام لاحظ شيئاً لم يكن في حسبانه, التهاب اللثة اختفى تماماً. كتب ملاحظته في رسالة قصيرة نُشرت في لانسيت بلا ضجيج. لم يكن يعرف أنه فتح باباً سيغيّر الطب كله.
بعد عشرين عاماً، ظهر باري مارشال, طبيباً شاباً في أستراليا , يحمل فكرة رفضها العالم كله.
كان يؤمن أن قرحة المعدة ليست نتيجة التوتر ولا الأكل الحار كما علّم الطب لقرون. بل أن سببها بكتيريا, بكتيريا تعيش في بيئة حمضية لا يُفترض أن يعيش فيها شيء. كما لاحظ أن مرضاه الذين وصف لهم المترونيدازول مع البزموت شُفوا من قرح مزمنة كان الطب قد استسلم أمامها. لكن المجتمع الطبي لم يصدّقه. طلبوا دليلاً. ورفضوا كل دليل قدّمه.
في يوليو 1984، قرر مارشال أن يكون هو الدليل, أخذ طبقاً مليئاً بالبكتيريا المستزرعة، ذوّبها في محلول، ورفعها أمام زملائه وشربها, في اليوم الثالث لا شيء، وشعر بالخزلان, أما في اليوم الخامس بدأ الغثيان.
جاء اليوم الثامن, و بدأ يعاني مارشال, مما دفعه لإدخال منظاراً في معدته في اليوم العاشر و ....... أظهر ما أراد إثباته, التهاب حاد ومليارات البكتيريا اللولبية تملأ الغشاء المخاطي. أثبت ما أراد. ثم تناول المترونيدازول مع البزموت. وشُفي.
في عام 2005 نال جائزة نوبل في الطب.
قبل كل هذا، عاش الأطباء كابوساً صامتاً في غرف العمليات. ينجح الجراح في العملية بكل دقة، و يخرج المريض بخير. ثم تبدأ الحمى في اليوم الثالث. و بعدها الخراج. ثم الإنتان. حيث انتهزت البكتيريا اللاهوائية التي تسكن الأمعاء لحظة الجرح و .....تنتشر في الجوف، وقف الطب أمامها شبه عاجز.
هذه المعادلة, غيرها المترونيدازول ، وأصبح يُعطى قبل العملية كدرع وقائي. واليوم لا تُجرى عملية في البطن أو الحوض في أي مستشفى في العالم دون أن يكون جزءاً من البروتوكول.
لم يحدث كل هذا في يوم واحد, حدث لأن أطباء وصيادلة رفضوا أن تبقى الملاحظة مجرد صدفة، وقرروا أن يحولوها إلى سؤال، والسؤال إلى بحث، والبحث إلى يقين.
هذا هو البحث الإكلينيكي, ليس ترفاً أكاديمياً, بل الفارق بين دواء يُعطى لأن "هكذا اعتدنا"، ودواء يُعطى لأن العلم أثبت متى ينقذ ومتى يكفي