01/08/2026
**تصاعد حدة خطاب العنف و الكراهيه ضد العرب في أفريقيا جنوب الصحراء، بسبب الجرائم الإبادة الجماعية في السودان " دفن في الجنينة و تدمر معسكر زمزم بالفاشر**
تشهد منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، و إقليم الساحل وغرب أفريقيا، مرحلة متزايدة التعقيد نتيجة لما تشهده السودان الحرب و التداخل الأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع قضايا الهوية والمواطنة والهجرة والنفوذ الاقتصادي. وقد أدى ضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق، وانتشار النزاعات المسلحة، عدم الاستقرار وتراجع الثقة بين المجتمعات والسلطات، إلى خلق بيئة خصبة لانتشار السرديات المتطرفة وخطابات الكراهية التي تستند إلى الانتماء العرقي أو القومي بدلاً من معالجة جذور الأزمات السياسية والاقتصادية.
وتشمل هذه التحولات دولاً مثل النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى، إضافة إلى دول غرب أفريقيا مثل ساحل العاج وبنين، حيث أصبحت قضايا الهوية الوطنية، والنفوذ الاقتصادي، والهجرة العابرة للحدود جزءاً مركزياً من النقاشات السياسية والاجتماعية و المواقع التواصل الإجتماعي هذه الأيام.
التحولات الديموغرافية والنفوذ الاقتصادي
تضم منطقة الساحل مجموعات عربية منتشرة بين النيجر وتشاد ومالي، و السودان ارتبط وجودها بحركة التجارة والرعي والتواصل بين المجتمعات الصحراوية القبلية و الاثنية، وأصبحت جزءاً من التركيبة الاجتماعية الغير متجانسة لهذه الدول. كما توجد جاليات من أصول لبنانية و سورية وعربية أخرى في عدد من دول غرب أفريقيا، من بينها ساحل العاج وبنين وغانا والسنغال، حيث انخرط بعض أفرادها في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات والاستثمار في مجالات التعدين والنقل و تعيش في مناطق مقفول و يمنع دخول مواطنين الأفارقة.
وقد أدى بروز بعض الشخصيات الاقتصادية أو السياسية من أصول مهاجرة إلى نقاشات مجتمعية حول العلاقة بين رأس المال والنفوذ السياسي، ومدى تأثير شبكات المصالح الاقتصادية على التوازنات السيطرة علي جهاز الدولة وفي بعض الحالات، تتحول هذه النقاشات من مطالب مشروعة تتعلق بالشفافية والعدالة الاقتصادية إلى خطاب هوياتي يقوم على التعميم وتحميل جماعات كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو شبكات محددة، مما يشكل خطراً على الوجود العربي في أفريقيا جنوب الصحراء.
النيجر: الهوية والتمثيل السياسي والتحول العسكري
في النيجر، شكل انتخاب محمد بازوم عام 2021، باعتباره أول رئيس من أصول عربية في تاريخ البلاد، نقطة تحول سياسية و أثارت نقاشات واسعة داخل المجتمع الأفريقي، فقد رأت بعض التيارات السياسية والاجتماعية أن وصول شخصية من خلفية عربية إلى أعلى منصب في الدولة يمثل تحولاً غير مسبوق في تقاليد التمثيل السياسي في بلد تشكل فيه المكونات ذات الأصول الأفريقية الأغلبية العددية 98% .
كما ربط بعض المعارضين هذا التحول بادعاءات تتعلق بنزاهة العملية الانتخابية، حيث طعنت بعض القوى السياسية في النتائج، بينما أكدت المؤسسات الرسمية والجهات الانتخابية شرعية العملية وفق الأطر الدستورية المعتمدة. وبغض النظر عن الخلافات السياسية، فإن تحويل الجدل الانتخابي إلى قضية مرتبطة بالأصل العرقي أو الهوية يمثل مساراً خطيراً قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية.
وفي عام 2023، أدى الانقلاب العسكري في النيجر إلى مرحلة جديدة من الصراع السياسي، حيث حصل قادة الانقلاب على دعم شعبي من قطاعات اعتبرت التغيير العسكري استجابة للأزمات المتراكمة المرتبطة بالأمن، والفقر، وضعف الثقة بالنظام السياسي التي تفوز فيها 2% من السكان. ورأى مؤيدو الانقلاب أن هذا المسار يمثل فرصة لإعادة الدولة ومعالجة الاختلالات السياسية والأمنية.
في المقابل، اعتبرت منظمات إقليمية ودولية أن تغيير السلطة بالقوة العسكرية يمثل تحدياً للنظام الدستوري، وحذرت من أن استمرار الانقلابات قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.
غرب أفريقيا: ساحل العاج وبنين وتصاعد الخطاب العدائي
في دول غرب أفريقيا، ومنها ساحل العاج وبنين، تشهد النقاشات و ارتفاع حدة الخطاب الكراهيه المرتبط بالهجرة، والنفوذ الاقتصادي، والتمثيل السياسي لبعض المجموعات ذات الأصول عربية. وقد ساهمت الضغوط الاقتصادية، والتفاوت في توزيع الثروة، والمنافسة على الفرص الاقتصادية، إضافة إلى انتشار المعلومات المضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في زيادة مشاعر القلق لدى بعض شرائح المجتمع بان ما يحدث في السودان نتيجة لهذه الاختلالات، يجب منعها و عدم تكرارها بأي طريقة.
وفي بعض الحالات، يتم تفسير الحضور الاقتصادي لبعض الجاليات الأجنبية باعتباره نفوذاً سياسياً متنامياً، بينما يرى آخرون أن القضية الأساسية ترتبط بضعف السلطة و فساد منظومة الدولة، وغياب الشفافية، والحل، تنظيم الاقتصاد وضمان تكافؤ الفرص لجميع المواطنين.
الحرب في السودان وانتقال تداعياتها إلى الإقليم
أضافت الحرب في السودان بعداً جديداً إلى المشهد الأمني والإعلامي في المنطقة أفريقيا ساحل و الصحراء و غرب أفريقيا، مع الانتشار الواسع للصور ومقاطع الفيديو التي توثق مشاهد عنف وانتهاكات خطيرة ضد المدنيين في مناطق مختلفة في البلاد. وقد تداولت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي مواد مرتبطة بأحداث دامية في مناطق مثل الجنينة بإقليم، والهجمات التي طالت مخيمات النازحين، بما فيها معسكر زمزم بالقرب من الفاشر، إضافة إلى تقارير عن استهداف مرافق عامة ومنشآت صحية وسقوط ضحايا من المدنيين والعاملين في المجال الطبي، فضلاً عن موجات نزوح واسعة.
وقد جعل التقارب الجغرافي والتداخل الاجتماعي بين السودان ودول الساحل، مثل تشاد والنيجر ومالي، هذه الأحداث ذات تأثير مباشر على الرأي العام المحلي، حيث تنظر بعض المجتمعات إليها باعتبارها أزمة إقليمية تمس أمن المنطقة ومستقبلها.
كما أدى الانتشار السريع للمحتوى الرقمي إلى تعقيد المشهد، خاصة مع إعادة تداول مواد دون سياق كامل أو التحقق من مصادرها، إضافة إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج أو تعديل بعض المحتويات قد ساهم في تعزيز المخاوف المجتمعية وإعادة إنتاج سرديات تقوم على الاستقطاب العرقي والهوياتي.
المخاطر الاستراتيجية على الدولة السودانية
تمثل الحرب السودانية الحالية تحدياً استراتيجياً غير مسبوق للدولة السودانية، ليس فقط بسبب آثارها العسكرية والإنسانية المباشرة، وإنما أيضاً بسبب تداعياتها الإقليمية المرتبطة بحركة السكان، وتغيرات التركيبة الديموغرافية، وتزايد الضغوط على المناطق الحدودية.
ومن المخاطر التي تثير اهتمام دوائر التحليل الأمني احتمال حدوث موجات نزوح وهجرة واسعة نتيجة استمرار الاضطرابات في منطقة الساحل الغربي للبلاد، خاصة في ظل ضعف مؤسسات الدولة السودانية خلال الحرب وتراجع قدرتها على إدارة الحدود والملفات السكانية و ضبط سجل المدني وقد يؤدي أي تغير ديموغرافي غير منظم إلى ضغوط إضافية على الموارد، وتعقيد قضايا الهوية والمواطنة و الأرض وخلق تحديات أمنية جديدة إذا لم تتم إدارتها وفق إطار قانوني ومؤسسي واضح.
وتأتي هذه المخاوف في سياق حرب خلفت انتهاكات خطيرة بحق المدنيين، شملت تقارير عن عمليات قتل، وتهجير قسري، وتدمير للبنية التحتية والخدمات الأساسية، مما أدى إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في المنطقة.
ومن منظور الأمن القومي، فإن الخطر الأساسي لا يرتبط بأصل أو هوية أي مجموعة سكانية، وإنما بقدرة الدولة على ضبط الحدود، وتطبيق القانون، ومنع استغلال الفوضى من قبل الجماعات المسلحة أو شبكات الجريمة المنظمة أو الجهات التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار.
إن تصاعد خطاب الكراهية والهوياتية في السودان و الساحل وغرب أفريقيا، وتداعيات الحرب السودانية، يمثلان تحدياً أمنياً وسياسياً متشابكاً يتطلب معالجة شاملة تقوم على تعزيز دولة القانون، و بناء مؤسسات الدولة قوية، وضمان عدالة المواطنة، ومكافحة الفساد، وتنظيم حركة السكان و ضبط الحدود.
فالتنوع الاجتماعي والثقافي ليس مصدر تهديد بحد ذاته، وإنما الخطر يكمن في استغلال الأزمات السياسية والاقتصادية لإنتاج صراعات جديدة. ويظل مستقبل الاستقرار الإقليمي مرتبطاً بقدرة الدول على بناء مؤسسات قوية تحمي حقوق المواطنين وتمنع تحول الخلافات العرقية إلي برنامج السياسية أو الاقتصادية إلى مواجهات هوياتية طويلة الأمد.
د. اسماعيل احمد مصطفي
باحث متخصص في مجال الأمن السيبيري ومدير برنامج بجامعة Ulster University
Facebook: https://www.facebook.com/DrismeilahamedMustafa?
Linked-In:
Experience: Ulster University · Education: Coventry University · Location: Greater Coventry Area · 244 connections on LinkedIn. View Dr Ismeil Ahamed’s profile on LinkedIn, a professional community of 1 billion members.